علي الجنابي: إنَّهُ خَليلي : نَبَاتُ الصّبَّار

إنَّهُ خَلِيلي , ذُو صَبرٍ عَتيدٍ وَمِن صَبرِهِ شُقَّ إسمُهُ فَنُودِيَ ( صَبرٌ و صُبَيرٌ وصَبَّار) ,
بَصُرتُ بهِ عن جُنبٍ في زقَاقٍ وهوَ عَنِ الأَبصَارِ مُتَوَار ! كأنَه عَابِرُ سَبيلٍ غَلَّفَتهُ النَائِبَاتُ فَتَوَارى لِوَاذَاً عَنِ الأنظَارِ!
حَفِيٌّ هُوَ, إليِهِ الفَرَائِسُ تُهرَعُ وبِهِ تَلوذُ فلا يَستَجيرُ بَل آنَسَ أن يُستَجَار. أبِيٌّ هُوَ ذُو بَأسٍ فَمَا رَضِيَ مَقطَناً إلّا فَيافِي صَمَّاءَ قِفَار.
سَيِّدُ الأشجَارِ هُوَ وهُوَ عِندي قُرَّةُ عَينِها و الأزهَارِ !
مَهلاً …
فَمَا بي من ضَلالَةٍ عَن تذَوق جمالٍ وتَدقيق , ولَستُ بفَقِيرٍ من تَفَوقِ كَمالٍ وتَحقيق , وَلا عَجَبَ مِن غَرامِي بِهِ وَالإيثَارِ ؟
أَفَمَا رَأيتَ صُمُودَهُ المُنسَكِب في السَّمُومِ وَعَمُودَهُ المُنتَصِب في اليَحمُومِ بإصرَار!
أَوَمَا رَأيتَ هَامَتَهُ لا تَجزَعُ لظَمَأٍ وَقَامَتَهُ لا تَفزَعُ لِلَمَأٍ ولا تَهزَعُ طَويَاً ولا إنكِسَار!
أَوَمَا رَأيتَ تَجَلُّدَهُ بِلا ماءٍ حَولاً فَحَولاً ثمَّ حَولاً فَلا يَغتَمُّ ولا يَنهَار !
أَوَمَا رَأيتَ جُفُونَهُ كيفَ إكتَفَت بِحَبَّاتِ غَيثٍ بِإنهِمَار! أَوَمَا رَأيتَ عُرُوقَهُ كيفَ إحتَفَت ترتَوِي وتَغتَسَلُ بلا طَمَعٍ وَإكتِنَازٍ وَإدِّخَار!
أَوَمَارَأيتَ هَيأتَهُ وَكَيفَ عَفَت , فَلا تَكَلّفَ ولا إستِجدَاءَ لإنبِهَار!
رَاسِخُ هُوَ في الأَرضِ ومُستَقِرٌّ بِإقتِدَار . نَاسِخٌ هُوَ ومُستَنكِرٌ مَا حَولهُ مِن إنغِمَارٍ فِي غُدُوٍّ وإنتِشَار . مُتَشَفِعٌ هُوَ بِجَلَدِهِ أَمَامَ رِيحٍ عَاصِفٍ بِلا إهتِرَاءٍ أو إدبَار . مُتَرَفِعٌ هُوَ وَسَلَمٌ عَن وَطِيسِ مَن حَولهُ مَابَينَ خُسرٍ مُهلِكٍ وعُسرِ في إنتِصَار , لَكَأنّي بهِ يَسخَرُ مِن بَأسِهمُ بِأشواكٍ ضَئيلَةٍ تَتَحَدَّى كُلَّ إستِنفَارٍ قِبَلَهُ بِازدِرَاءٍ وَإحتِقَار .
مُتَمَنِّعٌ عزيزٌ هُوَ ومِن نَسَبٍ تَسَامى عَن إستِغَاثَةٍ أو إستِنصَار.
وَلَقَد بَصُرتُهُ أنَا عَن جُنبٍ وَهُوَ عَن الأنظَارِ مُتَوَار , هَمَستُ فِي مَسمَعِهِ بِلَوعَةٍ وَإعتِذَار:
إيِهٍ , يَا سَيِّدَ الأزهَارِ عِندي وَالثِّمَار! ياأيُّها الصَيدَلِيّ في صَحرَاءَ خَلَت من غِذاءٍ وشفاءٍ وإزدِهار…
كَأنَّكَ قَصَدّتَني إلى بَغدادَ ضَيفَاً رَغمَ أهوَالٍ وأَخطَار؟ فَضَلَلتَ السَّبيلَ فَأصَابَكَ أهلُ المَدينَةِ بِشِرَاكٍ نَصَبُوها بِلا إضطِرَار, فَلا هُمُ إِستَقبَلوكَ بِوِدٍّ بعدَ تِرحَالٍ وَأسفَار , ولا هُمُ إِستَدبَروكَ بِنِدٍّ وَإِنكَار , وَإنَّمَا إِحتَكَرُوكَ لِمَيلٍ فيهمُ فِي جَمعٍ وَأحتِكَار.
مَالِ مُقلِ عُيونِكَ في جَوىً تَتَأفَفُ وتَبُوءُ بِأثقَالٍ وأَسرَار!
مَالِ عُقَلِ خُدُودِكَ في أسَىً تَتَعَفَفُ وتَنُوءُ عَن فَضفَضَةٍ وإِشهَار؟
يَا لِمَثلَبَةِ مدينَةٍ خَفَرَت جَبِينَكَ فَأضحَى حَالِكاً فَتَوَلَّى عَنهُ الإخضِرَار ! ويَا لِشَائِبَةٍ وَضِيعَةٍ كَفَرَت بَدَنَكَ فأمسَى سَالِكَاً لِجِراحَاتٍ وَتَجَلَّى بِأَضرَار!
هَلُمَّ مَعي , حَلَلتَ أهلاً وَنَزَلتَ سَهلاً وبِكَ أزهو سُمُواً بإِفتِخَار.
َتَبَّاً لِمَن تَقَلَّبَ مِن أهلِ مَدينَتي في سَوءَةٍ وَصَغَار .
سَتَجِدُني عَلى رِعَايَتِكَ -إن شَاءَ اللهُ – قَائِماً فِي عَشِيٍّ وإبكَار.

فَحَمَلتُهُ فَوَلَّيتُ بهِ شَطرَ مَسكَنِي , فَأتَيتُ بِهِ ذُريَّتي بِبَهجَةٍ وإستِبشَار.
غَرَسنَاهُ حَذوَ صنوِهِ في الشّمُوخِ والإعتِبَار , حَذوَ نَخلَةٍ هيَ تَوأَمي فِي رُّزْنَامَةِ الأيَّامِ والأَعمَار .
إنطَلَقَ خَليلي صَبّارُ يَتَشَافَى بِإحتِرامٍ مِنّا وإِكبَار , وَيَتَلافَى ندبَ وقَهرَ أَهلَ المَدينَةِ ومَا لَقِيَهُ مِن أستِهتَار , وَإن هي إلّا أيّاماً مَعدُوداتٍ حَتى وَهِبَني زَهرَةً آخَّاذاً لَونُها مُكتَحِلَةً بِخُيوطٍ من بَياضٍ ناصِعٍ , وَإخضِرارٍ واقعٍ وفَاقِعِ إصفِرار, كأنّي بهِ لَم يَصبِر وهوَ الصّبّارُ حَتى تَلتَئِمَ جراحَاتٌ ألَمَّتهُ وَأوزَار.
أَفَكُنتُ ضَالّاً حِينَما إنتَخَبتُهُ سَيِّدَاً لِلأشجَارِ كُلِّها وَالأزهَار؟
فَأَسِمِع بِهِ مِن حَدَسٍ لِي وَأبصِر بِهِ مِن إختِيَار.
وَأَنعِم بِهِ مِن صَاحِبِ هَمسٍ , وأَكرِم بِهِ مِن نَزِيلٍ :
ذاكَ هو خليلي الصَبَّار.
(ما رويتُهُ آنِفَاً كانَ قَصَصاً مِن الأَقدَارِ ومَا كَانَ حَصَصاً مِن الأفكَار).
بغداد – علي الجنابي
*****************
نَبَاتُ الصَبَّار يدعونه:صَيدَلِيّ الصَحرَاء لِكَثرَةِ فوائدِه.
(لَمَأَ: يَلمَأُ ، لَمَأً,ولَمَأ الشيء:أخذه كله) , (حَصَصاً:حَصَّ,يحص،حصصا, حص الشعر:تساقط).

شاهد أيضاً

الحرية ثمنها كبير
خلود الحسناوي- بغداد

حررني من قيدك َ.. فأنا عصفور طال حبسه بين يديك .. لم أعرف منك حبا …

أبعد من كورونا: ماذا عن الموت الشفاف؟
بقلم: سعيد بوخليط

”مجاورة الموت، وسيف ديمقليس المسلط فوق رؤوسنا، يجعلنا نعيش حياة أخرى،ثمينة للغاية، وأكثر حساسية” جوليا …

غانم عزيز العقيدي: بعض الرجال لا يبكون (1)

الإهداء الى كل احبابي عائلتي الكريمة أهلي الأعزاء أقربائي أصدقائي مع تمنياتي بالصحة والسلامة وفقنا …

4 تعليقات

  1. صالح البياتي

    النص الذي كتبه الأستاذ علي الجنابي، عن نبات الصبار، استمتعت بقراءته، فهو لون ادبي جميل، معروفاً قديما، بالمقامات،
    لا اعرف هل لا يزال يحمل الأسم نفسه، ابدعت استاذ في ذكر صفات هذه النبتة الصحراوية، ومنافعها للإنسان،
    مودة وسلام

  2. اسبرت غورها يا عليُّ زهرة الصبار هذه ورشِفتَ منها من الكلام أَطربهُ وسطرتها بلحن المقام … كانك حفي بها ان تقول عمتكم الصبار اكرموها … صدق الرسول الاعظم (صلعم)
    صديقي علي واخي ابدعت ايما ابداع كما عهدناك

  3. علي الجنابي

    صالح البياتي
    تقديري شيخنا الفاضل لطَيِّبِ الاطراء من مثلكم , فذاك شهادة لي واني ( أديب ) لبون ولد منذ شهرين و لم يفطم بعد وهذي هي حبواته الاولى في فناء هذه الدار: دار ( الناقد العراقي وعَلَمِها اخي واستاذي د. حسين سرمك ) .فأكرم بها من دار وأهلها كلهم اجمعين ذوي الانامل التي تتخطى صهيل المألوف وتتمطى على سرج مفرداتها تمطيا .
    وما حبوتُ من قبل هذا في فناء غيره.
    اكرر اعتزازي بك وبما تنثره علينا من تسنيم حرف , استاذنا الكريم

  4. علي الجنابي

    اسامه صادق
    جزاك الله على تنبيهك لي يا رفيق العمر ولولاك لما تنبهت .اما ثناؤك على كلماتي فلا وصف له الا انه : (ثناء أخوي )
    دمت لي اخا ودودا (ايها العميد المهندس) ابا مصطفى .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *