شكيب كاظم: رزاق إبراهيم حسن أديب يمتلك مزية النثر وقابلية الشعر (ملف/6)

في تاريخ أدبنا العربي ثمة الشعراء النقاد, أي الذين امتلكوا مزية النقد إلى جانب الشاعرية, وقد قدم الدكتور عبد الجبار المطلبي – رحمه الله – دراسة قيمة عن (الشعراء.. نقاداً. دراسات في الأدب الإسلامي والأموي), نشرت طبعتها الأولى سنة 1986 في ضمن مشروع سلسلة كتب شهرية, التي تصدرها دار آفاق عربية يوم كان يتولى رئاسة مجلس إدارتها الباحث الناقد الروائي الدكتور محسن جاسم الموسوي, وللموسوي مشاريع رائعة منها مشروعه عن الاستشراق, إذ استحدث هذا المشروع الاستشراقي البكر في الثقافة العربية الإسلامية, ومشروعه الرائع الرائد المعنون بـ (سلسة كتب الثقافة المقارنة) صدرت منها خمسة أعداد قبل ان يطاح بهذا المشروع الرائع بسبب فرض الحصار على العراق لاحتلال الكويت في يوم الخميس الثاني من آب/1990 وليغادر الموسوي العراق فيما بعد, وعَدَّ الدكتور المطلبي من هؤلاء الشعراء النقاد: حسان بن ثابت, والحطيئة, وجريراً, والفرزدق, والأخطل, ثم أن هناك الشعراء الكتاب ولقد درس هذه الظاهرة الأستاذ حسين صبيح العلاق – رحمه الله – ونال عن دراسته هذه درجة الماجستير سنة 1974, وأصدرها بكتاب تولت نشره مؤسسة الأعلمي ببيروت ودار التربية ببغداد بطبعته الأولى سنة 1975, عنوانه (الشعراء والكتاب في العراق في القرن الثالث الهجري) وعد منهم: إبراهيم بن العباس الصولي الكاتب, وعلي بن يحيى المنجّم, ومحمد بن عبد الملك الزيات, وغيرهم فضلاً عن الشعراء الفرسان, وحادي ركب هؤلاء المتنبي العظيم, وأبو فراس الحمداني , أبن عم سيف الدولة الحمداني والذي وقع في أسر الروم, لدى دفاعه في الربط والثغور عن عاصمة الحمدانيين, حلب الشهباء, ولدينا كذلك الشعراء النثار أي الذين وهبهم الله موهبة النثر إلى جانب سليقة الشعر, ورأس دوحة هؤلاء جواهرينا الكبير, فمن يقرأ مقالاته الافتتاحية في جريدته الخالدة (الرأي العام) فضلاً عن مذكراته, يجد مصداق قولي, فضلاً على الناثر الأنيق نزار القباني بلغته الموسيقية, والباحث الرصين الشاعر محمد حسين آل ياسين, والشاعر أحمد عبد الحسين كذلك شاعرنا رزاق إبراهيم حسن, وإذا كانت الكتابة فضيحة الشاعر وان القراءة فضيحة الكاتب, أي ان الكثير من الشعراء لا يحسنون الكتابة فللنظم مقوماته وللكتابة فنونها وهباتها, وان العديد من الكتاب لا يجيدون القراءة لقلة بضاعتهم من النحو العربي, فأن شاعرنا رزاق إبراهيم حسن قد أمتلك الخصيصتين والمزيتين, مزية النثر إلى جانب قابلية الشعر, لا بل أني أرى شعره يبز نثره ويتفوق عليه, فهذا الرجل خلق شاعراً قبل اية صفة أخرى, لكن ها هي مشاغل الحياة تأخذه عن الباب الذي أختصه الله به وهو الشعر, فجعلته يدلي بدلائه في بئار ليست له, فكتب الكثير في الثقافة العمالية يوم كان يعمل في تلك المؤسسة النقابية, وسرقت جهوده ونسبها بعضهم لنفسه, مستغلاً حياء الرجل وخجالته وصمته, كما سرق الأميون المدعون الجاهلون, أشعار علم من أعلام شعرنا في العراق, الذي طواه الردى مخموراً مهموماً, في تلك الليلة الشاتية قارسة البرد, فجر الجمعة الثالث من شباط 1978, وأعني به الشاعر عبد الأمير الحصيري, ونسبوها لأنفسهم وبنوا مجدهم الزائف الزائل (ان سيبقى لهم شأن أو مجد) على أكتافه.
اربع مجاميع شعرية, هي حصيلة العمر الشعري لرزاق إبراهيم حسن اثنتان أصدرتا منذ سنوات بعيدات وفي سنة 2011 اردفها شاعرنا بمجموعتين أخريين الأولى وسمها بـ ( في مطلع كل صباح) أصدرها من ماله الخاص, والثانية أصدرت عن دار الشؤون الثقافية العامة ببغداد, وحملت عنواناً شاعرياً (أنا أحد غيري) عنوان يحمل التأويل والتعليل والتدليل, ذاهباً بنا إلى القرين المتلبس كل واحد فينا, وكل نفس لها سائق وقرين, وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد, كما جاء في القرآن الكريم.

كأنني فيك محمول على أحـــد غيري كأن يدي شدت إلـــــــى وتد
كأنني في حصار منك يبعدنـي عني ويـرفعني مــــن غيــــر مستند
يهوى بصوتي لقاع لا قرار له ويطفئ الضوء في عيني وفي خلدي
كأنني فيك محمول على قــــدر أسير فيه بلا وجـــــــه ولا رشـــــد
هذه القصيدة الجميلة تذكرني برائعة جواهرينا الكبير المعنونة (أرح ركابك).
أرح ركابك من أين ومن عثــــر كفاك جيلان محمولاً علـــى خطر
كفاك موحش درب رحت تقطعه كـــــأن مغبره ليــــــل بـــلا سحر
الكثير من الآباء يعانون جحود الأبناء وقد تناول الأدب السردي والشعري هذه الثيمة المأساوية وفي الذاكرة رواية (الأب) للأديب الفرنسي أميل زولا, وما درى هؤلاء ان الحياة ما هي إلا إغماضة عين وانتباهتها ليسموا في موقع الأب الذي جحدوا له فضله وليستمر دولاب الحياة الدوار.
يطالبني الأبناء ان أحسم الأمرا سريعاً وأن استعجل الموت والقبرا
يقولون ماذا تبتغي انت من غـد ونحن به أولى ونحن به أحــــــرى
وها نحن أصبحنا كبارا ولم يعد لديك من الآمال ما يوجب العــذرا
ولعل أروع قصائد مجموعته الشعرية الأولى الموسومة بـ ( في مطلع كل صباح) قصيدته الرائعة مناجياً فيها جواهرينا الشامخ الكبير:
ناديت صوتك فأستطال رحاباً وتقدم الأدهاش و الأعجــــابـــا
ومشيت في ليل المنافي حاملاً صبحاً تجيء له الشموس عجاباً
أبا فرات والجراح تقــــــادمت فينا وفاض بنا العذاب عذابـــــاً
في هذه المجموع الشعرية ( في مطلع كل صباح) التي أهداها الشاعر رزاق إبراهيم حسن, الذي أتمنى إليه وعليه التركيز على هذا الجانب الإبداعي, الذي هو جزء مهم وحيوي في حياته, ومغادرة – ما أمكن جوانب كتابية أخرى قد تأكل من جرفه الإبداعي, فهو خلق للشعر- كما أسلفت- أقول. في هذه المجموعة الشعرية التي أهداها إلى العراق هذا الوطن الرحيب الجميل, مؤملاً أن لا يطول غيابه وان لا يغلق الأبواب على نفسه مؤكداً كثرة هذه النفائس التي خسرها الشاعر وخسر أوقاتها ومباهجها وما زال متواصلاً معها, مستعيداً إياها بهيئة مدينة أو امرأة أو صديق حميم أو قصيدة أو نزهة في أفق مفتوح, ففي المجموعة الشعرية هذه مراث لأسماء غادرتنا: الشاعر جميل حيدر والأديب مكي زبيبة الذي قرأت كتابه ( يوم من أيام النجف) سنة 1991 فضلاً على السيد محمد حسن الطالقاني وقبل كل هؤلاء جواهرينا الكبير.
وأنه لجميل وأكثر من جميل ان يقدم لنا الشاعر رزاق إبراهيم حسن هذه الإضمامة الرائعة من شعر العمود الخليلي, وشعر التفعيلة في زمن العجيج والضجيج النثري لقليلي المواهب فلو كانوا موهوبين لقالوا شعراً ولأسمعونا شعراً!

شاهد أيضاً

من رسائل القرّاء والكتّاب الموجّهة إلى الروائي سلام ابراهيم (14) (ملف/62)

إشارة : تجربة رائعة يقوم بها الروائي المبدع “سلام ابراهيم” وهو يؤرشف رسائل قرّائه الكرام …

حيدر حسن جابر: البنية السردية في روايات سلام إبراهيم (رسالة دكتوراه) (14) (ملف/61)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

فاضل البياتي: سنواتُ السبعينات الحُلوة المُرٌّة والذكرى 21 لرحيلِ الشاعر الكبير عبد الوهاب البياتي (ملف/4)

هكذا قررتُ إذن… سأمضي في رحلةٍ ليس بوسعي أن أُحددَ مسافاتها ألآن، ولا أدري ماهي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *