لمياء الآلوسي: ليس ثمة من حبّ آخر

عندما قدم الى هذه المدينة عند تلك الظهيرة القائظة،  ليحط رحاله في هذه الارض المغلقة على نفسها، السادرة في عزلتها، منذ اختراقها قبل مئات السنين، وهي قانعة بما يحاك من اساطير، عن أميرها الذي فضل ان يدق عنقه على قاع دجلة، لتحمل دواماته العاتية جسده المتهتّك، على ان يدخلها الغرباء الذين فشل رجاله في صدهم ، فدق بفعلته تلك عنق المدينة وحلت عليها لعنته، فاضحت حزينة غريبة، ترفع راية الرفض امام الوافدين، فلم يكن في المدينة فندقا او نزلاً ، او مطعماً، او مخبزاً من اي نوع .
دجاها موحشٌ، فمنذ غروب الشمس تهجر الحياة شوارعها، وازقتها المقفرة، فتدثرها حكايات الجن، والاشباح المتلفعة بظلال مصابيحها الشحيحة، المستوطنة في نهايات الأشجار  والنخيل المبذول على ضفاف النهر الفاتح ذراعيه لخصبها   .
هذه المدينة الصغيرة التي لم يطق الابتعاد عنها كثيراً، فيهرع اليها كلما اضناه الحنين، لكنه سرعان ما يتركها لاعناً قلبه، وذلك الحنين الذي يتعبه كثيرا ويجرفه اليها ، مؤمناً ان شجاعته الحقيقية هي في قدرته على الابتعاد عنها  مهما كان توقه للبقاء فيها .
ملابسه تشي بطول المسافات التي قطعها  من محطة القطار في اقصى الغرب ، مجتازاً مقابر بعرض المدينة وطولها، ممتدة حدودها الى آخر البرية ، تفصلها ارض مقفرة، فأصبح لوقع خطواته رائحة الموت العابق بالنسيان .
• يا الله بلد شواخصه، مقابره اكثر من احيائه .
هكذا تمتم لنفسه ، كل شيء كما عهده اول مرة، لا شيء جديد .
 ضج رجع خفق خطواته على اسفلت الشارع الملتهب،  لا شيء حوله يشي بالحياة، فالصمت يقيم في خلايا هذا المكان  .
لا يحمل الا حقيبة جلدية، نظراته الغائصة في عالمه السري تضع حدودا غرائبية بينه وبين الاحياء وكل الأشياء حوله، لم يفرح الا عشية عزمه العودة اليها، عندها تصبح كل الاحتمالات ممكنة .
على يمينه، كانت عشرات البيوت المعلقة على سفح التل، تطل على منخفض، يفصلها عن الشارع، فيما مضى كانت غارقة طوال الوقت بمياه الامطار، لكنها سرعان ما تغدو مياه آسنة،  تتحول الى مستنقعات لا تجففها حتى حرارة تموز اللاهبة، فتفوح منها رائحة كأنها رائحة حيوانات نافقة ، علقت بمساءات الحي ، وبيوته، وثياب قاطنيه،  وتسللت الى الأجساد، وتحت الأغطية ، تحت مسامات الجلد ، لا يمكن  التعود عليها، او تناسيها .
لكنها الآن تحولت الى أجمات تتشابك فيها الاشجار، وتتسامق ، اشعرته عند مروره بانها تضيق على أنفاسه، اصبح وكأنه في قعر وادٍ لا يعرف الخلاص منه ، كل التلال حول تلك الاجمة تنحدر اليها ، وكأنها تبسط ذراعيها لذلك الربيع المختنق، بين انخفاض الارض والشمس الحارقة .
اجفل عندما حاذته طرقعة خافتة، وخرجت امرأة حنى الوقت ظهرها، حافية القدمين كالفرس الهرمة، تحمل على ظهرها علب صفيح  فارغة، مربوطة بفوضى لابد منها،
صوت ارتطام الصفيح ببعضه، مع حركة  المرأة، وصله ضاجاً مع حالة السكون التي تهيمن على المكان، ايقن انه يعرفها، رفع يده كي يحييها، لكنها اختفت بين الاسوار .
• لم تسمعني، هكذا حدث نفسه.
 أسوار  من علب الصفيح الفارغة، قسمت  الارض الخضراء الى حدود  تمتد من البيت الواحد وحتى نهاية الارض المزروعة  قرب الشارع، علب صدئة ، نضدت الواحدة فوق الاخرى، لتشكل جداراً عالياً، يُغيّب خلفه اجساد الصبايا المتخفيات تحت براقعهن المظلمة، ابتسم لهذا التجانس العجيب بين تقسيم الارض، وبقايا (علامات واسماء لشركات عالمية) اكلها الصدأ، وبقيت الحدود قائمة ، تباً انها افتراضية ليس الا.

اصبحت الشمس تأزُّ على ظهره ، وعرق غزير يكلل هامته، والمدينة تنحدر بشكل حاد باتجاه الشرق، نحو النهر الذي غدا قريبا، انتفض لرائحة الشاي المدوخ، ومعدته الخاوية، وموعده  مع عالمه القديم،  فغدت خطواته الساكنة هرولة .

مقهى الشاطئ القائم من البردي المنسوج،  يرقد على اعتاب النهر، بباحته الممتدة الى حدود نهر دجلة، والارائك المسطرة بنظام لا يعرف الشك، كل اريكة عليها فراشها الذي لا يخلّ به أحد ، مست روحه  برقة.  
 ذلك المقهى ، رائحة الارض المرشوشة تواً، وصوت اقداح الشاي الزجاجية،  يا إلهي  رغم كل  تلك السنين لازال العبق في خلاياه.

خفق قلبه مع صوت العبّارة  الخشبية التي كانت تمخر عباب دجلة ، تهدر في عرض النهر محملة  بأكداس من البضائع والحيوانات، الذاهبة الى القرى في الضفة الاخرى .
عندها تخرج تلك اليافعة، المدوخة الجمال تحمل من النهر آخر قطراته، ترشق به من حولها، وقد يكون عاشقها السري، جالسٌ على آخر اريكة في مقهى الشاطئ، فيصفق لأجلها قلبه، لأجل ذلك الثوب الملتصق بفخذيها، ونهديها المتفجرين، وبطنها،  فتظهر كل التفاصيل المحرمة، لا تُجدي عندها محاولاتها في ابعاد ثوبها الزاهي عن جسدها الذي تخترقه العيون .
 ومقهى  الشاطئ، المكتظ دائما (بالدشاديش) البيضاء التي غالباً ما تكون زاحفة الى ما فوق الركب الناحلة السمراء ، يوشك ان يكون الجميع ثملين بحب غريب يمتلكهم الى آخر قطرة من نسمات نهر دجلة، وصوت المواويل التي تنتهي ابداً بالاوووف، والحسرات، والدموع التي تقهر صبر الرجال .

خلف الموقد كان طه العبدالله  يجلس وهو يعد الشاي ووجهه مواجه للنهر،  يشوّح بذراعيه في كل الاتجاهات ، يفض النزاعات، يتكلم بحكمة قذفته بها سنواته التي لا يعرف  ولا يريد ان يحصيها، ومن الجرائد القليلة التي تصل الى مدير المدرسة الوحيدة، والذي غالبا ما كان يغادر المقهى على عجل، تاركا طه العبدالله منبهراً، لكنه يتمالك عجزه ليعلن بقهقهاته المتبطرة العالية  إنه رئيس جمهورية حدودها مقهاه، فيضج الرجال المتحلقون حوله بذات الصوت المجلجل .
 رغم التجاعيد التي غطت وسامة طه العبدالله الآفلة، إلا إنه أصبح موضوعاً اليفاً لكاميرته التي رافقته منذ اول يوم وطأت اقدامه المدينة، رصيده الذي حرص عليه دائما هو تلك الألفة الغامضة التي نمت زاحفة بينهما، وهو يخبره بصوت خافت بعد ان يتفحص الجالسين حوله وانشغالهم عنهما، وكأنه يوصل اليه معلومة هامة عليه التقيد بسريتها .
وكثيرا ما يجده امامه في الاستوديو، فيدرك انه يهفو الى لحظة راحة يتخفف بها من هموم تثقله،  كان يدرك انه امام رجل لا يعقل الا تبقى تلك الاوقات الممتعة معه معلقة على ذلك الشاطئ، كيف يمكن لا فكارهما برائحتها الفريدة  الا ان تكون متوافقة رائقة لكليهما  .
ابتسم  ودموع  حاربها بقوة، كي لا تشي بذلك الحنين لزوايا المقهى، التي غدت  معرضاً  لصور أطفال عراة بجلودهم التي لاكتها الشمس والرمال الدافئة ، وشعورهم المحروقة  بلون البرونز، ووجوههم  المبتسمة ، كل شيء كان بالأبيض والأسود، لكنه اختزل كل الوان الفصول  الزاهية .
•  هذا البيت يصلح ليكون استوديو ، تركته منذ زمن بعيد لكنه سيكون لك منذ الان، وستكون مقهاي معرضاً لصورك ، انت فنان ربما كانت تنتظرك هذه المدينة منذ زمن بعيد، تعال معي .
تحرك وسط جمهرة من الصبيان والاطفال، بعريهم، وسراويلهم القصيرة، وعظامهم الناتئة خلف جلودهم المحروقة  كلون البن المحمص في مقهى طه العبدالله،  تجاوز تساؤلاتهم، عن سبب وجوده الطارئ بينهم، لكنهم توقفوا، حين راحا يصعدان التل باتجاه البيت المهجور.
ادار طه العبدالله القفل في الباب الخشبي العتيق ، خشي ان لا يفتح ، الا انه صرّ بقوة  .
 لتصدمه رائحة الزمن الموحش، المزدحم بالخفاش، والجرذان المخبأة  في زوايا وجدران ذلك البناء العجيب ، إذ ينفتح الباب الخشبي العتيق على فسحة ضيقة، مغلقة، يتسلقها سلم حلزوني إلى اعلى السقف، كانت الجدران عالية، رطبة، بلا نوافذ، ليس الا ظلفتي الباب الخشبي المفتوح الى الخارج بمواجهة النهر، وعندما توصدان يصبح الظلام لغة قائمة في المكان .
قال له : هنا سيكون لك استوديو، هذه الجدران الزاحفة الى اعلى الجبل ،ستكون عارضات للوحاتك .
عندما ارتقيا السلم معاً تعجب، لباحة شيدت على جوانبها غرف عشقت في داخل الجبل،  تشعرك وانت تدخلها بحاجة الى التقاط انفاسك،  يهيمن على المكان سكون مشفوع بنشوة احسها تسري مع دقات قلبه   .
راقت له غرفة واسعه مبهرة بشناشيلها المتعددة الالوان، وفسيفسائها الرائعة الجمال .
وصوت( طه العبدالله ) يصله عاليا من الباحة الداخلية، يفيض بالوصف عن مزايا بيته، احس ان للحياة معنى آخر في هذا المكان  بهذا القدر الرائق من الفن، وهو العاشق له  .
يفتح بابها الثاني على شرفة واسعة تمد افاقها على عرض دجلة العفي، والقرى الممتدة غيماً اخضر يرفرف على الشاطئ المقابل، شرفة تفنن مبدعها في زخرفة خشبها، وسكب الالوان الهنية على تخريمات زهرية تمس الروح .
 منذ ذلك اليوم عج البيت المهجور بطيفه، يدرج في كل مكان، يجلس في شرفة بيته على كرسي هزاز احضره في احدى سفرياته النادرة، يحتضن عوده، وصوت رخيم لموسيقى بهرت كل الشباب على امتداد  الشاطئ، رغم أن شباب الشاطئ توقفوا عن دعوته اليهم، بعد ان اقام ذلك الحاجز الزجاجي الرهيف بينه وبينهم، كاميراته رصفها في ذلك المربع الرطب الذي يمكنه أن يعلنه طابقاً اول، عندما يقف على بابه الخشبي الطويل، يملكه احساس بانه يعيش سر عجيب ،يكتنفه، يحمله الى آخر الدنيا ، يظل فاتحاً عينيه على سعتهما، ينادي  بصمت كل ما في ذبالة قنديل حياته من حب  .
 انشغاله غدا بطيئا كلما مرت الايام، يشعر انه لاحول ولا قوة له، رغم أنه شغف بذلك الحي الذي علقت بيوته على سفح  الجبل خلف وحول بيته، وتلك الامسيات التي يقضيها في المقهى ، وعندما تتجمع  مياه الامطار الهاطلة طوال الشتاء،  فتغرق الارض منسابة باتجاه النهر، كان يلزم شرفته لا يفارقها ، ويصبح  انتظاره كالمصباح المعلق في الطابق الاول، لكنه كان يدرك أن الحياة يجب ان تكون مشرعة للبدء بسخاء .

منذ تباشير الصباح الاولى، كان اطفال الحي يتكومون امام بيته شغوفين، محمومين حد الجنون ، تحلق نظراتهم  حول  تلك الصور العملاقة التي تغطي جدران الطابق الارضي من الداخل ، والكاميرات المذهلة بأيديهم سيتمكنون ذات يوم من لمسها، والتبرك بها ، يحاول دائماً ان يكون مشغولا عنهم ، يعرف انه لو دعاهم قليلا فسيعبثون بوحدته،  عندها لن ينتهي منهم ، رغم رغبته في ان يسجل تلك العيون السخية الذكاء، التي لم يتمكن من ايقاف تغلغلها الى اعماقه .
اما هي، فعند مرورها المتأنق كل يوم، كانت تنير المكان برائحتها العبقة، وحضورها المتلألئ، هي فقط ، يتمنى كثيرا ان تدخل اليه، لكنه كان يعرف انه يبقى هامشياً في عيون الحي .
تلك اليافعة المتفجرة الانوثة، لا يحق له ان يحلم في ان تحييه، او تدخل عليه الاستوديو ذات يوم .
تلاحظ نظراته واختلاج شفتيه وهي تمر من امامه كل صباح ، وفي عينيها ذلك  الفرح العجيب، كانت متعتها الضئيلة، عالقة في ذلك التوق الشفيف اليه دون جدوى، فوجود هذا الاستوديو الطارئ وسط هذا البيت المهجور، ورجل يمتشق المجهول يقف في انتظارها،  يعرف انها ترمقه بتحفظ لذيذ بوقوفه مهندما، نظيفا منذ الصباح الباكر، وهي تضج بمشيتها الى مدرستها، تحوك حول  جسدها المتفجر وبشكل مميز عباءتها السوداء، كاشفة عن مساحة محدودة من صدرها، فتظهر كنزتها الزهرية وتختلج العباءة من الاسفل، لتبين ساقيها الممتلئتين، العاريتين واطراف تنورتها القصيرة، فيرتبك، ويتحرك كالبندول الذي يهتز مع خفق خطواتها على الاسفلت الضيق الذي يكون مرشوشا بمطر المساء، نظيفا  .
تبقى صورته عالقة في ذهنها طوال يومها الدراسي، فليس في حياتها، وحولها من يصر على ان يلقاها كل صباح ليتمتم   :
• صباح الورد .
يقولها همساً ، فتنكس رأسها خجلاً،  اصبحت تتمهل قليلاً كلما مرت به .
وكلما تمهلت ازداد الكون زهراً، وهناك في زاوية السماء تبرق غيمة رهيفة بيضاء، تمطر عند مرورها اليومي الفاتن .
في مساء صيفي، ومع تلك النسمات الرخية القادمة من بعيد، ومع انقطاعها الصيفي عن الدراسة، ارتجف عندما تناهت اليه اصوات قادمة من عمق النهر وصوت تدافع الاجساد ، لازال القمر بدراً، والنهر نقي الصفاء، واجساد كأنها ثمار الجنة ملئت النهر، وبدت كالأشباح الخرافية الجمال ، تختفي ثم تظهر ضمن حلقات ضوء القمر المنعكسة في المياه .
فجأة تحول دجلة الى حقل من حقول الجان، مسته النار فارتجت امواجه وتدافعت اجساداً، تصل اليه الضحكات الهامسة عبر النهر، تخيل بنات الحي المفعمات بالود والانوثة ، المنكسرات تحت رقابة لاحد لها، المتلفعات بالعباءات السود، يعرف تنهداتهن التي تصل اليه حرّى، ترتجف  عواطفهن الممنوعة  من الافلات، والمخبأة في لياليهن الغارقة في آخر جزء من اجسادهن المتحرقة للمسة حنان ، حاول جاهداً ان يزجي اللحظات  بحثاً عن صفائه الروحي كي  يعيش معها هي فقط، في ذلك الزخم الهائل من الاشواق الى اجتياز وحدته .
في المسافة بين النهر وعبر ضوء القمر، لاح له جسدها الاسطوري يمرق بسرعة باتجاه بيته ، انزلق هلعاً ، قفز ، ركض ، صرخ الى الطابق الارضي، فتح الباب ، كانت هي تقف مبللة، يلتصق ثوبها، وشعرها بجسدها المكتنز الوعود، سحبها الى الداخل، تمنعت ، دفعته في صدره  .
كل ليلة تلاحظ  وجوده،  تقترب ، انه كل ما تتمناه،  لكنها تحجم ، تخشى ان تنهمر اشواقها ، تخشى ان تسرف في الاقتراب منه، وبالتالي لن تشفى من جرح المتلصصين على هذا التلاقي الذي تتمناه كل لحظة .

افاق ، كان الطريق مسدوداً بعارضات اسمنتية عالية، تصده عن التوغل اكثر،  كل الطرق مغلقة امامه، الارض مقفرة، وثمة بعض الاعشاب النامية المتسلقة في اعلى حافات الاسوار، لم يصدق انه غير قادر على الوصول الى بيته القديم، النهر الذي غيبته الاسوار، رفت غيمة من العصافير فوق رأسه،  خلف الاسوار لاحت له الارض مرتفعة تغطيها المروج النابتة بإهمال، وثمة كلاب سائبة تتطلع اليه .
لاحظ ان بعضها مرق عبر فتحة ضيقة في السياج الاسمنتي ،  وبعد معاناة تمكن من حشر جسده في تلك الفتحة ، قيثارة الحب التي كانت تعزف في هذه الارض توقفت والى الابد ، شعر بذلك بقوة .
• لن اعاود رؤية المدينة، والنهر، وبيتي والمقهى، اين اجد ذلك الصفاء؟
 انتابته حالة من الخوف والشمس تنحدر خلفه، والنهر لازال مختفيا وراء ذلك الدغل الذي يبدو انه لن ينتهي، ابتعدت الكلاب عنه قليلا الا انها بقيت مسمرة عيونها الوجلة في عينيه، احس انه يضيع في ارض جديدة لا يعرفها، وان تلك الكلاب الخرساء التي تحيطه تريد أن تعلمه بخبر يهمه لكنه فوق ادراكه، حاول الحفاظ على تركيزه، والابتعاد قليلا عن عيون  تلك الكلاب الخابية، مبقياً على مسافة معقولة تقيه هجومها لو تنمرت على حين غفلة .
حاول استكشاف الطريق وكأنه يراه لأول مرة، الويل له اين تلك القهقهات والاصوات ، فالنهر غدا مكللا  بالأدغال ، ضاق وشحبت مياهه، اختفى ذلك الحي  .
أية محنة ، هرب من محنته هناك ، واستبعد كل الاماكن الا هذه المدينة الصغيرة ، سنوات قضاها هنا، وتركها ، وليس له الا رجل واحد إتخذه صديقاً رغم كل مواقفه، ادرك لأول مرة غربته في هذه المدينة الصغيرة ، محنته عندما شاخ في تلك المنافي ، وعاد لا يعرفه الا رجل واحد، صديقه الذي أثلج قلبه واقترب منه .
رفيف الطيور غدا قريباً منه مع اقتراب المساء، ورائحة النهر ممزوجاً بمرارة عجيبة تجتاح قلبه ، فقد زهوه امام هذا القحط الذي يراه، فلقد اختفى كل شيء ، قهوة طه العبدالله ، والعبارة الخشبية بصوتها الاثير، وتلك النهمة العشق، القريبة من القلب، حتى الصبية والاطفال ، اشتاق الى كل  الذين غادرهم ذات يوم ولم يغادروه ابدا  .
اختفت الكلاب واختفى النهر وقرى الضفة الاخرى وراء الادغال،  لكنه  لمح بقايا الجامع الصغير الذي لم يدخله يوما، تصدعت جدرانه، وفتحت في جوانبه الكثير من الثغرات لاختراقه  .
على بعد خطوات كان بيته وقد تحول الى فنار مهجور،  بقايا شجرتي النخل التي كانت قريبة جدا من بيته، ظلت سعفاتها متيبسة، مغبرة، متدلية، توقف امامها مذهولاً، ثم لمسها بخشوع، فشعر انها تميد تحت ضغط يديه الواهن، ارتعش لفكرة انها وقفت كل هذه السنين  كي تنهار امامه .
اجتازها مسرعاً، كان الباب الذي تقصف وحال لونه مطروحاً على الأرض، ذات الرائحة العابقة احتلته للوهلة الاولى ، فغامت في عينيه نشوة قديمة، لازالت بقايا صوره وكلماته معلقة على الجدران العالية، لكن الطحالب ونباتات الحلفاء تعرشت في كل مكان، وارضية الاستوديو القديم مغمورة بالمياه الآسنة، ومن وراءه كانت صوت الطيور، ونقيق الضفادع ، وصوت الخواء يغلف المدينة القاحلة .
استفزته حركة  خفيفة، عندما تراجع الى الوراء، خرجت امرأة بثوب لا لون له من بين اغصان الحلفاء المتكاثفة، وكأنها قادمة من بيوت الجان، بشعرها الطويل المسترسل على جسدها الفاتن،  تعقد ذراعيها العاريين حول خصرها، مبللة تماما، تجر ورائها جذور نباتات نهرية، ونسيج الطحالب الاخضر يكسو ساقيها، ويقيد حركتها ، وقفت قبالته قريباً من النهر، هزت رأسها المخضب بحناء الارض بقوة، فانزاحت خصلات شعرها عن وجه لازال عشرينياً بهياً  .
اقترب منها، رغم ارتعاشة قلبه، وخوفه، ازاح عن وجهها خصلات الشعر الطويل الى الخلف ، عقصه خلف رأسها، فبان عنقها المرهف، فستانها الذي بان ازرقاً بلون السماء، بفتحته الواسعة الذي يظهر صدرها الرحب الابيض، والتقاء نهديها الشهيين، شم رائحتها، رائحة النهر الفريدة ، رائحة السْعد، والقرنفل،  الجوري الاصيل ،عاد يردد بعدد سنوات عمره  :
• صباح الورد . .
سحبته بهدوء اليها، احاطت  وجهه بين كفيها، بكل ما في رجولته من سخاء قبلها لدقائق حسبها عمراً، وهي تضمه بين ذراعيها النديتين، وتعانقه .
لكنها في اللحظة التي تناغمت فيها كل اصوات النوارس، النهر، رائحة النباتات المتعرشة في كل مكان، الصمت،  لتمنحه لحظة حب رائقة، تسربت هي بنعومة فائقة من بين يديه ، من خلال انامله، اختفت فجأة كما ظهرت الآن وكل الاوقات  .
   نوع من خيبات الامل ، نوع رحيم قد يكون  ما يحس به ،  أن تمر عليك الساعات وانت تشعر انك خارج ارادة هذا الزمن ، وكأنك في عالم آخر لا يمت اليك بصلة ، اصبحت اصوات الاخرين ، وكل حكاياتهم  مغلفة بجدار سميك لا يمكن اجتيازه ، أو يشعر أنه لا يريد اجتيازه ،
شك بكل ما حوله، والطحالب الخضراء   تلتف حول جسده  .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. قصي الشيخ عسكر : الرجل ذو الوجوه الجديدة – قصة لمحة .

كلّ يوم يبدو بوجه جديد وجه يختلف عن الوجه السابق حتى هو نفسه إذا نظر …

| محمد الدرقاوي : انغماس….

قصة حب عمرها فاق الخمسين سنة في ثلاث فصول 1 ـ انغماس 2 ـ قناديل …

2 تعليقان

  1. موسى العامري

    الناقدة والاستاذة الفاضلة بنت الرافدين الموقرة لمياء الآلوسي

    انها ليست قصة قصيرة فحسب بل والله عني كل ماحتوته من كلكات وتعبير صادق كالدر المترابط اتجه عقل عراقي كبير وثغر باسم وكتبته يد طاهرة رغم انها هيجت كل مشاعري الانسانية وانا المتعب المسافر في افق بعيد لا أعرف اين توقني عصا الترحال لكن هذة الدرر التي نثرت في رائعتك ليس ثمة من حب آخر قد تقوي وتزرع الضمير عند كل انسان شهم يتطلع الى مجتمع تملئه مثل هذه العقول الجبارة صحبة الاقلام الحرة الشريفة بأمتياز وكانت رائعتك هذه استاذتي الفاضلة تذكرني برواية الدكتور الراحل عبد الرحمن منيف قي شرق المتوسط عندما تغنوا بها الشعراء في مهرجان المربد حول اعادة هدى الى حبيبها حامد وقد بعثت املا جديدا في كياناتنا وافق مشرق عندما اطلعت على هكذا امكانية ادبية فريدة فرحت فرحا شديدا لمستقبل العراق بما اولده لنا من هكذا اديبة رائعة ويبقى العراق البلد الولود لمثل هكذا ثقافة وشموخ رائع نتبارى بك مع كل الثقافات ورغم اني سوف اعيد قراءتها حتى المرة العاشرة ولا استطيع ان ابعد هذه الرائعة الخالدة واسمحيلي اني وثقتها باسمك لكي احتفظ بها من ظمن ما املكه من روايات وقد كتبتي كلماتها وكأنك في في فؤادي وتعلمين ما به وما اريد وفعلا ابكتني شكرا لك استاذتي الفاضلة

  2. لمياء الآلوسي

    الاستاذ العزيز موسى العامري : تقديري واعتزازي برأيك ونبل ذائقتك ، اتمنى ان اكون عند حسن ظنك دائما .
    تحياتي مع فائق الشكر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.