شكيب كاظم: مَنْ يتذكر محمد حسيب القاضي. شاعر الثورة الفلسطينية؟

كتبت، مرة مقالاً قصيراً عن مفدي زكرياء، شاعر الثورة الجزائرية، وصاحب الابيات التي أضحت نشيداً وطنياً للدولة الجزائرية المستقلة، بعد أن كانت تلهم الثوار والمجاهدين الجزائريين، وتمدهم بالحماسة لمواصلة القتال ضد المحتل الفرنسي:
قسماً بالنازلات الماحقات
والدماء الزاكيات الطاهرات
والبنود اللامعات الخافقات
في الجبال الشامخات الشاهقات
نحن ثرنا فحياة او ممات
وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر
فاشهدوا فاشهدوا فاشهدوا
والذي أمضى وقتاً في السجون الفرنسية أيام الاحتلال، لم يرض عنه الرئيس الجزائري الأسبق هواري بومدين- رحمه الله – فغادر الجزائر نحو تونس، ليموت فيها سنة 1977، والابيات الشعرية على بساطتها، والقافية التائية التي سميت بـ (حمار الشعر) لكثرة دورانها على الألسنة، لكنها مع اللحن المؤثر، كانت تثير الحماسة والشجاعة، ولقد كان للأديبة الكويتية سعدية مفرح، فضل الحديث عن مفدي زكرياء أولاً، وإذا كانت الدنيا حظوظ، والويل لصاحب الحظ العاثر، والمبدئي الذي لا يعرف، او هو يعرف، لكنه لا يريد أن يعرف من أين تؤكل الكتف وكيف؟ يظل يحيا في الظل وإذ يموت تمضي ذكراه وتموت، ومن هذا اللون، الشاعر الفلسطيني الذي لم يأخذ مداه واستحقاقه من الحياة فعاش في الظل، على الرغم من أنه يكتب شعراً رائعاً، ولُحن العديد منه، وأُنشد، من إذاعة صوت الثورة الفلسطينية، عند انطلاق بثها صيف سنة 1968، وكانت أشعاره المُنشدة تثير حماستنا، وخاصة أيام احتدام المعارك ضد العدو الصهيوني.
ترى هل بقي من جيلنا الذي طواه الموت إلا أقله من يتذكر النشيد الرائع؟!
طل سلاحي من جراحي – يا ثورتنا طل سلاحي
ونشيده الاروع: حربنا حرب الشوارع؟
لقد مات شاعر الثورة الفلسطينية، وصاحب هذه الأناشيد
الوطنية الرائعة، مات الشاعر الفلسطيني محمد حسيب القاضي، المولود في مدينة حيفا الفلسطينية المطلة على البحر الأبيض المتوسط سنة 1946، بعد صراع ضد المرض، تاركاً خلفه مجموعة رائعة من قصائد الشعر والاناشيد الثورية والاعمال المسرحية.
يوم الجمعة 30/ من نيسان/ 2010 رحل بهدوء الشاعر محمد حسيب القاضي الذي دوّخ الدنيا بقصائده الثورية، التي كانت تلهم فصائل الثورة الفلسطينية وشباب الكفاح المسلح المزيد من الإصرار لتحرير الأرض المغتصبة، وإذا كانت فلسطين قد انجبت العديد من شعراء الكفاح، وشعراء الأرض المحتلة مثل، فدوى طوقان وتوفيق زياد ومحمود درويش، الذي حصل على المجد والشهرة وذيوع الذكر وسميح القاسم، الذي ما بارح الأرض الفلسطينية وبقي يسكن بلدة الرامة متجذراً فيها وما زالت في الذاكرة قصيدته (لن أساوم) التي يقول في بدايتها:
ربما افقد – ما شئت- معاشي
ربما اعرض للبيع ثيابي وفراشي
ربما اعمل حجّاراً وعتّالاً وكناس شوارع
ربما أخدم في سوح المصانع
ربما ابحث في روث المواشي عن حبوب.
ربما أخمد عرياناً وجائع.
يا عدو الشمس
لن اساوم
والى آخر نبض في عروقي سأقاوم
التي كتبها صيف عام 1967، ونال هؤلاء الشعراء حظوة وشهرة ومجداً، وكتبت عنهم الكثير من الدراسات النقدية، فان المجد قد أخطأ طريقه نحو محمد حسيب القاضي، الذي قدم الكثير للحركة الشعرية الفلسطينية على مستوى الابداع والسياسة والكفاح المسلح، وأراه يستحق بجدارة ان يوصف بشاعر فلسطين وكفاح شعبها المسلح ضد العدو الغاصب للأرض لاسيما في تلك السنوات الباهيات الرائعات، سنوات الستين، أيام الحماسة المتوقدة والشباب الجياش بالآمال والنبوءات، التي تحولت الى سراب بقيعه يحسبه الظمآن ماء؟
تُرى من يعرف محمد حسيب القاضي او يتذكره على مستوى الدارسين والنقاد والقراء، لعل مما يخفف عنا أسانا عن خفوت ذكر هذا الشاعر الرائع ان بيت الشعر الفلسطيني بالضفة الغربية قد اخذ على عاتقه جمع أشعاره ونشرها بمجلدين، كي يحفظها من عاديات الزمن الذي لا يرحم.

شاهد أيضاً

دفاتر قديمة
في رحاب الترجمة
ناطق خلوصي

يمكن القول بأن الترجمة ، وأعني هنا ترجمة النصوص الثقافية ،على صلة مباشرة بالموهبة. فلولا …

نـجيـب طــلال: باب ما جـــاء في احتفاليـــة “كــورونـــا” (01)

عــتــبة التـحَـول : كما يقال” إذا عمت المصيبة هانت ” ومصيبتنا في وباء كورونا الذي …

لن يثنينا فايروس كورونا المستجد عن تعقب الجمال
أحمد رامي وأم كلثوم ..خمسة عقود من الود والحب الضائع
عبد الهادى الزعر

يرتبط اسم الشاعر أحمد رامي في ذهني وربما في أذهان الكثيرين بشيئين الأول — أغاني …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *