نبيل جميل: المؤلف هو البطل الحقيقي للرواية.. قراءة في رواية (مدينة الصور)*

(ان السيرة الذاتية صارت اقرب الى السرد الروائي، ويمكن ان ننحت مصطلحاً جديدا في هذا الحقل نطلق عليه ” السيرواية” اي الرواية السيرية، ولا اقصد هنا بالسيرية ان تكتب الرواية سيرة مؤلفها، بل هي سيرة بطلها، سيرة حياته ضمن بنية اجتماعية وضع فيها) ص 122 صنعة السرد. د. سلمان كاصد.
يمكن القول ان الروائي ( لؤي حمزة عباس) قدم لنا سيرة بطل/ ابطال.. ضمن مجموعة حكايات في سياق خط واحد، لبنية مجتمع في فترة زمنية محددة، اختارها للتوافق مع عمر ووعي الراوي، وبحسب رؤيته الظاهرة والمخفية، لجماعة أو افراد معدودين، التزم بربط حكاياتهم عبر وظائف اساسية جمعت ما تراكم من افكارهم في تلك الفترة، وما اضيف اليها من حكايات التخييل المفترضة من قبلهِ، حالات من : بؤس، مرض، فرح، حزن، سجن، حلم، كذب، جنس، اغتصاب، قتل، تهجير.. الخ. جمعت في بانوراما وتحت غطاء شكل نمطاً من سرد حسي ملموس، تداخلت فيه العلاقات الأسرية والمحرّمات والقضايا السياسية والاقتصادية والفنية.. الخ ، فبدت الرواية اشبه بتركيبة منفصلة ومتصلة في الوقت ذاته، وقد ابدع الروائي بتوضيح هذه الميزة من خلال اتقانه وتفننه بوضع خواتيم مفتوحة لكل حكاية ثم انفتاحها على بعض كسلسلة، بمعنى اننا لو نظرنا الى اية سلسلة لوجدنا ان كل حلقة فيها مغلقة على نفسها لكنها بذات الوقت تتصل بانغلاق كان مفتوحاً على حلقة أخرى، ثم تستمر السلسلة لتشكل لنا امتداداً معيّنا لطولها وحسب الحاجة المستخدمة لها، وهكذا حافظت الرواية على مقوماتها السردية الرئيسة.
لو تفحصنا الرواية جيدا وتأملنا عديد الأماكن التي ذكرت لوجدنا بأن هناك الآلاف من الناس مروا بها، تنشقوا روائحها وسمعوا ضجيج ما طفى من الأصوات، لكن كل ذلك لم يلاحظه احد مثلما شخّصه الروائي الذي صاهر بين الزمان والمكان، واستطاع توثيق واستنطاق شخوص الصور، استعادها من الذاكرة وبأبعاد هو من حدد قياساتها ليؤشر ويثبّت : الأحداث، الحوارات، الحدائق، اعداد البشر في المظاهرات، ومثلها من جثث الشهداء، روائح الأسواق والمستشفيات، صيحات بحارة يرطنون بلغات مختلفة.. سارد يوثق ويعيد صياغة الحكايات ويضيف وله الحق في ذلك، كونه رأى عبر مفهومه الروائي ما لم يره أحد ليشكل فضاءً جمع فيه خلاصة.. مفادها ان كل هذا حدث في مدينتي البصرة. وهذا لم يأتِ مصادفة بل من خلاصة تجربة طويلة في عالم السرد.
لقد فتح (لؤي حمزة عباس) مدخلاً جديدا مفاده احلام راوٍ يتصفح دفتر الصور، يراه وحسب وعيه، تلك البذرة التي نمت في حاضر عمره (مرحلة الفتوة)، ربما أثر فيّ كقارئ هذا الاستدلال ومن حقي كون أي منجز أدبي يصبح مُلكاً للملتقي بعد نشره وتوزيعه. واعتقد بأنه اراد ان يراوغ قارئه لاهتمامه بالماضي واشراكه في الحاضر والمستقبل، حيث ان هناك خيطا نلمسه بوضوح بين الماضي والمستقبل الآني من خلال طرح احداث سياسية جرت في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وابعادها في مرحلة ما بعد التغيير في العراق، وكخاصية سعى الى الاستفادة من خزين الذاكرة كونه عاش مرحلة ما قبل الحرب مع ايران وما بعدها من ازمات الحصار الاقتصادي ثم غزو الكويت، وعانى كما العديد من اقرانه فعبّر عن ما بداخله بمخيلة واسعة اجابت عن تساؤلاته الذاتية، وهو يقلب المواجع في دفتر الصور، كاتب بارع يمتلك ذهنية واعية، احكم من شد روايته بطريقة فنية دقيقة ارادها ان تحتسب له كمكتشف أو منقب اثار، وهي اضافة الى تجربته ومنجزه في عالم القصة القصيرة والرواية.
ثمة العديد من الاستفهامات ستتضح عند الولوج في عالم الرواية ( شيء ما يتغير، شيء لا يكاد يرى، لكنه يحس على الوجوه، بملامحها الموهنة، مثل اثر جرح قديم مندمل) ص 9. وهذا الشيء الذي قصده ما هو الا دلالة على ما يتلقاه العقل بعد مرور كذا سنة على صورة ما، في البوم العائلة أو صحيفة أو مجلة.. الخ، الدهشة في عالم التذكر أو النسيان، ترى اين التقطت هذه الصورة ؟ في اية مناسبة؟ اسئلة واستفهامات تطرق ذهن المتصفح لأيّة صورة بلا تحديد، صور مفقودي الحروب، صور ارامل، مطلقات، عاهرات، ممثلات، عمات، خالات، خوال، وأعمام، قادة وجنرالات حروب، اصدقاء هاجروا وآخرين اختفوا في المعتقلات.. لمن ستبقى صورنا؟ من يتصفحها؟ من يحافظ عليها؟ يرثها ويتذكرنا .
للرواية ابعاد كثيرة واشارات الى : موت ، فقدان، هجرة، ربما هي نبوءة من كاتب لقارئه بأن ينتبه ويضع مؤشرات لببلوغرافيا حياته ما ان ينتهي من القراءة.
ان عديد الوقائع التي ذكرها المؤلف في روايته هي حصلت بالفعل، ومثبتة تاريخياً، لكن الافصاح عنها بهذا السرد العذب هو ابانة وكشف، لفترة زمنية ماضية تستوجب التوثيق الروائي، بمعنى المحافظة عليها وعلى حقيقتها ومدى انسجامها وتفاعلها مع المتخيل النص الافتراضي، الذي أوجده بخبرته كي يوصل لقارئه قسوة ومعاناة تلك الفترة وفي كل مجالات الحياة، وما تركته من آثار مزّقت نسيج بنية المجتمع العراقي. ومدى التأثير والعنف الذي عانينا منه في تلك الفترة، ان مثل هذه المادة الجاهزة في الماضي القريب شكلت خطابا لمتلقي الجيل الحالي، كي يكتشف ما فاته من حوادث والتي جهد المؤلف في توثيقها، خاصة عندما جعل الزمن طوع امره، تداخل وانفراج، فلكل صورة حكاية ولكل حكاية زمان ومكان خاصين بها،
(كانت الصور تعيش في رأسي حية، نضرة، لها رائحة وطعم، لها ملمس دافئ غريب) ص27. بتأطير عالم مدينة بمجموعة من الصور تكون لدينا ما يشبه شاشة عرض كبيرة، جمعت مادة خام ومكوّن أساسي في اتمام الرواية، لكن ما لّذي جعلها تكذب؟ حسب اللازمة التي تكررت اكثر من مرة ( ــ لماذا تسأل عن مشهد؟ ــ لأن الصور تكذب) ص 17. (الصور تكذب. والمجلات تكذب. والأجساد تكذب) ص27. (الصور تكذب. صاح يوسف/ الصور تكذب. صاح استاذ طاهر/ الصور تكذب. صاح ياسين) ص41. لماذا التأكيد على كذب الصور؟ رغم استخدامها للوصول الى هدف، مركز ثبات لسرد رواية، باعتقادي انها لا تكذب لكن من جعلها تكذب هو التمويه بعملية السرد، الذي تلاعب به المؤلف من خلال التخييل والاستنطاق وجعل الحدث الذي التقطت من اجله باعثا للمتخيل الآني، لذلك بدت لنا واقعية اكتشافات الراوي هي المركز والعنصر الأساس في عملية كشف كائنات : الشخوص/ الامكنة. بتأطير عالم مدينة عانت من حروب وقمع.
الراوي / السارد / البطل… الخ، كلها مسميات، الا انني أرى بأن البطل الحقيقي للرواية هو المؤلف (لؤي حمزة عباس) لأنه النموذج الأول المتصدر لقائمة الشخوص في لم شمل اصحاب الصور، فهو من قام بتقديمهم لبعض، دمجهم، تحريكهم، ادخالهم في حوارات، واقامة صلات حميمية بينهم، هو السبب في عملية احيائهم من جديد في حكايات.. تؤرخ، تنتفض، تتمرد، وتتزاحم في سرد قصصها، لتترسخ في الأذهان وتجد لها مكانا مرموقا في التاريخ وليس مجرد صور للفرجة.
وبهذا التقارب والتباعد لمجمل الحكايات وجد القارئ لذته في مواصلة تقليب دفتر الصور، ينصت لحوارات متخيلة ويشارك فيها برأيه. وربما فتح البوم صور عائلته وجرّب توالد حكايات وحسب ذائقته ووعيه.
……………………………………………………………………………..
*مدينة الصور – رواية – لؤي حمزة عباس – صدرت عن (الدار العربية للعلوم ناشرون – أزمنة ) 20011
نبيل جميل

شاهد أيضاً

تجلّيات اللغة في القصيدة السرديّة التعبيريّة
التعبيرية القاموسيّة
غافلة .. للشاعرة “عائشة أحمد بازامة”/ بنغازي–ليبيا
بقلم: كريم عبدالله

يقول سركون بولص : ونحن حين نقول قصيدة النثر فهذا تعبير خاطىء , لأنّ قصيدة …

شوقي كريم حسن: نجاة عبد الله….قصة الشعر!!

*هل يولد الشعر من رحم القهر الاجتماعي الذي يرافق الانسان منذ لحظات الاكتشاف الاولى حيث …

بلقيس خالد: إنطباع أول : رواية (هذيان / أيام فرناندو بيسووا الثلاثة الأخيرة)

ربما مَن لم يقرأ بيسوا، سيكون عمل الروائي أنطونيو تابوكي في روايته (هذيان) عملا ً …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *