بولص آدم: اللون يؤدي اليه (4) (ملف/16)

بولص آدم وشلال نياغارا

إشارة :
“ومضيتُ، فكرتُ بنفسي كالمتسوّل، لعلّ أحدا ما يضع في يدي وطني”.
يهمّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تقدّم هذا الملف عن تجربة الأديب العراقي “بولص آدم” مبتدئة بنشر نصوص كتابيه: “ضراوة الحياة اللامتوقعة” و”اللون يؤدي إليه” اللذين وضع لنصوصهما جنساً هو “الواقعية المتوحّشة”، وهذا امتيازه الفذّ في ابتكار جنس من رحم الأهوال العراقية، فقد أدرك أنّ النصّ العراقي يجب أن يُكتب بطريقة تكوي أصابع من يقرأه وقد يشتعل بين يديه. وهي ليست نصوصا “مفتوحة” بل الرؤية التي ينبغي أن يُكتب وفقها النص العراقي الحقيقي. بلاد تُجمع فيها الأشلاء المجهولة لأجساد أبنائها المُقطّعة بالمفخخات في “بابل” في “طشت الخردة” لا يمكن لنصوصها أن تُكتب إلا بطريقة بولص آدم “المتوحشة”. وبهذا المعنى فهي أيضا درس في أن أدب الحرب الكبير يُكتب بعد الحرب. حرب العراقي لم تنته. لقد بدأت الآن خلف سواتر الذاكرة المؤرِّقة الشعواء لتخرّب حياتنا إلى الأبد نحن جيل الخسارات الابدية: “حياتي ضراوة لامتوقعة- لاتسألني رجاءً عن باقي النص”. تحية للمبدع العراقي بولص آدم ودعوة للنقد العراقي لدراسة نصوص قد تمهّد لمدرسة.

لحظة بلا تاريخ

يوما ما،
مشجوج الذاكرة كنت
يومها،
لم اودع رجائي الى الأبد
كنت الضيف المنتظم على ملاجئ الأسئلة
ما تحقق .. شئ رهيب ،
رهيب جدا
لغتي الداخلية ، كقطرات تسقط على الجمر
لا نفع من وصف تلك الفداحة
الزمن الذي مر .. مر خادشا
اقف امام السماء واضحا ،
البيت خلفي ، موضوع الرثاثة مُتعِبْ
استدير نحو البعيدين ، حسبة راقدة تعيقني
اتقدم من العنوان ، اعاينه كصوت مفتقد
مواكبة الشوق تغريني .. غواية مكررة .. ثمرة نامية ..
اصلحت خلل التدفق وراوغت فتحررت من المقارنة العبثية
قلعت الشكاوي وحاصرت رمزا يحتال على فضائي
داهمت التبضع البشع بقناعتي ، رميت الشكوى الحمقاء في نقرتها ،
انتهت نزهتي ..
ساهمت ذاك المساء في رهافة الأمان
وعملت بأضافة ما لا يتراجع ولا يتهرب .. بسهولة نظرت
فرأيت وجها متسعا للأنطلاق
.. وجه زوجتي وهي تقول :
لنغني اية اغنية والا، فما العمل ؟
15/ 3/ 2011

بولص آدم بجانب قبر كافكا – 2010

الخطاة

عرّاب صفقة الجحيم
هيئة عملاقة من رائحة الأسطبلات
تزرق أسرنجة سامة في عضل الشارع المعلق
تظهر عند الساعة المسكوبة للجناية
في الليل عادة ، تتكتل كالأعواد في علب الثقاب
في الظهيرة ، تتربص بالزوار الدائخين
تنظر من تحت الأتراس وتعيّنُ المفضلين منهم للأكل ، والباقي للرمي في المقبرة ، قلة من النساء تبقين للعويل المبتكر ، كثرة من الأطفال الملتفين على اطار التراكتور الضخم ، الملطخ بلطخة تبقت من ثيرنة الرجال المقاسة احجامهم في جدل المتربصين بهم عند الساعة المجهولة لسكب الدم ، وتحرير الجسد من كبت الجناية !

الهيئة الخشبية لارادة القتل بقبضة ذاكرتها اللحيم
هدية الحرب ، خوذة في عيد الشجرة
زلابيا الخطاة ، وفيرة مساء حفلة الأستئصال
مسدس يتناوب على ضغط زناده الكريم والبخيل
تنفجر اكياس الطحين الصاعدة كالمناطيد
تعزف خراطيم الأسلحة مقطعا دبقا ، يهطل غبار الطحين الساخن في بلعوم أصفر ، يستقر في رئة الضحية التي لاتسمع بعد تلك اللحظة غير ، طنين بعوض خليع ثرثار حول بروفايل معلق على أنف مكسور لجدار مشخوط ، كان مركناً لوسائد يتكئُ عليها أكواع الزوار المرتعشين قبل ساعة الجناية المسكوبة عند الأنفجار .. لايحتاج الخطاة للتراحيب ، كل الشوارع تحت رحمة التبختر الجنائزي لهيئة عملاقة مهندسة ومحكمة ببراعة مشدات التخريب .
21/ 10/ 2010

مع الأسف

استهدي بالرحمن
وقل في نفسك،
ما شاء الله.. ما شاء الله
كل شئ عندهم مرتب وثقة
التأليف الجغرافي لديهم كالترجمة فوري
خرائط الوجبات السريعة المسببة للنفخ
الصراع متكافئ ومتقن مثل المارش
أسئلتهم سُمِحَ غش الاجابة عنها فأمتحاناتهم غايتها تصحيح العار بمدفع أخضر..
ما شاء الله.. حتى حروبهم نظيفة
رفع المحتل علمه عن سارية في بلادي
حشره في الغسالة،
زودها بنفط لغسل الدم
ودمع قرنفلتنا للتعطير
يستفسر ابن الحجية الطيبة
لماذا لم تعد تراسلني؟
هذه هي.. الحروب
عندما لا تكفي لقطة واحدة بمصورتك
لتعبر عن نسيج القناعات بأطمئنان
وتفكر بالبانوراما لتكون شاملا
فتعجزك الأحوال وتتخلى عن الأشياء بالتأجيل ..
يلزمني مجس يلتقط الوضوح المغيب، يتغلغل آلاف الأميال فأرى صبيا كفيفا بشعاع الطيار الكذاب محتجزا في قفص، يلعق جنونه، مكبل بالزناجيل، لا يعرف غير الصراخ المعدني، أتعبه البكاء في غرفة من تنك ولم يجديه توسل البابا الله يخليك.. لكأنه لا يعرف كيف يسأل مثلك، لماذا لم تعد تراسلني؟ يصيب كبد أبيه المحتار بمدية الشتائم في الجد والجدة والعمات والأقارب والقوادين وكل من كان السبب..
ولا تكفي كلمات وجمل في الاحاطة بالعربدة
لتحكي عن تعرجات القصف بالمصائب على الأمل
هي طلبيات وتسديد لفواتير الأحتضار.. ضربة بضربة
لماذا لم تعد احاديثك تأتيني؟
الهدوء داخل باص الليل، السائق بعيد في كابينته والنار الماجنة تلتهم بانتظام مزولة الخطايا، أعبر محطتي والتالية وافكر في جواب مناسب لسؤالك:
لماذا لم تعد تراسلني؟
الفيلم طويل عن ملحمة متضاربة التقييم
لماذا لم يعد ضروريا ان اسألك كيف الحال؟
تفقيس البيض بالتفخيخ ، حمامة بيكاسو في سوق الغزل
كنت محروما من كلمة حاصرتها الحرب بالدموع
وحتى هذه فهي الحروب
أدمنا ذلك التعليلالمشؤوم لكل شئ في الحياة ،
حتى المراسلة لها كأيقاف الحرب شروط
لماذا لم تعد .. الزاد جمعنا يوما
ألهذا الحد لا تراسلني ؟
هي النيران التي ماعرفت شيئا يثمر أكثر منها في الذاكرة
ماأقسانا لوصف شئ بالرماد
احتفظ بروحك سالمة
القذائف القديمة عمرها قصير و أنت الصديق في البلاد
06/ 10/ 2010

كابوس مصفر

تنين قادم من جوف كبته، يفهرس الأنتقام
مسخ العتمة، يراني لا كما تراني
ينتقم منك لصحوك، يسحلك من عقلك المتبأور بالسلم
يشق صوت المعرفة، دم الرهافة في رئة الغد،
يربط عشاق التنزه الى صولجانات ملطخة بدم القرون
يفهمني لا كما تفهمني
بعتمته يلاشي الوان الواسطي
يحشر سمراواتنا في صناديق الأسر
ينتقم من غيرنا بقتلنا !
يستخف بنا.. يعاقبك، لأنك تراني صنوا
يمزق صوت اغانينا، يقمع رغبة الصفير في الدروب، المناطق مقطعة، السفر مخيف، حرب في السوق، حرب على الجسر، حرب في الحقل، حرب في المطاعم، حرب في المحاكم، حرب في الدوائر، حرب مختلطة، حرب للبنات، حرب للبنين، حرب في المكتبات، حرب في القطار، حرب تحت الخيمة، حرب في الحرب، حرب في الخراب، حرب في الصمت، حرب في الخوف، حرب في العدالة حرب في الكلام.. طرد من المحلة، تهجير من المدينة، ابادة .
يستلب بريق عين المعلم عند امتلاء سبورته
يمتص لون الحياة من جسد متآلف معك، يعاقبك بقتلي .
المهندس عدوه، لا يفهمه كما تفهم، يفجر القبة لتهطل علينا، كي
لا تراني كما نريد، يتمنانا موتى حد التفسخ.. دمك يكفيه منتصرا
أفعاله صدمتك.. فالتنين، اسطورته في الغزو .
08/ 12/ 2010

السلام علينا

المبتدأ ناسفة والخبر فضاعة
مسامات مسدودة في رئة الأيام
هذا يتذكر ذاك
تلك تبكي هذه
نحن نتأمل والحقير يتجمل
اؤلئك يسقطون برصاص هؤلاء
الباقي على ترابه بالخوف المزمن
الراحل بعيدا يستخف به الغرباء
هو يستنجد وهي تأسف
تلك تقمع وذلك يهان
هؤلاء مخدوعون مفجوعون
أولئك مسلحون وقادرون
متجمهرون يفارقون الحياة
مترملات بحاجة لتلك الحياة
تلك تبكي حضنا فارغا
هذه تتعرى لتعيش
صديق يتمنى لولده فرصة لم تصادفه
صديق آخر يسحق
وآخر يسحقه مزاج المتعجرف
وثالث لم يسحق لأنه من جماعتهم
خال يتمنى من يهاتفه ، لايقوى على النهوض
عمة تجازف بحياتها لتعود الى قلب المدينة
لبيع البيت فقط .
هذا يسمع مطربه الأعمى
وذاك يتنهد بتلك ألأغنية ويضرب الكف بالكف
كل موسم تظهر احصاءات مشؤومة
وكرامات ممسوحة بمؤخرات الأسياد
شاحنات الوقود على طرقات فرعية
تحت النخيل الشاحب ينمو الخشخاش
انهار عجيبة صامدة مثل المرسومة على السبورة
ذاك يملك كثيرا ويتحامق
نحن نملك قليلا ونغفو ليصدمنا الغد
هو يعيش زمنه وزمننا وزمنكم في صفقة
نحن وهي ، ذاك وتلك في رجوة السعادة
ملاريا الأزمات .. لوثة الحروب
من منا لم يدفع جزية للطغيان ولو صفعة ؟
من منكم لم يتكلم همسا في شرنقة الخوف ؟
انا الذي عاش عمره أهاتفهم بالألغاز
وهم يختصرون الحكايا ويغيرون الأساسي
خوفا من الواشي وتداعيات المعنى والتأويل
ذاك يصرخ من بعيد وهم يفسرون الجلطات
مجانين في الأزقة يكنسون الظلال
رجال باعناق شائخة وعيون حمراء
صلعات سمراوات
سترات بفتحتين للتنفس ، اصابع معقوفة
ليدين ترفعان للدعاء
وتتشابكان على السرة أحتراما بين المقابر
المبتدأ تعصب والخبر مضحكة
ملفات في كل موضوعة ، النتيجة هراء
المبتدأ شرقي والخبر غربي
صديق يتمنى لولده فرصة أفضل
صديق مخلص للبلاد
مخلص ، ليس أدعاء .
14/ 9/ 2010

شاهد أيضاً

الدكتور صالح الطائي: ولادة قصيدة وطن رائية العرب (ملف/16)

إشارة: يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تفتتح هذا الملف عن “قصيدة وطن- رائية العرب” …

أمجد نجم الزيدي: سيرة المكان في رواية (عمكا) (ملف/14)

تستند رواية (عمكا)* للروائي سعدي المالح، على استلهام تاريخ مدينة عينكاوه، وحياة السريان في تلك …

سلام إبراهيم: أفكار حول الرواية العراقية للنقاش (2) حافظة للوحدة الوطنية (ملف/127)

في ظل ظروف الدكتاتورية والحروب المتواصلة التي أدت إلى أحتلال أمريكي عمل بخبث على تمزيق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *