د.عاطف الدرابسة: هذا النَّصٍّ يُقرأُ من الجهةِ الخامسةِ ..

قلتُ لها :

أطوي عهداً قديماً ، كأنَّني أطوي بعضَ أمسي الجميلِ ، أتوغَّلُ في الذِّكرى ، أُصلِّي في محرابِها ، وحاضري مجموعةُ أحزانٍ ، وجنونٌ .

يبدو أنَّ حاضري ممتلئٌ باليأسِ ، وقليلٍ من الفرحِ ، لم يعد يشبه ذاك الماضي البعيد ، غيرَ أنِّي كلَّما حاولتُ أن أتخلَّصَ من بقايا ذاك الزَّمنِ ، تعودُ خسائري كأنَّها مِديَةٌ بيدِ جزَّارٍ .

ما أقسى أن يبحثَ الإنسانُ عن صورِ تلك الخسائرِ ، بين أنقاضِ الماضي ، أحياناً أشعرُ أنها صورٌ ملأى بالسَّأمِ ، أو ملأى بالكذبِ الذي يتكرَّرُ كأنَّه إيقاعُ الإغاني القديمةِ ، وكلَّما تكرَّرَ أكثرَ ، استحالَ مع الزِّمنِ صدقاً .

أسألُ نفسي : أمَا ارتويتَ من كؤوسِ ماضيكَ ؟ أمَا اتَّعظَّتَ من فعلِ السِّنينِ ؟ صوتٌ غريبٌ يخرجُ لي من أعماقِ الحُلمِ : مَن قالَ لكَ إنَّ الماضي يختفي ، أو يحتجبُ، أو تمحوهُ السُّنون ؟ لا يمكن لهذا الماضي أن يغيبَ من مخيِّلتكَ ، ما دامت هناكَ حِبَالاً تجرُّه ، أو تسحبُه إلى حاضنةِ الذَّاكرةِ .

للذَّاكرةِ أجفانٌ ، وللذَّاكرةِ حواسٌّ ؛ كم امرأةٍ يعبقُ عطرُها هناك . كم ليلةٍ حمراءَ رقصتَ بها حتى الثَّمالةِ ، ما زالت عالقةً بين جدرانِ تلك الذَّاكرةِ . كم مرَّةٍ اجتاحتكَ عواصفُ الشَّهوةِ . ستبقى ملقىً على رِمالِ شواطئِ الذِّكرى ، وكأسُ الشَّوقِ : نصفهُ إثمٌ ، ونصفُهُ حنين .

أيُّها الحاضرُ الباهتُ كالعُزلةِ ، كالرَّمادِ ، كدُخانِ سجائركَ : ما سرُّ هذا القلقِ الذي يحومُ في صدرِكَ ؟ ما سرُّ هذا الأرقِ الذي لا يُفارقُ جفنيكَ ، كأنَّهما معاً ، يخيطانِ لكَ كفناً من خمرٍ ، ودخانٍ .

تأمَّل حاضركَ ، ها أنتَ تسيرٍ تحت ظلِّ سحائبَ سودٍ ، تتدثَّرُ بزمنٍ أجرب ، وأحلامُ الخمسينِ تصرخُ بكَ ، كأنَّها امرأةٌ من ضوءٍ ، أدمنَت عشقَكَ ، جعلت قلبَها وقفاً عليكَ ، لا يخفقُ إلَّا باسمِكَ ، لا يستقبلُ الدَّمَ الخالي من عطرِكَ ، يأبى جفناها أن يُطبِقا إلَّا على رسمِكَ ، تأبى شفتاها أن تنطِقا إلَّا اسمكَ ، تأبى قدماها أن تحطَّا على الأرضِ ، إلَّا إذا كانت تلك الأرضُ أرضَكَ .

كلَّ ليلةٍ تأتيكَ قُبيلَ الفجرِ حلماً ، يهمسُ في روحكَ :
أنتَ أرضي
أنتَ سمائي
أنتَ عقلي
أنتَ جنوني
أنتَ اغماءةُ الرُّوحِ في موجةِ اللَّذةِ
أنتَ غفوةُ الفجرِ العميقِ
أنتَ كلُّ الحروفِ التي رِسَت في صوتي
أنتَ كلُّ ما أُبصرُ وما لا أُبصر
كلُّ ما أسمعُ وما لا أسمع ..

كم مرَّةٍ جاءكَ صوتُها مرتعشاً
يهمسُ بأُذنيكَ :
أنتَ المسافةُ
وأنتَ مبتدأُ العمرِ
ومنتهى الحبِّ
من عيني اليمينِ تبدأُ
وبعيني اليسارِ تقيمُ
أنتَ الطيفُ المتغلغِلُ في ذاكرتي
وأنتَ الدَّمُ الذي يسري في عروقي
وأنتَ الرُّؤى
وأنتَ الفِكرُ
وأنتَ الذي أقامَ في خلايا جسدي
إلى الأبدِ
جعلتَ بيني وبين كلِّ هذا الكونِ حدوداً
لكنِّ كونكَ بلا حدِّ ..

يا حبَّ الخمسينِ في ذاكرتِي
يا منفايَ الجميلَ
يا قلبَ البلدِ
هذا الخيالُ
ما زال يحملكِ إليِّ كلِّ يومٍ
حتى عشِقكِ هذا الخيالُ
يا لحظةً كأنِّها الأبد
اعذريني إن شعرتُ أنِّي أغارُ من خيالي
فأخافُ أن يتنازعِني في حبِّكِ
قلبي والخيال ..

د.عاطف الدرابسة

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| باسم محمد حبيب : طالب.

طالب من حقك ان تطالب طالب فليس غيرك من سيطالب طالب بحقوقك وحقوق أولادك وبضمان …

| مقداد مسعود : ماء اليقين .

(*) الخيرُ حين يفعل ُ : يتوارى (*) غنيّ.. غنيّ.. في الآبارِ المهجورةِ والمأهولةِ والمقهورة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *