التوقع في ضراوة الحياة اللامتوقعة (قراءة مركزة)
بقلم: ميخائيل ممو (ملف/15)

إشارة :
“ومضيتُ، فكرتُ بنفسي كالمتسوّل، لعلّ أحدا ما يضع في يدي وطني”.
يهمّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تقدّم هذا الملف عن تجربة الأديب العراقي “بولص آدم” مبتدئة بنشر نصوص كتابيه: “ضراوة الحياة اللامتوقعة” و”اللون يؤدي إليه” اللذين وضع لنصوصهما جنساً هو “الواقعية المتوحّشة”، وهذا امتيازه الفذّ في ابتكار جنس من رحم الأهوال العراقية، فقد أدرك أنّ النصّ العراقي يجب أن يُكتب بطريقة تكوي أصابع من يقرأه وقد يشتعل بين يديه. وهي ليست نصوصا “مفتوحة” بل الرؤية التي ينبغي أن يُكتب وفقها النص العراقي الحقيقي. بلاد تُجمع فيها الأشلاء المجهولة لأجساد أبنائها المُقطّعة بالمفخخات في “بابل” في “طشت الخردة” لا يمكن لنصوصها أن تُكتب إلا بطريقة بولص آدم “المتوحشة”. وبهذا المعنى فهي أيضا درس في أن أدب الحرب الكبير يُكتب بعد الحرب. حرب العراقي لم تنته. لقد بدأت الآن خلف سواتر الذاكرة المؤرِّقة الشعواء لتخرّب حياتنا إلى الأبد نحن جيل الخسارات الابدية: “حياتي ضراوة لامتوقعة- لاتسألني رجاءً عن باقي النص”. تحية للمبدع العراقي بولص آدم ودعوة للنقد العراقي لدراسة نصوص قد تمهّد لمدرسة.

الرجاء متى ما يفرض نفسه كحالة يأس متواصل بتأمل مُنتظر، تزخرتصوراته بمماطلات متكررة تمليها كوامن الذات على نفسها ، علـّها تـُطـَمْـئِـن مواقف الصراعات الحدسية التي ترمي بالإنسان في مهاوي التخمين الدائم من جراء الممارسات الدائرة في محيط التشابك النابع من التفاعل البشري في أي مجتمع من المجتمعات ، بحيث تتبلور مفاهيمه على درجات متفاوتة تحتمها اعتبارات اليقظة الفكرية والثقافة الشاملة وأساليب المعايشات اليومية المبنية على أسس ومعايير التفوق الحضاري العام.
من يعيش ويتمحور في آتون هذا الصراع بتألق فكري مبني على رؤى الماضي وواقع الحاضر، عادة ما يخوض مرحلة التأقلم الإزدواجي ، منطلقاً من مآثر الذكريات الأليمة / المُفرحة المُعشعشة في العقل الباطن ، مصطدمة ومتنافسة مع حاضر اللاإستقرار.
إن ما دعاني للبدء بهذه التقدمة المقتضبة المشوبة برؤيا قد تكون مدعاة غرابة للقارئ ، هو قراءتي لما فاضت به وهاجت قريحة الزميل الفنان السينمائي والشاعر بولص آدم في ديوانه الشعري الحديث الموسوم ” ضراوة الحياة اللامتوقعة ” بإحتوائه 32 صورة مؤطرة بإسلوب نثري على شاكلة القصة القصيرة والدراما ، وشعري على شاكلة قصيدة النثر محصورة جميعها في 116 صفحة من الحجم المتوسط ، صادرة عام 2010 عن دار ابداعات الحضارة للنشر في القاهرة.

سبق ونوهت بأن بولص آدم يعيش الماضي ليولد منه ما يتراءى للحاضر، بغية أن يرتقي بما ينبغي تفعيله بمبررات بدائلية إيجابية المنفذ ، مدعماً أفكاره وتأملاته وتصوراته بزخرفة اللوحة التشكيلية وما تعنيه من إعتبارات رمزية واضحة المعالم ، والتي انتقاها من مخيلة من زامل تجاربه ، وشاطره المعاناة شقيقه لوثر ايشو آدم ، لتجسد ما يصبو اليه ، برفاهية روحه الإستطلاعية على أنغام العود الذي تترنم أصداؤه بإجتذاب الوحش المتربص كرمز مخيف خلف العازف المتمثل بالشاعر وهو يجسد انفعالاته الداخلية المتمثلة بتطلعات الإنسان الواعي لما يختمر في حسبانه.

بولص آدم في قصر أندلسي، مايوركا

يبدو لنا ومنذ الوهلة الأولى بأن الأرضية التي بنى عليها بولص آدم اهتماماته السينمسرحية بذرت في ذاته بذور تفتح ذهني لمعجم شعري يتمثل بمفردات الصيغ الفنية المستمدة من نصوص المسرح المتعارف عليه حين يُطعم تعابيره بها ومنها على سبيل المثال: ماكبث ، ميلر ، الملك لير ، شايلوك ، تاجر البندقية ، الموت السينمائي ، الصور الفوتوغرافية ، السينما التجارية ، السليلويد ، السيناريو وغيرها… متدرجاً بخلق أبطال للعديد من موضوعاته ، منتقياً أياها من سجلات الموروث القومي بتسميات متفاوتة تيمناً بإنتمائه الذي جرفه الدهر ليكون ضحية عالم الهجرة ، وفي بقعة أرض لم يحلم بها ، معتبراً أصحاب تلك التسميات نموذجاً للحياة المُثلى ، وكأصالة يُقتدى بها على ما تعانيه وتتحمله من صدمات وانتكاسات وأزمات ، بإشارته لها في العديد من نصوصه القصصية القصيرة والإقصوصية أو القصيرة جداً والشعرية ، ومنها على سبيل المثال لا الحصر ، أنويا ، دليلا ، بهرا ، أسخريا ، يونادم، يونيا ، أوراهم، مندو ، أندراوس اوشانا ، رمو ، هرمز ، يوحنا وغيرها…

حين نتصفح مجموعة الضراوة ، ومباشرتنا بالرحيل مع صفحاته الأولى ، يفاجئنا بولص بتتويجه في الصفحة الخامسة منه عنوان ” جرد الأزمنة في نصوص واقعيتي الوحشية ” كمدخل لما يتراءى له من مخاضات لا طائل تحتها ، بتدويره لعبارة ” كل ورقة للنور يقشرها الظلام ، تعيش ممزقة ” وتكراره لها شبيهة بوضع حالة الطلق ، ليعيد الكرة ذاتها بتكرار جملة ” جيئة وذهاباً على سطح الدار ” ، ” جيئة وذهاباً على انقسامي بين علم الحياة “. ناهيك عن أزمة أزمنته في ” ألعب مع أزمنتي لعبة جر الحبل ” و” أقلب الصور المنهكة في ألبوم أزمنتي ” ، ليغادر بالتالي بريشة كرامته من أجل حياة جديدة يتوقع فيها مأساة بلا تبرير، كما يشير في نهاية قصيدته النثرية ، ليستقبل حلقة جديدة بالصفحة التالية كحلقة ربط معنونة بحرف لاتيني ” تاوبن ماركت ” ، حائراً من وجوده ، محاكياً نفسه ، ليرتضي عن قناعة بما تعلمه في تلك المدينة الغرائبية من فيلسوف فيها بمقولة ” تقبل الحياة كما هي .. تماماً كما هي!”. فينهي نصه بقرار مقنع حيث يقول: ” اكتفيت بذاك القدر من محاكاة نفسي “.

ومن قناعته بتلك المحاكاة يطل علينا مباشرة بمخاطبة القارئ بعنوان ” سيدتي القارئة ، سيدي القارئ ” معلناً له عن تجاربه الحيانية المأساوية التي ” تغلبت عليها الوقائع المحزنة على الوقائع السارة عدداً ” ليخاطب نفسه: ” لتكن الحياة جديراً بها يا بولس آدم؟ عليك أن تكون فيها منتجاً! “. بهذا التصميم الذي يجعله مثالاً إيجابياً لحياته ، يعكسه للقارئ قائلاً : ” غير أنني ألجأ إلى الإبداع طوال حياتي لأكون حاضراً ، فأهلاً وسهلاً بكم قراء لهذا الكتاب… معكم شاهداً “.

كان الأولى بالكاتب بولص أن يدع موضوعه الموجه للقراء أن يتصدر كتابه كمدخل لما يرمي اليه ، طالما يتحدث لهم عن فلسفته فيما توصل اليه خلال مسيرته الحياتية. أما إن كان له رأياً آخر مستلهم من نظرته الإخراجية ، فهذه مسألة لها أبعادها الخاصة محصورة بفنتازية رؤياه من منطلق نسق فنه التعبيري.
من خلال قراءة استطلاعية عامة لنصوص الكتاب المنتقاة من زخم كتاباته ومتابعة نشره لها في العديد من الصحف والمجلات الورقية والمواقع الألكترونية ، تدعنا نركز على ميكانيزمات السرد المباغت من عبارة لأخرى أو فقرة لأخرى ، بتطويعه التكثيف اللغوي بتكوينات غريبة المرمى ، وضبابية يزيد من كثافتها ، بغية تخفيف حدة التوتر وكأنها انبثقت بطريقة لاشعورية مباشرة ، ربما غير آبه لها ولما تثيره من قلق لدى القارئ ، مترنحاً ومتألقاً بجناحين رسم عليهما صفتي الألم والحزن بدلالة سجل مفردات التأزم النفسي الذي يعاشره ويخيم عليه من ماض قاس بحيث لا تخلو نصوصه منها بشكل عام ، وبتأكيد انفعالي متواصل تشهد عليها الصفات التي تخلق التأزم ويتجلى إتسامها بالواقعية ، ومن نماذجها : العذاب ، الإغتراب ، الظلام ، الكراهية ، النار ، الألم، الحزن ، القبر، التابوت ، الكابوس ، الغضب ، السفاح ، الدامي ، سميل ، الغرق ، السجناء ، السجن ، العنف ، إرهاب، إعدام ، التهديد ، الأحلام ….
تساؤلنا هنا ، أليست هذه الرموز المعجمية مدعاة إبداع لإنسان كالزميل بولص آدم الذي عاش ظروف حياة مأساوية ـ قد تكون قاسية ـ جسدها قبل ذلك على أرض الواقع بأعمال فعلية؟
هذا ما يؤكده الكاتب نفسه ـ دون توقعه بما يخبئ له المستقبل المجهول ـ بما قام به وأقدم عليه بأعماله السينمائية ، وكما تم ذكره والإشارة اليه في خاتمة الكتاب كتعريف لسيرته ” وبولص أدم هو أول سينمائي في الشرق بمعالجته على إغراق صالات العرض بأفلام العنف خلال فترة الحرب….”.

وعلى ذكر كلمة الحرب نرى الكاتب يزرع هذه الكلمة بما لا يحصى في كتابه ، بدليل هيمنة العبارات المأساوية الآنفة الذكر ، المتولدة عن مشاعر الحزن والألم ، ذات الصلة المباشرة بما يترتب عن الحرب من مآس وعبث وانتهاكات ، وكأنها تلازمه طيلة مسيرة حياته ، ويعيش على آثارها ومخلفاتها ومآسيها ونتائجها المحزنة والكارثية ، وبما تمليه الحرب من نتائج لا يحمد عقباها ، بتناوله معداتها وآلياتها المتجسدة في العديد من استعمالاته المعبرة عن الرصاص ، المدافع ، الطائرات ، الدبابات ، الفناء ، الموت، القنابل ، المسلح ، الإطلاقات ، الديناميت ، الأسلحة وغيرها.

هذا ما دعاه أن لا تخلو نصوصه من مفردة ” الحرب ” بالذات ، حيث أتى على ذكرها وتشبث بها كرمز اسطوري في أغلب ما احتواه نتاجه الفكري بإحساس عميق في مؤلفه المذكور ، بحيث أشار اليها في نص ” ضراوة الحياة اللامتوقعة ” بتكرار ٍ بلغ خمس عشرة مرة في جمل مترابطة ومتفاوتة ، ناهيك عن اعادتها في مواضع مختلفة وبما لا يقل عن عشرة نصوص قصصية وشعرية.
إن هذا الإسلوب السردي عادة ما يدع القارئ يسرح في أفق التأمل لحل العقدة التي تتراءى له وكأنها جملة خيوط متشابكة ، لا يجد نتائجها إلا في القفلة التي تسوقه لإحتمالات متفاوتة منها التأمل ، التساؤل, أو إيجاد تفسير لفكرة جديدة ، لا يزيح سر كثافتها وغموضها ومرماها إلا الذي خاض ذات التجربة وتعمق في إكتناه المجهول.
هذا ما لاحظناه واستنتجناه في العديد من طروحاته وبشكل خاص في اسلوبه الحداثوي في مجال الشعر والقصة القصيرة جداً ، وكما يتبين ذلك في ” لحم العنزة ” ، ” القرش الصغير” ، ” الرئيس والحذاء ” و ” تفجير” رغم خلوها من عناصر السرد المفصل والوصف المتكرر والعنونة المباشرة.

ليس لي في خاتمة تطوافي بين أروقة الجدران المشيدة بألوان من رخام الكلمات والعبارات التي تدعك تتأملها بعمق وروية ، سوى القول: لا يتحسس بألم المتألم إلا الذي زامل الألم. متمنياً لزميل القلم ورافع راية الحرف مزيداً من الإبداعات الفكرية طالما يعيش بعيداً من عيون الأوابد النافرة من الإنس، ومتحرراً من شرار نيرانها التي جعلته يتذكر وجودها على عنونة كتابه بـ “ضراوة الحياة اللامتوقعة ” وبرمز الآبدة في سماء لوحة الغلاف بتربض وتربص مخيف ، على أمل أن يشتد ولعه بأسارير الحياة المتوقعة ، وبردم خلجات وهواجس ملابسلات اللاتوقع ، ليضفي ويسبغ نعمة الإنشراح والرفاه في النفوس. مع أجمل تحياتي وتوقعاتي.

شاهد أيضاً

أدباء يخلدون ذكرى لوثر ايشو بتزيين كتبهم بلوحاته
سامر الياس سعيد (ملف/19)

إشارة: بموازاة عراق ينزف تحت سياط الجلد على يد الظالمين والفاسدين، نَزَفَ زهوراَ عراقية مُرَمّمة، …

وعد الله ايليا: مازلتُ أبحثُ عن تفاصيل وجهك…!!!
الى/ روح الصديق الراحل الحاضر الغائب الفنان التشكيلي الكبير لوثر إيشو (ملف/18)

إشارة: بموازاة عراق ينزف تحت سياط الجلد على يد الظالمين والفاسدين، نَزَفَ زهوراَ عراقية مُرَمّمة، …

في ذكرى رحيل الفنان لوثر ايشو.. شقيقه بولص ادم يقول: اللوحة وطن والوطن لوحة، مفتاح فن لوثر
حاوره: سامر الياس سعيد (ملف/17)

إشارة: بموازاة عراق ينزف تحت سياط الجلد على يد الظالمين والفاسدين، نَزَفَ زهوراَ عراقية مُرَمّمة، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *