مهدي شاكر العبيدي: محمد السباعي .. مترجما ومؤلفا

إشارة : عبر ملاحقة جهد أستاذنا الباحث والناقد مهدي شاكر العبيدي الذي ينشره في صحيفة الزمان وفي المواقع الإلكترونية ومنها موقعنا “الناقد العراقي” ، والذي يتجلى فيه جهده الكبير والمضني في الحفر في الطبقات المغيبة من الذاكرة الثقافية العراقية والعربية ، لا يسعنا إلا أن نقف باحترام وإجلال وتقدير كبير لهذا الجهد ، متمنين له الصحة الدائمة والإبداع المتجدد . 
 
 محمد السباعي الكاتب المرموق في جيله وعصره هو والد يوسف السباعي ، المعروف بتجويده في الفن الروائي ، أحد الأجناس الأدبية وفي مقدِّمتها وأكثرها اليومَ شيوعا ً واستهواءً للقرَّاء لدى الأمم جميعها في هذا العصر الحديث ، وهذه حقيقة من بسائط الأشياء ، ليعلمها مَنْ لم يسمع بها ، خصوصا ً ثراثرة المجالس الأدبية وسط القهوات ، لا المجالس المعقودة في البيوت ، وهذه يغلب عليها التصوُّن والاحتشام ، وتلك يتخللها القدحُ والتشَادُق وقلـَّة التهذيب ، وإنْ كنـَّا متيقنينَ أنَّ الموهبة لا تورَّث ، وأنَّ البَوْن بين نتاجيهما عموما ً من ناحية التأصيل والجودة شاسعا ً ، فشتانَ بين من يكدُّ في تثقيف ملكاته جهدَ ما يستطيع ، وبين مَنْ ينجز ما يبتغيه من مشروعات أدبية أثناءَ سفرته بالطائرة من مستقرِّه إلى مدن العالم لحضور المؤتمرات الدولية المنعقدة فيها ، لأجل الإجماع على توطيد السلام وغيره من آراب الشعوب ، بحكم ترقيه لوظيفته الدبلوماسية التي خلص لها بالتدرج من موقعه في جيش بلاده ضابطا ً يُومَا له ويُشَار في الوقتِ ذاته بمزاولته العمل الأدبي ، إذا صحَّ ما استقراه أو نقله عنه غالي شكري في حواره المُجرَى معه ذات يوم ، علما ً أنَّ الوالد الأديب قضى دون أنْ يورِّث أبناءَه حطاما ً يعتدُّ به ، ويمسكهم عن النظر لما في أيدي الآخرينَ من لداتهم وعشرائهم ، ومع ذلك فقد جاوز يوسف السباعي قََََََدره على ما يروي عباس خضر ، إذ عَشِق أميرة من الأميرات ووقع في هواها ، غير أنـَّه يكابد من اللذع والمرارة ما يكابد جَرَّاء فقره وإحساسه بالمهانة وشعوره بالخجل من هوان شأنه وسقم حاله وارتدائه بنطلونه المرقع ، فكيف ترتضي الأميرة منظره الزريَّ ونفسه المكتوية بهذا الصراع فوق سدورها بهذه الأحلام الكواذب ؛ وكذا صح ما لهج َ به حفني ناصف :

إذا وَرَّثَ الجـُهـَّال أبناءَهـُم غِنىً     وَجَاهَا ً فمَا أشقى بنِي الحُكماءِ
…………….

       والمجمع عليه ومن لدن الأقطاب الكبار خاصة أنَّ السباعي الأب كان ذا دالةٍ مأثورةٍ وفضل سابغ عميم على سائر طلاب المعرفة والثقافة زمنه ، فقد رفد السوق الأدبية بمترجماته من اللغة الانجليزية ، يوم كان المترجمون قلـَّة بين جمهرة المتعلمينَ والمثقفينَ على الرغم من أنَّ البلاد كانت محتلة بأجنبي ، والأجنبيُّ هذا هم الانجليز لا سواهم ، وتعريبه لكتاب ( الأبطال ) لـ ( توماس كارليل ) من أنفس ما يحسن تداوله بين الأيدي من الآثار  ، فقد نقله إلى لساننا بذلك البيان المصفـَّى والأسلوب الرشِيق المتـَّسم بالسهولة والسلاسة والترسُّل ، مع استبانة بعض المفردات في صفحات متباعدة منه تبين كأنـَّها من الغرائب المهجورة أو الملوي عنها سوى أنها لا تعوق جلاء المعنى ومواتاته ووضوحه .

لكن من هو ( كارليل ) هذا ؟ ، إنـَّه من أبناء الإنكليز ، ومتولـِّد في قرية يدعـونها :  ( أكلف كان ) بجنوب اسكتلندا ، يمتهنُ أبوه مهنة البناء ، وتقول صحيفة أعماله التي نقل منها زكي مبارك في كتابه ( الأخلاق عند الغزالي) ، الذي أتى فيه على ما شابه فيه الفيلسوف والمؤرخ الإنجليزي رَجُلَ الدين المسلم في بعض اجتهاداته ونوازعه الفكرية ، قلت نقل طالب التحصيل العلمي زكي مبارك في كتابه الأثير ذاك : إنـَّه انتظم في إحدى الجامعات واشتغل مدرسا ً للرياضة ، ثمَّ عاف هذه المهنة ، وكاد ييأس لولا وجوده ضالته في علم المعادن الذي اضطر من أجله إلى تعلم الألمانية ، وكانتْ سبب ذيوعه وانتشار صيته على ما يستقصي ويكتفي بهذا القول ، وإلا مـا الصـلة بين اللغة الألمانية والمعادن والشهرة اللامعة التي أوفـى عليها ؟ وأخيرا ً توفي عام 1818م , بعد أنْ ازدهرَتْ حياته بتتويجه قدوة يستهدي به كلُّ مَنْ ينشد الإنصاف والمعدلة والموضوعية في البحث التاريخي ، ومن يستأني ويتمهَّل في قول الحق والصدق في الحكم على الماضينَ ، وتثمين مآثرهم ، وتقييم أنصبتهم من النزاهة والتجرُّد والتضحية في سبيل المجموع ، لدرجة التناهي والفناء في محبتهم ، فلا مراءَ أنْ خصَّص فصلا ً من فصول هذا الكتاب للتعريف بجهاد نبي الإسلام محمد ( ص ) ، وشرح مقاصده من دعوته قومه لاعتناق دينه والعمل بتوجيهه ومراعاة أحكامه في كلِّ نزوع أو تصرُّف ، وقطعَ بسماجة ما ينتحله بعض المتعصبينَ في الغرب من دوافعَ ومسوغات وموجبات ومعاذير لمحاربة الإسلام والطعن عليه ، وفبركة الأوهام والأضاليل لتدنيسه ، وتلفيق المفتريات للتهوين من شأنه في نظر العالم ، من قبيل مثلا ً أنـَّه قام بالسيفِ ، وما يتولـَّد عنه من عنف وقسوة بحقِّ من يكابر ولا يريد أنْ يقتنع ، وإنَّ الكتاب الذي جاء به لا يسلم من بعض الإعسار والإغماض بعكس ما يشيعُ بيننا أو نتذوقه من بلاغته وفتونه ، وكلُّ هذه المغامز والطعنات لا شأن لها ولا قيمة بجانب ما أحدثه كتاب ( الأبطال ) ، ونجمَ عنه من أنـَّه فصَلَ بين مرحلتين ِ في كتابة المباحث التاريخية ، فقد أسكتَ نائرة الغيظ والحقد والانحياز إلى جانب ، ممَّا يستكن في بعض الصدور والقلوب من رجال الغرب ، فأقبل الكثيرونَ من مجتهديهم على تملـِّي مبادئه وتمحيص تعاليمه وما يلزم به أتباعه من سلوكيات وأخلاقيات ، إقبال المتوخـِّي تفهُّمَ الحقيقة كأنـَّها شيءٌ عادي ، وغير متخوفٍ ومشفق على نفسه من أنْ يقع فريسة البهتان والتضليل ، وليس شرطا ً أن يؤوبَ من استقصائه في أركان عقيدة الإسلام وثوابته الأساسية وقد صار مسلما ً وهجر ديانته .

       وكذا شام البطولة في مسيرة محمد ( ص ) ، مثلما ترسَّمها في ألوان الأولاع البشرية والاتجاهات الفكرية والمشارب الذوقية والحسيَّة المتمثلة جميعا ً في ابتداع النصوص النثرية الجميلة والمحكمة ، والمؤثرة بما تنطوي عليه من الأفكار والمعاني وكذلك في نسج القصائد الشعرية البارعة ، وتبني فكرة الإصلاح الديني ، والنزوع لتطهير العقائد من الترهات والأكاذيب ، ومن ثمَّ التوجُّه لغزو البلدان التي يسودها الهدوء والاستقرار في الظاهر ، وتخلو من القلاقل والاضطرابات ، ليشيد فيها الغزاة وزعماء الفتوحات امبراطوريَّاتهم الموطدة على دعائم من التحكم والاستبداد ، إلى جانب انطلاقهم في دعواهم للحرية والعمل بالدستور ، فلا مراء أنْ تناول في فصوله حكـايات وطرائف وتقييمات لمواقـف حافلة بالنبل والإيثار والبطولة ، فيطالعك أسم محمد ( ص ) إلى جانب أسماء : ( لوثر ، وروسو ، وجونسون ، وشكسبير ، ونابليون ، وكرومويل ) ، وسواهم من ناشدي الهداية والإصلاح .

       ومن مترجماته الحريَّة بالذكر أو التي لا مندوحة من أنْ تذكر ، هي : ترجمته لـ ديوان ( رباعيات الخيَّام ) عن الشاعر الإنجليزي ( فيتز جرالد ) ، الناقل لها من الفارسية ، دليلا ً على حبِّه الحياة ورغبته في عون أخوته من بني الإنسان على السُلوان وطرح الهموم ، وليس إساءة فهم مراد الرباعيَّات الخيَّاميَّة التي تنصح بالتوقير والتجمُّل ، ولا تغري بالتمادي في السَرف والإيغال في الاستهتار والنزَق كما أساء بعضهم تفسيرها ، وضلـُّوا القصد في اكتناه مراميها ، وكان في صنيعه هذا السابق على غيره من المترجمينَ ، وقبل أنْ يلتفتوا إلى أهميَّتها ، ونفاسة شأنها ، وقيمتها في المعرفة الإنسانية ، وتوقانها لحلِّ ألغاز الكون ، وتخليص وجداناتهم من الدهشة والذهول ، لدى استغراقهم في تبسيط بعض معاني الوجود .

       وسبق حتى شيخ المترجمينَ العرب الراحل منير البعلبكي ، والذي يُقرَن اسمه بروايةٍ ترجمَها ــ أعني : ( قصة المدينتين ِ ) ــ عن الروائي الإنجليزي ( شارلس دكنز ) ، وغدَتْ متداولة ولا ترجمة أخرى تزاحمها في الاستئثار بشغف القرَّاء بقراءتها وتهالكهم على تصفـُّحها ؛ ولا مَن يُحيط علما ً بقيام محمد السباعي بتعريبها في العقود الأوائل من القرن الماضي ، ونفدَتْ نسخها وتنوسِيَتْ ، وإلا من أينَ علم العقاد بشيوعها بين القرَّاء في أوربا ، وأنـَّها على رأس تراث الغربيينَ في الفنِّ الروائي من ناحية اكتنازها بالتصوير الموحي والبداعة الفنية ، وفرط اندفاع الكاتب وترسُّله وغلبة روح الفنِّ وأثرها وفعلها في تسييره وتوجيهه ، لدرجة انفكاكه من أسر نفسه ونسيانها ، منذ فاتحتها في وصف عصر الثورة الفرنسية ــ عصر القرن الثامن عشر الميلادي ــ لينتقل به من زمانه ومكانه وفحواه إلى طبيعة الحياة وماجرياتها في القرن الثالث للهجرة الذي أظلَّ بلاد المسلمينَ الواقعة شرقيَّ العالم ، لأنـَّهما متماثلان ومتناظران في جمعهما بين الشكِّ واليقين ، والحَيرةِ والإيمان ، وتقابل الحكمة والجهل ، وإيذان بوشك الانتقال إلى مَثابةٍ من الصفو والهدوء بعد ملازمة وطول لبثٍ على البلبلة والاضطراب ؛ وما تدري مصدر هذه الترجمة الدقيقة ، أ هي بقلم العقاد الذي تعلم الإنجليزية وأتقنها بنفسه أم أنَّ تلك السطور المنقولة لتـُستهَلَّ بها دراسة تفصيليَّة وتحليليَّة ومسهبة في حياة الشاعر العباسي ابن الرومي من شعره ، هي منقولة نقلا ً حرفيا ً من ترجمة محمد السباعي ؟ ، علما ً أنَّ العقاد أشاد في الصفحة الثالثة والتسعين من كتابه ( حياة قلم ) ــ المجموع بُعيْدَ وفاته من ركام مقالاته عن مراحل حياته ، ووقائعها ، وذكرياته فيها ، وكيف تعامل معها ، وكيَّف طبعه لمجاوزتها وتخطيها ــ  قائلا ً ( بما معناه ) في معرض تثمينه وإعلاء مكانه من الثقافة العربية وحركات التجديد : إنـَّه كان من كـُتـَّاب ( الجريدة ) ، ومقتفيا ً منوال الأديب الإنجليزي ( لي هنت ) في فنِّ المقالة ، وعلى أسلوب المدرسة الإنجليزية ، فكان رائد هذا الفنِّ غير مدافع ٍ ، وكان له إبداع يعرفه قرَّاء كتابه الشهير الذي سمَّاه بـ ( الصور ) .

       كما امتدحه طه حسين ، واعترف بتمكنه من الثقافة الإنجليزية ، وأقرَّ بفضله عليه في تفتيح ذهنه لِما تحتويه من ذخائرَ وكنوز قمينةٍ بأنْ يحيط بها سائر أرباب الثقافة في بلاد العالم ، وتنطوي عليه من فهم لمطاوي النفس ، وفكٍّ لبواعث تصرُّفاتها في عالم الأحياء ، وما تصير إليه من أطوار وأحوال نفسية متفاوتة بين الشعور بالخُذلان والنكوص ، وبين نقيضها من الازدهاء والزهو بتحقق الرغائب والحاجات ، مثلما اعترف أيضا ً لصنوه فتحي زغلول بمواظبته الموصولة وانقطاعه التام للاطلاع على عيون الأدب الفرنسي ، والإيصاء بتعريبه من لدن غيره خاصة في الحقول والميادين المعرفية غير التي راقته وعُنِيَ بها وأوقف لها مجهوده من الشرائع والقوانينَ وأسرار تطور الأمم .

       لكنَّ عميد الأدب غالى وأسرف في نعت لغة نجله يوسف السباعي بالضعف والهبوط ، وكاد يصمها بالإسفاف والركاكة ، مستكثرا ً عليه إتمامه لقصَّته أو روايته ( الفيلسوف ) ، بأنْ ختمها بنهاية لم تصادِف من نفسه هوىً لها وإعجابا ً بها وتأمينا ً عليها ، إذ لا مدعاة لتلفيق الحوادث بغية الوقوف عند نهاية تستهوي المتلهِّفينَ والمشغوفينَ بعد ضنىً كابدوه أثناء إكبابهم على هذا الأثر كما يرتئي العميد ، فبعكسه ترك طه حسين نفسه قصَّته ( من وراء النهر ) دون خاتمة لينشرها الدكتور محمد حسن الزيات زوج ابنته آمنة بُعيْدَ رحيله على أنـَّها ( قصَّة لم تتم ) .

       وقصدُ طه حسين في تعريضه وزرايته بنتاج الابن أنْ يومِئ إلى ما عاناه جيل الرواد في السابق من مشقة وجهدٍ في تمتين سليقتهم ، وترويض قابليَّاتهم ، وتطويع كفاياتهم للدربة والعناء ، وتفهُّم خصائص الأسلوب المقبول في العبارة عن أدقِّ الإحساسات والخوالج ، وصياغة أعمق المعاني وأجمل الأفكار بالألفاظ المناسبة والكلمات الملائمة والموافقة ، وليس لذلك من سبب غير استيعابهم لمصنـَّفات الأدب العربي القديم ، وإلمامهم بمحتوياتها ، وتفقههم بها بين وقتٍ وآخر ، بدون تفريط وتجانف عن معطيات المحدَثينَ ومواكبتها ، وبدون عزوفٍ أيضا ً عن روائع الآداب الأوربية بنصوصها الأصلية أو المُترجَمَة .

       وكتاب ( الصور ) الذي ألـَّفه محمد السباعي منذ زمن بعيد ، وتعدَّدَتْ طبعاته في حياة كاتبه وبعد مماته ، وكان آخرها طبعة دار الهلال بسلسلتها الشهرية البالغ تعدادها ( 307 ) عام 1976م ، ضمَّ لقيات ومقالاتٍ مقتضبة ووجيزة ، وأخرى تنزع إلى التطويل والإسهاب والإطناب في سرد تأمُّلاته وخطراته في أمور حياتنا وشؤونها ، هذه التي طرأ عليها تعقيدات ، وحفـَّتْ ملابسات ، وحاقتْ بها مشكلات ، حسبه أنْ يواجهها بقلـَّة الاكتراث والقفز فوق ما تجلبه من الآلام الفادحة والسقم الموجع ، شأن قرينه ورصيفه إبراهيم عبد القادر المازني ، الذي حاكاه إلى حدٍ في بيانه وأدائه وطريقة رصفه للألفاظ ، وبلوغ عين التراتب والدفق الموسيقي ، حيث يشعر القارئ أنَّ كليهما يسترسل بوحي ما تمور به نفسه ، ويجيش بوجدانه ، ويسحُّ بالكلام سَحَا ً .

       هاك رأيه في الشهرة واستنكاره لتهافت الناس عليها ، واستعراضه لسبلهم التي يسلكونها لمشارفتها والاقتراب منها ، بعد طول ضنىً وتلهُّف ، يقف منهما متعجِّبا ً ساخرا ً : (( الشهرة كلمة أضلَّ الناس معناها وتوهَّموها انتشار الاسم بين الجمهور الغافل الجاهل ، وتلك شيمة الجمهور ، ليسَتْ الشهرة ثناء القوم وإجلالهم ، وما هي بالصيحة الكاذبة ، وهي ليسَتْ بطنين ذلك الذباب المتهافت على مقاذر الصحف المُسَمِّي نفسه [ أرباب الأفهـام والأقلام ] ، ليسَـتْ هي النفحـة الفارغة المشتراة بالمال ، وطورا ً بالغشِّ والوقاحة ، ولا هي بملق الصداقة والمحسوبية ، إنـَّما هي روح العظيم ، تحيا بعد موته في عقل العَالـَم ، ويتوارثها الجيل بعد الجيل ))   .

       وأذكر أنَّ الدكتور علي الوردي ساق في أحد كتبه ــ لعله ( أسطورة الأدب الرفيع ) ــ شبيها ً لهذا الشاهد النثري ، على أنـَّه من أدب الفنِّ للفنِّ ، وإنْ كانتْ هذه البدعة لا تعدو أنْ تكون خرافة من الخرافات ، لكن لا مقاربة بين مُرَاد عالم الاجتماع من الكتابة أنْ تجسِّد الحقائق وتمتلئ بالاجتهادات ونزعات الرأي ، وبينَ هموم الأديب الذي تتزاحم المفردات اللغوية في صدره ووجدانه وأقطار نفسه ، فيجيءُ رصفها وتركيبها منطبعا ً بالرشاقة وموسوما ً بالبداعة والجمال .

       ومثل شاهد الشهرة تطالعنا في كتاب ( الصور ) نفسه ، عنوانات : ( الدنيا ) ، ( الريح ) ، ( الطبيعة ) ، ( الورد ) ، ( الوحدة ) ، ( النوم ) ، ( النيل ) ، ( العائلة ) ، ( الكبرياء ) ، ( الحب ) ، ( الزواج ) ، ( الدموع ) ، ( القمر ) ، وغيرها ؛ وأغلبيَّتها ضافية ، وتستفيض بعض الشيء في الخطرات والسوانح الذهنية ، وتوحِي أنَّ كاتبها يضنيه شقاء البشرية ، ويحزنه ما تلاقيه المرأة من نكال وقسوةٍ بعد زواج معدوم التكافؤ وفي مجتمع متخلف ويعاني ما يعاني من ضيعة الحقِّ واختلال القياس .

       يقول عن الدنيا : (( الدنيا أحقر من أنْ نحرِّك لها ساكنا ً ، هي كالطفل الصغير تضحك فنداعبها ، وتغضب وتصيح فنتركها حتى تذلَّ وتخضع ، ما أسخف البعض يخرجهم الله إلى هذا الوجود ليقضوا فيه بضعة أيَّام فيضيعوا نصفها في تقدير منازلهم في نفوس الغير ، ومقاماتهم في المجتمع ــ تبا ً لهم ولمقاماتهم ــ ألم يقرأوا : [ هل أتى على الإنسان حينٌ من الدهر لم يكنْ شيئا ً مذكورا ً ] ؟ سورة الإنسان ــ الآية : 1 ، ويضيعون النصف الآخر في فحص أحوال الناس ، كأنَّ الله أرسلهم رقباء على خلقه ، إنْ هو إلا فضول ووقاحة ؛ يقولونَ : هذا وزيرٌ ما أرفعه ، وذاك خفيرٌ ما أحطـَّه ، وما علموا أنَّ الخفير قد يحفظ من أعراض الناس وكرامتهم ما يضيِّعه الوزير ، يقولونَ : هذا رئيسٌ ما أجلـَّه ، وذلك صعلوك يبيع الفاكهة ، كأنـَّهم لا يعلمونَ أنَّ رطلي عنبٍ أشهى وأحلى من رطلي خِسَّة ولؤم ٍ وسماجةٍ ))   .

       وكلُّ هذا مفهوم وتتخلله اقتباسات من مأثورات ثقافة الغربيينَ الذين استساغ نتاج أدبهم ، وتجاوب مع معطياتهم ، فضلا ً عن استناده إلى أبياتٍ من الشعر العربي القديم في سياق كلِّ خطرةٍ ولقية ، ولا تبينُ مقحمة فيه ودخيلة عليه أو مجرَّد فضلة .

       لكن بي  جنفٌ عن أنْ أتصادى ونصوص ألفيها ممعنة في التجريد موهونة الاتصال بالحياة ، كهذا الذي يقول فيه عن الريح : (( ملك الفضاء استوى على أريكة الروض ، واحتواه عرش النبات ، له الخطرات المائسات في مقاصير الغاب ، والسبحات الفائضات في قصور السحاب ، وهو موسيقار الجوِّ ، له من الشجر الآلات محكمة الأصوات ، تخفق في حركة أمتع الخفقان ، وتوسوس لا وسوسة الذهب على الحسان ، وكأنـَّك أيُّها الريح تعيد على مسامع العالم ما كان له في مبدأ الخليقة من أغاني الحرية وأناشيد الاستقلال ، وقد خرس الوجود إجلالا ً لغنائك المهيب ، فالسحاب تكفكف الدموع ، والبحر يبلع الأمواج ، والطير يردُّ الأغاريد : إصغاءً لأوراقك الرخيمة وأعوادك الحلوة  ))  .
********

MahdiShakerAlobadi@Yahoo.com

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| مهند النابلسي : كيف تصبح كاتبا عظيما من وجهة نظر”ستيفن كينغ” …اضافة لوجهة نظري؟! .

  ابق متزوجا وانعم بصحة وعش حياة جيدة، امتلك الشجاعة للتخلي عن الأجزاء والجمل المملة، …

| بكر أبوبكر : النازية والصهيونية، ومحمود عباس .

ولد الزعيم النازي أدولف هتلر في 20 نيسان 1889 في مدينة براوناو النمساوية على نهر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.