محمد يونس: شفرة الاستاطيقا وفن التماثل في الشعر
ديوان على الطرقات ارقب المارة لحسين عبد اللطيف (ملف/27)

سيمياء بنية العتبة –
شكلت عتبة ديوان حسين عبداللطيف – على الطرقات ارقب المارة – شكل في بنية نصية تحيل الى معنى تام، من جهة المباشرة السيميائية، اي من جهة المعنى العام، نحن امام عنونة تحيل الى زمان ومكان مفترضين، لكن هما متحققان داخل كيان جملة العنونة الفعلية, فهي احتملت هنا ثلاث ابعاد، الاول منهما هناك وحدة زمانية غير ثابتة الزمن لعدم تحقق تعينها بشكل حقيقي،وهناك ايضا في البعد الثاني تصور مكاني تعكسه مفردة – ارقب – فهي تدل على فعل بصري، لكن مفردة المارة في البعد الثالث، لا تتيح لنا معرفة منهم المارة، ولان الشعر ليس كما السرد الذي يحتاج الى فعل متوافق معه زمنيا، فخرج الشعر بالعتبة من ذلك المستوى، الى جعل الحالة البصرية ليست مشاهدة بصيغتها المادية، بل هي حالة شعور واحاسيس كيان شعري، وبالتالي سيكون قد رسم خياله الشعري تصورات ليست تليق الا بالشعر لاستلهامها، وهنا كانت العتبة بتلك التصورات تحتمل تأويلات شعرية عدة، وكل له مدلوله ازاء العتبة .
شفرة الاسستاطيقا –
إن النص الشعري في قصائد – على الطرقات ارقب المارة – مثل في اطار الاستاطيقا الشعرية شفرة جمالية قائمة تقريبا على الدال والمدلول، وجعل المعنى الخلاق سلطته القائمة على مستوى استاطيقي على الغالب ويشمل ذلك حتى متعة القراءة وما يتطور بعد ذلك , وكل ما في العملية هو انعكاس تقريبا للحس الشعري والاعتقاد الجمالي عند ذلك الاحساس الذي يتملك حسين عبد اللطيف لحظة التوهج, ويتميز شعره عن غيره هنا، في انعكاس مستوى جمالي بكيانات المادة الشعرية للقصائد, وتاريخه الشعري شاهد ودليل موضوعي في سيرورته على تلك الميزة , ومن الطبيعي أن تؤكد اللسانيات تميز اللغة الشعرية في الصوت والايقونية او العضوية , في قصائد – على الطرقات ارقب المارة -، واغلب القصائد تلوح بتوفقها الاستاطيقي، فقصيدة – الفرارة – هناك شكل استاطيقي تجاوز اهتمام بالمضمون الشعري .
وجه احمر
وجه اخضر
وجه اصفر
… اخضر
… اصفر
… احمر
اوجه
تفنر
تفتر
……….
……….
سقط المحور
ثمة شكل مفترض هو بصيغته المتطرفة ايجابا, قد شكل نمطا فنيا للبناء غير الملتزم بما عهد من اشكال, بل افترض لنفسه شكلا متطورا فنيا, وقد ميز الذاتي على العام في اطار الفن الشعري, وهو حالة اعتباريا متفوقة واغنت الاداء الشعري, حيث هناك مستوى للاستاطيقا التي تحتاجها القصيدة احيانا, بعد أن قد تكون قبل ذلك قد اشبعت المضمون الشعري دلالة .
تلك الميزة الاستاطيقية التي تشكل اهمية كبرى في اندماج مجموعة اسس مهمة في العملية الشعرية في قصائد حسين عبد اللطيف, وبالتالي تكون حالة توفيقية للعمل الفني بمجمله ، والأستاطيقا اهم اهم مافي القصيدة في كل احوالها ، ومن المؤكد أن الشاعر استطاع أن يوسع مساحة الزمن الشعري استاطيقيا في كيانات قصائده, فهي اضحت صورة معبرة لنمط شعري جديد ، فمرت الأستاطيقا بتحول مهم عبر ذلك التوسع من تنظيم لأدراكه للشاعر الحي بها، ففي قصيدة – غسق ازرق في بلاد الذاكرة – ذات العتبة المشيرة الى مفارقة لونية, في نهاية اخر مقطع ثمة اداء فني, لكن ليس بذاك العمق الذي تتطلبه الاستاطيقا .
وانا ..
حيث تضيء الشجرات
امنح الريح تضاريس الجسد
وعلى
خارطة
الله
اجيء
يناور حسين عبد اللطيف بكيان القصيدة ببناء يتقدم نجو قمة جمالية الصفة، والشكل الفني يطمح أن يعتلي تلك القمة، كي يلمس البعد الاستاطيقي في كيان القصيدة، والمناورة هي بعد مهم وحساس، وتحاج وعي شعري مقابل يتلقى اولا ببصيرة تلك الصيغة، ثم يمنحها طاقة لتبلغ تلك القمة المفترضة للاستاطيقا .
التماثل والوحدة الزمنية للشعر-
إن بعد التماثل او الاعادة او التكرار، وهو بعد بحساسية عالية ونظام اشتغال صعب تقنيا, وهو بعد يمنح اللغة طاقة مختلفة, وطبعا التماثل هنا هو لا يختلف في صفاته المادية ولكن نسبيا يختلف في البعد الايقوني المتمثل في اللغة الشعرية، وهذا التماثل الذي يعاد واحدا بعد اخر، وعلى الاخص تكراره بمرات متعددة، يثير سؤال القارى، وهذا مهم، ودليل على جدواه، حيث أن كان قد خلا من التكرار أي جملة شعرية لا قيمة له، مثلما هو يتكرر مرات، حيث ما دام يرتبط بالمعنى الشعري، والذي سيكون متعددا, وهو سيكون ايضا متعدد الوحدة الزمنية، وذلك ما يجعل بعد الصورة الشعرية تكون عبارة عن نشاط خيال خلاق حيوي، وهنا سيكون استحداث معنى مستحدثا من ذلك المعنى العام، وهو ايضا يعني تجديده، وكل مرة اعادة هي سعي لتحديث المعنى، وطبيعي ما يلي التكرار هو اكثر قيمة وتشويقا ايضا، حيث هناك ما قام به التماثل وتعدده فيه توالي دلالي، لابد بالتالي أن يثير تأويلا متعددا، بعد تطويره المنظومة الشعرية في كيان قصائد – على الطرقات ارقب المارة – ، ومن التفسيرات المتوافقة هو ما يمكن تسميته بالنشاط الاستاطيقي المرادف للتكرار، فقصيدة – حالة : او ايذان للرهين – تستهل هذه القصيدة جملتها الاولى بتكرار، وطبعا في الشعر بهذه الاحوال ققد لا يهم المضمون اكثر مما تهم الغاية الفنية .
وحدها الريح
وحدها الريح
وحدها الريح
ليس غير القطارات غير الشجر
قد تكون القراءة الاولى لهذا المقطع غير مكتملة القناعة, وايضا ليست بكاملة ومتكاملة لتبلغ تفسيرا مقبولا, لكن الشعر في حداثته خرج من الموضوعية العامة, الى موضوعية ذاتية, تهتم بقيمة فنية ببلاغة خاصة وليست عامة, وهي ليست كما الشعر الغامض المعتبر من حقه التفرد بطلاسمه, انما هي تجرب التماثل على اعتباره بعدا فنيا, ونهدف اغناء وحدة الزمن .
قد يدخل التماثل من باب البعد الفني في استحداثه شكلا فنيا خالصا, ومن ثم ليخرج الى ناصية فلسفة بناء حداثي, قد يحقق غايات جمالية عجز عنها الشكل التقليدي للشعر, وهذا ما تفوق به حسين عبد اللطيف في سعبينيات الشعر العراقي, والتي كان فيه هذ البعد القني بخصوصيته الفرنسية, بعيد نسبيا عن الواقع الشعري العربي, والقصائد التي مثلت ذلك البعد في ديوان – على الطرقات ارقب المارة – هي ناورت جماليا وفاوضت المضمون ايضا لتبغ غايتها الفنية, وفي قصيدة اخرى اكدت البعد الفني في التماثل والتكرار، فكانت القصيدة الاخيرة – المألوفون – ثمة اشتغال تماثلي مختلف, حيث اشتغل الشاعر على تماثل ادنى من الجملة او الافعال كان, بل اشغل على الادوات والحروف .
ما من شجره
ما من نار ورسوم
من اجل خواطرنا
ما من اسف او ذكرى
تغيير فن الاشتغال على التماثل يحسب لطاقة الشاعر حسين عبد اللطيف في الاداء والتوظيف, ومقدرة الشاعر هنا وفي ما عدى ذلك كانت طاقة وعي ومقدرة شعرية بارعة, وبرغم صعوبة المهمة وحساسيتها, برع الشاعر في تناغم بعده الفني مع البعد الجمالي, واستلهام الجمالي للبلاغة الفنية العالية .

شاهد أيضاً

صباح هرمز: مسرحيات يوسف العاني بين الرمز والموروث الشعبي
2- الخرابة (ملف/24)

كتب (الخرابة) بعد مسرحية المفتاح بثلاث سنوات عام 1970، وتتكون من ثلاثين شخصية تقريبا، ويقوم …

أرميكِ كبذرة وأهطل عليكِ
سعد جاسم وهج العشق وتنوّع المعشوقة
قراءة: رسمية محيبس زاير (ملف/9)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

علوان السلمان: اكتناز الومض الشعري في (قبلة بحجم العالم) للشاعر سعد جاسم (ملف/8)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *