طلال سالم الحديثي: أرتّل دونما جهة .. والإحتفاء بالمكان

مجموعة شعرية جديدة لشاعرة عراقية هي (حياة الشمري) بعد مجموعتها الأولى (تراتيل لحاء البحر) وعدد قصائد هذه المجموعة ثمان وعشرون قصيدة الملفت للنظر فيها احتفاؤها بالمكان حتى لا صوت يعلو على صوته في جميع القصائد دون استثناء إذ لا نجد قصيدة تخلو من ذكر المكان أو جزئية من جزئياته، وهذا الاحتفاء بالمكان له دلالة شعورية تتوتر أحيانا إلى ذروة التصعيد النفسي الملتهب بدلالات معنوية تتواشج والحالة الشعورية المتأزمة خلف الكلمات حتى يصل الأمر بالقارئ ليسأل عن الدلالة القصدية لمثل هذا الاحتفاء بالمكان حد البروز كشاهد عياني محمل بالدلالات الرامزة إلى تمزق نفسي يختفي وراء الكلمات، ولكنه تمزق نفسي له دلالاته وله مسبباته التي استنامت في الأعماق جروحا غائرة لا تندمل وظلت تفعل فعلها في الأعماق التي تغلي كمرجل لا يستكين. وفي هذه الحالة تضحى القصيدة المتنفس الذي من خلاله تنفث الشاعرة تمزقاتها النفسية التي حامّت بكل جميل في حياتها التي لم يبق منها سوى الهشيم. وهذا أقسى ما يمكن أن يعيشه المرء ويعانيه.
  وإذا كانت العاطفة هي (ثيمة) مثل هذه القصائد، فهي في شعر المرأة أكثر تأثيرا دون الحاجة إلى سذاجة التمييز بين شعر المرأة وشعر الرجل، وإنما المقصود الإشارة إلى الحساسية الشعرية في المعايشة بين الاثنين التي تتأثر هبوطا وارتفاعا نتيجة لطبيعة كل منهما الخلقية تبعا لعوامل الإثارة والاستجابة المقابلة لها عند الطرفين. ففي قصيدة بعنوان (حل نيسان) وبعد تمهيد تصويري لهذا الزمن المسمى (نيسان) وهو شهر خصب للطبيعة وفيضان ماء وبعد صور البراءة عبر مفردات اليمامات والسواقي والملائكة والعصافير والورد والنسيم والفراشات والقناديل والضوء يأتي نزيف الجراح الذي يفترش سطوح البيوت بالسكاكين ويصبح المتكأ عمره الظمأ ونجوم الذئاب التي تفرش أدى إقحام (الذئاب البشرية) وكنت أتمنى أن لا تلجأ الشاعرة إلى استعمال الجمع الغريب الذي أوردته مكررا وهو جمع (أجانح) الذي أجده إضافة إلى غرابته – زائدا لا تحتاجه عبارتها.
وأحزان الشاعرة تنثال في كل القصائد على وجه التقريب حتى لنظنها أحزان لا تنطفئ، أحزان شفيفة ينبعث أريجها أينما تلفتنا في حدائق شعرها المنساب بعفوية أو لأقل بتلقائية واضحة هي ميسم في قصائدها.. أحزان هي صدى عذاباتها تقول:
    تتلون عذاباتي.. وجع فوق المسامير
           أنا من تيه إلى تيه
            يلاحقني صوت صدئ
             وأنا المبتلة.. أتمسك برذاذ ماء
               البكاء المرتاح في عيني يُحضر أوجاعي
                  وعيون الأحبة قناديل أطفأتها الدموع.
فلا يكاد الحزن يتجاوز قصيدة من قصائدها:
             المسافات ليل
               كعصف الريح
                  وموائد نزف تصرخ
                   ثغر سماء ينتحب
                     وعبثا تسرح عيناي .. تحلم
                       وأرض عروس خُلِع ثوبها
                         فتكفلتها الريحُ
                           فما للخيل صهيل
                             ولا للرجال صهوة إعتلاء
                               كلّ ما في الروح أنين مدامع
                                 على وقع أقدار
                                    لشعب تعمّد بالدماء.
  وإذا كانت (التجربة المُعاشَة)، ووحدة الشعور والتجربة معيار الشعر الغنائي كما ينقل (رينيه ويليك) عن كاته هامبرغر في دراستها عن منطق الشعر (1957)، فإن لهذا الشعر وظيفته في الواقع وأجد أن الشاعرة من حيث لا تحسب حققت هذه الوظيفة وجعلت المكان وأجزاءَه تتحدث بعيدا عن (الأنيمية) التي هي الأعتقاد بأن الأشياء المادية لها أرواح تسكن فيها أو تشكل مبدأ حركتها وفعاليتها.
  ولا أشك بأن هذا كله ما يجعلنا نقرأ هذه القصائد المكتوبة بلهب الشعور وهل يكون الشعر إلا ترانيم المشاعر؟.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. رحيم الغرباوي : البراجماتزم في مجموعة مثلي لايكتفي القمر بنجمته للشاعر حسن سالم الدباغ .

   لما كانت الحقيقة ، هي القيمة الفورية للفكر بوصف الفكر مرآة ضرورية للحقيقة الخارجية …

| عصام الياسري : جماليات لغة الشعر في فضاءات.. فارس مطر .

استضاف مؤخرا “بيت الأدب” في برلين Literaturhaus Berlin لأمسية شعرية موسومة “الفرات، النخيل… مازلتُ أتنفس” الشاعر العراقي المقيم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *