سلام إبراهيم: وجهة نظر: (8)تجربة مشتركة وأسلوبان مختلفان (ملف/45)

إشارة:
مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي “سلام ابراهيم” نصوصه بدم التجربة الذاتية ولهيبها. وفي اتفاق مع إشارة خطيرة للباحث الأناسي العراقي البارع د. علاء جواد كاظم الذي اعتبر روايات وقصص سلام إبراهيم من مصادر الدراسة الأنثروبولوجية الناجعة في العراق نرى أن نصوص سلام يمكن أن تكون مفاتيح لدراسة الشخصية الوطنية مثلما استُخدمت نصوص ياسانوري كاواباتا لدراسة الشخصية اليابانية ونجيب محفوظ لدراسة الشخصية المصرية مثلا. الفن السردي لسلام ابراهيم هو من عيون السرد العربي الذي يجب الاحتفاء به من خلال الدراسة الأكاديمية والنقدية العميقة. تحية للروائي المبدع سلام ابراهيم.

شتاء 1983 أرياف السليمانية تساقط الثلج وغطى كل شيء. كنا ننوء منحدرين من قمم الحدود الإيرانية العراقية بمفرزة كبيرة جدا نبحث عن مكان ليكون مقراً وكنا نظن بأننا سنحرر مدن العراق مدينة بعد مدينة في حلم طوباوي ثوري. بتنا ليلتنا في جامع قرية “مالومه” الكبيرة. نهضت صباحاً أتأمل وجوه المقاتلين اليافعة القادمين من كل مناحي العراق لينازلوا دكتاتورية بشعة شديدة القسوة. وقتها كنتُ أشعر بالنشوة بمجرد معانقة تلك الوجوه والعيون بعيني. وفيما كنت أسبح ببحر تلك المشاعر والأحلام وسط قاعة الجامع الواسعة أقبل نحوي رفيق أحبه جداً “محمد حسين” وهمس في أذني قائلا: وصل القاص “جنان جاسم حلاوي” بصحبة صديقنا قحطان جاسم. قحطان أعرفه عن قرب كان معي في مدرسة الثقافة في الديوانية، وكان خاله “صاحب الياسري” مدير المدرسة سيقتل في انتفاضة آذار 1991. غادرت الجامع إلى مدرسة القرية وهي بناية من أسمنت حديثة اتخذتها قيادة الحزب مقراً مؤقتاً. خضت في الثلج حتى المدرسة. عانقت قحطان وتعرفت على “جنان” يافعاً ناعماً رقيقاً، أبيض البشرة يصغرني بسنوات. كان يحمل معه كتباً ساومته عليها وحصلت منه على روايتين؛ الرجع البعيد للتكرلي، وساعة نحس لماركيز، أما “شرح أبن عقيل” فقد أصر على الاحتفاظ به. حضرت حواره المكثف مع عضو اللجنة المركزية في الحزب الشيوعي العراقي أبو تانيا “عدنان عباس” الذي حاول بكل الوسائل أقناع جنان كي يبقى معنا بيشمركه، فكان جواب جنان قاطعا: – أسمعني أرجوك أنا لست مقاتل. وما أريد أقاتل. وأحب الحزب الشيوعي. أني كاتب. وأريد بس أكتب. عدكم مكان لي لهذا العمل سأبقى معكم. عجز عن إقناعه. كان جنان يتكلم بوضوح شديد معرّفاً بهدف حياته.

الروائيان المبدعان سلام إبراهيم وجنان جاسم حلاوي
سلام إبراهيم والروائي والقاص جنان جاسم حلاوي كوبنهاكن 2016

في اليوم التالي شدّ رحاله إلى “بشتاشان” المقر الرئيسي للحزب الشيوعي. وتفارقنا. بقيت أجوب القرى حتى تسللت إلى مدينتي لأعيش تجربة جحيمية صورتها في روايتي الإرسي. ولم أعرف إلا لاحقا بأن “جنان” سيعيش تجربة جحيمية حينما هجم وحوش الطالباني ليفتكوا بالشيوعيين في واحد أيار 1983 وجنان في المعمعة حيث ضاع في ثلوج قمم سلسلة جبال “قنديل” التي تظل طوال العام. سيصور ذلك بشكلٍ مفصل وآسر في روايته المهمة “ليل البلاد” التي صدرت عام 2000 عن دار الآداب بيروت وترجمت إلى الفرنسية. دارت بنا الأحداث وصرنا نتواصل بعد وصولي إلى الدنمارك من خلال الرسائل الورقية. كان في لبنان. عمل في صحافتها ولمع أسمه وصار محررا في النهار. سنلتقي بعد انسداد أبواب الحياة أمامه في لبنان. سيلجأ إلى السويد. وسنلتقي في كوبنهاجن. حيث أقمت له أمسية قدمته فيها وكتبت عن نصوصه التي صدرت وقتها. سيبات لدي ليلة، وليلة أخرى سهرنا فيها لدى صديقنا المشترك الروائي شاكر الأنباري. في الليلة التي قضيناها معاً عام 1996حكى لي مرارة تجربته. كيف طرده الشيوعيون في دمشق من السكن. وحار في نفسه، فعبر إلى لبنان ليعمل مع المنظمات الفلسطينية اليسارية إذ كان له علاقة بها منذ كان في البصرة. ليعيش في فترة في جنوب لبنان “صور” سيصور كل ذلك في روايته “دروب وغبار” التي ترسم حياة عراقي في المخيمات. سيتشرد ويتصعلك، لكن سيقوم من جديد ليعمل في النهار ويكتب طوال الوقت معتبراً الكتابة علة وجوده. سكرنا ليلتها وأخذته في الصباح للتسكع ورؤية المدينة التي أسكنها – روسكلده – وفيها مقبرة ملوك الدنمارك. خرجنا من الكاتدرائية فأخرجت قنينتي بيرة من حقيبتي وقلت لجنان: – لنكمل فأضطرب قائلا: – معقولة سلام!. هلكت ضحكاً كان قد دخل وجد الجد وما زال فيه لذا صار غزير الكتابة وصارت عادته. لم أصبح مثله أبداً. بهجتي في الحياة واللحظة ورغبتي في متعة ألق الوجد والسكر والحب ووو يساوي حرفة الكتابة كلها أكتب حسب المزاج ليس المزاج فحسب بل في قمته، و إلا لدي سكرة مع صديق أهم فالعيش والهواء والضحك والحزن والبكاء أهم من حروف الكلمات. فما اكتبه أعتقد يسعد الآخرين، لكنه يضنيني وقت الكتابة. المهم لدينا فلسفة مختلفة. لم ننقطع عن بعضٍ تواصلنا عبر التلفون والرسائل وقت الورق. ودأبنا على إرسال ما نصدره من كتب روايات ومجاميع قصصية حال صدورها. كتب عن ثلاثة من كتبي الأولى وكف. أخبرني تلفونياً بأنه كف عن كتابة المتابعات النقدية عن كتب العراقيين وقتها وكان ذلك نهاية تسعينيات القرن الماضي. كنت متحمساً ودأبت على الكتابة ومتابعة كل إصدار جديد بحيث تجمع لدي الآن كتاب ضخم عن هذا الانشغال. وقتها لم أفهم حقا قوله بأنه سيسعى للتفرغ لكتابة مشروعه الروائي فليس لديه وقت. أما أنا فكتبت عن أغلب رواياته، وعن جهده القصصي دراسة مستقلة. لكن مثلما وصل هو لهذا القرار وجدتني فيه. كففت من سنوات قليلة فليس لدي وقت وبدأت أنحت بنصوصي علني ألحق قبيل الصعود إلى السماء أو العدم لا فرق. قبل أيام وصلتني بالبريد أخر رواياته “أهل النخيل”. فقرأتها في يومين بمتعة ليس لها مثيل. لغة جنان شفافة تنحت الإحساس والكلام والحدث، ومولعة في تفصيل المكان حتى أن القارئ يكاد يشم ويلمس ويعيش الحدث ويغور في المكان والبشر. البصرة لم يصورها كاتب مثلما صورها “جنان” في رواياته كلها. رواية “ليل البلاد” صورت البصرة بتفاصيلها زمن الحرب العراقية الإيرانية، رواية “ياكوكتي” صورت البصرة قبل الحروب والخراب. صديقي مجنون في البصرة يعيش فيها ويكتب عنها رغم أنه لم يزرها عقب الاحتلال. قلت له يوما: – جنان لم لا تزور العراق مدينتك اهلك وأنت كاتب!. بالتلفون طبعا. أخبرني بأنه غير قادر لأسباب شخصية. لكنه كتب رواية عن شخص يعود للعراق ويخطف وكانت باهتة –هواء ثقيل-2009 دار الآداب. هو زعلان مني لفترة. حدث أن ذهبت مع زوجتي – ناهده جابر جاسم – إلى المدينة التي يسكن فيها في السويد. كان ثمة مؤتمر لنصيرات الحزب الشيوعي العراقي في ريف المدينة.

الروائيان جنان جاسم حلاوي وسلام إبراهيم 1996 كوبنهاكن

ولما كنت لا أحب مثل هذه الفعاليات فقد فضلت زيارة رفيق من مدينتي كان معي أيام الكفاح المسلح وفقد ساقه فيها مضاف لفقدانه أخ كبير صفوه سرا مثل ما فعلوا مع أخي كفاح. ضيعني فجابر وهذا أسمه تحول إلى سكير لا علاج له بسبب ظروف حياته، مقطوع الساق، ابن منغولي، وزوجه مكافحة حافظت عليه بحيث لديهم بيت ملك في السويد. تركوني معه، وأنا شبه سكير فصار الليل نهارا والنهار ليلا. وضاعت الأيام. لم أستطع اللقاء بجنان. عدت منهكا إلى عشي الدنمركي دون لقاءه فحمل في نفسه وحقه. لكن كيف أشرح له الأمر. أدرت ظهري فبي ما يكفيني. وأنا أحبه والحب في الروح. وصلني كتابه الأخير الأسر – أهل النخيل – رواية من 383 صفحة التهمتها في يومين وكأن إتمامها هو الهدف. كأنك ترى لا تقرأ تفاصيل حياة البصرة في خضم علاقاتها الاجتماعية والسياسية والروحية. ترى كل شيء العاهرة والشريف والشيوعي والمرابي والثري والقواد والعامل والمرأة في كل حالاتها من الأميرة إلى العاهرة والكاتب تعامل مع كل هذي الشخوص بشجن ومحبة وكأنه يداري جراح كل شخصية في نصوصه حتى الشخصيات العنيفة. أي متعة جلب لي النص متعة تفوق كل المتع لتتحول إلى حلم أو سلسلة أحلام يعيشها القارئ. إذا كان ثمة اعتراض فيتعلق بمعمار الرواية لم يكن هناك مبرر لربط عالم البصرة القديم بحاضرها البائس. لم يكن الربط موفقاً بحيث بدت بعض الفصول قابلة للحذف. ولو حذفت لأكتمل البناء الروائي وصارت تحفة كرواية صورت حياة مندثرة كما كتب لي في الإهداء التالي:

(إلى صديقي العزيز الأديب سلام وزوجته الكاتبة البازغة ناهده كأنها سهول معتمة تضيئها الكلمات كأنها تلك الأمكنة والأيام هذه الرواية في ذكرى فردوسنا المفقود مع التقدير والاحترام جنان جاسم حلاوي 1/7/2015)

شاهد أيضاً

حيدر حسن جابر: البنية السردية في روايات سلام إبراهيم (رسالة دكتوراه) (الخاتمة) (15) (ملف/65)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

في تأمّل تجربة الكتابة
استعادة غسان كنفاني إبداعيّاً ونقديّاً
فراس حج محمد/ فلسطين (ملف/24)

ست وثلاثون سنة هي كل سنوات عمر غسان كنفاني، منها اثنتا عشرة سنة عاشها في …

غسان كنفاني والكتابة للأطفال وعنهم
فراس حج محمد/ فلسطين (ملف/23)

ما زال غسان كنفاني مستعادا؛ مقرؤءا ومدروساً، على الرغم من مرور ثمانية وأربعين عاما على …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *