غانم العقيدي: كنا في مقهى محمود (5)

السينمــــا
كانت معشوقتي الفاتنة في مخيلتي والتي احبها واحلم بها هي النجمة السينمائية المصرية مريم فخر الدين، التي كانت قد ترسخت شخصيتها في كياني برقيها وترفعها وجمالها الطاغي الذي يوحي بالرقة والعظمة وكنت لا اترك لها فلما الا اشاهده وقد بدأ عرض فلم لها في بغداد كنت قد شاهدت مقدماته وقد قرأت عنه واسمه رد قلبي رواية ليوسف السباعي ولا اريد ان اتحدث عن الفلم، لكن مريم فخر الدين كانت احلى ماتكون بذلك الفلم، وكأنها ملكة جمال العالم وقد شاركها شكري سرحان واحمد مظهر وهند رستم البطولة.
عرضت على نادرة ان ترافقني يوم الخميس في دعوة للعشاء في ابي نؤاس، ومن ثم ندخل السينما سويةً لمشاهدة فلم ردّ قلبي بعد أن نقلت لها صورة عن مريم فخر الدين وتعلّقي بها، وقد لا حظت أنّ نادرة أصيبت بنوع من الغيرة، لكنها لم تتردد في قبول دعوتي.
خرجت من الفندق وانا بكامل هندامي حليق الذقن ومتعطر بعطري المحبب استعداداً لمرافقة نادرة في بغداد.
جلسنا أنا ونادرة في كازينو بغداد في ابي نؤاس في القسم المخصص للعوائل لم ترغب نادرة في اكل سمك المسكوف، بل اختارت المشاوي. أخذنا جانباً منعزلاً نوعاً ما عن بقية العوائل التي تجمعت غالبيتها شطر ملاعب الأطفال وسط الصخب والضجيج الذي تثيره تلك الملائكة بألوانها الزاهية.
في زاويتنا انا ونادرة وبانتظار العشاء أخذنا الحديث الى الدائرة وكيفية تعارفنا وكيف تطورت وتوثقت العلاقة بيننا وتحولنا الى مانحن عليه الآن من صداقة قادتنا للخروج سوية لأول مرّة وقد اسقطت من حسابي كل المفاجأت التي اتوقعها برؤية احد زملائي او زميلاتي كما حرصت الا امضي في حديثي بقطع وعود تؤدي الى الزامي امامها واخذت حذري من ان انزلق او اتمادى في علاقتي معها قبل ان اختبرها.
جاءت المشاوي وبدأنا بتناول وجبة العشاء وحرصت جداً أن اهتم بنادرة كي اشعرها بمكانتها عندي عندما وقعت احدى الكرات بيننا التقطت الكرة وهممت بأن أقذفها لكني تريثت عندما شاهدت احدى الشابات تتجه الينا فقمت من مكاني وتقدمت اليها مبتعداً قليلاً عن نادرة لأعطيها الكرة كانت سمراء هيفاء جميلة وناهدة ومن النوع الذي يدخل القلب لأول مرّة تبسمت الفتاة وقالت لي بجرأة:
الله هاي انت اشكد حلو صدقة هنيالها المرتك لم املك نفسي من الحياء والخوف وعدت الى مكاني سألتني نادرة:
ماذا كانت تقول لك تلك الشابة؟
قلت لها:
كانت تشكرني.
بعد أن أكملنا عشاءنا توجهت الينا تلك الفتاة مع مجموعة من الفتيات وتقدمت الينا وهي تحمل كامرة بيدها: قائلةً بعد السلام وهي توجه حديثها إليّ:
أرجوك ياسيدي ان تأخذ لي ولرفيقاتي صورة جماعية.
قلت لها معتذراً:
بأني لا أعرف التقاط الصور بهذه الكاميرا .
قالت:
سأعلمك انها بسيطة اضطررتُ الى تلبية طلبها بينما بقيت نادرة جالسة في مكانها.
ابتعدنا قليلاً واصطففن رفيقات الفتاة لأخذ الصورة بينما تقدمت هي وبكل جسارة تمسك بيدي لتعلمني كيف ألتقط الصورة ثم دست ورقة صغيرة في يدي تبين بعد ان فتحتها بسرعة انّها رقم هاتف.
حين عودتي الى نادرة كان عامل الكازينو قد جاء لأخذ ثمن العشاء وعندما اخرجت النقود من جيبي سقطت الورقة التي اعطتني اياها سمية، فالتقطت الورقة نادرة وفتحتها وعند ذهاب عامل الكازينو استشاطت نادرة غضبا وهي تلومني على تركها ومتابعة تلك الفتاة قائلةً:
انها كانت ترقبنا وانها شاهدتني وانا افتح الورقةً التي اعطتني اياها تلك الفتاة.
تركتني نادرة منزعجة وغادرت الكازينو بالرغم من محاولتي ان اجعلها تعدل عن رأيها بعد ان دافعت بأن لا ذنب لي أنا فيما جرى.
حقدت على عامل الكازينو وانا اخرج ثمن العشاء من جيبي عندما سقطت ورقة التلفون التي التقطتها نادرة.
لقد احسست بغيرة نادرة القاتلة منذ ان لاحظت غيرتها وانا اتكلم عن مريم فخر الدين وجمالها وتعلقي بها عندما دعوتها لمشاهدة الفلم معي ثم تصرفها الفض معي وتركها لي الليلة وبهذه الرعونة، لذا قررت عدم المضي قدماً بعلاقتي مع نادرة بل قطعها من جذورها ومن البداية الى اللاعودة لأن الطريق معها سيكون طويلا وشاقاً.
دخلت السينما لوحدي وكان عزائي اني سأرى نجمتي المحبوبة وهي أجمل ما يكون.
كان الاربعيني الذي يجلس بجانبي كثير الحركة وقد لاحظت انه يتعمد ان يلمسني مرة في يديه ومرة في رجله كما لاحظت ان رائحة الخمر تفوح منه وقام أخيراً بوضع يده على ساقي فنهرته بأدب وقررت مغادرة السينما، لم يسمح لي بمغادرة السينما لدواعي امنية الا بعد انتهاء الفلم، عرض عليّ عامل السينما الجلوس في مكان آخر حتى انتهاء الفلم بعد ان اخبرته عن مضايقتي قائلا:
هل تريد ان اخبر شرطة الآداب عنه؟ فرفضت العرض درءاً للفضيحة، فأجلسني بمكانٍ آخرٍ.
امضيت ليلتي في الفندق منزعجاً مما جرى لي من تصرفات نادرة وتصرفات ذلك الاربعيني الشاذ، عادت بي الذكريات الى حبيبتي نهلة وجمالها والى أمي وحنانها والمقهى واصحابي فاتخذت قراري بالعودة الى الموصل.
في يوم الجمعة وكنت كالعادة بضيافة بيت خالتي، أخبرتهم بأني قررت العودة الى الموصل الى جانب امي الوحيدة، وبعد ان انهيت فترة تدريبي في المديرية.
كان وقع الخبر على خالتي واولادها مفاجئاً وقالت خالتي:
مع اننا نعتز بوجودك هنا وزياراتك لنا ونحن مطمئنون انك معنا بخير، ارى ان تكون الى جانب امك هو الصواب بعينه بعد ان انهيت مهمة تدريبك وأتمنى لك الموفقية والنجاح، وأرجو ان تحمل سلامي الى اختي العزيزة.
قال رياض:
لم تسرب لي من قبل انك ستنهي دورتك في بغداد وقد فاجأتني بالحقيقة بخبرك هذا اتمنى لك التوفيق والنجاح ونتمنى ان تعود لزيارتنا انت وخالتي مرة أخرى.
لم اكن اتوقع ان تعبر ليلى شيء عن قراري بالعودة الى الموصل وقد فاجأتني وهي تقول:
سنجد لك وحشة بعد ان تعودنا ان نراك بيننا، وأن تكون معنا هنا في كل اسبوع، وقد كنت انتظر مجيئك واتحسب له بالاهتمام بك وبحاجاتك اتمنى لك الموفقية وأرجو وكما سبقني رياض ان تعود لزيارتنا انت وخالتي في اقرب وقت.
بعد تناولي الغداء في بيت خالتي اخذني رياض بجولة في منطقة المأمون ونفق الشرطة مشياً على اقدامنا لأكثرمن ساعة، ثم قفلنا راجعين الى البيت وكانت ليلى قد حضرت ملابسي التي اعتادت ان تغسلهم لي كل اسبوع.
ودعت خالتي وقبلتها من رأسها شاكراً لها ومتمنيا لها الصحة، كما صافحت ليلى التي لاحظت انها كانت مضطربة ويوحي شكلها بالحزن وكأني لاحظت دمعتين تسقط من عينيها.
خرجت انا ورياض بسرعة لأني لم اتحمل رؤية ليلى في ذلك الموقف الذي اثر فيّ تاثيراً بالغاً بالرغم من اني وليلى لم يكن بيننا شيء، عدا الحديث العابر عن الوظيفة والدوام والراتب وما الى ذلك.
في عودتي الى الدائرة في صباح اليوم التالي، قدمت طلباً للمدير العام بنقلي الى الموصل وعودة نادرة للعمل محلي، وافق المدير العام كما كان قد وعدني سابقاً وأرسلني الى الأدارة لإكمال كتابي محملاً سلامه الى زوج خالتي قائلاً:
لقد اوعزت للإدارة بتنسيبك الى الموصل بدلاً من نقلك ليتسنى لك طلب العودة الى بغداد متى ما اردت ذلك. شكرت المدير العام وصافحته بحرارة على التزامه لي وبعد ان أنهيت كتابي عدت الى مكاني حيث كانت نادرة تنتظرني لتعتذر عن تصرفها بالامس.
سلمتها نسخة من كتابي وغادرت.
لا ادري في الحقيقة ردة فعل نادرة بتصرفي معها ومفاجأتي لها بانفكاكي من الدائرة لكني بالتاكيد كنت قد اصبتها بالصميم وأنا على قناعة تامة بما تصرفتُ به، لأني لست على استعداد ولا اريد ان ادخل مبكراً لعبة شد الحبل بيني وبين تلك المرأة شديدة الغيرة، واضع نفسي في دوامة لا مخرج لي منها الا بمعركة.
لقد كانت أمي على حق حينما كانت تحرص على تربيتي وفق نظرتها البرجوازية.

*****
العودة الى الموصل
في طريق العودة الى الموصل، كان وجه نهلة وجمالها وتاريخها وحبي المجنون لها وقبلتنا المحمومة وتطويقي لها في المطبخ تمر من امامي كشريط من الاحداث الممتعه، التي حفزتني بشكل غير عقلاني الى الطلب من امي عند وصولي الموصل الذهاب لخطوبتها وخاصةً أنّ امي تحب نهلة وترتاح لها، وانهاء موضوع الشد الذي اعيشه بحبي لها ثم ياخذني التفكير باتجاه مغاير عما كنت انوي فعله، فاتذكر ليلى ابنة خالتي الرائعة الامينة والراجحة وهي تقوم بصمت على خدمتي وتحرص اشد الحرص على راحتي، وماذا سيكون موقفها حين ستسمع بخطوبتي او بزواجي وكان شكلها قد تغيّر فقد اكتنزت قليلاً واحمرت خدودها وتكور جسمها وهي تتدفق انوثة وحيوية عما كنت اراها عليه سابقاً، وقد اثرت فيّ ساعة وداعنا وهي تدعو لي وقد اغرورقت عيناها بالدموع، في الحقيقة كانت نهلة ذات جمالٍ طاغٍ وكنت احبها بجنون منذ سكنت في قلبي وانا مازلت مراهقاً، مع اني اقدر واكبرعناية ابنة خالتي ليلى بي لكني اتخذت قراري لدى وصولي الى الموصل بالتقدم لخطوبة نهلة.
استقبلتني امي بالاحضان وهي تشمني وتبكي وتقول الحمد لله على مجيئك، لقد بقيت وحدي كأسيرة وكأنّ البيت يريد ان يقتلني.
بعد ان سألتني عن اوضاعي وعن خالتي واولادها ووضعي في بغداد؟
قلت لها:
لم يعد هناك حاجة لرجوعي الى بغداد
قالت:
هذا يعني انك نقلت الى هنا .
قلت: كلا لم انقل لكني تنسبت
قالت:
هذا خبر ممتاز اذن على بركة الله والحمد لله الذي اعادك الي لتملي علي وحدتي ثم قالت:
ربما تريد ان تسألني عن نهلة؟ ان نهلة قد تزوجت.
كان وقع الخبر عليّ، كوقع الرصاصة التي اصابتني في الصميم، ولم اعد ادري ما افعل ثم اردفت امي قائلة:
انها قد تزوجت قبل اسبوع من الآن من صديقك ابن عمتها حمدي، ولم اذهب انا لزيارتها وتهنأتها فقد كنت انتظر قدومك لنذهب سويةً خاصةً وإن حمدي هو صديقك المقرّب.
وقد خطر على بالي مرةً ان اخطبها لك بعد ان اخبرك لأني قد وثقت بها وهي جميلة جداً، وادرك انك تستلطفها لكن ما كان يمنعني هو عدة اسباب، اولها انها ارملة ولديها ولد وقد فكرت ان هذا الولد عندما يكبر سيكون مكدراً لعيشكما وسيكون بينكما نوع من الصراع الخفي وربما يظهر للعلن عن مدى اهتمام نهلة بأحدكما وهذا امر صعب، اما الامر الآخر فهو ان نهلة تكبرك بعدة سنوات واذا قدر لكما ان تعيشا زمناً طويلاً ستجد ان نهلة قد بلغت الشيخوخة قبلك، وانت مازلت وان بعض الرجال يتزوجون المرأة التي تصغرهم بعشر او خمسة عشر سنة، واضيف سبباً آخر هو اختلاف المستوى الثقافي بينكما.
بعظيم من الحقد والغضب تلقيت خبر زواج نهلة من حمدي صديقي المقرب الذي تقول امي عنه، وقد اكد زواجهما شكوكي في محلها عن حمدي، بعد ان رافقته وخَبرتُه في اعمال الكهرباء في الحي لكن ما اثار استغرابي هو موافقة نهلة على الزواج وسرعة اتمام الزواج.
لم يتطرق حمدي طيلة صحبتي معه وأنا الصديق المقرب ولم يلمح باشارة انه ينوي الزواج من نهلة، كما ان نهلة بعد السماح لها بدخول بيتنا دون استئذان ومحبة امي لها والعلاقة التي نمت بيننا لم تلمح ايضاً الى موضوع زواجها من حمدي. وعند ما نقلت امي لي خبر زواجهما، كنت احاول الوصول الى الكيفية التي تم بها هذا الزواج المفاجئ، مع اني قد بحت لنهلة بأني سأتزوجها، عندما احتضنتها، وقبلتها من جيدها في المطبخ.
في يوم الخميس الاول على عودتي من بغداد ذهبت الى المقهى كالعادة واستقبلوني اصدقائي بالتحيات الحارة مهنئينني بالوظيفة الجديدة وكان اكثرهم فرحاً ومرحباً حمدي الذي لم يكد يصدق انه رآني، فأخذني بالاحضان وزفّ إليّ نبأ زواجه من نهلة قائلاً:
بأنه كان قلقاً جداً لانقطاع اخباري، وانه كان بحاجة اليّ لأقف معه في زواجه، واضاف انه كان قد وضع عينه على ابنة خاله منذ ان ترملت، وكان ينتظر ان تتحسن ظروفه المعاشية ليتزوجها، مع ان خاله لم يكن ليمانع بعد ان قام اخوه صاحب الفرن بمفاتحة خاله حول الموضوع منذ مدة.
هنأت حمدي على زواجه وتمنيت له زواجاً ناجحاً وتاسفت له لعدم حضوري حفل الزواج.
قال حمدي:
إنه باشر العمل كفني كهربائي في شركة اجنبية تقوم بانشاء فندق من خمسة نجوم.
قلت:
ماذا عن فريق الكرة؟
قال حمدي:
تقطعت اوصال فريق الاصدقاء، تماماً وكان من الصعوبة بمكان استمراره بمباريات الدوري الشعبي بعد ان تخلى عنه معظم اعضاء الفريق، فأنت تعلم بطرد احمد طيارة من الفريق، بعد عراكه معي واعتزاله المجيء الى المقهى، وقد استقر كنعان سلوم في القرية التي هو فيها بعد زواجه من احدى فتيات القرية، كما التحق علي النورية متطوعاً بالجيش، وقد غادر الاستاذ نبيل قبل ايام الى بغداد لتعزيز دراسته، فضلاً عن سفرك بعد التعيين ولم استطع ان اكمل الفريق مرة أخرى بعد ان غادر خمسة من لاعبي الفريق كل حسب ظرفه، فضلاً عن انتظامي بالعمل في الشركة التي تأخذ مني كل الوقت وانشغالي بالزواج لكني اشعرت مسؤول الفرق الشعبية، بما آل اليه وضع الفريق فاجابني قائلاً:
إن الحالة عامة وليست في فريقك وحده، وسنسعى جاهدين الى تشكيل الفرق من جديد، ودعمها بطاقات شابة متفرقة بعد تسرب اغلب اللاعبين بسبب التعيينات، اوالخدمة العسكرية وفق القانون الجديد، وقد سألني المسؤول فيما اذا كنت ارغب ان استمر في تدريب الفريق فاعتذرت.
اكرمني محمود ابو شكيرة بقدح من الشاي على حسابه الخاص بمناسبة تعييني وعودتي الى المقهى. ولاحظت انه لم يكن باللياقة التي عهدته بها، كما انه كان يتكلف بالمشي وهو يعرج وعندما سألته عما ألمّ به اجاب:
اخي حسون وهو يدلعني انني لست على ما يرام وصحتي ايضاً ليست على مايرام، فقد ازداد التهاب الكليتين لديّ نتيجة لارتفاع السكر، وكذلك ازداد التهاب الاصبع السكري وتحول لونه الى الاسود، وقد اخبرني الطبيب بأن حالتي خطرة لضعف الكليتين وخوفهم من بتر الاصبع لعدم وجود ضمان لتخثر الدم نتيجة السكر المرتفع.
تأثرت كثيراً من وضع محمود وتمنيت له السلامة.
كانت حارة الدومينو للثلاثي علي النورية ومؤيد سمكة وماجد الحداد قد اختفت تماما، ولا اثر للثلاثة الذين كانوا يجتمعون حولها كالسابق كما عهدتها بعد حادثة الخالة سليمة وجرح حمدي وتحطيم الصور.
في عودتي الى المقهى شعرت بفخر شديد وغبطة لا توصف وانا محاط من بعض اصدقائي رواد المقهى الذين احاطوني بتلك الحفاوة، بعد غيابي طيلة فترة مكوثي في بغداد، مع اني قد تألمت كثيراً لمفاجأتي بزواج نهلة التي ربما قد اختطفوها مني او كانت هي من اراد ذلك كما تأثرت كثيراً لحالة محمود وافتقدت بعض من الاصدقاء الذين انتظموا بوظائف واعمال انقطعوا بها عن المقهى، بعد اقدام العراق على تحديث الجيش، والأهتمام بتطويرة خاصةً بعد تطبيق قانون الخدمة الالزامية الموحدالذي شمل كافة خريجي الكليات والمعاهد وخريجو الدراسة الاعدادبة. وفتح باب التطوع في الجيش وفق المنظور الحديث للحكومة، التي دعت الشباب الى الالتحاق بكافة الصنوف وقد تطوع في الجيش كل من مؤيد سمكة وعلي النورية الاول بصفة سائق في احدى سرايا التموين والنقل، والثاني في سلاح المدفعية.
عدت الى البيت وكانت امي بانتظاري وقد اعدت لي عشاءً فاخراً، وكنت في نفسي قد تألمت كثيرا للمفاجأة القوية بزواج نهلة من حمدي وحديثه معي حول الموضوع الذي اوضح فيه انه قد تكلم بخطوبة نهلة منذ زمن عبر اخيه، وانا كنت اعرف تماماً ان الحاج عامريحب حمدي كثيراً ويتابعه لكني استغربت هذا الزواج في الوقت الذي كنت على علاقة مع نهلة واخطط للزواج منها وقد صارحتها بذلك لكنها تجاهلتني اولم تأخذ كلامي على محمل الجد وتزوجت حمدي، ولم تفصح لي ولا لأمي من قبل ان حمدي قد تقدم الى خطوبتها، وقد لمت نفسي كيف اني تركت نهلة في السابق دون ان امسها من قبل وقد كانت قد اعطتني اشارة بعدم رفعها العباءة مرة ثانية عندما استدعتني امي حول تدريس باسم،كما عاودتني الذكرى الى حمدي وعدم دفعه اجوري عن العمل في بيت السيدة ذات الفستان الخفيف، وقضية علبة الكليبسات التي اظنها كانت مفتعلة منه ومن صاحبة المنزل للتخلص مني بتلك الطريقة كي يخلو لهما الجو، بعد ان رايت انها كانت على استعداد لان تفعل أي شيء منذ تكلمت عن زوجها بتلك الطريقة الفجة، وكذلك محاولتها مغازلتي.
لم يمض زواج نهلة من حمدي والتفافه عليها مرور الكرام، ويراودني احساس اني قد طعنت من الخلف، ومع اني لا اعرف فيما اذا كانت نهلة قد اجبرت على الزواج او تزوجت بملء ارادتها.
تم تحديد موعد زيارتنا الى بيت الحاج عامر عصر يوم الجمعة، لتهنئة نهلة وزوجها الذين سيكونون هناك، حسب ما اوضحت الخالة بثينة.
وضعت في ذهني مخططاً لما كنت ساراه واجابهه من اسئلة محتملة ووضع إجابتي عليها واتخذت قراري بعدم الضعف لدى رؤيتي نهلة، والتمرد على قلبي والتظاهر او تصنع اللاابالية حول موضوع زواجها.
اخبرت امي بأني ربما سأتكلم بكلام يرفع من معنوياتنا وقد تتفاجئين به فعليك فقط التأييد بدبلوماسيتك المعهودة.
قالت امي :
وما بها معنوياتنا لكي ترفعها وما تريد ان تقوله؟
قلت لها:
ربما ساحتاج ان اتكلم وربما لا، وعليك ان تتأكدي اني اريد بكلامي تعزيزاً لمكانة عائلتنا.
في اليوم التالي ذهبت الى سوق الصاغة وابتعت حلقة خطوبة على مقاس اصبعي، ووضعتها في اصبعي اليمين.
دخلنا انا وأمي بيت الحاج عامر، وكان الجميع باستقبالنا، صافحني الحاج عامر مرحّباً وكذلك حمدي، بينما رحبتا كل من الخالة بثينه ونهلة بأمي ودعونا الى غرفة الضيوف.
أول لقاء بيني وبين نهلة منذ اشهر، ومنذ كانت حلمي الجميل وانا في كل ليلة على فراشي في الفندق احادثها وأناجيها وأتغزل بها وبجمالهها ثم ابتسم وانام بأماني لليل آخر ولحياتي المستقبلية معها، ومع اني كنت عندما اراجع نفسي كان ينتابني هاجس بان حمدي ربما يكون صاحب الموقع الافضل بالتقدم لخطوبتها، لصلة القرابة التي تربطهم،لكني كنت اعول على نهلة وعلى حبنا وما اعتقدت بان نهلة ستوافق على ذلك الزواج.
كعروس بأحلى صورة بدت عليها نهلة، وهي تبتسم منشرحة ومرحبة وهي ترتدي قميصاً وردياً بازرار وبنصف كم مشدود على جسدها البض وقد قفز نهداها الى امام بعلامة من علامات التحدي، مع تنورة ضيقة سوداء حد الركبة برزت من خلالها مفاتن جسمها الرائع وقد اشرق وجهها الباذخ الجمال، الذي زاد من جماله طريقة الميك اب الذي قد وضعته والروج الغامق الذي زان شفتيها، تلك الشفتين العذبتين اللتين ذقت طعمهما في لحظات من الخوف والرغبة لن انساهما ابدا.
في الوقت الذي نهضت فيه نهلة سالني الحاج عامر عن بغداد؟ وعن وظيفتي؟ وكيف كانت رحلتي؟ وما الى ذلك وقد اجبته باختصار:
اني بخير في بغداد ووظيفتي محترمة وكانت رحلتي موفقة.
وسألتني الخالة بثينه: عن خالتي نسيمة ؟وعن صحتها؟ فأجبتها: انها بخير والحمد لله.
دخلت نهلة مع صينية ملأى باقداح عصير البرتقال، وبدأت بالتوزيع ابتداءً من امي التي كانت تجلس بجنب الخالة بثينة وبعد ان وصلتني انحنت بالصينية كي اخذ قدحي ومع انحنائها كان نهداها يريدان ان يقطعا ازرار قميصها الملتصق على جسدها بصورة مغرية جداً وانا اشم عطرها البهي، ثم همست بصوتها:
كيف حالك يا حسن؟
اكتفيت باجابتها ان هززت رأسي علامة بأني بخير.
بعد ان خضنا في عدة مواضيع انا والحاج عامر وحمدي عن الاوضاع في البلد وموضوع التأميم والمقهى وروادها ثم الى فريق الكرة وغيرها من الاحداث، وكذلك كانت امي والخالة بثينة يتحدثان في امور أخرى عن المدرسة وعن الجيران ومتى سيكون سفر امي الى بغداد، والعطلة على الابواب.
فاجأتني الخالة بثينة بسؤالها عن الوقت الذي انوي الزواج به؟
اجبتها وانا الوح باصبعي الذي فيه الحلقة:
لم يتبق شيء على موعد زواجي، واني انتظر العطلة الصيفية التي ستتفرغ بها امي، وواصلت الحديث كي لا اسمح بتوجيه السؤال الى امي ولأنهي الموضوع، فقد قامت امي بخطوبة ليلى ابنة خالتي نسيمة بناء على طلبي، منذ ان باشرت عملي ببغداد، فقد اعجبتني بأخلاقها وجمالها فضلاً عن انها خريجة كلية الاداب وتعمل معيدة في نفس الكلية وتحضر الآن لدراسة الماجستير.
قالت الخالة بثينة:
مبروك لك ياولدي ، وادعو الله ان يتمم زواجك بالخير ثم التفتت الى امي مهنأةً إياها ومعاتبةً لعدم اخبارها من قبل.
قالت امي:
لم اخبرك لأنني تكلمت بالموضوع مع نسيمة، عندما سافرتُ مع حسن لكني وانت تعرفين قد عدت الى الموصل بسبب الوظيفة، ولم اكن اعرف ان حسن وبيت خالته اتموا الموضوع الا بعد مجيئه هنا.
نظرت الى وجه نهلة وقد بدا عليه علامات الازعاج من الخبر، في الوقت الذي تمنى لي فيه كل من حاج عامر، وحمدي الموفقية في زواجي المزمع.
قالت نهلة:
اني اعرف ليلى، وكنا نلعب سويةً يوم كنا صغاراً عند مجيئها اليكم، واظن انها كانت قصيرة وشاحبة.
قلت :
اعتقد ان ظنك ليس في محله، لأن ليلى ليست قصيرة وهي معتدلة الطول، ثم انها متوردة الخدين تنم عن صحة جيدة، وهي بنظري من اجمل النساء اللواتي رأيتهن، فضلاً عن انها مثقفة ولوظيفتها مركز مرموق وانها ابنة خالتي التي احبها ومقاربة لعمري وهي مازالت فتاة.
لم أشعر بالندم مطلقاً عن الكلمات التي قصدت بها تجريح نهلة وآخرها ان ليلى مازالت فتاة على مضض تمنت لي نهلة التوفيق في زواجي، وشعرت باني امطرتها بوابل من القذائف وقد اصبتها بالصميم ثم غادرت هي الغرفة بعد ان همست باذن زوجها.
اثناء عزمنا المغادرة سألت الحاج عامر عن باسم الذي لم يكن موجودا في بيت جده، قال الحاج عامر:
انه في بيت جدته لأبيه منذ يومين.
غادرنا بيت الحاج عامر وقاموا لتوديعنا جميعهم عدا نهلة.
في البيت قالت لي امي:
من اين اتيت بهذه الرواية؟ وكيف حبكتها؟ وما كنت تقصد من وراء ذلك؟
قلت:
ان نهلة كانت تتواجد في بيتنا كل يوم تقريباً ولم تسرب لنا او لك بالذات خبر خطوبتها مما اثار حفيظتي وولد لدي شعور بالامتعاض بعدم اخبارك بذلك، وانت قد رفعت الحاجز عن زيارتها لنا في أي وقت تشاء.
قالت أمي
لم انتبه الى الأمر، واعتقد انه ليس بتلك الأهمية، ثم انه لا يعني لي الكثير.
قلت لأمي:
انه يعني لي الكثير.
قالت أمي:
وهل انت جاد في موضوع خطوبتك؟
قلت :
نعم ماما وبالطبع بعد موافقتك، لأني درست الأمر جيدا.
*****

شاهد أيضاً

بعد فوات الأوان
تأليف: رياض ممدوح

مسرحية مونودراما ، عن قصة للكاتب العراقي انور عبد العزيز المنظر ( غرفة عادية قديمة …

رَجلٌ مِن فَيضِ السّمَاءِ
بقلم عبد اللطيف رعري
مونتبولي/ فرنسا

أنا رجلٌ من تراب من رمادِ الغاباتِ من وحلِ القُبورِ. .من خَليطِ الماءِ والزعفرانِ … …

ألـف هـايـكـو وهـايـكـو
(2) إيـسا (ياتارو كوباياشي 1763- 1827)
ترجمة: جمال مصطـفى

101 هواء ليلة تناباتا البارد / يدهن الخيزران بالندى * تناباتا مهرجان يقام سنوياً في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *