صباح هرمز: رواية النبيذة. . . ولعبة كتابة الميتاسردية

رواية (النبيذة) لإنعام كججي واحدة من الروايات العراقية الجديرة بالتصدي لها في دراسات جادة ورصينة، بوصفها واحدة من الروايات القليلة التي تثير مجموعة من الأسئلة ببناء الشخصيات ولغة السرد وتبنيها لمنحى الميتا سردي ومظهر البوليفونية: (الرواية متعددة الأصوات)، وتتعرض لمختلف الأنماط السردية المعروفة في الرواية الحديثة. وذلك من خلال تناوب الشخصيات الثلاث:( تاج الملوك، ووديان، ومنصور البادي) بالتعبير عن آرائهم بمنآى عن ضغوطات المؤلف أو السارد الضمني. والمؤلفة بهذا التوجه تحررت من رواية الصوت الواحد (المونولوجي)، هذا الصوت الذي وظفته في روايتيها السابقتين: (طشاري) و (الحفيدة الأمريكية). فضلا عن عدم أتباعها طريقة السرد التقليدية التي تعتمد على سرد الأحداث بشكل متسلسل، وإنما بالتعويل على تقديم وتأخير هذه الأحداث، بصورة غير منتظمة. ولعل بداية الرواية من حيث تأتي على نهايتها دليل واضح على أتباعها لهذه الطريقة في سرد أحداثها.
أتبعت كججي وحدة النظام الترقيمية في تقسيم روايتها، موزعة إياها على ثلاث وأربعين رقما، بدلا من تقسيمها الى فصول وأجزاء، بعكس ما كان يجري التعامل سابقا مع الرواية في تجزئتها الى محطات، تقترن كل محطة بعنوان. كما أنها عمدت الى توظيف الجنسين الرئيسين للسرد فيها وهما السرد الموضوعي والسرد الذاتي، بتوزيعه على السارد ووديان بشكل متساوي تقريبا، لينال السارد الذي يتصدى لحياة تاج الملوك خمسة عشر سردا من السرد الموضوعي، وتاج الملوك سردا واحدا من السرد الثاني (السرد الذاتي). بينما نالت وديان سبعة عشر من كلا السردين أيضا، بنصيب سرد واحد من الأول وستة عشر من الثاني. أما منصور فقد نال تسعة، خمسة منها سرد ذاتي وأربعة موضوعي، وتناصف منصور مع وديان في سرد واحد، أي في أحدى الوحدات الترقيمية فقط.
قد يظن المتلقي، والرواية تبدأ بالسرد الموضوعي العليم الذي يستعين بضمير الغائب، وهو يتلو إستهلال الرواية من خلال السرد الخارجي لتاج الملوك، يظن بأن تاج الملوك جالسة في القطار قرب النافذة، يترآى لها ماضيها فتتذكره وتسترجعه لتعيش معه عبر هذه الخلوة، أو كما يقول السارد: ( يأتي ويرمي نفسه في المقعد المقابل). إن هذا الإستهلال ما هو إلآ إستهلال مراوغ بقصد الإيحاء الى أن سيرة حياة تاجي وهي تنتقل من بلد الى آخر أشبه برحلات القطار المتعبة الطويلة التي أدت بها الى حرمانها من حنان الشخص الوحيد الذي أحبته دون كل عشاقها. بينما هي في الحقيقة نزيلة أحد المستشفيات العسكرية في باريس، ذلك أن ما ترآى لها كان كابوسا أعادها الى ماضيها، لا بسبب وجودها في القطار، وإنما بسبب سؤالها الذي طرحته على الشرطي الواقف أمام الغرفة التي يرقد فيها الرئيس الأسبق للجزائر أحمد بن بلا وهو يحتضر الذي أنقذته في يوم ما من الموت، وأثارت هذا السؤال لأن الشرطي يحرس غرفة بعينها دون الغرف. وبمعنى آخر فإن الرواية تبدأ وتاج الملوك في المشفى وليس في القطار.
تتضح معالم قلق ترحال المتعبة على بطلة الرواية، وما لقيته من معاناة في علاقة الحب غير المثمرة مع منصور البادي بالتعويل على حبكة الرواية المتمثلة في جملة: (تتكيء على سياج الباخرة) التي تكررت لست مرات في الرواية، بإعتبارها عنصرا من عناصر التواتر، ذلك لأنها الحلقة الأخيرة التي تنإيهما عن بعضهما واللقاء الأخير الذي يفرق بينهما.
(أن مستوى التواتر، يرتبط بمستوى تكرار بعض الأحداث من المتن الحكائي من مستوى السرد، ويعده جيرار جينيت عنصرا من مقولة زمن القص، ويحدد التواتر حسب العلاقة بين ما تكرر حدوثه أو وقوعه من أحداث وأفعال على مستوى القصة من جهة وعلى مستوى الخطاب من جهة أخرى).1
توظف هذه الحبكة من قبل الشخصيات الثلاث بالإضافة الى السارد، وفي كل مرة بصيغة تختلف عن الأخرى، إذ ترد مرتين لكل واحد منهما على لسان السارد ومنصور البادي، ومرة واحدة على لسان وديان وتاج الملوك.
تأتي في المرة الأولى على لسان وديان من خلال ضمير المتكلم المخاطب (المونولوج الداخلي): (إنها تعتذر لك يا سيدي ولن تحضر للقائك. .). وقد جاءت لتلتقي بمنصور البادي وتبلغه هذه الرسالة. ولكنها تكذب عليه وتقول له : (أنها هربت منك ومن باريس وذهبت عند أبنتها). بينما هي في الحقيقة أبت لقائه لأنها خافت أن يراها وقد تقدمت بها السن، وهي تريد أن تبقى في عينيه كما كانت في الصورة التي أخذها لها على الباخرة وهي تتكيء على سياج الباخرة . . ومتذرعة تارة بألم في ظهرها وتارة أخرى بألعاب الغرام التي لا تناسب سنها. وفي المرة الثانية على لسان السارد، أثناء وداع منصور البادي لتاج الملوك في الميناء وهو لا يصدق أنها راحلة، وألتقط لها صورة وهي تتكيء على سياج الباخرة. وفي المرة الثالثة على لسان السارد أيضا، وهي المتممة لوداعها على رصيف الميناء، ذلك أن منصور يحمل معها حقيبتها: (إلتقط لها صورة وأبتسمت له بوهن. شعرت أن الكاميرا على عينيه لإخفاء إحتقان ما). وفي المرة الرابعة على لسان منصور وهو يهاتفها: (باحثا عن وجهها وراء الصوت، فلا يرى سوى صورتها منحنية على سياج الباخرة).
التواتر الأول والتواتر الرابع يلتقيان معا في نقطة واحدة، وهي أن كلا الشخصيتين يخشيان المواجهة، فإذا كانت تاج الملوك تأبى اللقاء بمنصور البادي لتقدمها في السن، فإن البادي هو الآخر، كان يعتريه الشعور نفسه، أثناء حديثه معها على الهاتف: (أضحك على الهاتف ببلاهة. أخجل أن أرى ساقي هزيلتين في سروال البيجاما. أقف وأشد قامتي لكي أقبض على الشاب الذي كنت.). وفي المرة الخامسة على لسان البادي أيضا، وهي متممة لسابقتها، يناجيها من خلال توقه الإستحواذ على كل ثانية من صوتها الذي يرن في أذنه. وفي المرة السادسة على لسان تاج الملوك، أثناء سردها لوديان تفاصيل لقائها الحميمي المتخيل مع البادي، وهي تتذكر تلويحتها له والباخرة تبتعد بها عن ميناء كراتشي.
مثلما يعد التواتر سمة من سمات السرد في هذه الرواية، من خلال تكرار حبكتها في جملة (تتكيء على سياج الباخرة)، كذلك فإن ورود عدة أفعال في سطور متعاقبة، تكسبها السمة ذاتها وعلى هذا النحو: كانت جالسة، ثم رأت، يأتي ويرمي، نظر، أنتشلها تقوم وتتجه، وتسحب، ستسمع، تحتك، وتطلق، تفتح، وتنزل وتجري، تقبضان وتقيدان، أرخت وسلمت، لم تستوعب. إن توظيف الأفعال بهذه الصيغة الهدف منه هو، تحرر الرواية من سلطة المؤلف والسارد الضمني، ليتمظهر الحدث، أو هكذا يبدو ناطقا بالتزاوج بين كلا الصوتين السارد والشخصية، لتلتبس على المتلقي في عدم التمييز بينهما، بين صوت السارد وصوت الشخصية.
ومثلهما، مثل جملة تتكيء على سياج الباخرة، والأفعال المتعاقبة التي جاءت في بداية الرواية، يظهر هذا التواتر في إنجذاب تاج الملوك للوصي (عبدالإله) لتكرار هذا الإنجذاب لسبع مرات، في كل مرة بصيغة تختلف عن الأخرى، ولكنها تعطي المعنى ذاته. وقد جاءت من الصفحة (22) الى الصفحة (122) على النحو التالي:
1- لا تتذكر هل حاولت أن تلفت أنتباهه أم أنه رآها وميزها بين الموجودين.
2- ثم في لحظة عجيبة عبر الأفق.
3- رفعت نظارتها السوداء لتتأكد مما ترى. وجدت عينيه قريبتين منها. نظرات تعرفها النساء ويستعذبن ملوحتها.
4- تتأمل بياض كفي الأمير ونسق أظفاره. أنامل النعمة. لم تتلوث بحبر مطبعة.
5- ضحكته ناعمة مثل جلد كفيه، حنجره ملفوف بخيوط البريسم.
6- تقف للوصي على الرصيف تنتظره كل صباح. تلوح له وهو في السيارة.
7- تجري من بيتها في محلة السور حيث ينتظرها. بالأحرى تنتظره، غير بعيدة عن بوابة الدفاع. الأمير لا ينتظر أحدا. لكن الفكرة تسعدها. توهم نفسها بأن السيارة، عندما تحاذيها، تبطيء في سيرها. تلوح للجالس في يمين المقعد الخلفي.
لا أتصور بمقدور أي رجل أن يعبر عن مشاعر المرأة وأحاسيسها بقدر ما تستطيع المرأة أن تعبر عنها، سواء عن نفسها أو عن غيرها من بنات جنسها. كما أن المرأة بغريزتها العاطفية الأقوى من عاطفة الرجل بأستطاعتها أن تقرأ مشاعر الرجل وأحاسيسه أفضل منه. وهذا ما تسعى إنعام كججي في هذه الرواية التأكيد عليه، وأفلحت في مسعاها، وهي تتصدى لسرد قصة حب ثلاث شخصيات بأسلوب شفاف ومرهف وشاعري، أبعدتهم الظروف غير الطبيعية التي مرت ببلدانهم عنها ليتنقلوا من بلد الى أخر على أمل العودة اليه. تاج الملوك بسبب خروجها في مظاهرة ضد معاهدة بورتسموث وهي قريبة من سلطة العرش الملكي ولاسيما من نوري السعيد والوصي عبدالإله. ووديان بتخلي خطيبها عنها لذهابها الى حفلات عدي الصاخبة بدون إذن منه، مع أنها ذهبت رغما عنها لإطاعة أوامر أبن الطاغية، ذلك لتمردها عليه في دعوته الأولى، بعدم الإستجابة لها، فينتقم منها وهي من العازفات المتميزات في العراق بفقدانها للسمع عن طريق صب الكحول في أذنيها. ومنصور البادي الإعلامي الكبير، ومستشار رئيس دولة فنزويلا هوغو شافيز كأي فلسطيني شرد من بلده المحتل، يجوب أصقاع العالم، باحثا عن عمل بفضل خبرته الإعلامبة الواسعة. والشخصيات الثلاث بإستثناء منصور البادي فلسطيني، والشخصيتان الأخريان تاج الملوك ووديان عراقيتان، وإن كانت الأولى من أصول فارسية، إلآ أنها عاشت في العراق، وتنتمي اليه أكثر من إيران.
وما يلفت النظر، أن هذا الأسلوب المبني على الشفافية والحس المرهف والشاعرية الذي يفضي الى الرومانسية، لا يتأسس على الغرائبية ولا على الفانتازيا أو أي أسلوب آخر من الأساليب الروائية الحديثة المعروفة في الرواية، بقدر ما يتأسس على الأحداث الواقعية الممكن وقوعها في حياة كل إنسان، أو التي تقع، وتصوير حركة شخصياته وأفعالهم وسلوكهم وتفكيرهم وتذوقهم بالطريقة الأعتيادية نفسها التي تجري في الحياة، دون تهويل ورتوش وكولاج، وذلك من خلال تطعيمها بالوثيقة التأريخية كخلفية لأحداث الرواية، مثل معاهدة بورتسموث وثورة الجزائر وتونس وفنزويلا، وإنفصال باكستان عن الهند، والعهد الملكي، وعهد صدام، جاعلا من بعض قادة هذه الدول أبطالا في الرواية، البعض منهم بطلا سلبيا كعدي مثلا والبعض الآخر إيجابيا كعبدالإله ونوري السعيد، بالرغم من أن هجرتها للعراق كانت لخشيتها من الثاني، بالإضافة الى توظيف التراث الشعبي المتمثل في الأغنية والأمثال الشعبية العراقية. يكاد هذا الأسلوب السهل الممتنع النابع بالتزاوج بين عفوية فعل الشخصيات، وبين أواصر العلاقات الصادقة التي تربط بعضها بالبعض، تاجي بالبادي. ووديان بتاجي وبالعكس، وهكذا هذه الشخصيات مع الشخصيات الثانوية الأخرى، يكاد هذا الأسلوب أن يعم المتن الحكائي للرواية.
وتتجلى هذه العفوية والصدق من بداية الرواية، وتتضح ملامحهما أكثر في وسطها، وتبلغان مرحلة النضج في نهايتها. في البداية من خلال فضول تاجي الاطلاع على هوية الراقد في الغرفة التي يحرسها الشرطي في المشفى، وعندما تعرف أنه بن بلا، تحاول أن تراه وتتحدث معه، لأنها أنقذته من الموت في يوم ما. وكلا النزعتين الفضولية والإخلاص لشخص غريب، يتسمان بقدر كبير من العفوية والصدق. العفوية في تصرفها بشكل طبيعي، أو كأي أنسان أعتيادي. وإخلاصها في إنقاذ بن بلا من الموت، تيمنا بالمناضلين الذين يضحون بأرواحهم قربانا للوطن.
كما يمكن ملاحظة هاتين النزعتين في علاقة الصداقة الغريبة التي تجمع بين تاج الملوك المسنة، ووديان الشابة، بالرغم من التناقض القائم بين شخصيتيهما، وعدم أتفاقهما مع بعضهما على الكثير من الأمور التي سنتناولها لاحقا.
في حديثها وديان عن طريق السرد الذاتي عن تاجي، وهي تصعد الدرج في طريقها الى شقتها من ص75 – 78، تنعتها مرة كما لو أنها تعبر عن خلجاتها لحبيبها وأعز مخلوق لديها، وقد سمعتها تترنم بأغنية: يا نبعة الريحان حني: (غناء تسلل إلي من وراء الباب، أنا التي ما عدت أصلح لألتقاط ما تشي به الجدران. لكن الحس وصلني. بركة من تلك البركات الصغيرة التي ظلت تفاجئني طوال علاقتي بها.). وتقوم مرة أخرى بخدمتها وقضاء حاجاتها من خلال مسح وجهها وإزالة القذى من عينيها ومشط شعرها: (مثلما كانت أمي تمشط جدائلي في الصباح. تغرس المشط بحنو في مقدمة الرأس، ثم تهبط به حتى نهايات الخصلات التي تغطي كامل ظهري. تحترس ولا تشد وتغني لي لئلا تؤذيني).
وفي وسط الرواية، في السرد الموضوعي الذي يعتمد على الوصف الخارجي في الصفحة 206، ووديان تنادي شبح حبيبها الذي يحضر في العتمة، ليلحس قدميها، ويمتص أصابعها، لينتقل هذا السرد الى المتكلم المخاطب، في جملة :(أبدأ بالصغير. . بالصغير يا عطاري. . . ثم الى السرد الموضوعي في جملة: (تغيب في غيمة وهاجة. يتهدج تنفسها. تصعد حمى الى بطنها. يهتز كيانها. تشهق عميقا وتخبو. تهمد مبللة بالعرق.).
تذكرني مص الأصابع وصبغ الحلمتين بالعسل برواية (تمر الأصابع) لمحسن الرملي. وهي بهذا، تكشف عن تناصها مع هذه الرواية.
وفي نهاية الرواية في العلاقة الحميمية المتخيلة من قبل تاجي عن طريق السرد الذاتي الأقرب الى المونولوج الداخلي، مع منصور البادي: ( قلبي أستدل عليه وأنبأني: ذلك هو. تنسمت رائحته قبل أن تلتقي نظراتنا. شميت ريحته والله! ما زال عرقه في أنفي. الولد الخجول الذي مسته شرارتي في كراتشي قبل. . التأريخ! وهو أيضا ميزني قبل أن يسمع غنائي. تعرف على الفوح الذي أدهن به شعري.).
ومن هنا تنحو نزعة هذه الثنائية المتمثلة بالعفوية وصدق الشخصيات التي تفضي الى تكوينات لصور في غاية الجمال التحكم في الخطاب الروائي على النحو الذي تم توضيحه في كيفية بناء الشخصيات وحركتها في الفضاءات المرسومة لها. والمفارقة في هذه الثنائية القائمة بين الشخصيات الرئيسة الثلاث، هو أنها مبنية على التناقض فيما بينها، ولا سيما بين تاجي ووديان، أو كما يقول السارد: (تعيش كل منهما شخصيتهما قانعة بها). وتقر وديان بأنها أضعف من أن تكون ندا لتاجي، ذلك لأن وديان عصية على الحب، بينما تاجي قنبلة جنسية، لا بل آكلة الرجال خلقت لتبذل بلا حساب. كما أن عراق وديان غير عراق تاجي، وزمنهما مختلف، كما أن هذا التناقض الأقل حدة والأقرب منه الى الإختلاف، يقوم بين تاجي ومنصور البادي أيضا، ذلك أنها مطرودة من بغداد، أما هو فقد غادر بيتا صار بيد اليهود (فلسطين). بالإضافة الى ذلك أنها بركان، وهو سلسبيل. ويمتد هذا الإختلاف ولكن بشكل غير معلن الى حد ما الى زعماء العراق الذين قادوا البلد في العهد الملكي والصدامي، ليعلن السارد أنحيازه للأول من خلال حب تاجي لنبرة نوري السعيد حتى وهو يصرخ، وإنجذابها لعبدالإله، والشيء نفسه بالنسبة لتاجي والطبيب يبلغها بقتل الملك وهي على وشك الإنجاب، عندما شقت صرختها فضاء الغرفة. وبالمقابل بغض وديان لعدي بفعل ما سبب في فقدان سمعها. ويظهر هذا الإختلاف المشوب بالأنحياز الى طرف ما دون الآخر في وجه المقارنة والشبه القائمين بين بهجت العطية وفهد، وهما تلميذان معا في البصرة. يتشابهان في الاسم، ولكنهما يختلفان في الإنتماء، الأول تربى بيسر وصار مديرا للأمن في العهد الملكي، والثاني أعدم في هذا العهد، بعد أن أستلم قيادة الحزب الشيوعي العراقي.
إن أنحياز السارد لفهد دون العطية يتضح عبر أنضمام تاجي الى صفوف أصدقائها الطلبة المتظاهرين، وطريقة سرده لمحاكمة فهد، وإشادته بقدرته على القيادة من خلال تحويل الحبس الى مدرسة حزبية، وقراءة تاجي لخبر إعدام فهد من راديو كراتشي :(بصوت عميق محايد غريب على أذنها، خلعت من حنجرتها رنينها الطبيعي. قرأت الخبر بدون روح. بنبرة خشنة مثل حبل مشنقة..). وبالمقابل عدم الأنحياز الى العطية، ربما لطلبه من تاجي أن تكتب التقارير في الوسط الذي تتحرك فيه خاصة وهي صحفية وتحتك بمختلف الطبقات الأجتماعية في بغداد العاصمة، أي أن تصبح جاسوسة، لترضخ لطلبه ولكن على مضض ومن دون أن تزوده بالمعلومات التي يستفيد منها وتلحق الضرر بالآخرين. وبمرور الوقت يفطن هو الآخر بخبرته الطويلة بممارسة العمل في دوائر الأمن اللعبة التي تلعبها تاجي معه.
( لقد بين باختين أن ظاهرة تعدد الأصوات أو تعددية أشكال الوعي في الرواية الحديثة تمنح أهتماما خاصا للمنحى الحواري في الرواية، هذه النزعة التي أستطاعت أن تحرر الشخصية الروائية من رقابة المؤلف ومنحتها حرية واسعة في الحركة داخل العمل الروائي بعد أن تخلصت من التوجهات الأيديولوجية المباشرة للمؤلف).2
لرسم معالم وأبعاد كل شخصية من الشخصيات الثلاث بأختلافها وعدم تطابقها مع معالم وأبعاد الشخصيتين الأخريين، أكسبها السارد النزعة الحوارية التي يشير اليها باختين، ما جعلها إتساقا مع هذ إلإختلاف وعدم التطابق، أن تتعدد الأصوات فيها، وبالتالي تتحرر من سلطة المؤلف. وتكمن هذه الحوارية في كيفية حركة الشخصيات الثلاث داخل الفضاء الروائي، في تعاملها مع بعضها من جهة وتعاملها مع الشخصيات الثانوية الأخرى، بما فيها الأشياء المحيطة بها.
إن تعدد الأصوات الثلاث تتجلى، في تمرد تاجي ووضوحها، بعكس شخصية وديان المستسلمة والمكبوتة لمشاعرها ورغباتها. ربما لغدرها من لدن الشخص الذي أحبته، وإضطهادها من قبل أبن حاكم البلد الذي تعيش فيه. بينما يتحلى منصور البادي بشخصية هادئة ورزينة بحكم عمله الدبلوماسي والإعلامي. إن تاجي شيطان بعينه، أما البادي فهو طفل بريء. وبين البراءة والشيطنة، أو بين الجنة والنار، تختار وديان المنطقة الساكنة في وسطهما، لتسرح في تخيلاتها في العتمة.
إن تاجي لم تتمرد على نوري السعيد وعبدالإله فحسب، الأول من خلال الخروج ضده في مظاهرات الطلبة، والثاني برفضها إستلام السيارة التي أهداها لها عن طريق صاحب إحدى الشركات للسيارات، وإنما على كل الذين أحبوها، وحتى على والدتها بسبب زوجها الذي كان يتحرش بها، تمردت عليها بتحديها لزوجها، عبر عدم غض نظرها عنه وهو: (يداعب عضوه بيسراه)، والمفارقة هي التي تشعر بسطوة صباها عليه، أو كما يقول السارد :(تراه خائفا مرتبكا أكثر منها. تستطيع أن تأمره فيلبي، أن تخلع نعلها وتمد له قدمها فينحني ليقيل القدم الصغيرة. .). ما عدا شخص واحد لم تستطع أن تتمرد عليه، بل بالعكس هو الذي يتمرد عليها، إنه الرسام (أكرم شكري) الذي كان يرسمها وهي عارية، من خلال عدم إستجابته لإغوائها له :(وتستلقي وتستكمل غفوة مفتعلة. تغمض عينيها على أمنية يائسة. أن تحس بأصابعه. حتى لو خنقها.). وبشكل من الأشكال تتمرد على منصور البادي أيضا، عندما رفضت اللقاء به مخافة أن يراها في سن متقدمة. وبعثت وديان تبلغه بسفرها.
غالبا ما تكون البطولة بصورة جماعية في روايات المتعددة الأصوات. غير أن البطل في هذه الرواية هي تاج المروج، بالرغم من أنها لا تعبر عن صوتها إلآ مرة واحدة فقط، في الوقت الذي تعبر فيه عن رأيها وديان سبع عشرة مرة، والسارد خمس عشرة مرة. ولكن لأن معظم الأصوات الصادرة من هاتين الشخصيتين، تدور حول تاجي، وأن قوة الشخصية وعلو كعبها في الرواية وتمايزها عن الشخصيات الأخرى، تأتي من خلال حديث الشخصيات عنها (السرد الموضوعي)، وليس عبر حديث الشخصية عن نفسها ( السرد الذاتي). لهذا السبب أعتقد أن البطل المحوري في هذه الرواية هي تاجي، بالرغم من عدم خلوها من تعدد الأصوات، بدليل أن عنوان الرواية: (النبيذة) جاء بناء على اللعنة التي حلت على تاجي من يوم مغادرتها بغداد.
تكشف إنعام كججي في روايتها هذه عن إحاطتها بأسرار لعبة الكتابة الميتا سردية، وهي تنتقل بين السرد الذاتي والسرد الموضوعي والتتداخل بين أصوات الشخصيات والسارد الضمني، بالإضافة الى تبنيها لمنحى الميتا روائي من خلال إدخال صوت السارد العليم في أحداث الرواية في نهايتها ليصبح بطلا من شخوص الرواية.
ساد التبئير أو اللاتبئير في هذه الرواية من خلال سرد الحدث عن طريق السارد العليم الملم بدواخل الشخصيات، متجليا في الرؤية التالية: (هاجت خفافيش ماضيها وهي تسمع الأسم. وخزها قلبها وتسارعت دقاته. لم تصدق أن نزيل الغرفة التي تقع في الطابق الخامس على مبعدة أمتار من غرفتها في مستشفى غراس هو بن بلا.). أو كما في هذه الجملة: (فكرت أن على صائدي الفراشات الخروج لإستدعاء الربيع الى باريس). إن الراوي العليم في المثال الأول يفقه أنها تفكر بماضيها، في سعي منها لإستحضاره ليدخل في تجاويف قلبها، وفي الثاني في دماغها ليعرف بماذا تفكر.
مثل التبئير، يسود التزاوج بين صوت السارد وصوت الشخصية، لتبدو الجملة وكأنها تصدر من الشخصية، مع أن السرد سرد موضوعي وليس سردا ذاتيا، كما في هذه الجمل:
– تحاول أن تتخيل ردة فعل شرطي الحراسة لو قالت له أنها حاولت أغتيال المريض القابع وراء الباب.
– قالت أنها تبعته الى فندقه ورقدت بجواره وتساقيا الغرام مرة ومرتين.
– قال لها أن أبوابه ستكون مفتوحة لها متى ما شاءت.
– وقال لها إن المحمرة مدينة من عصر الأسكندر الكبر القائد الذي غزا البلاد قبل الميلاد.
تفيض الرواية بالسرد الداخلي المخاطب، أو المتكلم، وسأضرب بستة نماذج:
– تعال يا شمعون نعقد أتفاقا. هبني ميتة مرسومة بريشة فنان أنطباعي وسأستسلم لك متى ما شئت.
– طرشاء! هل سمعتم! إنها متنكرة في زي طرشاء! لماذا توقفتم عن الرقص؟ أرقصوا كلكم وأرفعوا صوت الموسيقى. صاحبتي طرشاء ولن تتضايق.
– هل تذكر نظرتها الولهى وهي تتكيء على جدار الباخرة؟ تواعدتما على أمل لقاء قريب. تركتك وحيدا في كراتشي ومضت الى طهران. يا لعذاب الفراق من عذاب،أنا ذقته أيضا يا سنيور البادي. لكن ليس من الضروري أن أحكي لك كل هذه الهوامش.
– كنت تتحدث بسرعة ولهفة. تريد الأنتهاء من المجاملات لتدخل في المهم. سألتني إن كنت أمانع في طلب الكحول. الكوهول. قلتها كما يلفظها الأجانب. وكذبت عليك. طلبي
– أنا كلي احاسيس يا تاجي ولي شجرة رغبة كثيفة الأغصان.
– هل لك يا سماء الله العالية أن تخبريني لماذا تسايرينها وتعادينني. . ؟
وفي السرد الداخلي (المونولوج):- هذا عمرك يا تاج الملوك، عيشيه حتى الثمالة. وإذا مستك نسمة ببردها فلا بأس ان تطلبيه من الممرضة. أو أن تنتظري مجيء صديقتك الصغيرة لزياتك. لماذا تأخرت؟
وفي هذه الجملة:- ثم يحدث لك يا تاجي أن تصطدمي وأنت في غبش متاهتك بمفتاح صغير، وتهجسين أنه يقود الى المفتاح الكبير.
اما في السرد الخارجي فقد أحتوت الرواية مثل هذه الجمل:
– تضحك الممرضة المولودة في المارتينيك وتتلوى من الضحك.
– تأتي وديان ماشية في الممر الطويل على رؤوس أصابعها.
– رفعت نظارتها السوداء لتتأكد مما ترى. وجدت عينيه قريبتين منها.
بعض الوحدات الترقيمية تتعدد فيها ضمائر السرد، وتنتقل من ضمير الى آخر، كما في الرقم (26)، إذ يبدأ بضمير الغائب في البداية، وبعد صفحة واحدة تقريبا، الى جملة: (للسحب الكثيفة الداكنة) ، ومن هذه الجملة الى (محمد علي جناح) يستخدم السارد ضمير المتكلم المخاطب. ومن جملة ( مشى منصور في شوارع كراتشي) الى نهاية الصفحة، ينتقل السارد ثانية الى الضمير الذي بدأ فيه رقمه وهو ضمير الغائب. وهكذا في معظم الوحدات الترقيمية الأخرى للرواية.
ثمة نوعان من أنماط الشخصية من حيث بنائها في الرواية، وهما الشخصية المستديرة والشخصية المسطحة. فشخصية تاج الملوك، شخصية من النمط الأول، ذلك لأنها شخصية غير مستقرة، ودائمة التغيير سواء في أفكارها أو مواقفها، أو كما يرى تودوروف: (أنه من الأفضل أن نحدد الشخصيات العميقة بكونها تتوزع على أوصاف متناقضة، في هذه الحالة تصبح شبيهة بالشخصيات الدينامية.)3. ويشترك منصور البادي مع تاج الملوك في كونه هو الآخر من نمط الشخصية المستديرة، لا لكون شخصيته مثل شخصية تاج الملوك شخصية متناقضة، وإنما لكونها دينامية، في حركة دائبة. بينما وديان شخصية من النمط الثاني: ( وهي شخصية أحادية البعد تتميز بمدى ضيق ومقيد من أنماط الكلام والفعل والشخصية المسطحة أو المنطقية كما يطلق عليها، وهي تدور حول فكرة واحدة، أو صفة واحدة، يمكن إختزالها والتعبير عنها بجملة واحدة لكونها تبقى على وتيرة واحدة أما شريرة وأما خيرة.)4
بالتعويل على هذين المصدرين، سنحاول التأكد من خلال حركة الشخصيات الثلاث في الفضاء الداخلي للرواية، وعلاقة الشخصيات مع بعضها الآخر، مديات إنتماء الشخصيات الثلاث الى النمطين السالفي الذكر.
ويظهر هذا التناقض في شخصية تاج الملوك، إبتداء من مشاركتها في مظاهرة الطلبة، مع أنها جاسوسة، وتهتف ضد حكومة نوري السعيد، إلآ أنها تتوقف عن الهتاف حين صاح المتظاهرون: (نوري السعيد القندرة)، وعدم تشخيصها لأحمد بن بلا للجماعة التي كانت تعمل معهم لأغتياله، مع أنها كانت واثقة بأنه هو الشخصي المعني. ويتجلى هذا التناقض بشكل أكبر، وهي في معرض حديثها عن نفسها قائلة: (وسيشم من سيقف على شاهدتي رائحة الحياة التي عشت، متقلبة ما بين القداسة والفجور. تفاصيل معيبة أعاود الإحتفاء بها وأوقد لها أعواد البخور. أحتفي ببسالتي ولا أخجل من حقارتي. . ). كما في هذه الجملة التي تأتي على لسان السارد: (تجد هوايتها في الغواية والصد. تتلون كما تحب.).
أما كون وديان من نمط شخصية أحادية البعد، بعكس نمط شخصية تاج الملوك، ذلك لأنها لا تتغير من بداية الرواية الى نهايتها ولا تحاول أن تتحرر من الفكر الشرقي الذي تلبسها وجعلها تعيش في عالم منعزل ومغلق مع الأحلام والتخيلات التي تراودها في صومعتها العتمة. والعالم الوحيد الذي تحتك به ما عدا تأملاتها، هو زياراتها لتاج الملوك والإصغاء الى قصص غرامياتها المفبركة وغير المفبركة.
لو أردنا أن نفهم شخصية وديان، بوصفها شخصية أحادية الأبعاد، سوف لا نفهمها إلآ من خلال مقارنتها بشخصية تاج الملوك، بالأحرى هي وديان بنفسها تقوم بأجراء وجه المقارنة هذه بينها وبين تاج الملوك، وهي تقول: (إنها إمرأة حرة متمردة، تتعرى ولا تستحي. لو كنت مكانها لألتحفت بألف عباءة). أو كما تقول في مكان آخر: (خلقت تاجي لتبذل بلا حساب. وأنا عصية على الحب). ولعل عصيتها هذه جعل منها أن تكون شخصية أزدواجية. وتقر بنفسها بهذه الأزدواجية عندما تقول: (أشتهي وأستحي) وتضيف: (أجوع للإندساس بين ضلوع رجل. أحلم بالرعشة الأزلية، شهوة الوجود التي تنسيني أسمي وعمري ولغتي وإيماني فلا أعود سوى أنثى. أين أنا منها). وتبرر وديان أزدواجيتها هذه بالأحرى عصيها، في أن عراقها غيرعراق تاجي وزمنها غير زمنها كذلك، كما أن وهدة ذلها غير مرابع أمجاد وغراميات تاج الملوك. وعلى الرغم من أن تاج الملوك تشجع وديان على المغامرة مثلها لتغادر إنطوائها وتعاشر الرجال وتتقرب إليهم، لكنها: (لا تجد في نفسها رغبة لمضاهاة تاجي. تعيش كل منهما شخصيتها قانعة بها . . أقبلت إحداهما عليها بشهية وأكتفت الأخرى بأن تكش عنها الذباب.).
يشترك منصور البادي مع تاج الملوك في الشخصية المستديرة لا لكونه شخصية غامضة، بل لأنه شخصية دائمة الحركة والتنقل بين الدول والأعمال التي مارسها من أعلامي الى مذيع وأديب ومستشار، وأنجذابه الى الإحتكاك بالمجتمع، ولا سيما بالشعراء، ومثلهم العامة حيث: (يقصد شاطيء دجلة في العشيات، يرى الرجال يدسون ربعياتهم في جيوب ستراتهم). أن حب منصور البادي لتاج الملوك، لهذه المجنونة التي أزاحت كل عشاقها عن طريقها ما عداه، إن هذا الوله بين الطرفين يكفي ان يمنحه شرف الإنتماء الى نمطية الشخصية المستديرة.
صدرت رواية النبيذة لإنعام كججي عام 2018، أي بعد سقوط النظام البائد بخمس عشرة سنة. وإذا كانت في روايتها هذه قد تصدت لعهدين من الحكم في العراق وهما العهد الملكي والصدامي، لتكشف من خلال نموذجيها تاج الملوك ووديان، دكتاتورية كلا العهدين، فإنها بعدم تصديها للمرحلة التي أعقبت عام 2003، أي هذه المرحلة التي تعد أسوأ المراحل التي مرت بالعراق، كأنما بوعي أو دون وعي، تسعى الى تطبيق نظرية وولفغانغ آيزر في الفجوات المتروكة في النص وأن على المتلقي أن يملأ هذه الفجوات. أقول هذه المرحلة لأن المؤلفة بتعرضها اليها لكانت قد دونت روائيا مأساة الشعب العراقي بالمراحل الثلاث التي شهدها منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921، ولحد يومنا هذا.
يقول آيزر: (إن الفجوات، أي عدم تحقيق التوافق بين النص والقاريء هي التي تحقق الإتصال في عملية القراءة ولا يمكن تصور مثل هذه الفجوات إلآ على أسس ملموسة، لذا فإن آيزر يتجنب نموذج النص الواضح الخالي من الفجوات، بل يعتمد على خطاب النص الذي يحتوي على أفكار تحتاج الى متلقي يملأ فراغات النص لبناء عملية الفهم).
وفي نهاية الرواية يحاول السارد العليم أن يتدخل في أحداث الرواية ليصير بطلا من شخوصها، بهدف أن يدفع أحداثها بإتجاه موت تاج الملوك، وبالتالي أن تختتم الرواية بنهاية مغلقة، إلآ أن تاج الملوك تتمرد عليه، ذلك لأنها: (مازالت والرواية ماثلة للطبع تتحامل على نفسها وتعد شايها بنفسها وتحليه بأصبعها. . . وترتجل بصوتها الأعجوبة موالا يبدأ خافتا ثم يصعد):
أوف يابا يابا يابا. . .
الضيم بديار الربع ونسة
والموت ببلاد الغرب وكسة. . . يا يابا. . .
وهكذا بهذه الطريقة العفوية العذبة المشبعة بقدر كبير من البراءة والصدق، تأتي الرواية على نهايتها ووديان تخرج الى الشرفة وهي تغلق الباب الزجاجي ورائها، فينقطع الصوت. وفي الوقت الذي تتأمل فيه الطبيعة بسحرها الخلاب، يصدر من داخلها صوتان بخفوت، أو هكذا يبدوان، يعبر الأثنان، بالرغم مما تلتقطه عيناها من سحر الطبيعة البانورامي البديع، عن عدم إكتمال جماله لخلوه من نخلة. في إشارة الى أن جمال العراق أبهى من جمال دول الخارج، أو ربما توحي مفردة (نخلة) الحنين الى العراق، وربما أيضا رغبة وديان العودة اليها، وربما أيضا الى موت تاج الملوك، إقترانا بجملة: (وهي تغلق الباب الزجاجي ورائها فينقطع الصوت.). وهي هكذا قابلة لمختلف التفسيرات والتأويلات، والغرض منها تحرر الرواية من هيمنة السارد العيلم من جهة وإختتامها بنهايات مفتوحة من جهة أخرى.
المصادر:
– تقنيات السرد من منظور النقد الروائي. تأليف أشواق عدنان شاكر النعيمي. الناشر دار الجواهري. الطبعة الأولى 2014.
– المبنى الميتا- سردي في الرواية. تأليف فاضل ثامر. دار المدى. الطبعة الأولى عام 20 13.
– تقنيات السرد من منظور النقد الروائي. تأليف أشواق عدنان شاكر النعيمي. الناشر دار الجواهري. الطبعة الأولى 2014.
– أشكالية التلقي والتأويل في النص المعاصر. تأليف مصطفى جلال مصطفى. دار الفنون والآداب للطباعة والنشر والتوزيع. الطبعة الأولى 2016.

شاهد أيضاً

ثورة الإحساس وصرخة الضمير والشاعر عصمت شاهين دوسكي
بقلم الأديب والإعلامي: أحمد لفتة علي -بغداد

* الطاقة الفكرية الجمالية تحرك الراكد . * ما هي عقلية القرون الوسطى التي ينبغي …

شوقي كريم حسن: د.عقيل مهدي يوسف… المسرح مهمة جمالية!!

*قد لانشير الى تلك التأملات التي تعيشها طفولتنا التي تحاول التفريق بين معنى للوجود واخر …

الإبـــــداع الشعــــري والطـاقــة المحـبوسـة
د. خـيرالله سـعـيد*

قـراءة في القصيدة الملحميّـة ” باطـن منـكب التيـس” للشاعرة الهـولندية أنّــامــاري إســتر . ترجـمة المسرحي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *