ميسلون هادي: ثلاث قصص قصيرة جداً (ملف/74)

إشارة:

يسر اسرة موقع الناقد العراقي أن تنشر هذه القصص القصيرة المميزة للمبدعة الكبيرة ميسلون هادي ضمن الملف المخصص لإبداعها.

هاتف منتصف الليل
فز الرجل على صوت رنين انطلق فجأة، فنظر إلى الساعة الجدارية ووجدها تشير إلى الثالثة بعد منتصف الليل.. قال الرجل لنفسه (استر يارب)، ثم نهض بصعوبة من فراشه، وهو يحس برجفة خفيفة تسري في رجليه. مد يده إلى سماعة الهاتف، وكان يتنفس بصعوبة، ثم رفع السماعة بصعوبة أكبر:
– ألو.
قال الصوت الآخر:
– مرحبا حاج.
استغرب الرجل أن يناديه أحد بهذه الصفة، وخمن على الفور أن المكالمة خطأ.. قال:
– أهلاً من أنت؟
قال الصوت:
– لا تعرفني ولا أعرفك.
– لماذا تطلبني إذن؟
– اخترت رقماً لا على التعيين، وطلبته، فكان رقمك.
– لخاطر الإله أهذا وقت مزاح؟
– لا.. بل وقت جد.
– وماذا تريد؟
– أريدك أن تكون شاهداً على موتي.
– أرجوك أتعرف كم الساعة الآن؟ ليس هذا وقت مزاح؟
– قلت لك أنه وقت جد. سأطلق رصاصة على رأسي الآن.. وستسمعها أنت في الهاتف.
– أرجوك لا تفعل.
– سأفعلها.. وأنت وحدك من سيشهد.
قال الرجل بنبرة ساخرة:
– والله؟
قال الصوت:
– اسمع.
ثم دوى صوت إطلاقة نارية في الهاتف، وصمت الصوت الآخر بعدها، وانتهت المكالمة.. أعاد الرجل السماعة إلى مكانها، ثم ذهب إلى غرفته لكي ينام، محاولاً أن يقنع نفسه بأن تلك المكالمة ليست إلا مزحة ثقيلة لرجل سكران.

بنج عام لرجل متجهم
قال المريض:
– أنا لا أطيق المزاح.. لا أستطيع مجاملة الآخرين. لا أتحمل النقد. لا أحب أن يحادثني أحد في الساعات الأولى من الصباح.. لا أحتمل أن…….
قاطعه الطبيب الظريف وقال:
– ها ها ها.. وإن كانت تبدو جميعها أعراض الكآبة المعروفة، إلا أنها مسألة بايولوجية لا علاقة لها بالحالة النفسية.
– بايولوجية؟
– نعم.. حالة وراثية.. وأرى أن نتدخل جراحياً ونؤدب بعض الجينات المسببة للكآبة، فتزول عنك هذه الحالة. ها ها ها.
– ولكن..؟
– لا تخف.. العملية بسيطة جداً.. أبسط منها ماكو ها ها ها.. ولن تستغرق أكثر من ساعة..
انزعج المريض من هذه الروح المرحة للطبيب، ثم وافق على مضض، وكانت حالة الكآبة قد تفاقمت عنده إلى درجة لم يشعر معها بالرغبة حتى بإلقاء التحية على فريق العمل لحظة دخوله غرفة العمليات.. وعندما تمدد على الطاولة الباردة، أحس بضيق شديد من الأنوار الكاشفة المسلطة عليه.. ثم اصيب بالقشعريرة بسبب البرد، وشعر بتقزز يصل إلى الغثيان لأن لثام الطبيب، الذي سيخدره، كان ينتفخ ويفش مع كل شهيق وزفير.. طلب منه طبيب التخدير أن يعد من الواحد للعشرة، لكي يتسنى له مراقبة مفعول المخدر عليه… قال المريض بانزعاج:
– لا أريد أن أعد من الواحد للعشرة.
سأله طبيب التخدير، وهو يدفع جرعة من البنج في كف المريض:
– أين تعمل إذن؟
قال المريض يتجهم وقد ازداد ضيقه:
– لا أدري.
– في أي يوم نحن؟
– عيب عليك كل هذه الأسئلة….. أنا إنسان محترم واستاذ رياضيات ورب عائلة.
ثم نهض من طاولة التخدير، وسار حافياً يترنح باتجاه الباب، وظل يطلق أقذع الشتائم بحق المخدر والطبيب والمستشفى.

يحدث أحياناً
شعر الكاتب انه قد نسي شيئاً مهماً قبل أن يخرج من المكتبة، وكان هذا الشيء يشاغله أثناء قيادة السيارة، ويشوش عليه تركيزه أثناء الحديث… زاغ نظره مرة أخرى ، فسرح بعيداً، وفي اللحظة نفسها ردد على نفسه السؤال الذي كان يتلاعب به طوال الطريق (يا ترى ماذا نسيت؟)، غير أنه عاد ونفض هذا السؤال من رأسه، وقال لصاحبه في السيارة:
– دائماً أخاف أن أموت وثمة شيء معلق لم أنجزه.
– الموت هو الفظيع، وليس ترك الأمور غير منجزة.
– أبداً.. الموت مقبول إذا جاء في موعد مرتب، ولكن تخيل لو جاء الموت وأنت في منتصف كتابة عمل مهم. أو في الطريق لإرسال رسالة حاسمة في غاية الخطورة؟
– الموت موت في كل الأحوال.. سواء كنت في منتصف مسودة مهمة او كنت قد أكملتها.
هنا زاغت عيون الكاتب إلى مكان بعيد، وراحت فكرة النسيان لذلك الشيء المهم تطرق رأسه بشكل مزعج.. ضحك صاحبه وكرر:
– الموت موت في كل الأحوال.
مسودة؟؟! انتبه الكاتب لتلك الكلمة فجأة، وانبثق ذلك الشيء المهم الذي أراد أن يتذكره طيلة الوقت.. شعر بأن أبرة ما تزرق للتو في رأسه.. ثم تنفجر عن تلك الفكرة التي نسيها… (إنها فوق سياج المكتبة)…………. في تلك اللحظة ارتبك الكاتب ارتباكاً شديداً، وانعطف بمقوده إلى اليسار برد فعل لا أرادي وخاطف للرجوع إلى سياج المكتبة الوطنية بأسرع ما يمكن.. قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، أراد الكاتب أن يخبر صاحبه بشيء ما، ولكنه لم يستطع.
في مكان آخر من الوقت نفسه، كانت مجموعة من الأطفال الملائكة تفتح رزمة هائلة من الأوراق موضوعة فوق السياج المحاذي لمرآب السيارات الخاص بالمكتبة الوطنية وتبعثرها سهاماً من الصواريخ الورقية تتطاير في الهواء الطلق.

شاهد أيضاً

وعد الله ايليا: لوثر ايشو ..والتفرد الفني (ملف/14)

إشارة: بموازاة عراق ينزف تحت سياط الجلد على يد الظالمين والفاسدين، نَزَفَ زهوراَ عراقية مُرَمّمة، …

لوثر ايشو مازال نابضا بالحياة رغم رحيله
مقالة في جريدة موصلية
عنكاوا كوم –الموصل -سامر الياس سعيد (ملف/13)

إشارة: بموازاة عراق ينزف تحت سياط الجلد على يد الظالمين والفاسدين، نَزَفَ زهوراَ عراقية مُرَمّمة، …

مقداد مسعود: “حميد الربيعي” من الهدوء .. إلى الورد (ملف/3)

حين علمت ُ برحيلك، وقفتُ حاملاً أعمالك الأدبية دقائق حداد … ثم شعرتُ بحفيف ينافس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *