حيدر حسن جابر: البنية السردية في روايات سلام إبراهيم (رسالة دكتوراه) (10) (ملف/42)

الدكتور حيدر حسن علي

إشارة:
مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي “سلام ابراهيم” نصوصه بدم التجربة الذاتية ولهيبها. وفي اتفاق مع إشارة خطيرة للباحث الأناسي العراقي البارع د. علاء جواد كاظم الذي اعتبر روايات وقصص سلام إبراهيم من مصادر الدراسة الأنثروبولوجية الناجعة في العراق نرى أن نصوص سلام يمكن أن تكون مفاتيح لدراسة الشخصية الوطنية مثلما استُخدمت نصوص ياسانوري كاواباتا لدراسة الشخصية اليابانية ونجيب محفوظ لدراسة الشخصية المصرية مثلا. الفن السردي لسلام ابراهيم هو من عيون السرد العربي الذي يجب الاحتفاء به من خلال الدراسة الأكاديمية والنقدية العميقة. تحية للروائي المبدع سلام ابراهيم.

الفصل الثالث: المبحث الأول
الفضاء والمكان في الرواية
بات من أهم المسائل النقدية التي يقف عندها أي باحث أثناء تناوله لعنصر المكان هي تلك العلائقية بين المكان والفضاء في النص الروائي فكلاهما متحد الدور في ميدان الأهمية والاشتغال لكنه يبقى مختلفا عن الآخر في حدود المساحة الاشتغالية وحيز الصيرورة التكويني داخل النص.
لقد تفاوت النقاد والمشتغلون في الحقل السردي في اهتمامهم بهذه القضية من ناحية إقامة وتشييد الحدود الخاصة لمفهوم كل منهما وتحديد ميدان الاشتغال والسمات والخصائص التكوينية والوظائف الاشتغالية في النص السردي وقبل الولوج في تفاصيل هذه المسالة لابد أن نبين إن الفضاء مثل أي مفهوم أو ركن من أركان البنية السردية فان تجسيده في (العمل الحكائي أساسه هو اللغة لذلك فمهما كانت درجة واقعيته أو حضور مرجعه الخارجي فانه يظل تمثيلا ذهنيا للفضاء) , لقد انقسم – النقاد- بين من لم يقدم في هذا الميدان من الجهد الواضح والمميز و المؤطر بخطوط وأحكام نقدية واضحة وكاملة , وبين من كانت القضية عنده مبهمة وضبابية وغير واضحة لديه من خلال التداخل الواضح في أرائه التي تنماز بالخلط بينهما مفهومي – الفضاء والمكان – ,وبين من تناولها بإيضاح وتركيز وحدد بطريقة معيارية الماهية الاجناسية لهما كمفهومين نقديين متباينين وان اشتركا في حيز متقارب جدا ومتشاكل في تكوين البنية السردية , فالكثير منهم – النقاد – لم يقدم جهدا كبيرا للإيضاح بين الحدود والمساحة لمفهومي المكان والفضاء الروائيين وهذه الظاهرة في النقد السردي لفتت إليها انتباه أكثر من ناقد فمثلا الناقد محمد عزام يقول (الواقع إننا لم نجد اليوم دراسة تميز بشكل دقيق بين الفضاء والمكان لذلك يمكن اعتبار الفضاء الروائي هو مجموع الأمكنة المحددة جغرافيا والتي هي مسرح الأحداث وملعب الأبطال هذا اذا لم نأخذ بالفضاء كمنظور وبالفضاء كدلالة ) ويتشاطر سعيد يقطين مع محمد عزام هذا الرأي في كتابه قال الراوي فهو يرى أن( الفضاء ظل مجالا مفتوحا للاجتهاد وللتصورات المعتمدة التي لم تصل إلى حد بلورة نظرية عامة للفضاء …ولم يصل الأمر إلى إقامة تصورات كلية لها حد معين من الشمول والتعميم ) , ويعتقد الباحث أن السبب الأهم في ذلك هو أن مفهوم المكان أصلا كان من اضعف الحلقات التي تناولها البحث النقدي و الأكاديمي في مجال البنية السردية فكان من نتائج ذلك أن اطل هذا الضعف بظلاله على مفهوم الفضاء الروائي وبقي بحاجة إلى دراسات ابعد عمقا وأحكاما وأكثر معيارية , فالناقد محمد القاضي يقول لقد (وجه الانشائيون عنايتهم إلى الزمنية ومنطق الأعمال والوظائف والعلاقة بين الشخصيات ولم يلتفتوا إلى تمثيل الفضاء في القصص أي لم يقدموا نظرية متكاملة للفضائية السردية, وان تعرض بعضهم للفضاء عند دراستهم الخطاب القصصي والمقصود بالفضاء في القصص الفضاء التخييلي والمعطيات التي لها بالأعمال المتخيلة صلة) حيث نلاحظ من كلام محمد القاضي هنا انه لا يعني المكان الأولي الذي يعمد الكثير من المؤلفين أن يجعلوه المهد الأول لبناء الحدث وان كان هذا الكلام يشمل أسباب غياب البحث في عنصريً المكان والفضاء مجتمعين إلا انه يفسر في ناحية منه سبب هذا التعثر عند البحث في مفهوم الفضاء الروائي, ويرى أيضا – محمد القاضي – أن محاولات رولان بورنوف(في إطار الخطة التي وضعها لدراسة الفضاء في الرواية) وكذلك جهود فليب هامون بأنها (اقتراحات ظلت مشاريع غير مكتملة ) ,وإذا تتبعنا الجهد النقدي العربي للنقاد المحدثين في مجال البنية السردية وأركانها فإننا نجد على سبيل المثال لا الحصر أن الباحثة (سيزا قاسم) لم تقدم دراسة حقيقية موضوعية عن ذلك الفضاء الروائي ومحكمة مع أنها تعد من أبرز المنظرين والنقاد المشتغلين في ميدان البنية السردية للرواية العربية وان أشارت إليه ضمنا ولكن من دون أن تقدم لنا ما يمكن اعتباره رأيا نقديا أو معياريا حاسما ذا حدود واضحة في هذه المسالة- مسالة المكان والفضاء والفصل بينهما – فهي تورد في فصل المكان في كتابها بناء الرواية إن ( العالم الفسيح يخضع لمنظومة إنسانية عقلية تقسمه على مناطق والى عوالم منفصلة أو متصلة لكل منها قوانينها الخاصة التي تحكمها وبالإضافة إلى هذا التصور للمكان بأنه حامل لمعنى ولحقيقة ابعد من حقيقته الملموسة فان ثمة ظاهرة أخرى لها أهمية كبيرة بالنسبة إلى تشكيل عالم الرواية وهي إضفاء البعد المكاني على الحقائق المجردة ) , لعل المتفحص في هذا القول لا يجد أي تفصيل حقيقي ينماز بالمعيارية أو شيئا ما يمكن اعتباره حكما معياريا نستطيع من خلاله الفصل بين مفهومي المكان والفضاء ومتعلقاتهما في حدود التعريف وميدان الاشتغال والمساحة التي يحتلاها في النص الروائي سوى تلك الإشارة غير المصرح بها كحكما معياريا بان للمكان تقسيمات عديدة تشمل العالم الفسيح وهذه التقسيمات تخضع للمنظومة العقلية للإنسان ,على أن ذلك لا يعني الإغفال أبدا عن الدور الرائد لها في مجال البحث السردي أو التقليل من آرائها العلمية في هذا المجال,إلا إن مع كل الجهد الكبير والعظيم- في ميدان النقد السردي – للناقدة سيزا قاسم نجد أنها لم تولي اهتماما كبيرا لقضية الفصل بين مفهومي الفضاء والمكان – مع اتحادهما في الأهمية والموقع وتعالقهما داخل النص السردي – و يعتقد الباحث أن إحدى أهم هذه الإشكاليات المتسببة لهذا الغياب عدم وجود دراسة لمفهوم الفضاء بصورة واسعة هو الاتحاد والاشتراك في ماهية المفهوم بصورة كبيرة من جهة وكذلك في الدلالة الوظيفية بينهما وعدم القدرة على الفصل الإجناسي بينهما كمصطلحين منفصلين تماما من جهة ثانية,لذا نجد أن الخلط والضبابية قد أصابت فئة أخرى من الأبحاث التي قدمها البعض من النقاد العاملين في مجال النقد السردي حول قضية الفصل بين المكان والفضاء ومن أبرزهم الناقد حسن بحراوي الذي استعمل مصطلح الفضاء المكاني وهو مصطلح جامع للمفهومين معا -المكان والفضاء- فهو يقول في مقدمة كتاب الفضاء الروائي (لأمر ما كان الفضاء المكاني من اقل العناصر الروائية إثارة لاهتمام الدارسين والمنظرين ) , ولعل ذلك خير دليل على أن هناك ضبابية في التعامل مع مفهومي المكان والفضاء عنده مع إن – حسن بحراوي – في كتابه (بنية الشكل الروائي) يقدم بعض التعاريف عن الفضاء الروائي تنم عن التمييز الواضح بين المكان والفضاء ومنها قوله ( إن الفضاء الروائي مثل المكونات الأخرى للسرد لا يوجد إلا من خلال اللغة فهو فضاء لفظي بامتياز ويختلف عن الفضاءات الخاصة بالسينما والمسرح أي عن كل الأماكن التي ندركها بالسمع والبصر انه فضاء لا يوجد سوى من خلال الكلمات المطبوعة في الكتاب ولذلك فهو يتشكل كموضوع للفكر الذي يخلفه الروائي بجميع أجزائه ويحمله طابعا مطابقا لطبيعة الفنون الجميلة ولمبدأ المكان نفسه ) إن هذا التعريف مع انه لا يفي بالإيضاح الكامل لحدود المصطلح إلا أنه يمثل تميزا حقيقيا لمصطلح الفضاء الروائي فالناقد(حسن بحراوي ) يقول في مكان آخر وبطريقة أدق وأوضح أن الفضاء هو (مجموعة من العلاقات الموجودة بين الأماكن والوسط والديكور الذي تجري فيه الأحداث والشخصيات التي يستلزمها الحدث ) كما انه يؤكد أيضا على أن المكان في حقيقته يؤسس لشبكة ( من العلاقات والرؤيات ووجهات النظر التي تتضامن مع بعضها لتشييد الفضاء الروائي الذي ستجري فيه الأحداث ) ولعل هذا الكلام يمثل شوطا كبيرا في التمييز في حدود المساحة التي يشغلها المكان والفضاء وتعالق أحدهما مع الآخر, ومن الجدير بالذكر أن النقاد الغربين التفتوا أيضا إلى مسالة وضع تحديد معياري لمفهوم الفضاء الروائي وأولوه العناية في أبحاثهم ومنهم الناقد كولدنستين الذي صرح بأننا اذا كنا نريد أن نعي (الأهمية الوظيفية الفضائية يحسن بنا أن نطرح ثلاثة أسئلة كبرى أين يجري الحدث ؟ وكيف يتم تشخيص الفضاء ؟ ولماذا يتم اختياره على نحو من الأنحاء بالذات؟) , أن هذه التساؤلات التي يثيرها هذا الناقد إنما تنم عن الانتباه العميق لأهمية إدراك حدود ووظائف الفضاء الروائي في النص مع إنها تشتمل أيضا على المزج بين مفهومي المكان والفضاء بنسبة معينة , فيما أكد الناقد ميشيل رايمون( إن لكل رواية صلة نسبية بالفضاء فحتى عندما يضرب الروائي عن الوصف فان الفضاء يكون على كل حال متضمنا في الحكي ومهما بلغت الجملة من البساطة ) ,وبالعودة إلى الجهد النقدي للناقد العربي حول الفضاء الروائي نجد إن أكثر من تميز بدقة الفصل بين المفهومين – المكان والفضاء – هما الناقدين إبراهيم جنداري في كتابه الفضاء الروائي في أدب جبرا إبراهيم جبرا والناقد حميد لحمداني في كتابه بنية النص السردي ,فالناقد جنداري قد وضع تصورا أساسيا لمفهوم الفضاء الروائي كما حدد علاقته مع المكان الروائي من خلال ما اصطلح عليه بالفضاء الواصل فهو يرى إن الفضاء في الرواية قبل كل شيء لا يشمل مجموعة من الأمكنة المترابطة فيما بينها في عمل روائي فحسب بل يتسع و يتعدى ذلك ليشمل (المواقف والأفكار والأشخاص ) , واستعمل مصطلح الفضاء الواصل للدلالة (ما يربط عالمين أو مجتمعين أو ثقافتين أو ما يدل على هذه ,وما يربط مجتمعا بدائيا بمجتمع صناعي أو ما يدل عليهما وما يربط الداخل المختنق بالخارج المنفتح) ووجد أن أنسب مكان في النص السردي لتوالد وتكوين هذا الفضاء الواصل هي العلائقيات الناتجة من تواشج الأمكنة الثنائية المتضادة مضافا إليها علاقة الشخصية والزمن والمواقف ووجهة النظر بها وحدد مجموعة من هذه الثنائيات المكانية المتضادة ب( 1-المكان الأليف \ المعادي 2-الواقعي \ المتخيل 3-الذاتي\ الجماعي 4- التاريخي \ الآني 5- المسرحي \ الكوني ) وتعد هذه المعالجة من الناقد( إبراهيم جنداري) لمفهوم الفضاء الروائي وتحديده لطبيعة العلاقة التي تربط المكان بالفضاء حالة متقدمة من الاتجاه نحو تحديد الصفات الاجناسية المستقلة لكل مفهوم مع توضيح طبيعة العلاقة الرابطة بينهما فهي تعمل على إزالة الضبابية والغموض من ناحية الصيرورة التكوينية لمفهوم الفضاء الروائي وطبيعة ارتباطاته الوظيفية بمفهوم المكان الروائي في بناء النص السردي.
أما الناقد (حميد لحمداني) فهو الآخر قد سعى نفس هذا المسعى نحو إيجاد تميز واضح لمفهوم الفضاء الروائي وطبيعة تكوينه وميدان اشتغالاته ونوع العلاقة الرابطة له مع مفهوم المكان فهو يرى إن مجموع (الأمكنة هو ما يبدو منطقيا أن نطلق عليه اسم الفضاء للرواية لان الفضاء اشمل وأوسع من معنى المكان , والمكان بهذا المعنى هو مكون الفضاء وما دامت الأمكنة في الروايات غالبا ما تكون متعددة ومتفاوتة فان فضاء الرواية هو الذي يلفها جميعا ) ,كما انه قسم الفضاء الروائي إلى أربعة أنواع من الفضاءات وهي ( 1- الفضاء الجغرافي وهو مقابل لمفهوم المكان ويتولد عن طريق الحكي ذاته …2- فضاء النص وهو فضاء مكاني أيضا غير انه متعلق فقط بالمكان الذي تشغله الكتابة الروائية أو الحكائية باعتبارها أحرفا طباعية على مساحة الورق ..3- الفضاء الدلالي ويشير إلى الصورة التي تخلقها لغة الحكي ..4- الفضاء كمنظور وهي طريقة هيمنة الراوي على عالمه الحكائي ) , ويؤيد سعيد يقطين هذه النظرة إلى الفضاء الروائي من قبل حميد لحمداني بقوله ( واتفق هنا مع ما ذهب إليه حميد لحمداني في تمييزه بين المكان والفضاء وخاصة فيما يتصل بعموم مفهوم الفضاء وشموليته وخصوصية مفهوم المكان وكونه متضمنا في إطار الفضاء إن الفضاء أعم من المكان لأنه يشير إلى ما هو أبعد وأعمق من التحديد الجغرافي ) , وبناءً على ما تقدم نستطيع الاستنتاج أن الفضاء الروائي هو الحالة الأكبر والصيغة الأعم من المكان الأولي الذي يمثل الحدود الفيزيائية المحيطة بالأشياء والأحداث والمحددة لحدودها الجغرافية فالفضاء يتشكل من الارتباط بين أكبر عدد من الأمكنة المستخدمة مسرحا لأحداث الرواية الواحدة مضافا إليها الرؤية الخاصة للمؤلف الروائي وآلية إكسائه للأمكنة المشتركة في صناعة أحداث روايته وعلاقة شخصيات هذه الرواية بهذه الأمكنة وتفاعلاتها معها عبر عنصر الزمن .
بناء المكان في الرواية
يكاد يوجد هناك إجماع كبير عند أغلب النقاد على أن الوصف هو الطريقة الأكبر والأمثل في بناء صورة المكان في العمل الروائي والموجه إلى ذهن ومخيلة المتلقي فالناقد شجاع العاني يقول في وصفه لهذا الأسلوب – الوصف- ( اذا كان عنصر السرد يخص المظهرين الزمني والدرامي للقصة فان الوصف على العكس من ذلك يقف عند الأشياء والأشخاص كعناصر متجاورة متعاصرة ويراها كمشاهد فكأنه يلغي الزمن من حسابه ويعتد بالمكان فحسب ) أما الناقد لطيف زيتوني يعرفه بأنه (تمثيل الأشياء أو الحالات أو المواقف أو الأحداث في وجودها ووظيفتها مكانيا لا زمانيا ) ويؤكد الناقد حميد لحمداني على الوظيفة التي ينهض بأعبائها أسلوب الوصف في بناء صيرورة المكان فهو يقول (اذا كان السرد يشكل أداة الحركة الزمنية في الحكي فان الوصف هو أداة تشكل صورة المكان ولذلك يكون للرواية -أية رواية – بعدان أحدهما أفقي يشير إلى السيرورة الزمنية والآخر عمودي يشير إلى المجال المكاني الذي تجري فيه الأحداث) أما الناقدة سيزا قاسم ترى أن المكان في العمل الروائي (ليس حقيقة مجردة وإنما هو يظهر من خلال الأشياء التي تشغل الفراغ أو الحيز وأسلوب تقديم الأشياء هو الوصف ) وترى أن هذا الوصف هو(هو محاولة تجسيد مشهد من العالم الخارجي في لوحة مصنوعة من الكلمات ) فهو ينتج لوحات هي عبارة عن مقاطع وصفية تستخدم مسرحا لبناء الحدث وتمتزج مع الزمن والشخصيات في تكوين بنية النص السردي كما إنها( تتميز بنوع من الاستقلال النصي وتقف بمفردها لوحة ثابتة يمكن استخراجها من الرواية وحدات مفردة وكذلك تقوم دراسة تشكيل المكان على استخراج هذه المقاطع ودراسة طبيعتها وصياغتها ولكن هذا لا يعني بالطبع إن هذه المقاطع لا تنتمي إلى البناء الكلي للرواية فبالرغم من استقلالها فإنها توظف توظيفا جماليا في خدمة محور الرواية وفي إضفاء الظلال والدلالات على مسار القص ) إن الوظيفة التي يطلع بها الوصف ليست بناء حدود المكان الروائي عن طرق التخييل فحسب بل أن الوصف يضطلع بادوار أخرى في البناء الروائي أهمها بناء الشخصية ولسنا هنا في محفل إدراج وظائف الوصف في العمل الروائي بل تحديد دور الوصف في بناء المكون المكاني في الرواية فالوصف التفصيلي هو الأكثر اختصاصا ببناء المكون المكاني ففيه ( يذكر كل أو معظم أجزاء الموصوف ومع هذا النوع تطول المقاطع الوصفية وتتفرع فتذكر تفاصيل الأمكنة) وتفاصيلها وحدودها وأثاثها وكل ما يعزز بنائها في الرواية , ويرى حسن بحراوي أن (الوصف عن طريق النظر هو أكثر الطرق تداولا في بناء المقطع الوصفي لدى الكتاب فالوصف كما يقال هو الذي يجعلنا نرى الأشياء عن طريق تأدية وظيفته التصويرية التي هي وظيفة إدراكية مباشرة في المرتبة الأولى ) حيث إن الصورة المنقولة عن طريق النظر التي يترجمها الكاتب إلى كلمات في النص السردي تعمل على أثارة ذهنية المتلقي في تكوين صورة متخيلة عن المكان تناظر تلك الصورة التي ترجمها المؤلف الروائي إلى كلمات في نصه السردي فمن احد أهم وظائف السرد كما يراها لطيف زيتوني هو تقديم (المدار ألزماني والمكاني كمعطيات حقيقية للإيهام بواقعيتها ويمكن الإيهام بالعكس أي بعالم خرافي لا يشبه الواقع في شيء ) أي إن بناء المكان عن طريق الوصف ذو اتجاهين الأول يتجه نحو بناء مكان روائي يوهم المتلقي بواقعيته والاتجاه الأخر يتجه نحو بناء مكان عجائبي غير موجود في العوالم التي يمكن أن يراها المتلقي في حياته اليومية .

لجنة مناقشة بنية السرد لحيدر الكعبي

أقسام المكان وأنماطه
ذهب النقاد في تقسيم الأمكنة في الروايات إلى مذاهب شتى تتفق في حقول وتتباين في حقول أخرى لكن الطابع المهيمن في التقسيمات المكانية للرواية بقي متألفا من الثنائيات الأساسية المتضادة أو المتباينة -على الأغلب – وأهمها ثنائية المكان الأليف والمعادي التي أوجدها (غاستون باشلار) والتي تعد من أهم التصنيفات في العصر الحديث وتبعها ثنائيات المكان المنفتح والمنغلق( لميخائيل باختين ) ولقد سارت اغلب التقسيمات التي صدرت من النقاد العرب على هذا المنحى فالناقد إبراهيم جنداري -مثلا- وضع الأقسام التالية للمكان وهي المكان الأليف والمعادي والمكان الواقعي والمتخيل والمكان الآني والتاريخي والمكان المسرحي والكوني وهي تقسيمات تبدو للمتفحص لها منذ الوهلة الأولى أنها تعتمد التباين ألضدي في الوظيفة الاشتغالية والحدود الجغرافية التي تمتد عليها في الرواية والتي تعطيها الفاعلية التكوينية في النص بالإضافة إلى ما تمنحه من الإيحاءات السيميائية للنص الروائي وليس بعيدا عن هذه التقسيمات وضع الناقد شجاع العاني تقسيما للمكان اشتمل على( المكان المسرحي والتاريخي والأليف والمعادي ) وهذا التقسيم ليس بعيدا ولا متفاوتاً أو متضارباً مع التقسيم الذي وضعه الناقد جنداري بل يكاد يتفق الاثنان حتى في التسميات الفرعية الخاصة بمسمى كل نوع ,أما الناقد حسن بحراوي فقد وضع تقسيما وان اختلف بالتسميات معهم لكنه لا يفارق المضمون السابق فقد قسم الأماكن إلى أماكن الإقامة وأماكن الانتقال وقسم أماكن الإقامة إلى أماكن إقامة اختيارية مثل البيوت وإجبارية مثل السجون وقسم أماكن الانتقال إلى عمومية وخصوصية وميز بين الفضاء المتصل والفضاء المنقطع , حيث إن أماكن الإقامة الاختيارية والإجبارية التي وضعها بحراوي ما هي إلا تعبير عن الأماكن الأليفة والمعادية أما أماكن الانتقال فهي تعبير عن الأماكن المغلقة والمفتوحة التي شرعها ميخائيل باختين , ولنفس المنحى اتجه حميد لحمداني بقوله (إن الأمكنة بالإضافة إلى اختلافها من حيث طابعها ونوعية الأشياء التي توجد فيها تخضع في تشكلاتها أيضا إلى مقياس أخر مرتبط بالاتساع والضيق أو الانفتاح والانغلاق فالمنزل ليس هو الميدان والزنزانة ليست هي الغرفة …إن هندسة المكان تساهم أحيانا في تقريب العلاقات بين الإبطال أو خلق التباعد بينهم) ,ومن الجدير بالذكر إن محاولة إيراد أسماء النقاد وتقسيماتهم للمكان من قبل الباحث لا تمثل أي محاولة لتثبيت السبق النقدي والزمني لأحدهم دون الأخر لكن هي مجرد محاولة استعراض للأفكار والآراء والطرق التي سلكوها في تقسيمهم للمكون المكاني في النص السردي ويعتقد الباحث إن الدراسة الموضوعية في التحليل النقدي لمكون المكان وتقسيماته تستدعي التوقف على الأنماط المكانية للكاتب مع التقسيمات لمعرفة العناصر المهيمنة والطاغية في كتاباته ومؤلفاته السردية واثر ذلك على البنية الأساسية لنصوصه .

رابط فيديو مناقشة الرسالة:
https://www.facebook.com/salam.ibrahim.12/videos/pcb.2915015021849663/2914985241852641/?type=3&theater

شاهد أيضاً

وعد الله ايليا: مازلتُ أبحثُ عن تفاصيل وجهك…!!!
الى/ روح الصديق الراحل الحاضر الغائب الفنان التشكيلي الكبير لوثر إيشو (ملف/18)

إشارة: بموازاة عراق ينزف تحت سياط الجلد على يد الظالمين والفاسدين، نَزَفَ زهوراَ عراقية مُرَمّمة، …

في ذكرى رحيل الفنان لوثر ايشو.. شقيقه بولص ادم يقول: اللوحة وطن والوطن لوحة، مفتاح فن لوثر
حاوره: سامر الياس سعيد (ملف/17)

إشارة: بموازاة عراق ينزف تحت سياط الجلد على يد الظالمين والفاسدين، نَزَفَ زهوراَ عراقية مُرَمّمة، …

 الطوب احسن لو مكواري دور الاهازيج باشعال الحماس بين الجماهير
مريم لطفي (ملف/3)

تعرف الاهزوجة على انها نوعا من الاناشيد الشعبية الغنائية، وهزج المغني  اي ترنم في غناءه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *