قاهرة القرن الــ 19
قراءة فى كتاب: “حرافيش القاهرة” لعبدالمنعم شميس
كتبه: أحمد نورالدين رفاعي

صدر كتاب “حرافيش القاهرة” لمؤلفه عبدالمنعم شميس لأول مرة سنة 1989 بدار المعارف بالقاهرة، ونُشرت مِنْهُ طبعةٌ أخري من الكتاب مع مكتبة الأسرة بالهيئة المصرية العامة للكتاب عام 2013، وموخرًا نشرتهُ سلسلة ذاكرة الكتابة بالهئية العامة لقصور الثقافة المصرية 2019 وتمت إتاحته للبيع بمعرض القاهرة الدولي للكتاب يناير 2020.
يحمل هذا الكتاب الذي لا يتعدى 150 ورقة في طياتهِ ذاكرة القاهرة التي اختفت تقريبًا ولم يتبقى منها سوى هذة الحكاوى الغريبة الحقيقة. منذ أن بُنيت القاهرة، وإلى الآن يتردد فيها حكايات غريبة يصعب على الناس تصديقها رغم حدوثها بالفعل!
تدور أحداث الكتاب فى حي عابدين ذلك الحي أو التُمن الذي كان يعتبر بمثابة قلب القاهرة الخافق الذي كان مقرًا لحكم الخديوي إسماعيل والسلاطين والملوك الذين جاءوا من وراءه. سوف أأخذك يا صديقي فى جولة مع هذا الكاتب البديع ذو السرد الممتع المليء بالدراما والسياسية والتاريخ بقاهرة القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، فى صولات وجولات، وحكايات عجيبة ومبهرة فى عدة لوحات يرسمها لنا الكاتب فى شكل مقالات قصصة.
يُعتبر عبدالمنعم شميس باحثًا وأديبًا مصريًا عاش بين عامي (1918-1991م) لديه مؤلفات عديدة أهمها: قهاوي الأدب والفن، شخصيات مصرية، وحرافيش القاهرة الذي نتناوله فى مقالتنا هذه. تخرج شميس في كلية الآداب جامعة القاهرة 1942 وحصل على الماجستير في عام1957 غير أنَّه تتلمذ على أيدي كبار أعلام الفكر، والثقافة، والأدب في مصر ومنهم : الدكتور طه حسين، والشيخ أمين الخولي، وغيرهم…

نبدأ مع الأستاذ شميس في حواري، وأزقة القاهرة تحديدًا حي عابدين بشكلٍ موسع مرورًا بالقصر الملكي. فيحكي لنا حكايات عن الخديوي إسماعيل والسلطان حسين كامل، والملك فؤاد وعن العمال والصنايعية والعجلاتية، والترزجية، والنجارين، والطباخين، والحلاقين، والفراشين أصحاب محلات الفراشة، وَعَن أحياء القاهرة الثمانية والحي كانت تُسمى سابقًا بـ “الأتمان” ومفردها ( تُمن )و هو ما يعرف الآن حاليًا باسم حي أو قسم والسبب فى ذلك اتساع القاهرة فتم تقسيمها لثمانية أجزاء كي يتم التحكم فيها بشكل أكبر. لم يكن فتوة حي / التُمن يمكنه دخول أو التعدي على تُمنٍ فتوة آخر إلا بإذنه.
وصف شميس القاهرة وصفًا دقيقًا متغلغلا في تعاملات الناس وتحدث عن الأجناس الأجنبية من يونانيين، وإيطاليين، ورومانيين، وأتراك متواجدون في أحياء القاهرة الثمانية. حاكيًا لنا عن سرادقات العزاء وشارحًا كل ما فيها حتى المشاريب المقدمة في العزاء فيقول أن القهوة كانت تقدم سادة دون سكر إلتزامًا بالعادات والتقاليد المصرية، وأمَّا في الأفراح فيتوجب أن تكون أكلاتها محصورة في أنواعٍ محددة ولا يُفضل أن يكون من بينها أطعمة سائلة كالملوخية والبامية وغيرها، أمَّا بالنسبة عن الحلوى فتفضل الأنواع الجافة التى لا تحتاج ملاعق أو شِوَكْ وتلتهم بالأيدي مباشرة كالبقلاوة والبسبوسة وما شابه ذلك.
في تلك الجولة التى يأخذنا فيها الأستاذ شميس فى حكاياته عن الدَّباغين، والدَّباغون هم أُناسٌ يأكلون بشراهة فظيعة، يأكلون كميات من الطعام لا يمكن لشخصٍ طبيعي أكلها ومنهم أحيانا من يأكلون حتى الموت دون أدنى مبالغة فى ذلك.
خذ عندك هذة الحكاية مثلا: لو جئتك وحكيت لك أن رجلًا تراهن مع آخر على أكل عشرة طائر بالسمن البلدي ذات القطر الكبير؛ وفعلا يقوم هذا الرجل بالتهام تلك العشرة فطائر – علمًا بأن فطيرة واحدة منها يمكنها أن تكفى أسرة تتكون من 4 أفراد – وتكون النتيجة أنه غادر الحياة على أول طائرة متجة مباشرة نحو للأخرة بسبب التخمة وكل ذلك بنفس الليلة! فمن ذلك المجنون الذي يمكنه قبول تحديًا مثل هذا؟! لم تكن هذة القصة من خيالي، وخيال مؤلف الكتاب، ولكنها حقيقة فعلًا!
لك حكاية أخرى أريد أن أخبرك بها موجزةً من هذا الكتاب البديع ولكن؛ هل سمعت عن زفة المطاهر من قبل؟! وإن كنت سمعت بها فما الذي يتم لهذا المطاهر فى هذة الزفة؟!
-سأخبرك بها مختصرة: أن “زفة المطاهر” كانت سببًا فى تسميه مستشفى أبوالريش الشهير بهذا الاسم الموجودة بحي السيدة زينب بوسط القاهرة. تعود إلى أربعينيات القرن العشرين حين جاءت إلى مصر باحثة إنجليزية وأجرت إحصائية ذكرت فيها أن 50% من الأطفال الذين يولدون بمصر يموتون قبل أتمام الخمس سنوات، وكان سبب ذلك انخفاض مستوى الرعاية الصحية في ذلك الوقت، بالإضافة إلى الإعتقاد فى العين والحسد، واستخدام البخور، والتمائم، والأحجبة، وغير ذلك من الخرافات التي كانت منتشرة بكثرة في تلك الأوقات التي قلَّت بشكل كبير مع انتشار الطب بمصر. كانت تُقام زفة للطفل الذي بلغ من عمره خمس سنوات احتفالا به ويشارك فيها الأطفال فقط، وكان من مراسمها أن يوضع إكليلا من ريش طائر الوز الأبيض على رأس الطفل وهو مرتديًا جلبابًا أبيض، وجالسًا بالمقلوب على ظهر حمار أبيض أيضًا يمسك بلجامه سائس يسحب الحمار وفوقه الولد وخلفهما مجموعة من أطفال مرورًا بأضرحة أولياء الله الصالحين وهم يرددون عبارتهم فى نعمة منسجمة:
– يا أبوالريش إن شاء الله تعيش.

مبيضي النحاس

صورة لمبيضي النَّحاس (أحد المهن المندثرة)
هذا نزر من فيض كتاب “حرافيش القاهرة” الذي يحوي قصصًا جميلة من ذاكرة القاهرة التى بها العديد من الحكايات المليئة بالغموض، الغرابة والحقيقة الخيال والخرافة الذي ركز فيها الكاتب خاصة على أحوال المهمشين ووظائفهن ومِهَنم القديمة التى أندثر أغلبها، وأخرى لم تندثر وقت كتابة هذا الكتاب في نهاية الثمانينات، ومنها النادر الذي لازال باقيًا حتى الآن.

أحمد نورالدين رفاعي
شاعر، ومترجم مصري. عمل مترجمًا ومدرسًا للغة الإسبانية بمعهد اللغات للقوات المسلحة المصرية. ترجم مئات القصائد والقصص مباشرة عن اللغة الإسبانية التى نشرت: أخبار الأدب، مؤسسة أخبار اليوم، الجمهورية، وميريت الثقافية، الناقد العراقي وغيرها من الجرائد اليومية والمجلات والشهرية والمواقع الثقافية بمصر والدول العربية وإسبانيا.
للتواصل: ahmednoureldeen1993@gmail.com

شاهد أيضاً

صدور رواية “مصير بلقيس” للكاتب العراقي “كريم عباس حسن”

صدر اليوم، السادس من يوليو (تموز) 2020 عن دار ميزر للنشر والتوزيع رواية (مصير بلقيس) …

صدور العدد الجديد من مجلة “الرقيم”

صدر العدد الجديد –الخامس والعشرون- من مجلة “الرقيم” الثقافية الشهرية التي تصدر عن مركز الرقيم …

مرافئ يحيى السماوي كما يراها الكاتب لطيف عبد سالم
كتابة: عبد الصاحب محمد البطيحي

عندما يتصدى المرء للكتابة عن شاعر أو ناثر، ستكون ادواته التي يستعين بها، بالضرورة، هي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *