شوكولاته نيتشه لصابر رشدي: الحياة بعين الطفولة
بقلم: د. ممدوح فرّاج النّابي

في واحدة من النصوص البديعة للناقد المغربي عبد الفتاح كيليطو، في كتابه “بحبر خفي” يقول: “يتمُّ في الغالب تفضيل قراءة نصّ روائي على مجموعة قصصيّة، لأنّ كلَّ وحدة من وحداتها تتطلب استعدادًا مُتجدّدًا وعناءً مستأنفًا للاندماج في بيئتها والانصهار في أجوائها”. في الحقيقة هذا فارق مُهمٌّ جدّا بين القصة القصيرة والرواية، ربما لم يلتفتْ إليه النقاد.
متوالية قصصية
الجميل أن هناك مِن كُتَّاب القِصَّة مَن يستعيد هذا الفن الجميل، ويمنحه قيمته وأصالته، وفي نفس الوقت تأتي كتاباتهم كتأكيد على ما طرحه كيليطو، دون ضجيج، أو طنطنة. فالقصّة عندهم – مع استقلاليتها – وحدة متكاملة لا تُرى إلّا في كليتها، وليس في جزئيتها، على نحو ما نرى في مجموعة القاص صابر رشدي “شكولاتة نيتشه”، الصّادرة مؤخّرًا عن سلسلة أصوات أدبيّة، الهيئة العامة لقصور الثقافة. تأتي المجموعة في 27 نصًّا بديعًا، لا يشبه بعضه بعضًا، وإن كانت تمتح من بيئة مكانيّة واحدة، بحضور المكان الشعبي، حيث الطقوسيّة والكرنفاليّة والحياة في بساطتها وصخبها، وأيضًا في إنسانيتها وقسوتها.
وكأنّها تتمثّل (أو تتماهى مع) لواقعها لا في شخصياته وحكاياتهم وهواجسهم فحسب، وإنما في حميميتهم ونزعتهم الإنسانيّة، أو التمثُّل لفكرة نيتشه في “السير على الطريق”، التي هي رديف للخطر أو القلق عند الوجوديين، وهو ما يشير إلى كدحهم وصراعهم مع العالم الذي ينتمون إليه.
كما تتمثّل أيضًا للغته وللحوارية المهيمنة؛ كتكريس للأُلفة والمشاركة كما هي عند باختين، وطرائق تفكيره الذي يعتمد على وعي مغاير ينحاز إلى التفكير البدائي. إضافة إلى أنها ترفد من مصدر واحد هو الذاكرة. وفوق هذا وذاك، ثمّة روح خفيّة تسري تربط القصص برباط يجعل منها نصًّا واحدًا، يقترب من حدود المتواليّة القصصيّة.
فالقصص على استقلاليتها الظاهرة؛ حيث لكلِّ قصة عنوان مستقل، وحدث مختلف، وإن كان يظل الراوي وما يستحضرهم من أصدقاء حاضرين، يتتبع أحوالهم عبر حكايات مختلفة، فتح لها قوس السرد مع قوس الحياة، هما الخيط الممتدّ بين جميع القصص، حيث تيمة روح الجماعة والنزعة الإنسانيّة تهيمن عليها، سواء بتعدّد شخصياتها الحاضرين في كثير من القصص، فلا توجد قصة بطلها شخص واحد، بل على العكس تمامًا، نلاحظ ازدياد الشخصيات، حتى لو لم تكن فاعلة، فقط بالحضور، على نحو الشخصيات الموجود في حفل الزار، أو في مشاهدة واقعة معركة محسن والي أو في مشهد العزاء والسينما. أو حتى في علاقات الأصدقاء معًا، فهم متواجدون في إطار جماعي، سواء في البيت للاستذكار وسماع حكايات الجارة كما في قصة “هناك شيء يحترق”، أو حتى للعب والمهاترات كما في قصتي “انتصارات، والنيل عند وكالة البلح” أو حتى في رحلة البحث عن المتعة سواء كانت المخدرات كما في قصة “مخدرات الطفولة”، أو النسوان كما في قصة “سيدة النهر”.
الرّوح الجماعية
اللافت أن استحضار الرُّوح الجماعيّة، يأتي مُلتبسًا بوعي تحتي مُتصلب ينشد لروح الخرافة التي تٌعارض (أو تتحدى) الحداثة، فالطب يكون عن طريق العلاج بالماعز، وطرد الأرواح الشريرة يكون بالزار، وغيرها كالإيمان بالأرواح والسعي إلى تحضيرها، أو الاعتقاد بتلبس الجن للزوجة ومعاشرتها وهو ما ينتهي نهاية مأساوية بالزوج كما في قصة “شكولاتة نيتشه”.
كما أن هذه الرُّوح الجماعيّة تنتصر لقيمها وأنساقها، فبطل قصة “النافذة” ينال العقاب لأنّه تخطّى أنساق المكان، وترك نفسه لأوهام خياله الجامح فتتبع من النافذة علاقة حميمة بين زوجين، اخترق بنظره ما هو محرّم، ومن ثمّ كان العقاب، أصيب في ذات المكان الذي حرّضه على اختراق نسق المكان، فظهر على هذه الحالة عندما رأه أصدقائه: “منفرجًا، ممسكًا بمقدمة جلبابه الفضفاض، مباعدًا له عن نصفه الأسفل … متألمًا مع كل خطوة”.
حكاية هذا العامل والعقاب السماوي أيضًا، تقف في مقابل الأنساق المضمرة التي لا تظهرها القصة، فجُرم التلصص الذي عوقب به العامل، صار مفخرة الآن، بعد أن انتهكت الخصوصية. هكذا الماضي يحيل إلى حاضر أسوأ ومن ثمّ كان الهروب منه إلى هذا الواقع، بمضاده، الراوي لم يذكر شيئًا عن الواقع المعاصر، لكن صيغة الماضي كشفت عن نقيضه (الحاضر). وهذه اللعبة، الهروب من الواقع المعاش إلى ماضٍ ولّى، تكشف عن ما هو أبعد من حكايات النوستالجيا إلى الأنساق المُضمرة، والمتخفيّة في هذه الحكايات!
هذه الرُّوح الجماعيّة تجعل من مجموع القصص بناءً متضافِرًا، يعكس رؤية الرُّوح الجماعيّة المترعة بفرح عارم بالحياة وملذاتها، وهو معنى يحمل دلالات تُفارق زمن القصص، إلى زمن الحكي تعود أوّل ما تعود إلى الراوي الذي يبدو فرحًا بما يسرد، وإن كان يخفي عكس ما يظهر “فما الفرح بالحياة إلا انفلات من قهرها بتبني نقيضها”.
فالتولُّع بوصف الحياة في كافة نواحيها؛ الفرح والحزن، اللّهو والمأساة، الشبق والعربدة، إلخ… لهو تعبير عن يوتوبيا تحقّق لساردها فرحًا لأنه عاشها، وحزنًا على افتقادها الآن وهو يروي، فيعمل على العيش في يوتوبيا الماضي باستدعائها هربًا من جحيم الواقع.
اختبار الذاكرة
المجموعة أشبه باختبار لهذه الذاكّرة، على التقاط تفاصيل حياتيّة مغايرة عن واقعنا الرّاهن، بما حلّ عليه من مُستجدات وتحوّلات في بنيته وأيضًا في أنساقه، لا أقول كتابة نوستالجيا، وإن كانت تقترب منها – بدرجة ما – بما أورده من عادات وألعاب وحكايات عن الطفولة والمراهقة، وغيرها. ولكن في ظل ميل القصص وحكاياتها لزمن ماضٍ، مفارق للحظة الكتابة وزمنها الآني بكل إيقاعه السّريع اللاهث، وتوتراته على المستوى الاجتماعيّ والسياسيّ المحليّ والعالميّ، أتساءل: هل لي أن أقرأ هذه القصص في حدود زمنها الفعلي، كأن أنقل نفسي لهذا الزمن وحكاياته، وبعد القراءة أتحسر على الزمن الجميل، أم أقرأها في زمن كتابتها وتلقيها؟ فكما يقول بارت إن: “وحدة النص لا تكمن في محطة انطلاقه ولكن في محطة وصوله”.
في الحقيقة ثمّة مفارقة قائمة بين زمن الحكي (القصص) وزمن القراءة؛ المفارقة

شاهد أيضاً

استجابة لدعوة القاص الاستاذ محمد خضير
تمرين قصصيّ: موسم تصيف البيوت
بلقيس خالد

يعرض أمام عينيها أنواع السجاد :هذه سجادة لا تليق إلاّ بأقدام الأميرات .. مصنوعة ٌ …

جبران خليل خليل لم يحب مي زيادة مثلما اعتقد الشرق!
مولود بن زادي
طيور مهاجرة حرة بريطانيا

أدب الرسائل جنس أدبي نثري قائم بين الأجناس الأدبية، له جمالياته وتقنياته الفنية. ومنه أدب …

نبيل عودة: شعر المقاومة بين المضمون السياسي والمضمون الأدبي

السؤال الذي أشغلني خلال العقود الأخيرة: هل شهرة أدب المقاومة كانت شهرة أدبية في مضمونها، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *