بولص آدم: اللون يؤدي اليه (3) (ملف/14)

بولص آدم جنب بورتريه شوبان

إشارة :

“ومضيتُ، فكرتُ بنفسي كالمتسوّل، لعلّ أحدا ما يضع في يدي وطني”.

يهمّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تقدّم هذا الملف عن تجربة الأديب العراقي “بولص آدم” مبتدئة بنشر نصوص كتابيه: “ضراوة الحياة اللامتوقعة” و”اللون يؤدي إليه” اللذين وضع لنصوصهما جنساً هو “الواقعية المتوحّشة”، وهذا امتيازه الفذّ في ابتكار جنس من رحم الأهوال العراقية، فقد أدرك أنّ النصّ العراقي يجب أن يُكتب بطريقة تكوي أصابع من يقرأه وقد يشتعل بين يديه. وهي ليست نصوصا “مفتوحة” بل الرؤية التي ينبغي أن يُكتب وفقها النص العراقي الحقيقي. بلاد تُجمع فيها الأشلاء المجهولة لأجساد أبنائها المُقطّعة بالمفخخات في “بابل” في “طشت الخردة” لا يمكن لنصوصها أن تُكتب إلا بطريقة بولص آدم “المتوحشة”. وبهذا المعنى فهي أيضا درس في أن أدب الحرب الكبير يُكتب بعد الحرب. حرب العراقي لم تنته. لقد بدأت الآن خلف سواتر الذاكرة المؤرِّقة الشعواء لتخرّب حياتنا إلى الأبد نحن جيل الخسارات الابدية: “حياتي ضراوة لامتوقعة- لاتسألني رجاءً عن باقي النص”. تحية للمبدع العراقي بولص آدم ودعوة للنقد العراقي لدراسة نصوص قد تمهّد لمدرسة.

                                                          الرسم بضوءٍ متخثر

الى روح أخي الفنان الراحل لوثر إيشو آدم    

البارحة مثل هذا الوقت،

فارقت الحياة صبية حافية،

الأفعى لدغت قدمها الغاطسة في بركة تشرب ماء النهر،

مَدّت الروح الناحلة لرسام متألم ، فانوساً استقر على دفة القارب،

البارحة.. سُمِحَ بأصطياد الغربان ايضا،

هرع الناس لأطلاق الخراطيش لحماية السنابل،

صرخ عشاق الطيور ألماً وسقط قتلى في شجار ضد الصيد،

من خلال العشب العالي، قدم ضخمة دفعت مؤخرة القارب،

وجهتي .. كانت رؤوس الجدران لمدرسة قديمة غارقة،

لم يجدي التجذيف المتقن واخذني الزخم بمسار بعيد،

لم اسقط مع شلال النهر المعتم،

ارتطمت بالضفة الأخرى،

الفانوس غطس والقارب تحطم،

تجمعت حول رأسي عائلة مستضاءة باللهاث الداكن،

تبحث عن قارب نجاة ..

 

                                                      لوحة وحشية  

 

   عند ترقيتي في الكابوس مختارا عليكم،

سأبتكر حديقة لهم، لا تشبه حديقة الحيوان،

في وادٍ تعرفه الأرامل الراحلات ..

تمتد حضيرة مكشوفة للمحكومين منهم مدى الحياة،

ندخلها افواجا، لا نصطحب معنا الأطفال،

التقطوا ما شئتم من الصور وسجلوا في صفحاتكم ..

تنقلوا من قفص الى قفص وتخيلوهم يفتكوا بكم،

لا تصطحبوا معكم اولياء الأمر.. سيذرون الرماد على الرؤوس المقطوعة، حزنا علينا.. رفقا، رفقاً بالجدات،

تجنبوا النظر في وجوه تأتيكم بالنوبة القلبية،

لا أنصح الإتيان بأصدقائكم .. خوفا عليهم من اللسع والاختفاء .

في ذلك الوادي..

نافورة ذات فكوك وبركة شافطة ،

لا تصطحبونا للفرجة على الجبين الدنئ،

في الوادي، مسامير طائرة.. مطر حارق وزجاج يثقب العظم 

لن اذهب الى هناك!

لوثر ايضا، يستحيل حضوره افتتاح اللعنة التذكارية،

يكفينا ما عشناه في وادي الحياة   

 28/ 7/ 2011

المبدع الكبير الراحل لوثر ايشو آدم

   

                                              دفتر الخدمة التشكيلية

المدعو لوثر ايشو آدم 

ولد ليكون مهاجرا أبد الدهر،

يساق الى الخدمة بعد زوال الأعذار.

التحق بالمرسم وخدم في وحدة المظلات الانطباعية .

نقل الى صنف القوات البصرية وخدم جندي قوات خاصة الوان .

نقل الى الفرقة المائية وخدم في فوج حماية الطبيعة العراقية .

نقل الى مدرسة البحث والتجريب وخدم كضابط أقدم في لواء 

المختلفين.. ظهر في أوامر قسمه الثاني، مجلسه التحقيقي في محكمة الواقعية الوحشية وسجنه القدري في زنزانة الأطار.

اخلي سبيله بشرط رسم الحقيقة زوجة ( كامل الصدق) آمر كتيبة المدفعية الزيتية ..

تم انتدابه للتدريس في كافة المراحل والمواسم في مادة التربية الفنية

طلب للخدمة ثانية وسيق، ثم تمرد وعاد نادما ثم تمرد وعاد مقبوضا عليه من قبل سرية انضباط المعارض، قضى عقوبته في جملونات سجن الكارثية.

تخفى زاحفا من لوحة الى لوحة ناظرا دربه بأنف الهم وعين الزمان .

سجل عائدا الى بيته وتم ضبطه في مرسمه بكامل البزة الأبداعية مع الجعب اللونية وفرشاة لتنظيف التكوينات وسكين لقشط البثور على بشرة الكنفاس.. وعند البحث عن روحه، انهمرت دموع المزامير في لوحاته ….

ظهر انه اكتفى بما عاشه مرغما

والآن،

في لحظة التسريح.. سيق الى خلوده  

  07/ 7/ 2011

         

                                                                   البطل  

 

اشرقت الشمس، ذاب الشمع واختفى البطل

احمرت منصة التمثال وتقزم اللقب ..

كان التالي، معلقا مبجلا معظما في نداءاته، 

ضخما محروسا وكان اكبر منا كلنا حجما، 

زوبعت وابرقت وهطل المطر بغير موعد، 

تبلل الخشب وتهرأت القماشة فتمزقت، 

اختفى البطل ثانية وسال وجهه في الساقية.. 

 

حل محله بطل آخر، وجهه ينضح وفمه مغلق، بؤبؤه ينطق، 

كالأنبياء والحكماء والملوك كان واكبر من كل شئ ونخافه، 

وهذا ايضا، رحل.. احرقه الرعد .

بلا بطل.. ما اصعب وضعنا ومؤلم حالنا ؟ 

لا نستحق كل هذا الوجع ونحن البطل في حياتنا كالهواء لنا ..

كانت الرحمة بلا حدود.. رزقنا ببطل آخر عامودي النية، افقي الهم

ثري المواهب مترع بالشجاعة مؤمن بالفطور والعشاء والغداء مع

الترقب والتفحص وتنقية العدس ورمي الرمح ولف الفقرات وتسطيح 

بلاطات الوغى وكان بطلا منصبا راسخا في موقعه وكان مؤهلا ليخلد

ملاكا صافيا، حافيا مع الحفاة، جائعا مع الجوعى، حليما، حالما  لا مثيل له ولن يتكرر.. الملل والضجر وحدهما من نبهنا الى حجمه ومصيره وتغلغل جذوره، فقط! كان الأكبر في الجو والبر والبحر ..

المطر البرئ مر على قسماته

وظهر لون اللوحة الأصلي،

أشباحٌنا !

11/ 5/ 2011

       

                                                                     بلادي

 

ثقتي بالبلاد عميقة 

حتى ولو، التوى عقلي وكسح قلبي واستغربت فتعجبت 

شكل جنينها مرعب، عظم اكتافها ناشف

اصابها عمى الأنهار وقرحة المستنقعات

تكاثر القتلة واللصوص كالقمل في فروة رأسها 

تناوب الغزاة على دفنها حية 

احبها وكل شئ في العالم يعيدني اليها

لم يتعطل، لم يعطب او يضمحل،

كل عشق راقٍ يليق بها، وكل شئ فيها تتحسسه عظامي

الفجر والضحى، القطار والصدى 

الكتاب والندى، الفلم والقلم، الحكاية والسر،

كل شئ في العالم يربطني بها،

رائحة الحقيقة ودمع الجسور، تدافع الجنود المجازين

ابتسامة الحرية على شفاه المنسي وفرحة العائلة بشفاء المعيل

الشهيد المنقول في قارب لأن الشارع محترق، 

كل شئ هنا يربطني بالعراق، 

شرفي ايضا 

24/ 4/ 2011

بولص آدم في افتتاح معرض الفنان لوثر إيشو في النمسا٢٠١٢

 

                                                     نهار تجريدي

الصباح معبأ بزرقة ملحمية

روحي تجتهد في التداول وفرز عدة مسائل 

اتفادى اغراء الخروج الراجل عن المسار 

ذلك المسار يقودني بين اطارات المماشي

يحفظني من خطيئة دك الحشائش وهرس الوريقات 

تحت اغراء الوصول بمسار عشوائي 

لن يفوتني شئ مهم ، بقليل من الصبر 

الرصيف الموازي للشارع العام صاخب

لا يهمني ذلك كثيرا ايضا ، 

سمعي في الصباح ثقيل ، 

محرك توربيني داخل جمجمتي ، 

وكالعادة، لحظة مشابهة تأسرني .. توأم لحظة قديمة .

نظري في الصباح ضعيف ، 

انتابني ذعر ثوينة اعتقادي بأنني وحدي من يحدق بالألوان ، 

فاجأني الخوف غير المبرر ،

ضعف نظري في الصباح فقط ، امر لايصدق .

المواضيع حولي تلتقي وتبتعد كالوجوه في حلم ، 

تطحن نفسها بين رحى رأسي والمحرك لا يرحمني ،

ضجيجه تحالف مع صخب الشارع العام ،

حتى الدب الهادئ في كابينة مقطورة التنظيف

مر بي ومكنسته مست قدمي ..

دخان سيكارته كان بلون شعره ولون القنطرة ..

الشم عندي في الصباح ضعيف ، 

عكس الهدوء .. استقوى كثيرا عبر الأعوام 

التفاؤل عندي ايضا ، يبدأ نشاطه عند الصباح ،

و … 

القى شخص علي تحية النهار الجميل وابتعد

.. في الباص، تذكرت اسمه واين التقيته ،

يا للروعة، اشكره بقوة على الأحترام

كان بأمكانه ان يلغي وجهه كما تفعل الثعالب الجرباء ، 

نشرة تجريدية للجو خالجتني ،

فكرت بالشمس الموعودة خلال النهار 

تحسست الوقت وفكرت ، اردت معرفة الوقت على نحو الدقة ، 

على كل حال ،

النهار سيكون بريئا ، 

لن ارى او اسمع او اشم ذلك  

20/ 4/ 2011

 

                                                     وخزة

جدية القتل، 

بألاعيب اللغة والبارود لغاية محسومة 

لهذا،

ترتفع قامة القتل وتعانق الضباب لأجلك

للحق والعدل ومدى المشروع 

يقتلون كحل حاسم لأجلك، 

لكي لا تجوع وتمرض او تستعبد، 

لأجلك يقتلون ..

كي تتنقل بحرية وتختار بتعقل 

يقتلون لأجل حلحلة وبزل العقد 

لأمتصاص زفير الكفر 

وتنظيف المجتمع بعزله .

محاولة في غاية النبل !

التصنيف الجاهز والسيولة المنظمة لعقلك

حالة روحك الباسلة، املك المموسق،

انقاذك بهواء مقدس 

قلبك المرهف منتشيا بالأروقة،

روحك ذات الشعر الأبيض 

لأجل معرفتك ورفاهيتك، 

يقتلون الوهم والوهن والشيطان لأجلك

يقتلون البحر والطير ويسلخون السنديان لأجلك

ولأجلك ايضا، كل شئ فداء المعركة

لهذا،

ومن أجلك 

يقتلونك !

07/ 4/ 2011

                                                                  عندما وعندما

عندما فتح المهرج أطلس البلاد

احتار من اي نمرة يبدأ ،

فقال

بالله عليكم ، كيف اهتدي الى خيمة المرح؟

عندما مرت القاطرة الملثمة في شتاء الجزيرة

قالوا

بالله عليكم، في اي ساعة نصل ام.. لن نصل 

عندما.. 

وعندما تحولت المحطة الى سجن

قالوا

بالله عليكم ، هل رايتم مسافرين يقضون الليالي في العراء

وقالوا.. هل هذه حديقة،

عندما نصب تمثال السيف على قلبها

وهل هذا شارع 

فقالوا

بالله عليكم، اغلقوه من كل جهاته حفاظا على حياته

وعندما شحت المكتبة

قالوا 

بالله عليكم، هل هذه قصيدة

وعند ضياع مفتاح الحل قالوا

بالله عليكم، هل هذه مدينة.

وعندما قتل القتلة قتيلهم وهربوا على دراجة نارية

قالوا

بالله عليكم.. ما معنى قتل تمثال المفكر

واطلاق النار على مصباح الغرفة ؟

 

                                                           لحظة شرف 

تبحث يد الأم في ذراع من قماش

تلتقط اصابع مضيئة بغاية المهل ، 

تسحبها بحنان ..

يد الرضيع تلك ،

ماخلقت لتنفيذ جريمة

تبحث يد الرجل في جوف جلدي ، 

مشيمة طاهرة لتلك الحقيبة 

تلتقط محرارا للخيال، هو القلم 

تتدفق الأفكار، عناق انفعالي يسمق 

ظلمات تندحر ،

اسوار تتحطم ،

صحارى تتلاشى ،

زهور على خد اللغة وقبل حارة على وجنة المقطع ..

تلك اليد الباحثة عن الشئ بضراوة ، 

لن تداعب قطرات الدم الفاسدة في جمجمة الجريمة

تلك اليد هي  روح البلاد 

وذلك الشئ ،

هو الضمير  

23/ 3/ 2011

 

شاهد أيضاً

دفاتر قديمة
في رحاب الترجمة
ناطق خلوصي

يمكن القول بأن الترجمة ، وأعني هنا ترجمة النصوص الثقافية ،على صلة مباشرة بالموهبة. فلولا …

نـجيـب طــلال: باب ما جـــاء في احتفاليـــة “كــورونـــا” (01)

عــتــبة التـحَـول : كما يقال” إذا عمت المصيبة هانت ” ومصيبتنا في وباء كورونا الذي …

لن يثنينا فايروس كورونا المستجد عن تعقب الجمال
أحمد رامي وأم كلثوم ..خمسة عقود من الود والحب الضائع
عبد الهادى الزعر

يرتبط اسم الشاعر أحمد رامي في ذهني وربما في أذهان الكثيرين بشيئين الأول — أغاني …

2 تعليقان

  1. صالح الرزوق

    هذه قصائد تبحر بالاتجاه المعاكس كما ورد في اول نموذج. ليس بالشكل و انما بالمضمون و المعاني.
    الاستسلام للتيار الذي يقودنا للضفة المقابلة رغما عنا ربما اشارة ضمنية لحياة الشاعر في الغرب مع انه اخر رمز من رموز الحضارات الشرقية القديمة التي تحارب خطر الانقراض.

  2. بولص آدم

    اخي العزيز د. صالح الرزوق
    تحياتي
    أشكرك على التواصل والمتابعة، توقعتُ أن تشير من بين ما أشرت إليه بعناية، الى نص( الرسم بضوء متخثر) واضح أن تخثر الضوء يشير الى تداعيات أشعلت الحرائق في وجودنا كلنا، ومنها الأنقراض ( مجموعات بشرية ، قيم ، حضارة/ مدرسة قديمة غارقة ) فالحياة كالدم تخثرت، بعد كل ماجاء في كتاب ضراوة الحياة اللامتوقعة. فقد ختمته بجملة ( حياتي مُرتبكة ) اي ان الفانوس وهو الضوء ثانية، قد غطس، والقارب قد تحطم. كما جاء في النص الذي تفضلت بالاشارة اليه. لدي شعور دائم منذ مغادرة العراق بأنني في اللامكان. وله علاقة السبب والنتيجة مع ( تجمعت حول رأسي عائلة مستضاءة باللهاث الداكن، تبحث عن قارب نجاة .. ) هناك هجرات مليونية قسرية معروفة داخل وخارج أوطاننا بعد صدور هذا الكتاب بعام .. الذي حدث بعد صدوره بأشهر، عائلة أخي شُرِّدت ، تحقق مامررنا به اي هناك إستمرارية ( تجمعت حول رأسي عائلة مستضاءة باللهاث الداكن، تبحث عن قارب نجاة ..) وهو ماشمل القاص والروائي هيثم بردى و مقدم كتابي هذا القاص جوزيف حنا، كلاهما مشكورين تبنا طبع هذا الكتاب في بغداد. مرسم لوثر طاله التدمير، لوحاته أيضا واللوحة غير المكتملة كذلك. في الثامن عشر من حزيران، ذكرى رحيله بالسكتة القلبية. ولأعتزازي بأهتمامك وتواصلك أذكُر.. في آخر مكالمة هاتفية بيني وبينه، قال لي: رغم كل شئ، هذا البلد يمكن إنقاذه. سألته: كيف؟ أجابني: بالفن ! آخر كلمة سمعتها بصوته المُتعب جداً. هذا الكتاب ليس فقط (عنهُ) بل ايضاً عن (نحنُ).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *