طلال حسن: عصر الديناصورات (قصص للأطفال) (15)

المبدع الكبير الأستاذ طلال حسن

الديناصور القزم

1
ــــــــــــــ
جلس الديناصور تي ـ ركس ، ملك الديناصورات ، على صخرة قرب البحيرة ، وقد مد رجليه في الماء ، ينظف أسنانه الضخمة مما علق فيها من الفريسة ، التي التهمها قبل قليل .
وتوقف تي ـ ركس ، وقد سمع صوتا غريبا ، ﻻ يكاد يُسمع ، يبدو انه صادر من مكان قريب يخاطبه قائلا : سيدي تي ـ ركس .
وتلفت تي ـ ركس حوله ، ﻻ أحد ، وسحب قدميه من الماء ، ووقف على رمال الشاطىء ، وهو يرهف السمع ، وجاءه نفس الصوت ثانية ، وبشكل أوضح يقول : سيدي الملك تي ـ ركس .
وخفض رأسه الثقيل ، نحو مصدر الصوت ، وانتفض قلبه فزعا ، كما لم ينتفض في حياته من قبل ، إذ رأى ديناصورا صغيرا ، صغيرا جدا ، بحجم ثعلب صغير ، يقف على صخرة قرب الصخرة ، التي كان يجلس عليها ، وتمتم مرتعبا : من !
فقال الديناصور ذو الحجم الصغير جداً : أنا .. أنا الديناصور .
وما لم يكن يتوقعه أحد ، أو يصدقه ، لا الديناصور الصغير جدا ، وﻻ ملك الديناصورات نفسه ، أن ينتفض الديناصور تي ـ ركس ، ملك الديناصورات جميعها ، ويطلق سيقانه للريح ، وهو يصرخ : ماما .

2
ـــــــــــ
تمدد الملك تي ـ ركس ، في أقصى زا وية من الكهف ، وقبل أن تتمدد الديناصورة زوجته في مكانها ، قالت له : الجو بارد اليوم ، قم وتمدد في مكانك .
فرد الديناصور الملك تي ـ ركس قائلاً : نامي أنت ، دعيني إنني مرتاح هنا .
وتمددت الديناصورة الزوجة في منامها ، وأغمضت عينيها وهي تقول : هذا شأنك ، وهو لا يعنيني ، نم حيث تريد ، لكن لماذا ..
وقاطعها الديناصور الملك بشيء من الحدة : دعك من لماذا ، ونامي .
ونامت الديناصورة الزوجة دون أن تعرف لماذا ، وسرعان ما ارتفع شخيرها ، وكأن عاصفة مزمجرة تهب في الوكر .
وهبت الديناصورة الزوجة ، عند منتصف الليل على زوجها الملك تي ـ ركس يرتمي بين ذراعيها ، وهو يصيح خائفا : ماما .
وأبعدته الزوجة الديناصورة عنها خائفة ، فهي لم تر الملك تي ـ ركس ، ملك الديناصورات كلها خائفا هكذا وقالت : ماذا يجري ؟ اخبرني ، ما اﻻمر ؟
وحاول الديناصور الملك تي ـ ركس ، أن يتمالك نفسه ، ولكنه سرعان ما بدا منهارا ، وقال بصوت مرتعش : فاجأني ديناصور ، نعم ديناصور ، وأنا جالس على صخرة قرب البحيرة .
وبدت الديناصورة الزوجة مذهولة ، وقالت : كأنما تؤنبه : أنت ملك الديناصورات ، ولا يجب أن تخاف من ديناصور ، مهما كان حجمه كبيرا .
فقال الديناصور تي ركس : لكن الديناصور صغير ، صغير جدا ومعه المئات من نوعه ، ينتظرون جامدين بين الأعشاب .
وﻻذت الديناصورة الزوجة بالصمت ، ويبدو أنها ظنت أن الملك تي ـ ركس قد أصيب بالجنون ، فتابع الملك تي ـ ركس قائلاً ، وهو يرتعش : يبدو أن هذه الديناصورات هي أرواح الديناصورات الصغيرة ، التي أكلتها خلال سني حياتي .
ومدت الزوجة يديها واحتضنته، وقالت : أي أرواح ، نم اﻻن مطمئنا ، أنا اﻵن إلى جانبك ، وسنرى حقيقة هذه الديناصورات الصغيرة غدا.

3
ــــــــــ
على مضض ، وإن بدا في داخله أنه مرتاحا ، رضي الملك تي ـ ركس ، أن تذهب الديناصورة زوجته إلى البحيرة ، حيث قال انه التقى الديناصور القزم ، لتقف على الحقيقة.
وظل طوال فترة غيابها يدور داخل الوكر ، تتناهشه مشاعر مختلفة ، متناقضة بين الخوف والقلق والشعور بالخجل ، وتساءل ترى ماذا ستقول عنه ديناصورات الغابة المختلفة ، إذا سمعوا بأﻻمر ؟
وأخيرا ، عند الضحى ، جاءت الديناصورة الزوجة ، فقال الملك تي ـ ركس : عرفتِ الحقيقة ؟
وهزت الديناصورة الزوجة رأسها ، فتابع تي ـ ركس قائلاً : طبعا لم تري شيئا ، إنهم أرواح لعينة جاءت لتنتقم مني ، ﻻني أكلتها على مدى سني عمري .
ورفعت الديناصورة الزوجة يدها أن اسكت ، فسكت الملك تي ـ ركس فقالت الديناصورة الزوجة : ليسوا أرواحا وإنما ديناصورات أقزام ، هربوا من غابتهم ولجأوا إلينا بعد أن فتكت بهم كلاب متوحشة .
وتمتم الملك تي ـ ركس : كلاب !
وتابعت الديناصورة الزوجة قائلة : وباسمك قلت لهم ، إننا نرحب بهم ، فهم منا رغم أنهم أقزام ، وسنحميهم حتى النهاية .
وﻻذ الملك تي ـ ركس بالصمت ، وهو يحدق في الديناصورة الزوجة ، ثم قال : أخشى أن يكون هذا القزم ملكهم ، قد تقول عني بما ..
فقاطعته زوجته قائلة : ملك الديناصورات الأقزام معجب بك ، ويقول أنه لم ير في حياته ، ولن ير ديناصورا في شجاعتك وعظمتك .
وابعد الملك تي ـ ركس عينيه المتشككتين عن زوجته ، وهو يقول : ليبقوا في ضيافتنا مهما كان اﻻمر ، فإنهم ديناصورات .

القزم

1
ـــــــــــ
شكتْ بعض الديناصورات القزمة ، التي هربت من غابتها ، بسبب الكلاب الوحشية ، ولجأت إلى هذه الغابة ، من بعض الحيوانات الضارية ، وفي مقدمتها الذئاب ،
وذهب اثنان منهم إلى ملكهم ، وقال له الأول : نحن نعاني هنا من الذئاب الشرسة ، بقدر ما كنا نعاني في غابتنا من الكلاب الوحشية .
وأضاف الثاني : وربما أكثر ، يجب أن تجد لنا حلاً ، فأنت ملكنا .
ولاذ ملك الديناصورات القزمة بالصمت لحظة ، ثم قال : إنني أعرف معاناتكم ، لكن وكما ترون ، ﻻ استطيع أن أفعل شيئا .
فقال الأول : موﻻي ، أنت تكلمت مع ملك الديناصورات في هذه الغابة الملك تي ـ ركس ، الذي سمح لنا بالبقاء في الغابة ، ومن واجبه أن يحمينا .
وأضاف الثاني : ليتك تذهب إليه ، يا موﻻي ، وتعرض عليه الأمر ، لعله يجد لنا حلاً ، وإلا أبدنا .
وطامن الملك رأسه يائسا ، وقال متردداً : سأذهب إلى الملك تي ـ ركس ، وأعرض عليه الأمر .

2
ـــــــــــــ
في نفس اليوم ، بعد منتصف النهار ، ذهب ملك الديناصورات القزمة ، لمقابلة ملك الديناصورات تي ـ ركس ، ودخل عليه الوكر ، بعد أن أستأذن ، فانحنى أمام الملك تي ـ ركس ، وقال : موﻻي .
فرد عليه الملك تي ـ ركس : أهلا بملك الديناصورات القزمة ، أهلاً ومرحباً .
ورفع ملك الديناصورات القزمة إليه ، وقال : جئتك شاكياً ، يا موﻻي .
فقال الملك تي ـ ركس : هذا أمر غريب ، فنحن سكان هذه الغابة ﻻ نشكو .
فقال ملك الديناصورات القزمة : هربنا من غابتنا ، بعد أن كادت الكلاب الوحشية تبيدنا ، وها نحن هنا نتعرض للإبادة من ضوار مختلفة ، في مقدمتها الذئاب .
ونظر الملك تي ـ ركس إليه ، وقال : انتَ ملك ، وتعرف ، نحن في غابة .
وصمت لحظة ، ثم قال : الجميع هنا من حقهم أن يعيشوا ، ولكي يعيشوا لابدّ أن يأكلوا .
وقال ملك الديناصورات القزمة : لكن يا موﻻي ، نكاد نفنى ، نريد تدخلك .
فقاطعه الملك تي ـ ركس قائلا : في هذه الغابة ، ديناصورات تأكل الأعشاب ، وتأكل بقدر ما تشاء ، هذا حقها ، وفيها أيضا ديناصورات وكائنات أخرى ، لا تأكل غير اللحوم ، هل أقول لهم ﻻ تأكلوا اللحوم ؟ هذا ليس من حقي ، صحيح إنني ملك ، لكن علي أن أحافظ على حقوق الآخرين .
وصمت الملك تي ـ ركس وصمت الملك تي ـ ركس وأشاح برأسه الضخم فاستدار ملك الديناصورات القزمة وغادر الوكر حزينا ، محبطا .

3
ـــــــ
انتظرت زوجة الديناصور ، زوجة ملك الديناصورات القزمة ، عودة زوجها الملك من وكر ملك الديناصورات تي ـ ركس ، ومعها مجموعة من الديناصورات القزمة .
ومرت ساعات وساعات ، وليس لملك الديناصورات القزمة أثر ، وقبل منتصف النهار ، جاء ديناصور قزم ، كان في حراسة الملك القزم ، وما إن دخل الوكر ، حتى صاح منهارا : كارثة .. كارثة .
وأسرعت زوجة الملك القزم إليه ، وتساءلت : ماذا جرى ؟ أين الملك ؟
فرد بصوت تخنقه الدموع : لقد اختطف .
وسأله أحد الديناصورات القزمة : ماذا تقول ! تكلم من اختطفه ؟
فقال بصوت باك : ما إن خرج الملك من وكر الملك تي ـ ركس ، وتوغل في الغابة ، ونحن حرسه معه ، حتى هجمت علينا مجموعة من الذئاب الشرسة ، واختطفت الملك إلى جهة مجهولة .
وصمت لحظة ، ثم أضاف قائلا : حاولنا الدفاع عنه ، فمزقتنا الذئاب ، ولم ينجُ أحد غيري .
وخلال ساعات ، لم يبق ديناصور قزم في مكانه ، فكل من لم تقتله الذئاب ، شق طريقه عبر أشجار الغابة الموحشة ، إلى الخارج ، بحثا عن غابة ليست فيها كلاب أو ذئاب أو ضوار مفترسة .

الديناصور الصغير

1
ــــــــــ
اندس الديناصور الصغير في أحضان أمه ، وقال بصوت هامس : ماما ..
وتحسسته أمه بيديها ، وقالت دون أن تفتح عينيها : يداك وساقاك باردتان .
وتابع الديناصور الصغير قائلا : يبدو أن جدي كان على حق ، يا ماما .
وفتحت الديناصورة اﻷم عينيها ، وقالت لابد أنك خرجت من الوكر ، أثناء نومي .
ومرة أخرى ، تابع الديناصور الصغير قائلا : غابة الديناصورات العملاقة موجودة حقيقة .
واعتدلت الديناصورة اﻷم ، وقالت : جدك كان خرفا .
فنهض الديناصور الصغير ، وقال : لقد رأيته ، الديناصور العملاق .
وقالت الديناصورة اﻷم : ما تراه في المنام ، ليس حقيقة ، إنه حلم .
فقال الديناصور الصغير : لم أره في المنام ، وإنما قرب اﻷرض الموحلة ، يأكل العشب .
وتوقفت الديناصورة اﻷم ، قرب مدخل الوكر ، وقالت : لقد جننتَ ، ابق في الوكر ، حتى أعود ، وسآتيك ببعض الطعام من الغابة .

2
ـــــــــــ
خلال مشيها نحو المرج المعشب ، والعديد من الديناصورات تسير حولها ، كانت مستغرقة بالتفكير بصغيرها .
وفكرت أن هذا المجنون ، الذي أخذ الشيء الكثير من جده ، يزداد جنونا ، ووصل به الجنون هذه المرة ، أن يخلط بين الحلم والحقيقة ، فيقول بأنه رأى ما تحدث عنه جده ، رأى ديناصورا عملاقا.
وانتبهت الديناصورة اﻷم إلى الديناصورة جارتها ، تقترب منها ، وتقول لها : طاب يومك ، يا جارتي .
والتفتت إليها ، دون أن تتوقف ، وردت قائلة : أهلا ومرحبا .
ثم أشارت إلى من حولها ، وقالت : أراهم مهمومين ، عمّ يتحدثون ؟
فردت الجارة قائلة : إنهم يتحدثون عما سمعوه في اللية الماضية .
وتراءى لها صغيرها ، فتساءلت : ماذا سمعوا في الليلة الماضية ؟
فقالت الجارة : سمعوا ما يشبه صوت ديناصور ، ولكنه ليس من نوعنا ، وبدا وكأنه ديناصور عملاق .
وتراءى لها صغيرها ثانية ، فقالت : هذا وهم .
فقالت الجارة : أنا أيضا سمعته ، وكان فعلا وكأنه صوت ديناصور عملاق .
وتوقفت الديناصورة اﻷم ، ثم استدارت ، وقفلت عائدة إلى الوكر .
وصاحت جارتها ، دون أن تتوقف : المرج قريب ، إلى أين ؟
ودخلت الديناصورة الأم إلى الوكر ، لتطمئن على صغيرها ، وتتحدث إليه عما قاله ، لكن الديناصور الصغير لم يكن موجودا في الوكر ، وتوقفت متسائلة : ترى أين ذهب ، هذا المجنون ؟

3
ــــــــــ
عمّ الخوف والقلق الجميع ، حتى ملك الديناصورات نفسه ، كان قلقا ومنهمكا ذلك الصباح ، يذرع الوكر ذهابا وإيابا وزوجته الديناصورة تراقبه .
وتوقف الملك ، وقال لزوجته الديناصورة : أقول لك ، لقد سمعته بنفسي .
فقالت الديناصورة : وأقول لك ، هذا وهم .
فقال الملك بشيء من الضيق : لم أسمعه وحدي ، لقد سمعه الكثيرون .
وقالت الملكة : إنهم مثلك واهمون .
وأقبل أحد مرافقي الملك مسرعا ، وقال : مولاي ، في المدخل ديناصور صغير ، يقول أنه رأى ديناصورا عملاً عملاقا .
وأسرع الملك إلى المدخل ، وهو يقول : تعال معي ، يجب أن أرى هذا الديناصور .
وهزت الديناصورة رأسها ، وقالت : إنه يصدق الأطفال هذه المرة .
وعند المدخل ، توقف الملك متسائلا: أين هذا الديناصور الصغير ؟
فتقدم الديناصور الصغير منه ، وقال : مولاي ..
فانحنى الملك عليه ، وسأله : حدثني ماذا رأيت ؟
فقال الديناصور الصغير : خرجت من الوكر ، قبل شروق الشمس ، فقد سمعت صوتا في الليل ، ورأيته .. الديناصور العملاق .. يأكل العشب في مرج ، قرب اﻷرض الموحلة .
فقال الملك : خذني إليه .

4
ــــــــــ
وصلوا المرج ، يتقدمهم الديناصور الصغير ، والملك وزوجته ، ومن ورائهم عشرات الديناصورات ، وتوقف الديناصور الصغير وسط المرج ، وإلى جانبه توقف الملك وزوجته ، وتلفت الديناصور الصغير حائرا ، فمال الملك عليه ، وقال : أين الديناصور العملاق؟
ورد الديناصور الصغير ، وهو ما يزال يتلفت حائرا : مولاي ، رأيته هنا .
وهزت زوجة الملك رأسها ، وقالت : بدأنا نصدق الصغار .
فقال الملك منزعجا : لقد سمعته أنا نفسي ، كما سمعه الكثيرون .
فقالت زوجة الملك ، وهي تتأهب للسير : لقد رأيت بنفسك ، هذا كله وهم ، لنعد إلى الوكر .
واستدار الملك محبطا ، وقبل أن يخطو في طريق العودة ، سمع أحد الديناصورات يصيح : مولاي .. مولاي ..
وتوقف الملك متسائلا : ما اﻷمر ؟
ورد أحد مرافقيه : ديناصور رأى شيئا غريبا في اﻷرض الموحلة .
وأسرع الملك ، ومن ورائه زوجته ، والديناصور الصغير ، وعشرات الديناصورات ، إلى حيث يقف ذلك الديناصور ، ورأوا ما أذهلهم ، رأوا على اﻷرض الموحلة ، آثار أقدام عملاقة ، فقال الديناصور الصغير : مولاي .
فقال الملك : إنها آثار أقدام عملاق فعلا ، لابد أنه قدم من .. غابة الديناصورات العملاقة .

شاهد أيضاً

حوارات مع أديب الأطفال المبدع الكبير “طلال حسن” (1)

إشارة: بين وقت وآخر يتحفنا المبدع الكبير “طلال حسن” بنتاج إبداعي جديد في مجال أدب …

النملة ورفيقتها
قصة للأطفال
بقلم د ميسون حنا

قالت نملة لرفيقتها : منذ الصباح ونحن نجوب أرجاء هذا البيت ولا نعثر على شيء …

طلال حسن: إنسان دلمون (إلى الأديب خزعل الماجدي)
(مسرحية للفتيان)

شخصيات المسرحية ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1 ـ كنكالا 2 ـ ليم 3 ـ أم ليم 4 ـ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *