غانم العقيدي: كنا في مقهى محمود (6)

مرض محمود
حطت الشركة الباكستانبة رحالها في المنطقة خلف القنطرة التي يعبر عليها القطار هي وآلياتها ورجالها بعد ان تعاقدت مع وزارة النقل في الحكومة العراقية لإنشاء قنطرة بديلة لتلك القنطرة القديمة، ضمن مواصفات حديثة وفق متطلبات مرحلة التوسيع التي تريد الحكومة ان تنفذها بعد ان اعدت التصاميم والخرائط اللازمة لذلك، وكان الغرض من التوسيع العمل على شق طريق، ثانٍ موازٍ للطريق القديم، لتلافي الزحام، والمشاكل، الناجمة عن زخم الحمولات للشاحنات الناقلة من وإلى العراق، عبر بوابة الموصل، تسهيلاً وتنشيطاً للتجارة بين العراق ودول اوربا ودول الخليج.
الشركة الباكستانبة هي واحدة من مئات الشركات الاجنبية والعربية التي حطت بالعراق، بعد نجاح العراق في تاميم النفط وسيادته عليه دون الرجوع الى الشركات التي تم الاتفاق على تعويضها، بتجهيزها بكمية من النفط الخام.
لم نكن نعير اهمية سابقا للأخبار المتسربة حول انشاء الطريق الثاني المزمع إنشاؤه والذي يتطلب في حالة الشروع في تنفيذه هدم الدور والمحلات الواقعة في الجانب الآخر من الشارع العام المبتدئ بمقهى محمود وما على امتداده من دور ومحلات.
كانت لجنة التعويضات قد قامت بزيارة المنطقة منذ مدة، واجرت مسحا كاملاً عن الدور والمحلات التي سيشملها التمليك، وتم تبليغ الأهالي بأن الحكومة ستبدأ بتملك دورهم ومحلاتهم ومنها مقهى محمود مقابل عرض بتعويض سخي لكنها تاخرت كثيراًعن التعويض ولم تقم بتوزيع المبالغ اللازمة الأمر الذي ولّد نوعاً من البرود لدى الناس.
كان التبليغ في البداية قد أحدث قلقاً عارماً لدينا نحن رواد المقهى، ابناء الحي الذين قد تعودنا على تلك المقهى بصاحبها بانها تمثل موطننا، الذي نحبه ونحن اليه ونجتمع فيه، بالرغم من اختلاف توجهاتنا كما هي الحال في كل زمان ومكان ومع مرور الزمن ومع تأخر البدء في العمل في القنطرة البديلة التي ستقوم بإنشائها الشركة الباكستانبة، ابتعدت عنا نوعا ما وساوس تفرقنا، واستمرت المقهى تستقبل روادها مع تغييرات طرأت على بعض من الرواد الذين انقطع قسم منهم عن المجيء يومياً كما السابق بعد ان استوعبت دوائر الدولة الكثير منهم، بوظائف جديدة اعلنت عنها، من ضمن الخطة التي ارادت بها النهوض بالبلد في جميع المجالات.
تحركت اليات الشركة الباكستانبة صباح ذات يوم، ووضعت حواجز على الشارع الذي يمر عبر القنطرة، وحولت اتجاه السيارات من الدورة التي تسبق القنطرة الى الطريق العلوي للحي، قاطعة بذلك الطريق التي كانت تسلكه السيارات، ومنها سيارات الحاويات الاجنبية وانقطعت بذلك حركة مرور السيارات من تحت القنطرة تماماً لقيام الشركة بعملية البدء بهدم القنطرة القديمة، الامر الذي عزل المقهى عن الحركة التي كانت دائرة في محوره، كما ادى ذلك الى انتقال سوق الشاحنات الى الشارع العلوي للحي والموازي لطريق القنطرة، وقد ادى ذلك العمل الى تأثرنا بالتغيير الذي طرأ على يوميات المقهى، وتأثر كذلك ابو شكيرة المريض بالسكر وبكليتيه وازدياد التهاب ابهام قدمه وتحوله الى اللون الاسود، الامر الذي ادى الى اعاقة حركته عما كان عليه في السابق، اصيب بالصدمة وأحس بأن اقدام الشركة الى قطع الطريق عن المقهى، بمثابة الانذار الاول لنهاية المقهى.
بعد عدة ايام من مباشرة الشركة الباكستانبة، بدأنا احد الايام بالتجمع أمام المقهى المقفلة بانتظار ان يخرج ابو شكيرة من بيته لفتح المقهى من دون جدوى، وتاتي مجموعة وتنتظر ثم تغادر وتاتي أخرى وهكذا ويعمد محمود ابو شكيرة في بعض الأحيان الى اغلاق المقهى ليوم أو يومين لا احد يعلم السر في ذلك، وبالرغم من انه يسكن في الشارع نفسه الذي تقع به المقهى، إلا أن أحداً منا لا يجرؤ ان يذهب اليه للإستفسار عن سبب اقفاله تبقى مجموعة الشباب تتوافد وتتجمع وتغادرمجموعات مجموعات أمام المقهى المقفلة أملاً بأن يظهر ابو شكيرة دون جدوى.
عند عودته لفتح المقهى من جديد يبرز ابو شكيرة سبباً لتخلفه منها أنه كان يشعر بالتعب بوقوفه على قدميه بجسمه الثقيل لمدة طويلة في خدمة الرواد، وإلى ساعة متأخرة من الليل ولم يكن في الحقيقة يعتمد على أحد بعمله ولم يشغل أحد ليعاونه بل كان يحرص دائماً أن يتولى هو كل اعمال المقهى المشهور بنظافته المطلقة.
كنّا بأشد القلق خاصةً بعد ان علم الجميع بمرض ابي شكيرة، وصعوبة قيامه باعمال المقهى وخدمة الزبائن كالسابق، لكننا في هذه المرة كنا نعرف ان ابا شكيرة مريض وقد استفحل مرضه وقد لا نفاجأ كما في السابق عند عدم فتح المقهى.
بعد الظهر قدم لنا ابو شكيرة عذره عبر ابن اخيه الصغير منير بأنه مريض ولا يستطيع الوقوف على قدمه لاستفحال الالتهاب في اصبع قدمه، وقد نقل الى المستشفى.
عاودت المقهى الافتتاح بعد انقطاع لمدة ثلاثة ايام شرح فيها ابو شكيرة الذي احضر ابن اخيه منير لمساعدته حالته المرضية وقد طالبه الطبيب المختص بعد ان اعطاه العلاج اللازم محاولة تخفيف وزنه والالتزام بالعلاج في وقته المحدد خوفاً من المضاعفات.
*****

الخطوبــــــــة
بعد اكثر من اسبوع على بدء العطلة الصيفية، سافرنا انا وامي الى بغداد، حسب ماكنت قد قررته بموافقة امي لخطوبة ليلى وبعد تأكدنا من انها تتمتع بالعطلة الصيفية للجامعة. تقدمت بطلب اجازة لمدة اسبوعين استدعاني على اثرها المدير ليسألني عن سبب طول المدة؟ فأجبته بأني سارافق امي بالسفر الى بغداد للضرورة لأمور عائلية تتطلب مني ذلك.
سألني المدير قائلاً:
خيراً ، هل هناك من مشكلة؟
قلت:
ليست هناك مشكلة، لكن امي تسعى لخطوبتي من ابنة خالتي، وسبق ان تكلمنا معهم بهذا الموضوع، وسنذهب لوضع اللمسات الاخيرة وتحديد يوم الزواج.
وافق المدير على اجازتي وتمنى لي التوفيق، ثمّ ودعت المدير شاكرا له.
كنت قد ناقشت بالتفصيل موضوع خطوبتي من ليلى ولم اخذ في حسباني لاعتقادي بأن لا احد سيرفض لي طلبي ابتداءً من خالتي نسيمة التي تحبني وكأني ابنها، وكذلك رياض الذي يحبني ايضاً ويعاملني كأخيه الصغير، اما ليلى فما زالت دموعها تحفر في قلبي ألماً اريد الشفاء منه عندما ودعتني وهي الاستاذة التي حرصت دائماً على راحتي والأهتمام بي في الوقت الذي كنت بعيداً في تفكيري عنها، لانشغالي بنهلة حلمي المستقبلي، وما كان يقلقني نوعاً ما، هو زوج خالتي الذي لم استطيع ان اضمن موافقته مع اني متكافئ مع ليلى شهادةً وعمراً، ومركزاً اجتماعياً.
في وصولنا المتأخر الى بيت خالتي نسيمة لم تفتح امي موضوع الخطبة، وكالعادة رحبوا بنا وانشغلت ليلى كالعادة باعداد وجبة العشاء وقد بدت على سيمائها الفرحة لقدومنا.
في الصباح وعلى مائدة الافطار المميزة وقبل ان يذهب الجميع الى اعمالهم باستثناء خالتي نسيمة التي تبدو وكأنها قد غاصت في العمر من سيمائها، لكنها مازالت قوية ، جلت بنظرة خاطفة في وجوه الجميع على المائدة كانت الابتسامات تعلوها عندما بدأت خالتي بالكلام قائلةً:
مبروك لك ليلى ابنة خالتك عروساً، ويسعد الله زواجكم بالخير واليمن والبركة فقد وافق عمك ابو رياض وبلا تردد على موضوع خطوبتك لليلى الذي فاتحتني به امك بالامس، وكذلك ابتهج رياض بهذه الخطوبة اما ليلى فلم تستطع حبس دموعها من فرط التأثر.
بدأ الجميع بتهنأتي وانا في موقف لا يحسد عليه بمزيج من الفرحة والحياء، والخجل فقمت من مكاني وتوجهت الى خالتي، وقبلت رأسها ويدها وشكرتها ومن ثم قمت بمصافحة العم ابي رياض وشكرته لموافقته وحسن ظنه فيّ ، كما صافحت رياض الذي هنأني واحتضن احدنا الآخر، ثمّ توجهت الى امي التي بدت سعيدة جداً فقبلتها وحضنتها وشكرتها، ثم رأيت كالعادة دمعتين تسقطان من عينيها، وهي تتمنى لو كان ابي حاضراً في تلك اللحظات التي تشعرها بالسعادة، وهنأتني امال تهنئة حارة، وقبلّت امي، ثم التفتت الى ليلى وعانقت احداهما الأخرى.
في حياءٍ مني وامام الجمع نظرت الى ليلى، وقد اطرقت رأسها خجلاً، وفي الحقيقة فاتني كيف اتصرف وانا في رغبة عارمة ان اعانق تلك الانسانة الجميلة، الرائعة الصامتة التي تفانت على خدمتي وخدمة امي وأخيراً اصبحت خطيبتي وستكون زوجتي.
تقدمت الى ليلى، التي قامت من مقعدها احتراماً لي ولإستقبالي فمددت يدي اليها فصافحتها وبقيت ممسكاً بيدها وقلت:
بسم الله وعلى بركة الله اشكر لك ولعائلتك الكريمة الموافقة على الزواج مني، واني اعتز وافتخر ويشرفني ان تكوني زوجتي الجميلة، والتي سيسعدني الله بها، والتي ساقضي ايام حياتي معها.
ردت ليلى بالقول:
شكرا لك ومبروك لنا.
احسست ان الجميع كان مسرورا ومبتهجا في ذلك الصباح الجميل وعلى تلك المائدة الدسمة التي احتوت على قيمر السدة والكاهي وجبن العرب والعسل والقشطة والبيض المقلي التي كان رياض قد هيأها بخروجه الى المحلات منذ الصباح الباكر.
في اليوم الثاني لاعلان خطوبتي وكانت ليلى قد تقدمت باجازة من وظيفتها، خرجنا انا وليلى من البيت في الضحى لإتفاق سابق بيننا ولأول مرة لوحدنا كخطيبين، متماسكي الايدي بنشوى لا توصف من الروعة فبادرتني ليلى قائلةً:
هل انت سعيد ياحسن ؟
قلت:
تمام السعادة التي كنت احلم بها، وقد لا تصدقين باني كنت خائفاً نوعاً ما ان لاتتم خطوبتي عليك لعارض ما مع ان احتمالات الرفض كانت بعيدة، لكني كنت كالطالب المجتهد الذي يدرك انه سينجح في الامتحان لكنه يبقى متخوفاً، وهذا ما جرى لي، وقد نقلت خوفي هذا الى امي من عدم موافقة ابيك على الخطبة لسبب ما لكنها كانت موافقة سريعة والحمد لله وها انذا امسك بيدك التي اريد ان اقبلها واطوقك واعانقك لولا اننا بالشارع.
قلت لليلى:
وانت حبيبتي ماهو شعورك؟
قالت ليلى:
حسن قد لا تدري كم كنت قريباً الى قلبي يا ابن خالتي العزيز، لقد احببتك بصمت وبحذر، لكني وضعت في حسباني انك ربما لم تهتم بي وربما تكون مرتبطاً بفتاة أخرى، ولم تسمعني ولو بالمزاح كلمة غزل واحدة اعول عليها انك مهتم بي، لذا اتخذت مع نفسي قراراً بالاحتفاظ بمشاعري العاطفية نحوك، وان تجري الأمور ضمن الاحترام المتبادل الذي كان يسود علاقتنا كأقرباء، وأحمد الله ان حبي لك قد ازهر ثم اثمر وتوج بخطوبتنا المباركة حبيبي.
اخذت ليلى الى شارع النهر مباشرةً ، وكان لابد لي ان اظهر سخائي واهتمامي ومحبتي لها، ونحن متشابكو المرفقين في ذلك الشارع الذي يفور بالبغداديات الحسناوات.
ابتعت من النوع الفاخر لليلى، تنورة مع قميص مع حقيبة وحذاء ودمالج واساور بالرغم من ممانعتها الشديدة، لكني استطعت ان اقنعها بانه من واجبي ان اقوم بذلك.
لدى الصائغ استغرقت عملية شراء دبل الخطوبة اكثر من نصف ساعة، مع اهتمام الصائغ بنا وقد عرض علينا ان يأخذ قياسات اصابعنا ونأتي لاخذ الحلقات في موعد آخر، رفضت انا الفكرة وقلت له:
لا نملك الوقت الكافي للعودة مرة أخرى استطعنا في النهاية شراء الحلقتين، وكان تعامل الصائغ معنا سلساً جداً وحريصاً على الاستماع الى ليلى في اختيار النوعية، وابدالها بين الحين والآخر في الوقت الذي ذهبت انا في شرود الى نهلة وموضوع الحلقة الذي اثرته في زيارتنا لها انا وامي في بيت الحاج عامر، وها انذا اصدق في كلامي واضعاً النقاط على الحروف.
ابت ليلى الا ان تشتري لي قميصاً من محل لبيع القمصان الرجالية في شارع النهر قرب غرفة التجارة، وربما يكون هذا المحل قد تخصص مدركاً ان كثيراً من النساء عندما تتبضع من شارع النهر، تريد ان ترضي من تريد ارضاءه بشراء قميص كهدية، وفعلاً كان المحل يلاقي رواجاً من قبل المتبضعين حصلت على قميصين من نوع الفا اختارتهما ليلى.
ادركنا الجوع ونحن وسط شارع الرشيد، فسألت ليلى المطعم الذي تحب ان نتناول غداءنا فيه؟ وخيرتها بين مطعم عمو الياس القريب، وبين مطعم تاجران في الباب الشرقي، او في مطعم الجمهورية؟
قالت ليلى:
اعتقد ان من الافضل لنا ان نتناول غداءنا في مطعم نزار اذا كنت تعرفه، فهو يقدم وجبة من الكباب اللذيذ، ثم اننا نستطيع الصعود الى الطابق العلوي المخصص للعوائل لنتاول وجبتنا بهدوء بعد هذا التعب، واننا قد مللنا من اكل الرز والمرق.
اجبت ليلى بالموافقة وكان اقتراحاً جيداً، وكنت اعرف المطعم الواقع في مدخل شارع السعدون الفرع الاول اليمين من بعد الباب الشرقي.
عند صعودنا الدرج الى الطابق الاول في مطعم نزار، كنا انا وليلى متماسكي الايدي ونصعد بتؤدة بعد التعب الذي اصابنا من مشوار التبضع الطويل، وعندما كنت ممسكاً بيد ليلى كنت اشعر باني اتسلق المجد وانا اخذ الاميرة سندريلا الى غرفة نومنا الفخمة، وعندما سأدخل سأصفق للحراس والجواري ان ينصرفوا، ويتركونا لوحدنا انا وحبيبتي لليلة من ليالي العمر.
افقت من حلمي الجميل عند وصولنا باحة المطعم الذي توزعت العوائل على مناضده هنا وهناك.
جلسنا في مكان اخترته انا وسط الباحة، ووضعنا مشترياتنا بجانبنا وذهبت ليلى الى مغاسل النساء لاصلاح هندامها، وعادت بعد دقائق وقد جددت الميك اب بوجه مشرق مع ابتسامة جذابة ثم جلست امامي وانا اشعر بالزهو وكاني في حلم او في عالم آخر.
جاءنا نادل المطعم وهو يحمل باقة ورد وضعها على المنضدة مرحباً بنا وهو يبتسم قائلا:
مرحباً وأهلا وسهلا بكم في مطعمنا، ونحن ندرك من خلال عملنا انكم خطيبان على ابواب الزواج، متمنين ان تكون زيارتكم لمطعمنا اولى بوادر الخير والمحبة فهذه محطتكم الاولى، وستبقى ذكرى جميلة مع الورد ترافقكم كلما مر الزمن.
سألت النادل:
كيف عرفت اننا مخطوبان؟
قال:
من دخولكما وانتما متماسكو الايدي، ومن مشترياتكم التي تحملوها.
قلت: هذه ملاحظات جيدة ونشكر لك حلو الاستقبال.
طلبنا كباباً حسب رغبة ليلى وقمت انا الى المغاسل وبعد عودتي وجدت ان ميز الطعام قد مُليءَ بانواع المقبلات قبل وصول الكباب، كان الكباب فعلاً ذا نكهة لذيذة، استمتعنا انا وليلى به، ونحن في عالم جميل.
في اليوم التالي واثناء وجبة الغداء في بيت الخالة نسيمة، اقترحت أمي على الخالة نسيمة، ان نتزوج انا وليلى الخميس المقبل، وتذرعت أمي بأن اجازتي قصيرة ويتوجب عليّ مغادرة بغداد لوشك انتهائها، الامر الذي سيعطل زواجهما اشهراً أخرى وبما ان ليلى الآن في العطلة الصيفية وأنا كذلك، لذا ارى ان الحل يكمن في زواجهما هنا، ومن ثم ناخذ عروستنا معنا ونعود الى بيتنا.
كانت امي قد تكلمت معي في الليل الفائت في موضوع زواجي وفق المقترح التي اخبرت به الخالة نسيمة وقد وافقتُ بلا تردد.
تفاجأت الخالة نسيمة بطرح امي لها موضوع الزواج لكنها لم تعترض على الفكرة ، وطلبت ان تكلم عائلتها بالموضوع وخاصة ابو ليلى.
لم يكن رياض أخا ًلليلى فقط، بل كان أخاً وصديقاً لي بقيامه بمساعدتي وبدون تردد بتهيأة مستلزمات الزواج، بعد تخصيص ملحق البيت لسكني انا وليلى بعد عودتنا من الفندق الذي حجزت فيه لمدة يومين، وكانت آمال منهمكة ايضاً بالتحضير مع ليلى لتهيئة متطلبات الزواج والعروس، واصطحابها لشراء الحاجات التكميلية، والكوافير والأمور الأخرى.
بعد عقد قراننا في المحكمة، دعت ليلى مجموعة مختارة من صديقاتها، وبعض من جيرانهم لحضور حفل الحلقة وليلة الحناء، وتحملت امي وامال مسؤولية الاستقبال، وانضمت احدى صديقات ليلى لمساعدة آمال في تقديم العصائر والحلويات بعد اكمال الترتيبات لحفل الحلقة، وحناء العروس دعتني امي للدخول لتلبيس الحلقات، وكنت قد استعديت بارتدائي بدلة رصاصية فاخرة واحد قمصان ليلى ابيض اللون مع فيونكة سوداء راقية وقد سرحت شعري وحلقت ذقني ووضعت كولونيا اولد سبايس الانكليزية العريقة مع عطر بروت.
دخلت غرفة الاستقبال حيث كانت تعج بالنساء من صديقات وجيران ليلى وكأنهن باقات من الورود الملونة واريج عطرهن قد ملأ المكان بعبقه الساحر، وقد استقبلت بالتصفيق والزغاريد وامي تقدمني اليهن.
تبادلنا لبس الحلقات انا وليلى بتلك الاحتفالية الرائعة حينما وضعت آمال اسطوانة رومانسية اجنبية ودعتنا للرقص.
على انغام ((YESTERDAY WHEN I WAS YOUNG للرائع الفرنسي شارل ازنافور، ووسط باقة الحسان وتصفيقهن وزغاريدهن احتضنت ليلى ونحن نرقص على ذلك اللحن الرومانسي الجمبل ونحن نشد بعضنا الى بعض فهمست باذن ليلى قائلا:
دعينا نهرب الآن انا لا استطيع الانتظار الى الغد.
تبسمت ليلى قائلة:
غدا وكل الأيام الذي ستتبعه ستكون ملكنا حبيبي.
ظهراً عند ما توقفت سيارة الاجرة التي اقلتنا الى البيت انا وامي وعروستي الجميلة لدى عودتنا الى الموصل، لم يكن أحد من الجيران على دراية بخبر الزواج وقبل دخولنا الى البيت وانا اهم بانزال الحقائب والحاجات الأخرى فوجئت بالحاج عامر يرافقه حمدي، عائدان الى بيت الحاج عامر وكان حمدي يحمل حقيبة لوازم الادوات الكهربائية. تلك التي كنت احملها يوم عملنا معا ويوم اختفت علبة الكلبسات وعادت بقدرة عجيبة.
سلّم الحاج عامر على امي وكذلك حمدي وصافحاني ورحبا بعودتنا وقبل ان يسألاني عن ليلى سبقتهما امي قائلةً:
ابنة أختي ليلى عروسة حسن التي تكلمنا عن خطوبتها لدى زيارتكم.
قال الحاج عامر: هذا يعني ان حسن تزوج.
قالت أمي:
نعم وها هي عروسته تحل ببيتها مع زوجها.
قال الحاج عامر: اهنئكم جميعا وخيرا فعلتم فان خير البر عاجله.
اغلقت بابنا بعد ان دخلنا واكملت ادخل حاجياتنا التفت امي الى ليلى ابنة اختها واخذتها بالاحضان وهي تمطرها قبل مرحبة بها في بيتها الجديد، ولم تدخل امي الى غرفتها بل دخلت الى غرفتي مع ليلى لترتيبها واوعزت الى ليلى للذهاب الى المغاسل وقبل ان ادخل او افعل أي شيء ارسلتني امي لشراء لوازم ضيافة زائرينا من المهنئين المحتملين وخاصة الخالة بثينة وابنتها نهلة بعد رؤية الحاج عامر لنا.
بعد عودتي من مشوار التسوق، دخلت الى غرفتي التي فارقتها منذ مدة وكانت عروستي الجميلة جالسة على سريري وقد غيرت ملابس السفر وارتدت تراكسوتاً ( بجامة نسائية) صيفياً ذا لون اخضر فاتح جداً، وقد جددت الميك اب وشدت شعرها الى الاعلى وقد بان وجهها الجميل تزينه قرطاها المتدليان لكنها كانت مطرقة رأسها وقد بدا عليها مسحة من الحزن بالرغم من كونها قد ابتسمت حال دخولي الغرفة، مسحت خفيفاً بيدي على رأسها ثم قبلتها من ام رأسها وقلت لها:
ما بك حبيبتي؟
قالت:
تذكرت امي وقد تركتها واهلي وحياتي وانتابني شعور اشبه ما يكون بالحلم عن حقيقة وجودي هنا.
قلت:
حبيبتي ليلى انه شعور طبيعي يعبر عن تغيير في نمط الحياة التي كنت تعيشينها سابقا والتي عليك ان تعيشيها الآن وبأيام معدودة سوف تعتادين العيش معنا وفي احضاننا، انا وخالتك التي تحبك، ثمّ انهضتها وعانقتها قائلاً:
دعينا يا ليلى نعيش احلى ايامنا منذ البداية.
بعد ساعتين من نومنا كانت امي تطرق الباب طرقاً خفيفاً وهي تنادينا للغداء المتأخر الذي اعدته.
قبل جلوسنا على المائدة توجهت ليلى الى امي واحتضنتها وهي تقبلها من رأسها ووجها، ويدها في شعور بالفرحة، فقلت الحمد لله لقد تجاوزت ليلى حنينها.
جلسنا على المائدة التي اعدتها امي وقد مسنا الجوع ونحن نلتهم بنهم طعام امي اللذيذ، عندما مازحت امي ليلى مزاح الأمهات لبناتها وهي ترحب بها قائلة:
ان بيتنا قد ازداد نوره بقدومك يا ليلى، وقد لا تتصوري مقدار احتفائي وفرحي بك وانت بيننا يا ابنتي وابنة اختي الغالية، واضافت اتمنى ان تتوفقا انت وحسن بزواجكما وتزيدوني فرحاً برؤية حفيدي او حفيدتي التي اتمنى ان يكون سريعاً.
بعد الغداء ابلغت امي ليلى بتغيير ملابسها، وان تستعد لاستقبال الزائرين او المهنئين خاصةً بعد علم الحاج عامر بخبر زواج حسن ورؤيته لها.
لم تتأخر الخالة بثينه تصاحبها نهلة بزيارتنا وتقديم التهاني لنا وكنت انا من فتح لهما وهنأتني الخالة بثينة على سلامة الوصول، وباركت لي زواجي مع الدعاء بالتوفيق والنجاح والذرية الصالحة وما الى ذلك.
نهلة وما ادراك ما نهلة، كانت هي العروس بطلتها وشكلها وجمالها الآسر وقد ارتدت وهي المتفننة باختيار ملبسها تنورةً رصاصية حد الركبة لفت جسدها الباذخ بشكل ملفت للنظر مع قميص جرسيه أصفر لاصق على جسدها البض وقد فتح من الاعلى قليلاً، صافحتني نهلة بابتسامة وابقيتُ يدها بيدي واحسست بحرارتها ولم تحاول ان تفلت يدها وهي تنقل كلماتها بتهنأتي مع مزاح خفيف حول الزواج، ما يعني اني اصبحتُ مقيداً مودعاً للعزوبية والحرية التي كنت اعيشها، واستنتجت من كلامها انها ترمي الى ما كان لي من ماضٍ معها.
بعد عناق امي مع كل من الخالة بثينة ونهلة جلستا في غرفة الضيوف، ولم تخرج ليلى لتحييهما حسب تعليمات امي الا بعد عشرة دقائق.
خرجت ليلى عروستي الجميلة البريئة، الينا وانتابني نوع من الشعور بالاثم، من التصرف الذي سلكته قبل دقائق مع نهلة، سلمت ليلى على الخالة بثينة مرحبة ومجاملة كالعادة وعلقت الخالة بثينه قائلةً:
ماشاء الله ان عروستكم جميلة ووجهت كلامها الي قائلةً:
مبروك لك ياحسن حسن اختيارك لليلى وهي الملائمة لك من كل النواحي.
تعانقت كل من ليلى ونهلة وتبادلتا القبل وهنأت نهلة ليلى ايضاً وجلست ليلى بينهما ودار حديث طويل بينهما، بعدها قامت ليلى لتقديم مستلزمات الضيافة من الكعك وعصير البرتقال، وانهمك كل من امي والخالة بثينه باكمال حديثهما، وبقيت انا أتامل نهلة وهي جالسة أمامي بطريقة مثيرة ربما تتعمدها عندما قالت لي بصوتٍ خافت:
اني وكما سبق وأن قلت لك إن ليلى ولو قد اكتنزت نوعاً ما الا انها مازالت شاحبة وانها ليست بالطول الذي قلت.
قلت لنهلة:
هذه وجهة نظرك، اما انا فأرى حبيبتي زوجتي اجمل منكِ بل من اجمل النساء.
عادت ليلى وقدمت لضيفتيها الحلوى مع العصائر، وكنت ارقب نهلة بحذر وقد بدا على وجهها علامات عدم الرضا والتأثر من كلامي.
لم يطل جلوس الخالة بثينة ونهلة عندنا واستأذنت الخالة بثينة امي وودعتنا انا وليلى مكررة دعواتها لنا اما نهلة فاكتفت بتوديعنا بكلمة واحدة ثم غادرتا.
لم تعلق ليلى على زيارة نهلة والخالة بثينة بعد تعرفها عليهما لكنها ابدت ملاحظة حول ملابس نهلة قائلةً:
انها تحاكي بنات بغداد بلبسها .
في 1/10/1973 كان على ليلى ان تباشر بوظيفتها ببغداد، وكانت امي قد باشرت بوظيفتها بعد ان افتتحت المدارس ابوابها في منتصف ايلول، وكان لزاماً عليّ ان اتصرف لتدارك الموقف خاصةً وان امي قد تقدمت بطلب إحالتهاعلى التقاعد وهي تنتظر الموافقات المبدأية بذلك، لتاخذ كتابها الى وزارة التربية والتعليم في بغداد لإكمال موضوع احالتها على المعاش. لجأت الى طبيب من اصدقاء المرحوم أبي ورجوته بعد تحيتي الحارة له قائلاً:
دكتور انا بأمّس الحاجة كي تساعدني في منح اجازة لزوجتي، وشرحت له السبب وكيف اني انتظر ان تحال امي على المعاش، كي تسافرا معاً مرة واحدة.
استطعت بعد سلسلة من الاجراءات بمساعدة الدكتور ان أمرر أجازة مرضية لليلى، لمدة ثلاثين يوماً بعد ادخالها صورياً بالمستشفى.
أبلغتنا آمرية المعسكر، عبر مفرزة التصليح بوجوب نقل خطوط كهرباء دور الحي العسكري من المعسكر وربطها بخط مصلحة الكهرباء المقام حديثاً، باتفاق تم بينهما وخلال شهر واحد وقامت مصلحة الكهرباء بربط ميزانية حديثة لكل دار في عملية سريعة وأوعزت لاصحاب الدور بنصب تقاسيم التوزيع لغرض الربط.

*****

شاهد أيضاً

بعد فوات الأوان
تأليف: رياض ممدوح

مسرحية مونودراما ، عن قصة للكاتب العراقي انور عبد العزيز المنظر ( غرفة عادية قديمة …

رَجلٌ مِن فَيضِ السّمَاءِ
بقلم عبد اللطيف رعري
مونتبولي/ فرنسا

أنا رجلٌ من تراب من رمادِ الغاباتِ من وحلِ القُبورِ. .من خَليطِ الماءِ والزعفرانِ … …

ألـف هـايـكـو وهـايـكـو
(2) إيـسا (ياتارو كوباياشي 1763- 1827)
ترجمة: جمال مصطـفى

101 هواء ليلة تناباتا البارد / يدهن الخيزران بالندى * تناباتا مهرجان يقام سنوياً في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *