نور الهدى الظالمي: مقهى الروضة السوري في سردية اللاجئ العراقي

مرّ اللاجئ العراقي في طريق رحلة لجوئه بالعديد من الأماكن التي شكّلتْ ملمحًا بارزًا في سردياته المكانية خلال تلك الرحلّة التي أسست أدبياتها الخاصّة, ومن بين أبرز الأماكن الحقيقية التي تحولت إلى المكان البطل في سردية اللاجئ العراقي المقهى السوري المعروف بـ(مقهى الروضة)، فقد تحوّل إلى محطة للّاجئ يتزود منها للانطلاق نحو إكمال طريق اللّجوء الطويل وهو مكان (بَيْنيٌ) يقع في منتصف رحلة اللاجئ التي تخيّره بين العودة إلى الديار خوفًا من مجهول الرحلة, أو المضي قدمًا في خارطة اللّجوء، وقد عَرفَ هذا المقهى معظمُ العراقيين اللاجئين عبر الممر السوري, إذْ كان بؤرةً لالتقائهم وتعارفهم وموضعًا لاتفاقيات هجرتهم مع المهربين.

     وتأتي أهمية هذه المقهى في الواقع كما هي في النص الروائي إذ تصبح بؤرةً مكانية تبحث عنها الشخصية لتستقرّ وتنقّب عن مخرج للّجوء, وتلازم هذه المقهى (علي سلمان) بطل الرواية الثالثة لسلسلة عبد الله صخي الروائية(1) (اللاجئ العراقي) فتظهر طيلة تواجده في الأراضي السورية (جلس علي سلمان في مقهى يطل على جانب من ساحة المرجة، أكل بشهية وطلب شايا، سأل النادل عن مقهى الروضة فأرشده إليها، كان مقهى الروضة هادئا في الساعات الأولى من النهار, ومع تقدم الوقت امتلأ وغص بدخان السكائر والنارجيلات وضجيج لاعبي الدومينو, فانتقل علي إلى الظل في القسم الخارجي من المقهى بأرضيته الإسمنتية المغسولة للتو، قدم شبان وجلسوا قريبا منه, اتضح من لهجتهم أنهم عراقيون)(2). 

      لقد أصبحت هذه المقهى شاهدًا على يوميات اللاجئ العراقي في غربته, حتى إنها قد استعارت دلالةَ البيت التي عُرف بها كمكان للعودة لأجل الراحة أي كمستقرّ ومن ثم الانطلاق صوب فضاءات الخارج, فنجد أنها محطة يغدو إليها اللاجئ ويروح, لكنها احتفظت من خصائص المقهى بالعمومية التي اكتنفت مجاميع اللاجئين كما في المقطع الآتي الذي نرصد خلاله تحركات البطل من المقهى وإليها (قبل الظهر بقليل ذهب إلى المقهى، اكتفى بكأس شاي حلو كي يوفر وجبة الإفطار، كان هناك عراقيون يرحون ويجيئون, يسألون بعضهم بأصوات عالية, عن أخبار اللجوء وعما إذا انفتح خط طيران جديد ينقلهم مع أحلامهم وأمنياتهم إلى الغرب, إلى عوائلهم التي سبقتهم أو أحبائهم البعيدين)(3), فتحضر كلازمة لتحركات الشخصية بين مشهد وآخر (غادر إلى المقهى، ظل هناك حتى الغروب، لم يأت أحد ممن يعرفهم, لكنه سمع ثلاثة أشخاص عراقيين وسوريّا لم يره من قبل, حول طاولة مجاورة, يتحدثون عن السفر وغلاء التذاكر)(4)، وتنعكس خلال هذه المقاطع وظيفةُ المقهى التي أشار إليها حسن بحراوي في أنها تؤطر لحظات العطالة والممارسة المشبوهة(45), ويتضح هذا من الفجوات الزمنية التي تقطعها الشخصية وهي منتظرة في فضاء المقهى .

      ويهيمن (مقهى الروضة) على الأماكن البينيّة في رواية (الضلع) إذ يصبح فضاءً موثًّقا لعطالة اللاجئ العراقي وهو يبدد أيامه في البحث الدؤوب عن وطن يحتويه، فيكون المقهى شاهدا على شريحة من العراقيين الذين ضاعت أمانيهم وأحلامهم في فضائه، وقد عكست لنا التمثيلات الواردة في رواية (الضلع) بعضًا من مشاهد الزمن العراقي الضائع (دوائر صغيرة حول الطاولات تكبر وتكبر مع ساعات الظهيرة وترتفع الأصوات بنقاشات عقيمة عن الوطن والثورة والكفاح والأحزاب وحركات التحرر, كأن لهم ما في الخيانات وما في الرفض وهم عن فعل أي شيء عاجزون، يختلفون فتشتد حدة النقاش وربما يتحول إلى معارك كلامية تنتهي بالوعيد إلى زمن مؤجل, أو يتبادلون نكات عتيقة يعرفونها جميعا لكنهم يضحكون لسماعها من أفواهه كأنهم يحاربون الوقت بالضحك ويتلذذون بالسخرية من أنفسهم، وفجأة يبدأون بالتسلل من دوائر ألفتهم المصطنعة ويغادرون المكان فرادى كما جاءوا.. وهكذا تدور رحى أيامهم طاحنة قرونَ زمنٍ خاو)(6). 

    وتعدّت فاعليةُ (مقهى الروضة) مرتاديه إلى التأثير على من لم يَرَه بعدُ فانتقلتْ تأثيراته من (الواقعي) إلى (المتخيَل), بل إنه أصبح في ذهن اللاجئ العراقي محطةً بينيّةً متخيلة, وربما اختصر اللاجئون العراقيون سوريا بهذا المقهى الذي استولى على مخيلاتهم, فحوّلوه من مقهى إلى محل للإقامة (في دمشق عام 1985 أول سؤال يخطر في ذهن القادم الجديد وهو ينظر إلى جمع العراقيين المتكدسين في مقهى “الروضة” هو كيف يعيش هؤلاء العاطلين عن العمل والأمل؟ كيف يحصلون على قوت يومهم؟ من أين يأتون وإلى أين يذهبون؟ أين ينامون وماذا يحلمون؟ إنهم كائنات هلامية يسيحون على طاولات المقهى كماء مرمي من كأس أسقطته يد الغفلة فانكسر، إنهم يقيمون في المقهى يأتون إليها ضحى بعيون حمر لا يزال النعاس عالقا في أهدابها وروائح الثوم والعرق تعطّ من أفواههم وهم يتثاءبون بملل، يأتون إليها وكل منهم يحمل حقيبة صغيرة أنيقة تتدلى من كتفه، يضعها على الطاولة أمامه أو يعلقها على مسند الكرسي)(7)، وتأتي أهمية هذا المكان وتأثيره في طريق رحلة اللاجئ فتنقله من مكان واقعي إلى (مكان فني/ روائي بطل) نسجتْ حوله حكايةُ اللاجئ متخيلَها, في تأسيسها الكتابي التمثيلي لأمكنةٍ مائزة مكثت في ذاكرتها.

الهوامش:

١_ السلسلة تتضمن: خلف السدة ٢٠٠٨، دروب الفقدان ٢٠١٣، اللاجئ العراقي ٢٠١٧.

٢_ اللاجئ العراقي، دار المدى، بيروت، ٢٠١٧، ٣٧.

٣_ الرواية، ١٠٨.

٤_ الرواية، ١٠٩.

٥_ ينظر: بنية الشكل الروائي، حسن بحراوي، ٩١.

٦_ الضلع، حميد العقابي، منشورات الجمل، كولونيا، ٢٠٠٧، ٣٩١.

٧_ الرواية، ٣٩٠- ٣٩٢.

 

شاهد أيضاً

استجابة لدعوة القاص الاستاذ محمد خضير
تمرين قصصيّ: موسم تصيف البيوت
بلقيس خالد

يعرض أمام عينيها أنواع السجاد :هذه سجادة لا تليق إلاّ بأقدام الأميرات .. مصنوعة ٌ …

جبران خليل خليل لم يحب مي زيادة مثلما اعتقد الشرق!
مولود بن زادي
طيور مهاجرة حرة بريطانيا

أدب الرسائل جنس أدبي نثري قائم بين الأجناس الأدبية، له جمالياته وتقنياته الفنية. ومنه أدب …

نبيل عودة: شعر المقاومة بين المضمون السياسي والمضمون الأدبي

السؤال الذي أشغلني خلال العقود الأخيرة: هل شهرة أدب المقاومة كانت شهرة أدبية في مضمونها، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *