د. قيس كاظم الجنابي: جهود المنفلوطي في المقالة الأدبية

إشارة:
عبر سلسلة من المقالات المهمة في موقع الناقد العراقي هي فصول من مخطوطة كتابه المتفرّد -نقديا وفكريا- في الثقافة العراقية “النهضة الفكرية العربية” قدّم الدكتور قيس كاظم الجنابي مراجعة نقدية ثرة وعميقة للمنجز الفكري الذي أنتجته رموز النهضة الفكرية العربية (الزيات، زكي مبارك، طه حسين، العقاد، علي الوردي، محمد حسنين هيكل، الجابري.. وغيرهم). وإذ ننشر اليوم المقالة الأخيرة من هذا المشروع المهم نحيي د. قيس بحرارة على جهده الموسوعي هذا ونتمنى أن يصل الكتاب إلى أيدي القرّاء في أقرب فرصة.

توطئة:
كتب مصطفى لطفي المنفلوطي ( 1876-1924م) عدة مؤلفات ، ضمّنها بعض الموضوعات المترجمة، ولكن لكتابيه :( النظرات )،و(العبرات) نكهة خاصة ووقع مازال معروفاً في الأوساط الثقافية ؛ وكانت مثل هذه الكتابات تعد من القصص المبكرة المتأثرة بالأدب الأوربي الرومانسي والتربوي، وصفها بعض الدارسين بأنها قصص غير ناضجة، عالجت فيها مواقف اجتماعية وانسانية عديدة، فاهتم بشخصيات بائسة ، كاللقطاء وضحايا الخمر والمعدمين والمظلومين ،واعتمد فيها على طريقته البيانية الأخاذة، وقصد من ورائها الى غايته الأدبية العامة، وهي التهذيب وتعميق الاحساس بالفضيلة والخير، ومحاربة المفاسد والعيوب الاجتماعية.(1)
لقد عاصر المنفلوطي بواكير نشأة القصة والمقالة، فأدلى بدلوه ، مستفيداً من قراءة الأدب الغربي، وما ترجمه من نصوص تضنها كتاباه، ملقياً ظلال شخصيته وقلمه على ما ترجمه، وكان كتابه (النظرات) فاتحة لشهرة كبيرة ،ومقدرة على كتابة المقالة الأدبية، وغير الأدبية كالسياسية والاجتماعية، ولربما داخل بعضها مع البعض الآخر، أو تداخلا مع المقالة الأدبية، فالقلم سيال ،والعبارات تتدفق، والوجدان مشحون بطاقة هائلة من العواطف والإنفالات والمستجدات والتأثيرات، ولكن كتابيه ومختاراته تعد المفتاح لنشأة كاتب مقالة منشئ له دراية وبحث ومزاج في هذه الكتابة ، فقد استطاع ان يتخطى محاكاة التراث العربي وأدب الرسائل القديم ، لتبدو في مقالاته شخصيته وطريقته الخاصة به ،وهي الاتجاه المحافظ – البياني ،وهي متنوعة في الأدب والاخلاق والاجتماع، مع رعاية جمال الأسلوب ، فكانت طريقته وسطاً بين اتجاهين، واحد متشبث بالتراث ،والآخر الابتعاد عن التكلف ، مع تجويد الصياغة ورعاية جانب البيان ، قليل السجع.(2)
أنواع المقالة:
يمكن تصنيف المقالة لدى المنفلوطي، ولكنه يدعو مقالاته بالرسائل الأدبية، وهي قريبة في موضوعها وأسلوبها من المقالة الأدبية، لهذا يقول في مقدمة كتابه (النظرات) :” اني ما استطعت أن أكتب لهم تلك الرسائل بهذا الأسلوب الذي يزعمون أنهم يعرفون لي الفضل فيه، الا لأنّي استطعت أن أنفلت من قيود التمثل والاحتذاء، وما نفعني في ذلك شيء ما نفعني ضعف ذاكرتي والتواؤها عليّ وعجزها عن أن تمسك الاّ قليلاً من المقروءات التي كانت تمرُّ بي، فقد كنت أقرأ من منثور القول ومنظومه ما شاء الله أن أقرأ ، ثملا لا ألبث أن أنساه فلا يبقى منه في ذاكرتي الا جمال آثاره وروعة حسنه ورنة الطرب فيه”.(3)
وقد كتب المنفلوطي عدة أنواع من المقالة:
1- المقالة السياسية:
وهي المقالة التي تختلف عن المقالة الأدبية ،أو المقالة الاجتماعية، لأنه تهتم بمجال العمل السياسي ونقده اجتماعياً ، فهي بالتالي مقيدة بموضوع واحد لا تحيد عنه.(4) ومقالة المنفلوطي السياسية يجري بثها أحياناً، من خلال الاسهاب والشرح والتحليل ،واستخدام المقابلة في الصفات والنوايا والنوازع، لرفع شأن المؤيدين والحطّ من شأن الخصوم. مع استخدام أسلوب المفارقة الساخرة والتندر.(5)
2- المقالة الاجتماعية:
وهي المقالة التي تبحث في قضايا الناس الاجتماعية ، مثل قضايا الزواج والأسرة والمرأة والعادات والتقاليد، وهي موضوعات تهم مصلحة غالبية الناس من السواد الأعظم من الجماهير، ويمكن أن تلتقي مع المقالة التربوية والأخلاقية والنفسية، أو المقالة المخصصة للنقد الاجتماعي، فتشكل نوعاً موحداً تجمع فيه بين علم الاجتماع وعلم النفس والهموم اليومية للإنسان ،وهي تقوم من الناحية الفنية على أسلوب العرض المسهب الذي كان يقوم على التمثيل والاستشهاد من الأدب قديمه وحديثه.(6)
3- المقالة القصصية:
وغالب مقالات المنفلوطي ، في كتابيه:( النظرات)،و(العبرات)؛ تنحو تجاه السرد القصصي ،لأنه يتخذ الاطار القصصي بصورة عامةً قالباً لتقديم آرائه ومواقف وافكاره بالطبع، وهو لا يبحث فيها عن القيم الفنية للمقالة ( عناصر بناء القصة القصيرة)، وإنّما يكتفي باستخدام أسلوب الحكي ( مجرد الحكي) أو الاخبار والحوار بين شخصيتين بطريقة تتقدم بالفكرة الى الأمام ،ويتوقف نجاحه على قدرته في تحبيب موضوعه الى القارئ وسيطرته على مشاعره وتأثيره فنياً عليه، فالجانب القصصي يشكل ضرباً من التنوع في القالب المقالي ،وهي وسيلة للسيطرة على القارئ اعتماداً على ما تكون قد استعارته المقالة من فن القصة الذي يمتاز بخاصية التشويق والسيطرة.(7)
والمعروف أنّ المقالة القصصية، تقوم على السرد وتأليف بعض الحكايات والقصص المنتزعة من العادات والتقاليد.(8) وهي تلتقي مع المقالة الاجتماعية من هذا الجانب ، لكن الجانب الفني للسرد هو المهمز ومن مقالات المنفلوطي القصصية قوله في (مناجاة القمر) من كتاب (النظرات):”
” كان لي حبيب يملأ نفسي نوراً، وقلبي لذة وسروراً، وطالما كنت أناجيه ويناجيني بين سمعك وبصرك، وقد فرّق الدهر بيني وبينه ، فهل لك أن تحدثني عنه، وتكشف لي عن مكان وجوده؟ فربما كان ينظر اليك نري ،ويناجيك مناجاتي، ويرجوك رجائي”.(9)
4- المقالة الأدبية:
والمقالة الأدبية قطعة نثرية محدودة الطول والموضوع تكتب بطريقة عفوية سريعة خالية من الكُلفة والرهق وشرطها الأول أن تكون تعبيراً عن شخصية الكاتب.(10) وهي تنقسم الى نوعين:(11)
الأول، المقالة الانشائية ، وهي التي يبتدعها الكاتب ابتداعاً من دون أن يتكئ على عمل ما، وهي تعالج ظاهرة أدبية معينة ،وتكون أقرب الى الأجناس الأدبية الأخرى، كالقصة والقصيدة والمسرحية والخاطرة.
الثاني، وهو المقالة النقدية، التي تسلك سبيل الكتابة الابداعية غير المنهجية التي تتوصل بالمناهج ،ويبرز فيها الجانب الذاتي والتأثري الانطباعي بوضوح.
وقد قسّم (عويضة) المقالة الأدبية لدى المنفلوطي الى نوعين:(12)
الأولى، مقالة أدبية خالصة، وتعتبر قطعة أدبية لها موضوع واضح وذات طابع فني ،وطريقة اداء، وموضوعها ينبعث من نفس الكاتب واحساسه ومشاعره ،وتعكس تجاربه في الحياة وأفكاره عنها، فهي صدى التأمل والاحساس معاً في موضوعات يغلب على الشعراء طرقها وقد يتعرض المفكرون لبعضها.
الثانية، مقالة أدبية مقيدة بموضوع لا تحيد عنه، ومن ثم اكتسبت جلّ خصائصها من تقييدها بهذا الموضوع وهي مقالات الرثاء.
في موضوعات المقالة:
لموضوعات المقالة أهمية خاصة، في التحليق والوصف والقص والتعبير، فمقالة المنفلوطي ( الحب والزواج) ذات طابع انشائي واضح، وفيها شيء من السرد الحكائي، والتي يقول فيها:
” قرأت في بعض المجلات قصة قصها أحد الكتاب موضوعها أنّ كاتبها غاب عن بلده بضعة أعوام ، ثم عاد اليها بعد ذلك زار صديقاً له من أسرياء الرجال ووجوههم ومن ذوي الأخلاق الكرية والأنفس العالية، فوجدته حزيناً كئيباً على غير ما يعهد من حاله قبل اليوم فاستفهم منه عن دخيلة أمرة، فعرف أنه كان متزوجاً من فتاة يحبها ويجلها ويفديها بنفسه وماله فلم تحفظ صنيعه ولم ترع عهده، وأنها فرت منه الى عشيق لها رقيق الحال وضيع النسب”.(13)
وهذه الموضوع الذي كتبه المنفلوطي، تعبير عن نزعة الكاتب القصصية من الناحية الفنية، والأخلاقية والتربوية من الناحية الاجتماعية، ولكن الدارسين يعتقدون بأن القيمة الأساسية للمقال الأدبي ، ليست في أفكاره التي يحويها، لأن الأفكار ليست كل شيء في المقالة؛ فالعمل الأدبي لا يعتمد على صحتها من الناحية العقلية والعلمية بقدر ما يعتمد على طريقة تجليتها وعرضها في حلّة أدبية رائعة، وهذا الحق ميزة النص الأدبي دائماً.
ويأتي لاحقاً دور الصياغة ،لأن المقالة تعتمد بشكل كبير ككل الفنون الأدبية على الصياغة ، لأن البراعة في الصياغة سبب قوي من أسباب المتعة التي يجدها القارئ ويطرب لها في تذوق الفن الأدبي.(14)
وفي الجزء الثاني تطور لديه فن الانشائية الى المقالة الفكرية أو النقدية التي تتناول الكتب والموضوعات ، كما في مقالته (تأبين فولتير) التي قال فيها :” ما مات “فولتير” حتى احدودب ظهره تحت أثقال السنين الطوال ، وأثقال جلائل الأعمال ،وأثقال الأمانة العمى التي عرضت على السموات والأرض، فأُبيّنَ أن يحملنها ، فحمله وحده وهي تهذيب السريرة الانسانية فهذبها ، فاستنارت، فاستقام أمرها”.(15)
وفي مقال له نلمس مزاجه وظرفه النفسي وطريقته في فهم الحياة ومدى ادراكه لها واحساسه بها أنه يلزم الجانب غير المتفاعل، وهذه سمة عامة في أدبه ، فهو باكٍ حزين متشائم.(16) لأن المزاج واحدٌ من أهم الجوانب التي تسبغ ملامحها على وجدان الكاتب ، لأنه تعبير عن العنصر الذاتي في كتابة المقالة الأدبية، ولعل من مؤثرات المزاج احتيار العنوان ؛ ففي مقالة له بعنوان ( خداع العناوين) يقول:” لقد كثر الاختلاف بين العنوانين وبين الكتب حتى كدنا نقول: انّ العناوين أدلّ على نقائضها منها على مقوماتها .. وألصق بأضدادها منها بمنطوقاتها، وان العنوان الكبير حيث الكتاب الصغير، والكتاب الجليل حيث العنوان الضئيل”.(17)
فهذه احالة الى متغيرات العصر وتأثيره على مزاج الكاتب ،وفي كيفية اختيار العنوان ؛ مما يعني حضور (أنا) الكاتب وشعوره بأهمية الجانب الذاتي في كتابة المقالة الأدبية، وغالباً ما يحصل ذلك لدى الأدباء الجدد الذين يلجون ميدان كتابة الأدب لأول مرة.
في أسلوب المقالة:
ومن مواصفات أسلوب المنفلوطي الأسلوب الخطابي الذي يستخدمه الخطيب ، والذي يعتمد على استخدام الجمل القصيرة والايقاع الموسيقي ، والانسجام بين المشاهد والكلمات اللذين يسيعهما في الكلام السجع والازدواج في غير تكلف أو اسراف ، وقد يلجأ الكاتب الى ضرب الأمثلة المثيرة التي يستخدمها الخطباء في توضيح آرائهم ومحاولة اثارة الآخرين واقناعهم عم طريق المنطق الخطابي ،والمقال كسابقه في الاتسام بالوحدة وتجانس الأفكار.(18)
وهذا يعني أن المقالة في عصر المنفلوطي، ما فتئت تتراوح بين الرسالة والخطبة؛ لأن النزعة الذاتية تستجيب لها النزعة الخطابية ، حيث يشعر الكاتب بأنه يواجه الجمهور، فيحدِّث حديث الخطيب، لأنه يعتقد بأنّ غالب القراء في صحف زمانه، هم من جمهوره، ولأنه معني بالإصلاح وتربية الجيل والنفوس،؛ لهذا نجده يستخدم أدوات الاستفهام في المثال السياسي ، كما يستخدم النفي والتعجب الا في القليل ، كما أنه يقدم الفكرة الواحدة البسيطة ويلح عليها من أجل تنميتها ، واتصافها بجمال العرض وحسن الاقناع وتميزها بالمفارقة والمقارنات عبر استخدام أسلوب المفارقة ،أو مناقشة الأفكار والاهتمام بالأسلوب والهدوء ، والعاطفة المتداولة والتأمل ،والوعي بالقضية.(19)
في النظرات والعبرات:
وتناول المنفلوطي في كتابه (النظرات) كبار الأدباء كالخيام وتولستوي وجرجي زيدان، كما تناول الشعر العربي ،وفن الرثاء والأساطير والحكايات ،وبعض الجوانب اللغوية ،وبعض المصطلحات النقدية والبلاغية، وبعض الأسماء الأدبية، كما تضمنت بعض المقالات أو القصص المترجمة عنوانات من قبيل :( أفيون الصغيرة، الموتى، الانتقام ، في أكواخ الفقراء)؛ وبعض المناسبات وصراع الأجيال وغالب الأعلام تناولهم بعد مماتهم ؛ فهي من السوانح التي يمليها الحدث أو الموقف الطارئ، كنوع من الكتابة عن مناقب الراحلين، كما تضنت كتاباته اهتمامه باللغة والمعنى واللفظ والآداب العامة.
وأسلوبه يجمع بين التراث والمعاصرة، حينما يوظف القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف والشعر العربي والأمثال والحكم والنصوص ذات الجانب الوعظي والتربوي ؛ فضلاً عن سوق المقالة بطريقة قصصية جذابة ، تستدرج القارئ الى فضائها الواسع الجميل؛ ذلك ان أسلوبه يقوم على عدة عناصر أرزها أنه سهل متدفق ، موسيقي مصور، جزل قوي، تغلفه رقرقات دمع،وتلونه سحابة تشاؤم ، لا يعند الى فكرة صعبة فيثيرها أو جديدة فيقدمها ، بل تكفيه اللفتة الذكية والاشارة الحسنة مع تقديم المألوف في صورة محببة حيث يجذبك اليه صدق الشعور وحرارة الانفعال.(20)
ففي مقالته (عبرة الدهر) يقول:
“بنى فلان روضة من بساتينه الزاهرة قصراً فخماً ، يتلألأ في تلك البقعة الخضراء تلألؤ الكواكب المنير في البقعة الزرقاء ، يطاول بشرفاته الشمّاء، أفلاك السماء، كأنّه نسرٌ محلّقٌ في الفضاء، أو قرطٌ معلّقٌ في أذن الجوزاء، وكأن شرفاته آذانٌ تفضي اليها النجوم بالأسرار ، وطاقاته أبراجٌ تنتقل فيها الشموس والأقمار”.(21)
حيث يبرز الجانب الذاتي والوصفي واللغة المنتقاة ،والاهتمام بكتابة المقالة الانشائية التي تعبر عن جوهر العنصر الأدبي بكل تفاصيله وأبعاده. كما يبرز الجانب الذاتي في استخدام ضمير المتكلم (أنا)، وغالباً ما يتمّ ذلك عبر الاستطراد الذي يعد واحداً من ملامح بناء المقالة الأدبية، كما في مقالته ( الشعرة البيضاء) حيث يقول: ” مررتُ صباح اليوم أمام المرآة ، فلمحتُ في رأسي شعرة بيضاء، تلمع في تلك اللُّمة السوداء لمعان شرارة البرق في الليلة الظلماء”.(22)
وهنا يبدو التوظيف البياني المستمد من علم البلاغة العربية القديم، من خلال الجناس والطباق والأساليب الأخرى، فيبدو ميله الى التجديد واستخدام الألفاظ المتأثرة بالترجمة عن الآداب العالمية المختلفة، في عصر النهضة العربية، واستخدام المفارقة الذي يرز في كتاباته ، وشيوع روح التندر والسخرية التي يتداولها الناس في القرى والمدن بمصر، حيث تتضاءل النزعة الخطابية والهجوم المباشر والانفعال ويتشكل النقد القاسي المرّ القاسي على المفارقة الاجتماعية بين الأغنياء والفقراء.(23)
ويستخدم الكاتب أسلوب الحوار، الذي يكون على شكل سؤال ، يتلوه الحوار بين المتحدث/ الكاتب ،وهو يستخدم ضمير المتكلم ؛ كقوله في مقالته ( الى الدير):
” سألته: ما بالك أيُّها الصديق؟
قال : لا شيء.
قلت: أنت تكتمني ما في نفسك ،ولو عرفتني ما كتمتني.”.(24)
وفي كتابه (العبرات) ثمة مقالة بعنوان( العقاب) كتبها بصفة قصة من قصص الرؤيا، وهي من القصص التي شاعت في بداية نشأة القصة العربية، حيث يخشى الكاتب اقتحام الواقع فيصوِّر لقارئه ، بأنّه رأى رؤيا ، فيقوم بسردها وهو يحاكي بها سرد الرؤيا، وهذا النوع من الكتابات يحاكي الكاتب قصص الرؤيا بطريقة او بأخرى ،ويقوم على تداول الحوار بين الشخصيات في الحكاية/ القصة/ المقالة؛ كقوله: ” رأيت فيما يرى النائم في ليلة من ليالي الصيف الماضي كأنّي هبطت مدينة كبرى لا علم لي باسمها ،ولا بموقعها من البلاد ولا بالعصر الذي يعيش أهلها فيه”.(25)
وعادة ما يسهب الكاتب في سرد مثل هذه الحكاية/ المقالة من دون فواصل ، وحين يبلغ النهاية يقول:” وما انتهى من دعوته تلك حتى رأيت بركة الدم تفور كما فار التنور يوم نوح”.(26)
في هيكل المقالة:
هيكل المقالة على العموم يرتبط بكيفية كتابتها ، وفي الغالب يقسم الى ثلاثة أقسام:
أ‌- المقدمة، (27) وهي جملة أو عدة جمل نثرية تمهد لموضوع المقالة ، ومن المستحسن أن يكون أسلوبها جذاباً ومؤثراً، حتى تجذب المقالة القارئ وتدفعه نحو الاستمرار بالمتابعة ،لأن القارئ شريك رئيس وحقيقي في انتاج النص، أي نص كان، وخصوصاً في المقالة الأدبية ، كما يفضل أن تبدو شخصية الكاتب وتوجهاته العاطفية ،ومشاعره الوجدانية الذاتية ،لأنها تكتب دورياً اسبوعياً أو شهرياً، وربما كل نصف أسبوع أو بين يوم وآخر، وبعض الأحيان كل يوم؛ لأنه على الكاتب أن يدفع القارئ لأن يكون على صلة دائمة به، ففي مقالته التي نشرها في مختاراته ، ثم تضمنتها المجموعة الكاملة كواحدة من مقالات كتابه ( النظرات)؛ وهي قطعة أدبية جميلة متوسطة الطول ، وهيكلها متماسك ، ويتكون من ثلاثة أقسام( المقدمة، المتن/ الجوهر، والخاتمة). وهو يقول في مقدمتها:” ألمت بي في تلك الفترة الماضية كُربة من تلك الكُرب التي لا تزال تتعهدني كما تتعهد المحموم نوباته حيناً بعد حين، كُربة ما كفاها أنها أمسكت قلمي عن الكتابة وفكري عن الحركة حتى حالت بيني وبين مطالعة الصحف وإشراف على الأمة من نواقذها برهة من الزمان ، ثم أدركتني رحمةٌ الله فاستفقت فإذا صخبٌ ولجبٌ ،وغوغاءٌ وضوضاءٌ، وأصوات ملء الفضاء ،وكظّة الأرض والسماء ، فما هو الاّ سؤال السائل واجابة المجيب حتى عرفت كل شيء”.(28)
فهذه المقدمة ، هي مقدمة انشائية تبدو مبهمة ويمكن أن نضعها مقدمة لأكثر من مقالة، مهما كان موضوعها، ولكنه ما أن ينتهي الكاتب من المقدمة حتى ينوه الى موضوعه بكل وضوح ؛ فيقول:” عرفت أنّ الأمة الشرقية في موقف حرج من مواقفها ،ومسلك من أفضل مسالكها ،وأنها بين ماضغي الأسد وفوق رَوق الظبي”.(29)
ب‌- الجوهر، وهو لب المقالة أو نصها ،ويسمى (الجسم ) في الكتابات الصحفية ، ويعنون به محصلتها أو وسطها؛ ويفترض فيها أن يكون مشوقاً ومرتباً ومرتبطاً بالمقدمة والخاتمة، وفيه يبرز الكاتب قدراته في التحليل والترتيب والتشخيص ،ويناقش فكره أو مواقف وأفكاره ،ويتوسع ويتحرى المفاضلة ،ويختار أفضل أساليبه من حيث استخدام السرد الحكائي أو الحوار أو الوصف ولا ينسى أن يعبر عن ذلك بلغة متينة السبك واضحة المعنى، مبسطة تصلح لجميع الأذواق. ولشريحة كبيرة من القراء، وان يكون ذا نزعة سببية تربط الأسباب بالمسببات، مع الاهتمام بالجوانب الجمالية والاسلوبية؛ لهذا يقول في لب المقالة عن الأمة الشرقة منوهاً الى شتاتها :” كثر رؤساؤها، وتعددت قادتها، وتنوعت مذاهبهم واختلفت طرقهم”.(30)
وفي العادة يقسم جوهر المقالة الى عدة لوحات ، أو وحدات، كل لوحة تعد وحدة موضوعية ترتبط مع سابقتها وما يليها، وفي ذلك يقول الكاتب:” أي خير تطلبون لهذه الأمة بعد أن فرّقتموها شيعاً، وشيعتموها أحزاباً وقسمتموها على أنفسها ،وقطعتم أوصالها ووشائجها”.(31)
ويستمر في تفصيل هذا التشتت وادانته ، بلغة جميلة تكون فيها كل لوحة ، تتكون من عدة جمل رصينة ، فائقة الجمال ، جزيلة اللفظ ، صحيحة الاعراب ، كما في قوله:” عجز الاختلاف الديني بين عنصري الأمة الشرقية ان يفرّق بين أوصالها وبين جامعتها، وعجز الاختلاف الجنسي أن يؤثر في جامعتها تأثير أمثاله من الجوامع الأخرى، فكيف لا يعجز الاختلاف الديني والجنسي لولا أنّكم كبّرتم ما صغر من هذا الاختلاف ،وعظّتم منه ما حقر ،وألححتم عليه إلحاحاً شديداً حتى حولتموه الى فتنة شنعاء ، وغارة شعواء؟”.(32)
وحين يستكمل الفكرة، عبر جوهر/ نص / لب المقالة ، يبلغ نهايتها أو خاتمتها يكون قد بلغ القسم الثالث من المقالة.
جـ – الخاتمة،(33) وهي الضربة الأخيرة وتكون موجزة جداً، وهي أقرب الى (لحظة التنوير) في القصة القصيرة، فهي بالتالي محمّلة بشيء من المفارقة والسخرية والتندر والارتياح للاقتراب من ذهن القارئ. والكاتب بعد لوحة قصيرة ينتقل الى الخاتمة ؛ فيقول في بداية هذه الخاتمة:” بهذا القلم الذي يستمد مداده من هذا القلب المخلص لكم أدعوكم ال الاتحاد والائتلاف”.(34) فتبدو بداية موفقة لنهاية جميلة، فيها العبرة والموعظة، مثلما فيها الأمل والارتياح ، ولكنها مشحونة بطاقة عاطفة ،ونزعة وجدانية حزينة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- تطور الأدب الحديث(هيكل)، ص 91.
2- تطور الأدب (هيكل)، ص 169-172.
3- الأعمال الكاملة: مصطفى لطفي المنفلوطي، مراجعة أحمد زهوة، دار الكتاب العربي (بيروت، 1429هـ/ 2008م)، ص 9.
4- المنفلوطي: (عويضة)، ص 126.
5- المنفلوطي(عويضة)، ص 144، 147.
6- فن المقالة (نجم)، ص 45 ، 128.
7- المنفلوطي( عويضة)، ص120-121.
8- فن المقالة (نجم)،ص55.
9- الأعمال الكاملة (المنفلوطي)، ص39.
10- فن المقالة (نجم)، ص95.
11- المقالة الأدبية في العراق(الجنابي)، ص26.
12- المنفلوطي(عويضة)، ص76-77.
13- الأعمال الكاملة(المنفلوطي)،ص101.
14- ينظر: المنفلوطي(عويضة)، ص 80-81؛ فن المقالة (نجم)، ص128-129.
15- الأعمال الكاملة (المنفلوطي)، ص150.
16- المنفلوطي(عويضة)، ص83.
17- الأعمال الكاملة (المنفلوطي)، ص173.
18- المنفلوطي (عويضة)، ص 132.
19- ينظر: المنفلوطي(عويضة)، ص 136-141.
20- المنفلوطي( عويضة)، ص 83.
21- الأعمال الكاملة( المنفلوطي)، ص63.
22- الأعمال الكاملة (المنفلوطي)، ص 86.
23- المنفلوطي (عويضة)، ص 102.24-
24- الأعمال الكاملة( المنفلوطي)، ص50.
25- الأعمال الكاملة (المنفلوطي)، ص 472.
26- الأعمال الكاملة (المنفلوطي)، ص483.
27- راجع كتابنا : المقالة الأدبية في العراق، ص 24.
28- الأعمال الكاملة( المنفلوطي)، ص 407؟
29- الأعمال الكاملة (المنفلوطي)، ص 407.
30- الأعمال الكاملة (المنفلوطي)، ص408.
31- الأعمال الكاملة( المنفلوطي)، ص 408.
32- الأعمال الكاملة (المنفلوطي)، ص 409.
33- كتابنا : المقالة الأدبية في العراق، ص 25.
34- الأعمال الكاملة ( المنفلوطي)، ص 409.

شاهد أيضاً

تجلّيات اللغة في القصيدة السرديّة التعبيريّة
التعبيرية القاموسيّة
غافلة .. للشاعرة “عائشة أحمد بازامة”/ بنغازي–ليبيا
بقلم: كريم عبدالله

يقول سركون بولص : ونحن حين نقول قصيدة النثر فهذا تعبير خاطىء , لأنّ قصيدة …

شوقي كريم حسن: نجاة عبد الله….قصة الشعر!!

*هل يولد الشعر من رحم القهر الاجتماعي الذي يرافق الانسان منذ لحظات الاكتشاف الاولى حيث …

بلقيس خالد: إنطباع أول : رواية (هذيان / أيام فرناندو بيسووا الثلاثة الأخيرة)

ربما مَن لم يقرأ بيسوا، سيكون عمل الروائي أنطونيو تابوكي في روايته (هذيان) عملا ً …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *