بولص آدم: المُنقرض

بما أنني تمنيتُ، أن يمتصني الجدار ويخفيني تماما وذلك غير ممكن، فقد وفر لي إمكانية التصاق به لكأنني منحوتُ منه عليه..
كُنت آخر إنسان في المدينة ربما.
أعرف مكاني والمساحة المفتوحة أمامي، شوك يحترق من الأفق الى الأفق، ينسل من بين الرعود الحارقة.

تيروصور.. يخفق بجناحين ثقيلين لكأنهما مطليان بالاسفلت، يتقدم بأتجاه سور نينوى القديم، وأي سور؟ لم يتبق منه سوى، جزء مفروش أنا عليه مثل طلاء.
كان بوسعي رؤية ظلّ الديناصور فوقي، سائل متساقط زخة محترقة إثر زخة، ظل المنقار الطويل، ظل العنق النحيف لكأنه خرطوم فيل، ظل الجناحين و ال.. إلتهمت غابة النيران أضخم ديناصور طائر رأيته في حياتي، لا لا! عيناه كزوج مناطيد ظلتا بيني وبين السماء تحدقان في، لاتُطيقان، تنتفخان وتنكمشان كحوصلتي ضفدع، و..
سقط جسم معدني كان التيروصور طائراَ معه، كامشاً إياه بمخالبه، لما هوى ولامس الحمم.. إنطفأت النيران فجأة، بعد ملامسة أدمة مُرَمّدة داخنة.
إنقطع صخب المدينة الذي كنت أسمعه كأصداء، كما يخرس قطار جمد في مكانه قبل أن يسقط في الهاوية، إثر أنهيار جسر في طريقه، ويُصفّر بعويل..

الجسم المعدني، ليس بقايا عربة أو سقف بيت أو صحن لاقط.
أسطواني الشكل تتكاثر على سطحه بمرور الثواني ثقوب فسفورية، لا يستقر في مكانه بل يتقدم بأتجاهي..
أدركت أنه ليس تابوتاً كما توهمت ومخالب التيروصور تكمشه، شئ آخر، يتحرك مقبلًا بلا عجلات، وفي ذلك السكون الذي يعقب آخر حرائق المدينة وأختفاء الصخب، ها أنذا أنتظر أن يصلني مُرتطماً بي، هي لحظاتي الأخيرة التي أعدّها ثانية بثانية، سأُقتَلُ بهذه الشظية الشبيهة ببرميل، بل، هو برميل فعلا، سَيَّرتهُ إطلاقات صامتة مكتومة، تحورات المعدن وفتحاته الناتجة عن الأصابات الدقيقة فيه، حرقاً وخرقاً لكأنها تُكتب على غلافه كلمة كلكمة، طلقة طلقة، سطراً سطرا، نص برميل الماء، يكتمل فقرة فقرة، وهاهو يرتفع بفعل الصلي الرشاش من جهة مجهولة وبسلاح غير مرئي، يتقدم ويتقدم، أكثر فأكثر، يسيل رقعة إثر رقعة، كزخات الدينا صور الطائر تسيل احتراقاً.

تخطيط للفنان المبدع الراحل لوثر إيشو

ينفصل عنه صنبوره ويسقط بيني وبين فوهة ضخمة موجهة صوب جبيني، كانت تدفع بحممها هذا البرميل الذي تلاشى الى الأبد.
لم أكن وحيداً اذا، لست الأنسان الأخير، فالقاتلُ يظهر حينها، حتى ولو كنت ملطوشاً على سور المدينة كظل لهوية منحوتة ..

أَخفضَ الفوهة عن وجهي المُلصق هُنا منذ الأزل، وأطلق آخر رصاصة في فوهة الصنبور واحترقت آخر قطرة ماء . كانت رصاصة الرحمة

شاهد أيضاً

مقداد مسعود: الأخضر بن يوسف

وَلِهٌ بهذا الليلِ . في النهارات : أنتَ منشغلٌ بالأرض تجتث ُ ما تكدّسَ في …

بعض ذكرياتي فترة الدخول المدرسي(2/2) بقلم: سعيد بوخليط

العمل في المقاهي كالجلوس المتعفف داخل فضائها،يقدم لصاحبه أطباق حكايات حياتية متعددة،تنطوي على ألغاز ثرية …

الأيام الأولى في أوستن، 1998 / جيمس كيلمان
ترجمة صالح الرزوق

من أجل ماك على الطريق السريع للحياة ، سيكون هناك فرص تكسبها على الطريق السريع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *