سلام إبراهيم: وجهة نظر (7) الكائن الأيديولوجي (ملف/41)

إشارة:
مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي “سلام ابراهيم” نصوصه بدم التجربة الذاتية ولهيبها. وفي اتفاق مع إشارة خطيرة للباحث الأناسي العراقي البارع د. علاء جواد كاظم الذي اعتبر روايات وقصص سلام إبراهيم من مصادر الدراسة الأنثروبولوجية الناجعة في العراق نرى أن نصوص سلام يمكن أن تكون مفاتيح لدراسة الشخصية الوطنية مثلما استُخدمت نصوص ياسانوري كاواباتا لدراسة الشخصية اليابانية ونجيب محفوظ لدراسة الشخصية المصرية مثلا. الفن السردي لسلام ابراهيم هو من عيون السرد العربي الذي يجب الاحتفاء به من خلال الدراسة الأكاديمية والنقدية العميقة. تحية للروائي المبدع سلام ابراهيم.

من أغرب ما صادفت يبدو ليناً ظاهراً لكنه من الداخل كونكريت مسلح لا مجال فيه للأخذ والرد يستدير للدنيا والعقل من أجل الدفاع عما يعتقده وقادة الحزب الشيوعي العراقي الذين عرفتهم عن قرب وبتفاصيل الحياة يتميزون بهذه الصفة، اللين الظاهري والعماء الداخلي. هنا في الدنمارك أبتعدت عن هذه البيئة وصار الأحتكاك خفيفاً في الأماسي الأدبية التي تقاوم على فترات متباعدة. ومن خلالها نشأت بيني وبين أبو شروق “جاسم حلوائي” العضو السابق باللجنة المركزية علاقة أستطيع وصفها بالثقافية من خلال حضورنا تلك الأماسي ونشاطنا الحواري. وكان يقرأ النص الروائي من منظور سياسي طريف، هذا ما لمسته من مداخلاته حول نصوص الروائيين الذين كانوا محوراً لتلك الأماسي. وكنت أود أن أسمع منه قراءة السياسي الشيوعي والقائد والمسؤول إلى حدٍ ما عن تلك الأحداث والمآسي والأخفاقات، لرواياتي لا سيما أن غالبية أبطالها من الشيوعيين أما كانوا أو ماتوا وهم كذلك، فأعرته روايتي -حياة ثقيلة- المكونة من ثلاثة أقسام بثلاث شخصيات من أصدقائي ورفاقي ومصائرهم التراجيدية،

الأستاذ جاسم الحلواني

فالأول يتحول إلى متدين ويغتال في مكتبته بحي الشعب ببغداد، والثاني نصير يقبض عليه بالأنفال ويقتل سحلا في مجمع بسهل الموصل، والثالث يقضي أنتحارا بالخمرة بعد خطف أبنته في الحرب الأهلية 2005-2007 ببغداد. الرواية محشودة بتواريخ ونضال ومواقف ومآسي فهي تجارب حية وشخصية والثلاثة أصدقائي الشخصيين. في مناسبة أدبية أخرى أقبل نحوي رفيقي الحلوائي من عمق القاعة وهو يرتجف حاملاً روايتي المفرودة على الصفحة 50 لائماً والزبد يتطاير من شدقيه:
– ليش هيجي رفيق ليش
ضحكت كعادتي وسألته: – شكو رفيق أش شسويت؟
– يعني معقولة تثبت هذا برواياتك وتطلع قيادات الحزب المحلية عملاء
كدت أنفجر بضحكة عاصفة فقد أدركت بالضبط ما يقصده وهو سرد ثانوي معلوماتي يؤطر حدث تفصيلي حيوي، ذكرت فيه أن عدد كبيرا من محلية الديوانية ظهرت أنها عميلة لأمن البعث في حملة 1979، وعددت ثلاث اسماء منها واحد منهم أعدمه المنتفضون في 1991.
قلت له ببرود وود: – رفيقي هذه حقائق ووقائع وهي وثيقة
فأختض وراح يرتجف بعنف وأحمرت عيناه وهو يقول لاهثا: – ما يصير رفيق ما يصير قضيت عمري بالحزب، هسه عبرت الثمانين وتالي أجد روايه راح تبقى مع الأجيال تصورنه عملاء!.
قلتُ له ضاحكاً: – هذا مو شغلي شغلي أذكر الحقائق سواء لي أو عليّ
– لا.. لا رفيقي أنت تسيء للحزب
فأنفجرت بضحك عاصف جعله يستدير مبتعداً
تصوروا ترك كل تراجيديا المصائر وتفاصيل النضال والأداء الفني والجمالي لغة وبناء ليعترض على جمل معلوماتية أخبارية
ما أخطر كيان الشخص الأيديولجي ليس الشيوعي فحسب بل القومي والمتدين والطائفي والأثني. كيان يفقد إنسانيته.

شاهد أيضاً

وعد الله ايليا: لوثر ايشو ..والتفرد الفني (ملف/14)

إشارة: بموازاة عراق ينزف تحت سياط الجلد على يد الظالمين والفاسدين، نَزَفَ زهوراَ عراقية مُرَمّمة، …

لوثر ايشو مازال نابضا بالحياة رغم رحيله
مقالة في جريدة موصلية
عنكاوا كوم –الموصل -سامر الياس سعيد (ملف/13)

إشارة: بموازاة عراق ينزف تحت سياط الجلد على يد الظالمين والفاسدين، نَزَفَ زهوراَ عراقية مُرَمّمة، …

مقداد مسعود: “حميد الربيعي” من الهدوء .. إلى الورد (ملف/3)

حين علمت ُ برحيلك، وقفتُ حاملاً أعمالك الأدبية دقائق حداد … ثم شعرتُ بحفيف ينافس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *