د. قصي الشيخ عسكر: شيء غير الحلم (ملف/12)

إشارة:
للشاعر والقاص والروائي والباحث المبدع الكبير د. قصي الشيخ عسكر بصمة مميزة في أغلب المجالات الإبداعية التي يرودها. وفي كل حقل يأتي بالأطروحات والرؤى الجديدة لاسيما في مجالات الفن الروائي والبحث اللغوي والأسطوري وغيرها، وله العديد من النتاجات التي تشهد على ذلك. كما تم تدريس نتاجاته الروائية في بعض الجامعات الأجنبية وأُعدّت رسائل جامعية عن نتاجه الروائي والشعري في عدة جامعات. ولأجل تسليط اضواء أوسع على أدبه وتوثيفه ندعو الكتّاب والقرّاء إلى إغناء ملف الموقع عنه بالمقالات والدراسات والصور والوثائق.

يبدو أنّ كلَ شيء حدث وفق ترتيب غريب مألوف في الوقت نفسه ولا دخل
للمصادفة فيه.أما أصل الحكاية فيعود إلى لحظة اندفع فيها كلبي الصغير نحو
غابة قد أكون مررت بها يوما ما ولم تلفت نظري.وجدت هناك حارسا أشقر في
الخمسين من عمره،تغطًي تجاعيد جبينه.سألته إن رآى كلبا يدخل الغابة،فأجاب
بلطف أني يمكن أن أدخل فأبحث.

عبرت البوابة فوقع بصري على أشجار سرو وصنوبر،والغابة التي تلوح لا نهاية
لها تكاد تغص بكلاب من مختلف الاشكال والألوان والأحجام.لم تلتفت إلي تلك
الكلاب بعضها يستريح تحت الشمس وأخرى تغص في الماء ومجموعة تأكل.أملت أن
يستدل الكلب عليَ بحاسته المألوفة.أوشك النهار ينتهي وإذ يئست مسدت على
رقبة كلب شبيه بكلبي الضال،حملته بين ذراعيّ وخرجت.

كان الحارس كما ظننت في الكوخ الصغير عند مدخل البوابة.

أو

هكذا خٌيًل لي.

اليوم التالي تركت الكلب في المنزل وقصدت الغابة ذاتها.وجدت رجلا في
الثلاثين من عمره أسمر البشرة فظّ الملامح واقفا عند البوابة،سألت كأن
الحارس قبله كان صديقي أو أنّ هناك رغبة تحثٌني لمعرفة خبره:

معذرة أين الحارس الذي كان يقف مكانك يوم أمس؟

أجابني بصوت أجشّ لا تخلو من بعض ملامح صوت سمعته أمس:

ليس هناك من حارس غيري،أنا أعمل هنا منذ عقد ولم أغادر مكاني.

لكن أمس..

أشاح بوجهه عنّي مقاطعا:

يمكنك الدخول..

هذه المرّة شككت في أن أكون أحلم،بصري وقع على حشود من قطط مختلفة
الاشكال والأحجام والألوان،قطط على الشجر وبين السواقي وأخرى تطارد
فئرانا وقطط تهرب من لاشيء أو تمارس الجنس.الحت عليّ فكرة تسربت من أمس
فدنوت من قطة استأنست لراحة يدي فحملتها،ولم أر الحارس الفظّ الذي قابلته
عند اجتيازي البوابة فلعله يستريح في الكوخ،قلت من قبل إنها ليست
المصادفة تجعلني أرى أشياء فأجد غيرها في اليوم التالي وإذ دخلت البيت
وجدته فارغا من كلب جلبته يوم أمس.

ذلك دفعني لتجربة جديدة. مغامرة.اكتشاف.حلم.حقيقة، أي شيء قصدت الغابة
يوما وآخر،وفي كل مرّة أجد حارسا جديدا يدعي أنه كان منذ سنوات في المكان
ذاته،فأدخل..لا أحد منهم يمنعني،التقط حيوانا ولا أرى الحارس القديم
الجديد عند خروجي،جلبت إلى بيتي أرنبا وسنجابا..أفعى ..ديكا..ابن
عرس،ثعلبا، وكل حيوان يتلاشى حالما أدخل البيت بصحبة آخر…

وهكذا

آخر يوم لم أجد الحرّاس الحارس ذاته،والحاجز اختفى،فدخلت المكان كما لو
أن شيئا ما ينقصني.الغابة اختفت وحلّ مكانها امتداد لسهل فسيح لانهاية له
يعبق بالرمل والحصى.اشكّ في نفسي.لو كنت في حلم لما تغيّرت الأشياء.أحاول
أن أنسى كلّ ما حدث فأعود إلى البيت من دون أي حيوان أحمله معي.

فجأة

وأنا أدير مقبض الباب سمعت نباحا ومواء وصريرا.أصوات متداخلة لحيوانات
جلبتها معي اختفت ثمّ عادت.كانت تتطلّع فيّ بنظرات مبهمة ،فتراجعت..

تراجعت وقد تبادر إلى ذهني الفرار.

شاهد أيضاً

وعد الله ايليا: لوثر ايشو ..والتفرد الفني (ملف/14)

إشارة: بموازاة عراق ينزف تحت سياط الجلد على يد الظالمين والفاسدين، نَزَفَ زهوراَ عراقية مُرَمّمة، …

لوثر ايشو مازال نابضا بالحياة رغم رحيله
مقالة في جريدة موصلية
عنكاوا كوم –الموصل -سامر الياس سعيد (ملف/13)

إشارة: بموازاة عراق ينزف تحت سياط الجلد على يد الظالمين والفاسدين، نَزَفَ زهوراَ عراقية مُرَمّمة، …

مقداد مسعود: “حميد الربيعي” من الهدوء .. إلى الورد (ملف/3)

حين علمت ُ برحيلك، وقفتُ حاملاً أعمالك الأدبية دقائق حداد … ثم شعرتُ بحفيف ينافس …

2 تعليقان

  1. محمود سعيد

    القصة ممتازة، اهنئ الزميل قصي على إبداعه، كنت قرأتها في القدس العربي، وسجلت إعجابي يها.
    تحياتي الخالصة
    محمود سعيد

  2. قصي عسكر

    تحياتي الأديب اللامع محمود سعيد وتقديري
    شكرا لك
    قصي عسكر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *