أصداء الكتابة
شاهد من باطن الجحيم
عقيل عبد الحسين (ملف/47)

إشارة:
مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي “سلام ابراهيم” نصوصه بدم التجربة الذاتية ولهيبها. وفي اتفاق مع إشارة خطيرة للباحث الأناسي العراقي البارع د. علاء جواد كاظم الذي اعتبر روايات وقصص سلام إبراهيم من مصادر الدراسة الأنثروبولوجية الناجعة في العراق نرى أن نصوص سلام يمكن أن تكون مفاتيح لدراسة الشخصية الوطنية مثلما استُخدمت نصوص ياسانوري كاواباتا لدراسة الشخصية اليابانية ونجيب محفوظ لدراسة الشخصية المصرية مثلا. الفن السردي لسلام ابراهيم هو من عيون السرد العربي الذي يجب الاحتفاء به من خلال الدراسة الأكاديمية والنقدية العميقة. تحية للروائي المبدع سلام ابراهيم.

يقول تودوروف أن النص المغلق أكثر النصوص قابلية للانفتاح باعتباره يصبح علامة بذاته. وهذه العلامية كما يقول طراد الكبيسي لا تظهر أبعادها إلا إذا ربطت بعلامات مماثلة يظهر منها نص أكبر.
ومبدئيا سأفترض في حديثي عن كتاب (في باطن الجحيم) لسلام إبراهيم، أنه ينطوي على نص مغلق في جزء كبير من متن الكتاب ذلك الذي يمتح من ذكريات الراوي، ونص مفتوح ذلك الذي يشكل المتبقي من المتن ويتصل بالإطار السردي للكتاب أو بلحظة الحاضر المؤرخة بما بعد سقوط البعث في 2003 ومحاكمة صدام. وهذا النص المفتوح على صغر مساحته يمكن أن يكون النص الأكبر لما سيوفره من إطار تتفعل فيه الاستذكارات، وتكون ذات قيمة، ولما سيعطيه لها من معنى أو دلالة، ولصلته بالحياة، وأخيرا، بموقف الكتاب من الأحداث الجارية، ومستقبل العراق.
والكتاب يقدّم مجموعة من الأحداث التي عاشها الراوي وقاساها، وتمثل موقفا من الحكم البعثي للعراق، وما تسبب به من كوارث للوطن وللحياة والإنسان. وهو يسمي نفسه شهادة، ويدعو القارئ إلى تصديقها، وإلى عدم نسيان ما تتضمنه من حوادث تمثلت في تعرض الراوي ورفاقه المقاومين لسلطة البعث من قرى الشمال العراقي، إلى القصف الكيمياوي وإلى القصف العنيف فيما يعرف بالأنفال.

سلام إبراهيم وزوجته القاصة ناهدة جابر جاسم في معسكرات اللجوء الإيرانية ١٩٨٩

وفي مقابل ذلك يظهر الحكم على الوضع العراقي الراهن في صورة غير مباشرة من خلال تضمين مجرى السرد الرئيس، مجرى سرديا آخر.
والمجرى السردي الرئيس يحكي ما يعيشه الراوي الآن في منفاه من لحظة فرح بسقوط الدكتاتور العراقي، ووضعه في قفص الاتهام ومحاكته. أما المجرى الثانوي الذي ينصرف إليه الراوي فهو الحوادث التي يستذكرها وتتصل بمواجهة النظام القمعي وما سببته من خسائر للمقاومين وله، انتهت بالمنفى.
وإذا كان المجرى السردي الثاني أي الاستذكاري، تاما ومعروف النهايات، إذ يعرف القرّاء ما آل إليه حال سلام إبراهيم، فإن المجرى السردي الرئيس مفتوح النهايات لا يُعرف ما سيؤول إليه حاله. وإذا كان مجرى السرد الاستذكاري شخصيا، يتصل بشخصية بعينها هي سلام إبراهيم، فإن الثاني عام يتصل بالقرّاء. وهو،أي الراوي، يسميه شهادة، أي أنه يريد منها أن تنفع الجماعة.
وإذا كان المجرى السردي الاستذكاري وثوقيا ينتهي من التجربة إلى الحقيقة تلك التي يعبر عنها الراوي في أماكن معينة من كتابه بالقول مثلا إنه اليوم صار يؤمن بالإنسان أكثر، وإنه لم يعد يعتنق الأفكار أو يقدسها أو يصدق حملتها، فإن المجرى السردي الخارجي أقل وثوقية ولا يكاد يعرف الراوي فيه ما سيحدث بعد احتلال العرق وسقوط الدكتاتور، وكل ما يشعر به هو السعادة بهذا الحدث، وبأنه ملزم بأن يقدّم شهادته لمواطنيه وللتاريخ.

سلام إبراهيم في ثاني يوم الإصابة في قصف كيمياوي ٧-٥-١٩٨٧ خلف العمادية زيوة

ولكننا إذا تأملنا تلك الشهادة وما تنطوي عليه من أحداث وتركيز الراوي على نقطة التحوّل في الأحداث، فسنلمح موقفا من الحاضر واستشرافا للمستقبل متخفيا وراء الحكاية ولا يخلو من تحذير من سوء قادم سيكلف العراق خسارات إضافية ربما تفوق خساراته السابقة، فأحداث الشهادة أو الأحداث المستذكرة كلها تقريبا تبنى على لحظة الاستقرار المؤقتة التي تؤشر فيها نقطة التحوّل بصراحة، تخلفها مأساة بكل المقاييس، ووضع أكثر سوءا من السابق.
ولحظة الاستقرار يحرص الراوي على قرنها بالسعادة. وهو ما نجده على سبيل المثال في اللحظة التي سبقت قصف معسكرات المقاتلين الشيوعيين ضد النظام، وهو منهم، في حلبجة بالكيمياوي، فهذه اللحظة مسبوقة بإحساس الراوي بسعادة كبيرة مع حبيبته ناهدة حيث نجح في الفرار من العراق. وهو الآن بعيد عن النظام القمعي في جبال شمال العراق. وفيما هو يعيش لحظات السعادة سمع دوي قصف فظيع انتهى بإصابته بآثار السلاح الكيمياوي التي كادت تقتله.
إن كل التغيّرات الكبيرة في حياة الراوي كانت إلى الأسوأ. وكلها أيضا كانت مسبوقة بإحساس عاصف بالسعادة. الشيء الذي يحرص على ربطه باللحظة الحالية، أي لحظة محاكمة صدام، فهو يقول إنه هناك حين وجد نفسه مع حبيبته بعيدا عن السلطة القمعية شعر بسعادة لا توازيها إلا سعادته الآن وهو يشاهد الدكتاتور بلحيته في قفص المحاكمة. وهذه الإشارة ربما تجعل الكتاب يرشح وضعا قادما سيئا غير مصرح به، وقد يكون مستبعدا، ولكنه ممكن على الأقل سرديا، ما دام الكتاب يبنى على التوازي بين زمنين وحقبتين ومنطقين متشابهين للحكي، فسعادة وقتية تنتهي بمأساة في حكاية مكتملة تنبؤنا بطريقة ما بأن سعادة مثيلة وقتية يمكن أن تنتهي بمأساة أيضا. وما الشهادة في النهاية إلا إرصاد بتلك المأساة ومحاولة لتأجيلها.

الاثنين 8 حزيران 2015

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *