د. قيس كاظم الجنابي: المقالة الأدبية عند زكي مبارك

توطئة:
يرتبط اسم زكي عبد السلام مبارك (1892-1952م)، مقالياً مع مجلة (الرسلة) ومؤسسها أحمد حسن الزيات، والذي أفرد كتاباً اختار به ما نشره فيها دعاه (وحي الرسالة)، وزكي مبارك تتلمذ على كتابة المقالة الأدبية في هذه المجلة؛ فكان رأيه بالزيات، بأنّه ” يُغرب في بعض الأحيان ومعنى ذلك أنه يوشي كلامه بالألفاظ الغريبة من حين الى حين ليحوّل تلك الألفاظ الى الكلام المأنوس، وذلك منهج مقبول في احياء المهجور ،وإنما عاشت المفردات اللغوية ، فلم تخلق تلك المفردات مهجورة، وإنما عاشت دهوراً ثم تناساها الكتّاب والشعراء فأضيفت ظلماً الى الغريب والزيات لم يبتكر هذا المنهج بين أدباء العصر الحديث فقد اختطه المرحوم الشيخ حمزة فتح الله والمرحوم السيد توفيق البكري ودعانا اليه استاذنا الشيخ محمد المهدي، ولكن مزية الزيات هي العقد في الاغراب بحيث لا يقع منه في المقال الواحد غير لفظة أو لفظتين، وذلك يزيد ثروة القارئ من الوجهة اللغوية بدون أن يوقعه في العنت والارتباك. ويستطيع الدارس وهو يراجع “وحي الرسالة” أن يقيد هذا النوع القارئ من المفردات ،لأنّ احياء تلك المفردات خصيصة أصيلة من خصائص هذا الكتاب”.(1)
فللمقالة لدى زكي مبارك، حظ كبير في كتاباته ، بما فيها المقالات النقدية، فهو في مجلة (الرسالة) يكاد أن يكون مقالياً بارعاً، ينطلق من ذات مفعمة بحب العبارة المنتقاة والجميلة ذات التأثير الكبير في نفس القارئ، مع الموقف النبيل ،والاحساس المرهف، مثله مثل كاتب المقالة الانشائية والشاعر المبدع ، كما في قوله:” يجب أن تكون للكاتب ذاتية عقلية وروحية، عساه يخلق في القارئ وجداناً يحسن به حقائق الوجود، فليس بكاتب ولا مفكر من يكون محصوله نفاضة من أضابير زهد فيها العنكبوت.
والأدب عن كل أمة وفي كل عهد سمو وعلاء، أو هو التعبير الصحيح عن المطامع الكريمة في السمو والعلاء، ولهذا كان من أساسه الأصلية أن يكون طريف الفكرة جميل الأسلوب”.(2)
الكاتب المقالي:
وزكي مبارك كاتب مقالي، لم يتخذ غير المقالة قالباً لنثره الأدبي، لكن نقاد المقالة النقدية لم يهتموا به ، في أثره في إرساء دعائم المقالة، مع أن جهوده تركزت في الصحافة، وكانت غالب كتاباته في مجلة (الرسالة) حيثها متسلسلة ، ومنها (الحديث ذو شجون).(3)
وتدخل طائفة من مقالاته في باب السيرة الذاتية، وفيها جانب خاص باليوميات ، كما في كتابه ( ليلى المريضة في العراق)، حيث برز رسمه للشخوص والحوار في أسلوب كتابة المقالة الأدبية.(4) وهذا ما ينسجم مع طبيعة كتبة هذا النوع من المقالة الأدبية ، وهي مقالة السيرة الذاتية، لغلبة الجانب الذاتي عليها ،والتوهج الوجداني الذي يطغى على كتاباته، ولأن الكاتب حريص على عرض خلجاته وهواجسه الذاتية التي هي التعبير العاطفي عن علاقة الابداع بحب الذات، أو حبّ وصف الذات والانطلاق من خلجاتها.
ومن يقرأ كتابات مبارك يجد أن للمجتمع نصيباً كبيراً من هذه الآثار، فقد عني أديبنا الكبير بنقد الواق الاجتماعي ،وسلّط الضوء على أمراضه.(5) وهذا ما ينسجم مع طبيعة المقالة الأدبية التي تبحث في شؤون الأسرة والحياة وما يشاكل ذلك.
ولأسلوب زكي مبارك خصائص رئيسة أبرزها، هو السخرية، أو المفارقة اللفظية والموضوعية، والميل نحو التهكم ،وهو يستخدمها لغرض افحام الخصم والانتصار عليه، حينما يتصيد الفكاهة ويبحث عنها أينما وجدها.(6) وهي من مواصفات المقالة التي تعتمد على المفارقة، حيث يبرز جانب الادهاش والتندر والضحك، من خلال المقارنة بين موقفين مختلفين.
أما الخصيصة الثانية، فهي شيوع روح الصدق ، صدق الفنان في التعبير عن مواقفه ، من خلال قدراته على التصوير ، وتمتعه بالجرأة والبراعة؛ مما جعله يواجه عدداً كبيراً من الخصوم والحاسدين.(7) ويعد الصدق جزءاً من موصفات الذات الأدبية، ويراد به الصدق الفني ،والاخلاص التام للفن، وحب التعبير عنه ،وعدم التلفيق والمباهاة والخداع والتزلف .. وغيرها.
ظلال الرسالة:
ترسم زكي مبارك خطى أحمد حسن الزيات، في كتابه (وحي الرسالة)، فضلاً عن مؤثرات العقاد وطه حسين ،فهو يشير خلال قراءته لكتاب العقاد ( مطالعات في الكتب والحياة) الى طبيعة المقالة الأدبية، حين يرى أن ” العقاد في هذا الكتاب ناقد وكاتب، وقد خلص من الشوائب التي تعرض له في بعض كتاباته النقدية او السياسية، خلص خلوصاً مبنياً ، فهو لا يلتفت الاّ الى ما يحيط به من أحقاد الساسة أو ضغائن الأدباء، وإنّما يخاطب العقل وجهاً الى وجه، ويسمو بنفسه الى طلب المنزلة بين أهل الخلود”.(8)
لقد كانت مقالات زكي مبارك ، صدى لمقالات الجيل المصري الذي سبقه، بالرغم من طول باعه في الكتابة الأدبية، والتراث العربي ، فغالب مقالاته التي نشرت بعد وفاته، كانت نوعاً من النشاط الدبي والصحفي، من خلال عرض الكتب والتعقيب على المقالات، وفي الكتابة الصحفية القريبة من عالم السياسة، زكي مبارك كاتب كبير ومهم، ولكنه ولد وعاش بين عمالقة الثقافة العربية في مصر، ممن لهم اليد الطولى في كتابة المقالة، من أمثال رفاعة الطهطاوي والمنفلوطي وطه حسين والعقاد وأحمد امين ومصطفى رافع الرافعي، وكان قد سبقهم الطهطاوي الى ميدان المقالة ؛لهذا جاءت كتاباته على هامش هؤلاء ،وكان يتحرج عن نشرها في كتب معتمدة، فلما توفي نشرت بجهود ابنته (كريمة)، ولعل كتاب (زكي مبارك ناقداً) كان أول هذه الكتب التي كتبت أولاً بصفة مقالات أدبية، لها مواصفات نقدية، والتي صدرت عام 1978م، وكما أشارت معدة الكتاب الى أن بعضها نشر في مجلة (الرسالة)؛ فهي بالتاي تخرجت من مدرسة المقالة الأدبية التي أسستها هذه المجلة، وصدى لكتابات الزيات التي انتخب منها كتابه (وحي الرسالة)، وأول مقالات من كتاب (زكي مبارك ناقداً) مقالته عن كتاب (فيض الخاطر) لأحمد أمين، وهو الآخر كاتب مقالة من الطراز الفريد، وله اسهام كبير في تطور المقالة الأدبية ، فقد نشرت هذه المقالة أساساً في مجلة (الرسالة)، في (11/كانون الثاني/ 1940م) في العدد (384)،وفيها تعقيب مبارك على أسلوب أحمد امين، حين يقول عنه:” فهو يكتب كما يتحدث، بلا عسر ولا غموض ،ولا يهمه حين يؤدي المعنى تأدية واضحة أن يقال أن أسلوب ليس بالأسلوب الرشيق”.(9)
ولكنه يعتقد بأن أحمد أمين ” له شخصية تتميز بالسهولة والوضوح ، فهو تعبر عن ذات نفسه تعبيراً صحيحاً، وهو مقنع وان كان لا يفتن ، لأنه يبقي الاقناع ولا ينشد الفتون، وليس ما وصل اليه بالمغنم القليل”.(10)
وهو يسترسل في متابعة طبيعة مقالات الكتاب، مشيراً الى ترجمة كتبها أحمد أمين، للأحنف بن قيس ،وهي من التراجم الحديثة، قال عنها:” وعلى ذلك تكون هذه المقالة من الأدب الذاتي ،وهو الأدب الذي يصور الكاتب قبل أن يصور المجتمع ،وهي مقالة لها تفاسير في أدب الأستاذ أحمد أمين”.(11) ويستمر مع كتاب (فيض الخاطر) ليصل الى نتيجة تؤكد لنا بأنّ يعترف بأنّ الكتاب هو مجموعة مقالات أدبية ، حين يقول عنه:” هو صور ذوقية وأدبية واجتماعية لرجل محترم يعاديه قوم ويصادقه أقوام”.(12)
أما المقالة الثانية ، من هذا الكتاب، فهي عن كتاب أحمد حسن الزيات (وحي الرسالة)، وقد وصف أسلوبه فيها ، بأنه أسلوب ” كاتب يؤمن بأنّ الكتابة فن من الفنون”.(13)
وبالرغم من اطلاق صفة الناقد على زكي مبارك، الاّ أنّ الكثير من موضوعاته هي أقرب الى المقالات منها الى النقد الأدبي، وبضعها مقالات ذات طبيعة صحفية خالصة، فاذا ما بلغنا مقالته عن كتاب طه حسين (الأيام)، نراه يصف أسلوب الكتاب بأنه لا يخلو من ركاكة واضطراب ؛ مبيناً أن سبب ذلك يعود الى أنه ” رهين بما في الاملاء من سرعة وابطاء ، كالذي يكتب لمجلة الثقافة من اسبوع الى اسبوع.
أما أسلوبه حين ينظم – فهو آية من السلاسة والعذوبة والصفاء، ومن هذا الفن أسلوبه في كتاب الأيام ،وهو بهذا الأسلوب من أقدر الناس على التصوير والتلوين، وله ألفاظ وتعابير هي العجب العجاب.
أما بعد فهذا طه حسين، كما صور نفسه، وكما صوره قلمي فإن كان أساء الى نفسه بعض الاساءة فقد أحسنت اليه كل الاحسان، بلا من عليه، لأنه من كتابنا ومفكرين ،ولأنه عانى من الصراحة بعض ما أعاني”.(14) ومع ذلك عدّ مبارك كتاب (الأيام) من ألوان الصور الوصفية (15)؛ مما يشير الى أنه يعده كتاباً في المقالة الأدبية الوصفية، أو الصور الذاتية .
وله مقالات أخرى عن طه حسين ، لا تخرج في تشخيصها عما ذكرناه، تناول فيها عدداً من كتبه مثل (دعاء الكروان)،و( قادة الفكر)، أما حين يتناول كتاب المازني (ابراهيم الكاتب)، فإنه يقرأه قراءة مقالية جميلة ، يخرج فيها الى أنّ الكتاب هو ” قصة غرامية تفرعت الى ثبوت وصفية واجتماعية”.(16)
شجون المقالة:
كتاب زكي مبارك (الحديث ذو شجون)،هو عبارة عن مقالات كتبها مبارك في مجلتي (الرسالة ، البلاغ) تحت عنوان (الحديث ذو شجون)، وه مثل عربي معروف، وهذه المقالات ذات طبيعة صحفية سياسية، في غالب الأحيان، ولكن أسلوب المقالة نضاح يكشف عن ثقافة الكاتب الأدبية المتوغلة في وجدانه، ولعل أبرزها مقالاته (أوهام أدبية تخلقها الحوادث، الكتيبة الأدبية، اليك اعتذر أيها الغزالي، موجة صوفية،…) وغيرها من المقالات التي تناولت موضوعة قريبة من الأدب، وغالباً ما ينحو زكي مبارك نحو السياسة ،ولكنه حين يتناول الشاعر صالح جودت فإنه يتناوله بطريقة الخصم والند العنيد الذي يشعر بوجود خصومة مضمرة بينهما، وان كان أسلوبه في الكتابة يبقى دور ضمن اسلوب المقالة الوصفية أو الانشائية الجميلة القائمة بذاتها ، كما في مقالاته ( ينبوع حلوان، الى الاستاذ ابراهيم المازني ، الكتاب …)؛ ففي مقالته (الكتاب…) يقول في بدايتها:” ان الكتاب هو سر العظمة الأوربية ، فما تفوقت أوربا الا بفضل الحرص على مسايرة الحيوات العقلية في الشرق والغرب، وما ارتفع رجل في أوربا الاّ وهو مزود بأصدق وأجود ما صدر في العقول في القديم والحديث”.(17) فبالرغم من كونها مقالة انشائية جميلة الا أنها تحتوي على أفكار مهمة وضرورية.
وتحو بهذا الاتجاه مقالاته في كتاب (زكي مبارك سيرة ذاتية)، الذي أصدرته ابنته (كريمة زكي مبارك)، مع عادل الشامي، والكتاب يضم مجموعة مقالات ذاتية في الغالب تتناول حياته ؛ لهذا اطلق عليه (سيرة ذاتية)، ولكنها في حقيقة الأمر هي أقرب الى ما طرحه في كتابه (الحديث ذو شجون)، فهي تجمع بين المقالة الذاتية و المقالة الصحفية، فتتحدث عن اعتقاله ثم خروجه من الاعتقال، وفي الكتاب نزعة مقالية ذات طبيعة أدبية ، وذات نزعة جمالية خالصة، فهو يقول في مقالته ( بعد الخروج من الاعتقال ) عن الأدب:” الأدب يسمو بقدر ما يتحرر من قيود الزمان والمكان، فالقصيدة أو الرسالة التي تعبر عن معنى من المعاني الانسانية أبقى على الدهر من التي تعبر عن نزعة مصرية أو إنجليزية، فإن النزعات الموضعية عرضة للتغيير والزوال، ولكن الميول الانسانية جديرة بالخلود ،والأدب المستور يفشى بالحجب المحلية التي لا ندري أتبقى سائغة مقبولة أم يعدو عليها البدع المستطرف فيلقى بها في مهاوي الخمول”.(18)
وفي الكتاب مجموعة ردود عنقود تناولت بعض أعماله، مثل ( ذكرى محمد فريد، مدامع العشاق، الأخلاق عن الغزالي، النثر الفني في القرن الرابع الهجري، الموازنة بين الشعراء) وحول تحقيقاته لبعض المخطوطات ، مثل (زهر الآداب وثمر الألباب ) للحصري القيرواني ، و(الرسالة العذراء) لأبن المدبر؛ كما تناول مبارك عدداً من الكتب التي صدرت فأصبحت جزءاً من تاريخه ،وتاريخ الحركة الأدبية العربية في مصر، فعن كتابه (مدامع العشاق):” انهم يريدون أن أجاريهم في ذم الدنيا والتبرم بالوجود، ولكني عرفت ما لم عرفوا من “أفنان الجمال” في هذه الدنيا البديعة التي حملت الغزالي على أن يصرح بأن ليس في الامكان أبدع مما كان ، فعدت خليقاً بحمد الحسن والتقديس له كلما أمعنوا هم في الجحود.
يقولون أن ” مدامع العشاق” التي أنشرها في جريدة الصباح مما يفسد الشباب وذلك منهم جهل بأسرار الجمال وما له من الأثر في تهذيب النفوس، وتثقيف العقول، ويهددون ويتوعدون بالويل والثبور اذا أنا مضيف في هذا البحث الشاق الطريف”.(19)
وتشير مقالته ( طه حسين بين البغي والعقوق)، الى علاقته المتشنجة بطه حسين، والتي تعبر عن الجانب الانفعالي/ الوجداني/ العاطفي في العلاقة بين الكتابة وردود الفعل الآنية المؤثرة في حياته الأدبية، علماً بأن الجانب الذاتي أو الوجداني له أهمية كبيرة في بناء المقالة الأدبية، لأن العاطفة واحدة من عناصر كتابة المقالة، لكونها تمنحها قوة الاتصال بين الكاتب وموضوعه، ولكنها لا تعني فيما يعنيه الركون الى الصراعات الشخصية ، فهو يقول عن طه حسين:” ان هذه الدسائس لم تفضح أحداً غيرك ،لأنها أظهرتك على حقيقتك وبنيت للناس أنّك بعيد كل البعد عن اخلاق الأشراف. كل ما تملك هو الانتساب الى العلم والعلماء ولست من ذلك في كثير ولا قليل ،ويجب أن تعلم أني أزاحمك برأي أرجح من رأيك، ومنكب أضخم من منكبك، وساعد أقوى من ساعدك، وستندم يوم لا ينفع الندم، فأعرف قدرك ولا تطمع في أنّ ألاينك فإني أؤمن بالله وحده وهو نعم المولى ونعم النصير، إنما أنت فلا تعرف أنصارك الا فيمن يزحفون فوق الأرض”.(20)
وخلال رحلته وعمله بالعراق ن كتب زكي مبارك، بعض التصانيف والمقالات، وقدّم محاضرات أدبية أبرزها (عبقرية الشريف الرضي)، التي ألقاها قفي قاعة كلية الحقوق بجامعة بغداد، والتي صدرت بكتاب عام 1938م، وكذلك كتاباه (وحي بغداد)،و(ليلى المريضة في العراق)؛ هذا فضلاً عن كتبه الخرى التي يهيمن عليها الجانب الذاتي أو الوجداني، والأسلوب الصحفي، الذي يحمل معه تضخم واضخ في الذات الكاتبة واحساسها بالعبقرية الفذة، ومن هنا قال عن كتابه (عبقرية الشريف الرضي) بأنه :” تطبيق لما شرعت من قواعد النقد الأدبي ن القواعد التي أذعتها في كتابي” الموازنة بين الشعراء” وهو من أجل هذا لون جديد في اللغة العربية ،وسيكون له تأثير جديد في توجيه الدراسات الأدبية، وقد يصلح ما أفسد الزمان من عقول الباحثين”(21)
في المقالة والتراث:
كتب زكي مبارك العديد من مؤلفاته بطريقة كتابة المقالة الأدبية ؛ بما فيها الموضوعات التراثية ، كما في كتابيه :( العشاق الثلاثة )،و(ليلى المريضة في العراق)، ففي كتابه (العشاق الثلاثة) الذي تناول فيه شعراء الغزل الثلاثة ( جميل بن معمر ،وكثير بن عبدالرحمن ،و العباس بن الأحنف)، يكتب زكي مبارك موضوعاته بطريقة كتابة المقالة الأدبية، عبر لغة أدبية واضحة ومفردات منتقاة الغاية منها جذب القارئ واقامة علاقة مضمرة بينه كمنتج للنص وبين المتلقي، فمنذ المقدمة يقول:” ويمتاز هؤلاء العشاق الثلاثة بالجدّ في العشق، وبالحرص على كرامة الحب، وبالإشادة بالعفاف، فالهوى عندهم شريعة وجدانية ،وليس لهو أطفال ،ولا عبث شبّان”.(22)
فالجملة الأدبية ضرورية في كتابة المقالة، لأنها مادة المقالة التي يطل بها الكاتب على جمهوره، ومن يقرأ ما يكتبه مبارك يجد عنايته الفائقة في اختيار المفردات والجمل والصور للتعبير عن موقفه وملاحظاته.
وقد بدأ الكتاب أشبه بمقالات عن ثلاثة شعراء ، قدم لها بمقالة عن (الحب العذري) ومقدمة لأنه يعتقد بأن أشعار المجون تحمل شهادة على أصحابها بالضعف والانحلال ؛ وهذا يعبر عن منظور أخلاقي واضح لديه؛ فقد حاول عرض حالة جميل ثم كثير ثم عرض موازنة بين الشاعرين توصل فيا الى “أن كُيّراً فاق انداده في الغزل والنسيب، ولولا تلك الحالات التي غضت من مكانته في أعين الناس لأعترف له معاصروه بالإمامة في التشبيب. ويكفيه مجداً أنه برغم تلك الحالات وجد من يوازن بينه وبين جميل”(23)
ثم وازن بين العشاق الثلاثة فتوصل من خلالها الى أن ” أجمل الأساليب هو أسلوب جميل ،لأنه ينساق مع الفطرة في أكثر الأحوال ، فالرقة عنده طبيعية والجزالة عنده طبيعية ، ومعنى هذا أنه يتخيّر لكل فكرة ما يلائمها من الشعر الجزل أو الشعر الرقيق، والشواهد الماضية تؤيد هذا الحكم الصحيح”.(24)
تاريخ مقدمة كتابه (ليلى المريضة في العراق) تعود الى 4/شباط/ 1939م، وبعض فصوله نشرها في مجلة (الرسالة) والكتاب استذكار لعمله في العراق ، وقد قدّم له بمقدمة بعنوان (تقرير طبي) موجهاً الى حضرة الدكتور محمد حسين هيكل وزير المعارف آنذاك.
يتكون الكتاب من (59) حلقة كل منها عبارة عن مقالة أدبية جميلة متواصلة، بدأها بنص رسالة موجهة اليه تحمل أمر تكليفه بالرحيل الى العراق، وهدفها مداواة ليلى المريضة في العراق، فهو أهل لذلك، لأنه لا يصلح لهذه المهمة غير مؤلف (مدامع الشاق).
فالكتاب وصف لرحلة العمل والحياة، اذ يصرّح قائلاً:” ولا أستطيع أن أصف كيف كانت الأيام التي سبقت رحيلي الى العراق: فقد قضيتها في درس الطب النفساني والروحاني ،وزودت عقلي – بأهم ما يعرف أقطاب العلم الحديث ، من أمثال الدكتور محجوب ثابت ،والدكتور محمد عبد الحي ،والدكتور منصور فهمي، والدكتور طه حسين”.(25)

وزكي مبارك يدعو ما يكتبه في هذا الكتاب (مذكرات)؛ وهذا بالتالي يبيح لي أن أدعو ما يكتبه بأنه مقالات أدبية، من نوع مقالة الشخصية أو مقالة الرحلة، ومقالة الشخصية هي التي تهتم برسم الشخصية ومتابعتها، ولأن زكي مبارك ميالٌ الى دمج الشخصية بالرحلة؛ فإنه بالتالي ميال الى دمجها بذاته وفكره ، بوصفه القائم بالرحلة، ومن هنا يبدو الجانب الذاتي واضحاً في الكتاب ، لهذا يشير الى ذلك بقوله:” لم يعرفني أحد من أطباء فلسطين وسورية ولبنان، فالذين قرأوا (مدامع العشاق) يحسبونني فتى لا يجاوز الثلاثين ،والذين قرأوا (الأخلاق عند الغزالي) يحسبونني شيخاً يصافح الثمانين”.(26)
ولكن الحلقة الأخيرة من الكتاب ورقمها (59) تبدأ بقوله :” أما بعد فقد آن للقلم أن يستريح بعد هذه الأشواط الطوال ، فقد ابتدأت بتدوين هذه المذكرات من الشهر التاسع من سنة 1937 وانتهيت منها في الشهر الثالث من سنة 1939، وبذلك أكون شغلت نفسي بحديث ليلى سبعة عشر شهراً، أو يزيد”.(27)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- زكي مبارك ناقداً، دراسات نقدية تنشر لأول مرة: زكي مبارك (القاهرة، 1978م)، ص16.
2- رسالة الأديب( زكي مبارك)، ص31.
3- ينظر: زكي مبارك، سيرته الأدبية والنقدية: د. نعمة رحيم العزاوي، دار الشؤون الثقافية العامة (بغداد، 1990م)، ص 94-95.
4- ينظر: زكي مبارك ، سيرته الأدبية والنقدية (العزاوي)، ص99.
5- ينظر: زكي مبارك، سيرته الأدبية والنقدية (العزاوي)، ص 100.
6- ينظر: زكي مبارك، سيرته الأدبية والنقدية (العزاوي)، ص152-153.
7- ينظر: زكي مبارك، سيرته الأدبية والنقدية (العزاوي)، ص 232-234، 287-288.
8- زكي مبارك ناقداً، ص 104.
9- زكي مبارك ناقداً، ص11.
10- زكي مبارك ناقداً، ص 11.
11- زكي مبارك ناقداً، ص13.
12- زكي مبارك ناقداً، ص 15.
13- زكي مبارك ناقداً، ص 16.
14- زكي مبارك ناقداً، ص 66.
15- زكي مبارك ناقداً، ص 74.
16- زكي مبارك ناقداً، ص 135.
17- الحديث ذو شجون: زكي مبارك ، الهيئة المصرية العامة للكتاب (القاهرة، 2006م)، ص454.
18- زكي مبارك سيرة ذاتية: كريمة زكي مبارك وعادل الشامي ، المجلس الأعلى للثقافة (القاهرة، 2007م)، ص 49.
19- زكي مبارك سيرة ذاتية، ص 58.
20- زكي مبارك سيرة ذاتية، ص 93.
21- زكي مبارك سيرة ذاتية، ص194.
22- العشاق الثلاثة : زكي مبارك، المكتبة العصرية ( صيدا – بيروت ،د.ت)، ص3.
23- العشاق الثلاثة (زكي مبارك)، ص 66.
24- العشاق الثلاثة (زكي مبارك)، ص 118.
25- ليلى المريضة في العراق: زكي مبارك ، المكتبة العصرية (صيدا – بيروت، د.ت)، ص 10.
26- ليلى المريضة(زكي مبارك)، ص 63.
27- ليلى المريضة (زكي مبارك)، ص 370.

شاهد أيضاً

مي زيادة وولي الدين يكن: علاقة أساء فهمها وتصويرها الباحثون!
مولود بن زادي– لندن

“أكتب هذه المقالة سعيا لتوضيح العلاقة التي جمعت الأديبة مي زيادة بالشاعر ولي الدين يكن، …

نجومية الشعر العراقي
عبد علي حسن

توقفت ظاهرة النجم في الشعر العراقي وربما العربي أيضا عند الجواهري ، وحلّت مكانها ظاهرة …

يقظة المحسوس في التصوير الشعري في نصوص الشاعر السوري هاني نديم
الإهداء: إلى شهداء انتفاضة التحرير المجيدة
كتابة: علاء حمد-العراق

إشارة : أمام هذا النشاط الثر والمُثقل بالأطروحات الجديدة للناقد العراقي المبدع “علاء حمد” لابُدّ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *