مسرحية من فصل واحد
الضباب يقـــظ
بيات مرعي

الشخصيات
الآخر
ساعي البريد

( كم من عزيز أذل الموت مصرعه كانت على رأسه الرايات تخفق )
أبو العتاهية

المكان عمودان (كون كريتيان ) يوحيان بشكل باب مطل على مقبرة في زاوية من المسرح تظهر اشارات تدل على وجود قبور
الوقت بعد منتصف الليل.. الجو بارد قليلاً ….
كائن كأنه رجل غريب الشكل طويل ضخم بعض الشيء كأنه قادم من زمن ماضي بعيد جدا ذو حاجبين معقودين وعينين لم يتعبهما السهر تراقبان المكان بتحسس دقيق….. يجلس على احدى صخور المقبرة… يقال اسمه ( الآخر ) …
الآخر : كل شيء هادئ… وهذا ما يزعجني
لن يفرحني الا ان اسمع سمفونية العويل كالتي صاغها صاحبنا ذاك بتهوفن الراقد هناك ….
((يشير الى احد القبور))
اللعنة هل يعقل ان يطول الهدوء والصمت كل هذا الوقت ، وهل يعقل ان يتحرش الفرح مستهزئاً يداعب عملي… لا … لابد من كسر فكي هذا الصمت الغارق في بحور الاحلام قبل ان يطلع النهار ….
((يصرخ))
هي.. يا حوت البحر اضرب كل الامواج والتهم ذلك الغطاس الجسور واترك لي عظم الذنب لأحفظه في مكتبتي… عفواً مقبرتي …. يا اجبن الحيتان… اضرب هذا السكون بذيلك ، مشط البحر الهادئ من كل الاجنحة… قبل ان اعلن غضبي
((صمت قليل))
ما زال كل شيء هادئاً … وهذا يزعجني حقاً
ساعي البريد: (يتمشى ماراً بالمقبرة وهو يدندن يفاجأ برؤية الآخر الذي يراه يبتسم ) .
الآخر: اتيت ؟ اذن انت ؟
ساعي البريد: ((باستغراب متفاجأ برؤيته )) نعم ؟
الآخر : اذن انت الذي كسرت فكي الصمت
ساعي البريد: ماذا ؟
الآخر : من اين اتيت؟ اسمك … عنوانك… رقم ميلادك
ساعي البريد: لماذا كل هذه الاسئلة يا سيدي ؟
الآخر : هل تريد ان تصور لي بأنك ابله… ولا تعرف لما كل هذه الاسئلة
ساعي البريد: والله يا سيدي لا اعرف
الآخر : اذن ابله يحمل حقيبة… سوف انظم لك سجل الدخول
ساعي البريد: سجل الدخول ؟
الآخر : نعم الى عالم لم تره من قبل … ربما تكون قد سمعت عنه بعضاً من الخرافات فأرعشت قلبك وهزت جهازك العصبي… اليس كذلك ؟
ساعي البريد: ((بدون اهتمام)) هراء
الآخر : جميعكم هكذا اول الامر… ولكن فيما بعد يصبح الامر لديكم في غاية الوضوح… المهم انك تحصل على تأشيرة الدخول
ساعي البريد: ((جانباً)) لابد انه معتوه
حسناً يا سيدي فرصة سعيدة كان لقائي بك سوف اغادر لأعود الى بيتي
الآخر : ماذا ؟
((ضحكة قوية))
ومن قال لك انك تستطيع ان تفعل ذلك ، وهل سمعت عن احد عاد الى داره قبلك ايها الابله بعد أن قادته قدماه الى هنا …
ساعي البريد: نعم… ان الجميع يعودون الى منازلهم بعد قضاء حاجياتهم
الآخر : ماذا..؟ هل جننت … يعودون ؟ من اين .. والى اين ؟ يا فارغ الرأس انتبه لما تقوله … بقولك هذا تكون قد لعنت كل القوانين.. جاعلاً جبال الارض تفقد خاصية قوتها لتحولها الى كتل من شمع… هل سمعت ان الارض تمطر على السماء؟
ساعي البريد: ( بشيء من المزحة ) نعم .. ان الارض تمطر خطاياها على السماء
الآخر : ( بغضب ) انك تفلسف الامور.. ايها الفيلسوف
ولكن لا يهم حتى الفلاسفة لديهم منزلة لدينا .. كصاحبنا افلاطون ذاك
((يشير الى احد القبور))
ساعي البريد: انا لست فيلسوفاً كما ذكرت.. ما انا سوى حامل الرسائل أي يقولون عني ساعي البريد
الآخر : ساعي بريد… ومنذ متى وانت تعمل بهذه المهنة.. ؟
ساعي البريد: منذ اندلاع الحرب.. كنت جندياً كلفت بذلك فتعلمت المهنة… نعم منذ تلك الايام العصيبة… يا لأيام الحرب الملعونة ….
الآخر : اذكر تلك الايام … كانت جميلة على الرغم من شقاء العمل فيها وزحمته… الجميل و الممتع فيها … لا وجود للصمت
ساعي البريد: عن أي ايام جميلة تحدثني ايها السيد؟ اقول لك ايام الحرب
الآخر : وهذا ما أعنيه بالضبط … نعم ايام الحرب
ساعي البريد: (ينظر في ساعة يده يهم بالذهاب )
والان يا سيدي لقد تأخرت كثيراً.. لابد من الذهاب
الآخر : قف مكانك … ارى انك تصر على الذهاب
ساعي البريد: مؤكد… لابد من النوم ساعات عدة فعند زحف الليل ومجيء اول النهار ينتظرني عملي اليومي… لابد من الذهاب الى القسم البريدي… ادخل كل صباح والقي بتحية الصباح…. صباح الخير انسة قهر … لا أعرف لماذا سميت بهذا الاسم ، انها انسة في الخامسة والاربعين… فتجيبني دون ان تكلف نفسها في النظر الي فلقد اعتادت تحيتي هذه … فهي تبدي اهتماماتها الخاصة بالعاملين الشباب انها امرأة متصابية .. فكيف بها ان تنظر الى مثلي لم تجني مني غير هذه التحية الباردة كل صباح… تشير بيدها الى رزمة الرسائل التي احضرتها لي… هذه لك اودعها دون ان انتظر منها جواب… واخرج ليبدأ المشوار اليومي
(يصور جانباً من عملية توزيع الرسائل يجول المسرح يميناً وشمالاً)
هذه كالمعتاد الى السيد ذي القبعة الصفراء… وهذه للحبيب المعذب قرب التل…. اما هذه للأم المنتظرة طويلاً … ما هذه الرسالة الغريبة المظهر.. انها الى صديقي مربي الطيور… وهذه … وهذه … وهذه للسيد … وهذه الى … و … وما ان انتهي من توزيع الرسائل كلها حتى اكون قد تركت طاقتي الادمية كلها على ارصفة الطرق… وقد افرغت حقيبتي هذه لأعود الى البيت واشم رائحة وسادتي ساعات طويلة
الآخر : ((ينظر اليه وقد اتسعت عيناه)) وبعد
ساعي البريد: لا يوجد بعد … الامر يدور ما كان وما سيكون …. ولكن عند عودتي هذا اليوم وبينما انا مستغرق في النوم …. ايقظتني غريزتي… اردت ان اتبول… ذهبت الى المرحاض لأفرغ سمومي… في اثناء عودتي الى غرفتي تسللت فكرة الى رأسي بأن ادس يدي في هذه الحقيبة… ما هذا … انها رسالة … لمن؟
عرفت حينها انها الرسالة الوحيدة التي سقطت سهواً بين مجموع الرسائل التي اخرجتها من داخل الحقيبة… كان الوقت متأخراً وكان علي ايصالها هذه الليلة لأمر هام حسب ما ذكر على غلافها… انها مسألة حياة او موت … ارتديت ملابسي مسرعاً وانطلقت كالحصان عسى الحق صاحبها …. كان علي اختيار طريق المقبرة فهو اقصر الطرق… عندما وصلت الى السيد ساهر صاحب الرسالة وجدته مستيقظاً بانتظار السطور المهمة تلك… شكرني جداً … ودعاني لأشرب الشاي معه ، تعذرت وعدت من الطريق ذاته … وها انا كما تراني امامك
الآخر : ياه … كنت حريصاً جداً على توصيلها
ساعي البريد: هذا واجبي وأنا سعيد بذلك …
الآخر : حسناً الم يخطر لك مرة ان تستريح من هذا العمل
ساعي البريد: لماذا ؟ ما دمت استطيع ان اعمل… فأنا سعيد بذلك كما قلت لك .
الآخر : ولكن ارغب لك ان تستريح من هذا العمل
ساعي البريد: ماذا تعني من كلامك هذا ؟
الآخر : لقد ارحت الكثير من قبلك
ساعي البريد: لماذا….؟ وكيف …… ؟
الآخر : لماذا… لأنهم أوصلوا الكثير من الرسائل … اعني نفذ ما لديهم وجفت اقلامهم… وبدأ قسم منهم اشبه بظلال عمود ، يبتسم دون ان يعرف لماذا… يبكي بلا مبرر، يصرخ بلا صوت… يرسم على الجدار مستعيناً بأحد مفاتيح السلسلة التي بيده…. بعضهم هكذا دون بعض واخرون كانت تصدر اوامر من فوق من مكان بعيد المريخ ربما او عطارد او زحل… مكان بعيد جداً… يصرخ بي عالياً… صوت يمزق سمعي
((يضع يديه على اذنيه يتدحرج))
انقض … اوقف … سد الدروب… لا تدعه يطيل اكثر… لا مجال ان تتمادى… اوقف.. اغلق كل الابواب… اسرع… اسرع اكثر… اقفل كل النوافذ … انقض… قف .. قف.. قف.. في هذه اللحظة تكون يداي هاتان
(يمسك قلب ساعي البريد)
قد امسكت بالطرق كلها
(يصرخ ساعي البريد)
ساعي البريد: اتركني ايها الوحش… ماذا بك… ؟
الآخر : ((يتركه)) لا استطيع ان اعتذر من احد… ولكني اعتذر
ساعي البريد: لماذا فعلت معي هذا .. ؟
الآخر : لأنهم اوقفوني هنا
ساعي البريد: من هم… ؟ ولماذا اوقفوك ؟ ومنذ متى … ؟
الآخر : منذ زمن بعيد… من اول يوم … بلحظته الاولى… جعلوني صفعة مدوية لا حياء لها مطلقاً… قالوا لي هذا زمانك ومكانك… انك تنتظر في اخر الاشياء جعلوا لي لوناً… وغناءً خاصاً بي… ورقصة غريبة… واودعوني مع الاشياء كلها في الدرك الاسفل من المكان
ساعي البريد: اني لا ابالي .. لكل ما تقوله… دعني ارحل
الآخر : لا ارجوك … لا ترحل … لم يحادثني غيرك من قبل… منذ ملايين السنين… وانا احدث نفسي… كنت احاول ان اوقف احداً ليحادثني ولكنهم لم يدعوا لي الفرصة
ساعي البريد: من هم..؟
الآخر : لا تكثر علي الاسئلة… فالمعتاد دائماً انا اسأل والجميع يجيبون
ساعي البريد: هل لديك اصدقاء.. ؟
الآخر : ان عمر صداقتي مع الاخرين لحظات فحسب وينتهي كل شيء
ساعي البريد: كيف ؟
الآخر : قلت لك لا تسألني… انا الذي اسأل وانت تجيب… كم عمرك
ساعي البريد: اربعون ومعهم خمس
الآخر : خمسة واربعون عاماً… وانت تصول وتجول في هذا العالم… تصادق من تشاء… تغني ترقص تشرب تحب تكره تلبس تستحم لك بيت واصدقاء… وتوصل رسائل الاخرين نصف عمرك تقريباً … اليس كذلك؟
ساعي البريد: نعم … وانت تستطيع ان تفعل مثلي
الآخر : كلا … مستحيل هذا ، منذ اللحظة الاولى لتكويني اكتشفت شيئاً خطيراً
ساعي البريد: ما هو ؟
الآخر : انني.. عبارة عن حمى باردة او ربما تكون حارة شيء بلا قلب… تصور انك بلا قلب ماذا كنت تكون؟
ساعي البريد: لا شيء
الآخر : وبلا عقل ولا مشاعر ولا احاسيس… فضلاً عن ذلك كله مبهم ومخيف… ماذا كنت تكون…؟
ساعي البريد: شيء من العدم … لا شيء
الآخر : احسنت… هكذا انا… الكل يهرب مني … ذات يوم علمت ان فتاةً في الخامسة والعشرين تبحث عني… بل اصارحك الامر انها تحبني كثيراً … بل قل بجنون… كنت احوم حولها ولكني لا استطيع الوصول اليها كانت تبكي… عجزت يداي عن لمس عينيها الجميلتين لأمسح عنهما تلك الدموع الساخنة كنت اخشى عليها من نفسي… احسست حينها انني شيء اخر… وان بذرة نبة القلب قد سقطت في جسدي اخذت ارتعش طلبت عيناي البكاء دون جدوى صرخت… احسست بالخناق
(يضع يديه على عنق ساعي البريد)
نعم بدأت اختنق
ساعي البريد: ما هذا ؟ اتركني… اتركني… (يبعده )..
الآخر : (صمت قليل ).
لا استطيع ان اعتذر من احد… ولكني اعتذر
ساعي البريد: ( لاهثاً ) ما هذا يا رجل… ؟
انك فضيع … لماذا تريد قتلي ، كدت تقتلني للمرة الثانية ، انني لم اسيء اليك… ولم اسيء اليك ليس هناك معرفة مسبقة من قبل بيننا … ثم انني مجرد ساعي البريد… فأنا اقدم رسالتي بمحبة للآخرين فيفرحون .. نعم اترك الفرح عليهم… اوصل لهم اخبار الأحبة الغائبين عنهم.. امسح الشوق واترك الأمل في نفوسهم … ذات يوم
(يسترجع)
طرقت احد الابواب لأسلم احدى رسائلي فجاءني صوت جميل وعذب لسيدة من وراء الباب…
( الصوت ) : من في الباب؟
اجبتها انا يا سيدتي
( الصوت ) : من انت ؟ وماذا تريد ؟
انا ساعي البريد لقد احضرت لكم رسالة واعتقد انها جاءت من بلد يعيش فيه البطريق
( الصوت ) البطريق ؟… انتظر يا سيدي سوف افتح لك الباب
ساعي البريد : يا ويلتي ماذا ارى … انها ملاك بل قل حورية البحر… انها جميلة جميلة جداً.. لم يتجاوز عمرها الخامسة والعشرين.. كانت تملك قواماً رائعاً ووجهاً فضياً اشبه بالقمر… اما شعرها ماذا اصف لك يا سيدي كان كل شيء فيها جميل جداً… ما ان رأيتها حتى اخذت ابكي… نعم ابكي
الآخر : (مقاطعاً ) كانت عيناها الجميلتان قد انطفأتا.. ميـ
ساعي البريد: (باندهاش) من اين عرفت ذلك؟
الآخر : افتراض مجرد…لأنك تقول بكيت لحظة رؤيتها … فأصبت النهاية
ساعي البريد: كذبت
الآخر : انا لا اعرف الكذب ايها السافل
ساعي البريد: بل انت السافل وواطي …
هل يعقل ، لقد ذكرت لي ذات مرة… ان عينيها اطفأتا اثر حادث مريب لم تبلغني عنه اول الامر… ولكن بإصراري عليها قالت لي … اني خفت خوفاً شديداً من شيء غريب جداً ارعبني عندما كنت وحيدة في المنزل في ذلك الليل الدامس… نعم هكذا قالت لي… انت اذن ذلك الغريب المرعب الذي افزعها
(يمسك الآخر )
سوف اسمل عينيك القبيحتين جزاء” لعينيها الساحرتين
( يتشاجران…بينما يحاول الآخر ان يبعد ساعي البريد عنه )
الآخر : ابتعد عني … لا اريد ايذاؤك … اريد ان يطول الحديث بيننا ، فأنت الوحيد الذي سنحت له الفرصة بذلك
ساعي البريد: انك مجرم وحقير ، ولابد ان اخبر عنك
الآخر : قلت لك ابتعد عني وأهدأ
(يبعده)
(يسقط ساعي ارضاً.. يأخذ الآخر بالضحك)
ايها الحبيب المغفل … كنت تحبها…؟
ساعي البريد: هذا لا يهمك يا مطفئ النور… ايها الصلف كيف تجرأت على عيني ملاك… لتجعلها فحمتين باردتين
الآخر : كفاك تلقي اتهامك لي … لم افعل ذلك بمحض ارادتي… لقد جبرت على ذلك… ثم ان هذا الامر حدث منذ زمن بعيد… وليس لديك دليل واحد من انني الفاعل… والشي الاخر انتبه لنفسك ولا تتجاوز حدودك والا
ساعي البريد: والا ماذا ؟
الآخر : والا لا شيء
(صمت طويل نسبياً)
اخذت السماء تفتح ابوابها لتطرد رياحها الباردة… بعد قليل ستمطر السماء… منذ ملايين السنين تغسل السماء الارض… ينبت الزرع ويكبر ويثمر ثم يرحل لتمطر السماء من جديد وهكذا كل شيء… بين زخة واخرى كون يحيى والاخر لا شيء … لا شيء.. سوى اناس في الزنزانات وتحت العجلات… صوت السياط والهبة النار… في مقدمة المتظاهرين المعلنين الرفض… ولدغات الافاعي والعقارب… زخات المطر تستمر والبحر يمتلئ ويفور كغضب.. مهول .. مهول… كل شيء غريب والغريب لا شيء… ثم آت من البدء او النهاية لا ادرك هذا الشيء… غريب صندوق الدنيا هذا
ساعي البريد: (ينهض بصعوبة ) .
لابد ان اغادر هذا المكان… ان رسالتي الاخيرة كانت اصعب الرسائل في حياتي والفضل يعود للقائي بك … انك غير عادي… لا تشبه الادميين لابد ان اغادر فغداً ينتظرني الكثيرون من تحمل قلوبهم الشوق لرسائلي …
الآخر : لا لن ادعك تغادر هذا المكان مطلقاً
ساعي البريد: لا احب البقاء في هذه المقبرة.. انها توحش القلب
الآخر : اناس كثيرون فيها منذ الاف السنين واكثر
( يتفقد القبور )
هذا انشتاين … موزارت … وذاك نيوتن وهذا يقولون عنه كان رسولاً في عصره.. وهذه السيدة الخنساء وهذا كلكامش.. ((يضحك)) نعم كلكامش ان مسكنه هذا اشبه بسفينة ( يضحك بقوة ) …
ساعي البريد: كف عن ذكرهم والاستهزاء بهم.
الآخر : ((يصرخ)) كلكامش
(يحاول تشخيص كلكامش)
الآخر : *( كيف لا تذبل وجنتاي ويمتقع وجهي وقد ادرك مصير البشر صاحبي واخي الاصغر انكيدو ان النازلة التي حلت بصاحبي تقض مضجعي آه لقد صار الذي احببت ترابا )
ساعي البريد: كفى يا هذا ودعني اسير في طريقي
الآخر : الطرق كلها تؤدي الى هنا… حتى رسالتك الاخيرة جاءت بك الى هنا
ساعي البريد: انها ليست الاخيرة… فعندي الكثير من الرسائل لابد من ايصالها
الآخر : (مشيراً الى قبر نيوتن )
هذا الكائن الذي يسكن هنا… تعرفه مؤكداً… انه نيوتن ذات يوم قال قوله… ان للأرض جاذبية عجيبة فإذا رميت هذه العصا مثلاً (يرمي عصاه الى الاعلى) الى الاعلى تجذبها هذه الارض وكأن كفين امتدت اليها واخذتها.. هذا ما قاله .. لو تعمق في بحثه لوجد ان باطن الارض اكثر جاذبية نعم للأرض افواه كأفواه الحيتان الجائعة تلتهم خريف الاشياء… و … ووو …. الخ…
ساعي البريد: ولكن هناك مجالاً لهذه الجاذبية محددا” ومعلوما” اتعلم أيها السيد ان اناساً في مكان ما من هذا الكون لا تستطيع ان تأخذهم .. واقصد خارج ذلك المجال المغناطيسي
الآخر : مهما كان الامر فالأرض في انتظارهم.. دع يا صاحبي هذه السفسطة جانباً… واركن هذه الفكرة في زاوية مظلمة من رأسك .. وسيأتي يوم تدرك فيه ان الكون بأسره سيلتهمه فم كبير… وبيدي هذه سأقدمه لهذا الفم الجائع
((يمسك بساعي))
ساعي البريد: ماذا بك احس بالاختناق
تكاد تقتلني … اتركني ايها الوغد … انني ساعي بريد لا اكثر لماذا تريد ان توقف رسائلي… انني مخلص في عملي .. وفي لمن ينتظرني… لا لن ادعك تقتلني… سأمسك بحقيبتي بقوة واوصل رسالة الفتاة العمياء… سأخبرها بأنك انت الظلام الاكبر لها… سأعلن عن حبي لها .. واكون لها عينين لتقرأ رسائلها كلها… سوف تحبني اكثر من قبل… سوف تكتب اسمي على جدار بيتها الصخري سأقبل يدها… نرقص … نغني … نلعب .. ننجب اطفالاً واعلمهم ان يوصلوا ما تبقى من الرسائل.. ايها الشيء الذي ادركته.. لن ادعك تمزق رسالتي
(يدوران يمسك الآخر ساعي البريد بشكل وحشي)
ايها الـ … سوف اقاتلك بعنادي مهما كلفني ذلك سأصرخ في وجهك
(يشير الآخر الى ساعي)
سأوصل الرسائل … الرسائل
(يموت ساعي)
(تسقط مجموعة من الرسائل من اعلى المسرح… بينما يستمر سقوط الرسائل)

يسدل الستار

شاهد أيضاً

بعد فوات الأوان
تأليف: رياض ممدوح

مسرحية مونودراما ، عن قصة للكاتب العراقي انور عبد العزيز المنظر ( غرفة عادية قديمة …

رَجلٌ مِن فَيضِ السّمَاءِ
بقلم عبد اللطيف رعري
مونتبولي/ فرنسا

أنا رجلٌ من تراب من رمادِ الغاباتِ من وحلِ القُبورِ. .من خَليطِ الماءِ والزعفرانِ … …

ألـف هـايـكـو وهـايـكـو
(2) إيـسا (ياتارو كوباياشي 1763- 1827)
ترجمة: جمال مصطـفى

101 هواء ليلة تناباتا البارد / يدهن الخيزران بالندى * تناباتا مهرجان يقام سنوياً في …

تعليق واحد

  1. لغة مسرحية مكثفة ،خالية من الثرثرة ،اما المعالجة الاسلوبية التي جاءت بشكلها التعبيري فكانت موفقة جدا،وهذه خطوة مهمة في استيعاب المحتوى الفلسفي الذي حملته الفكرة،والبعد الرمزي في الشخصيتين،يتحمل الكثير من شطحات التأويل ،وهنا اهمية هذا النص،في كونه يتيح للمتلقي ان يفكر ويتأمل في رمزية الصراع،مثلما عليه ان يفكر في الاسئلة الكبيرة التي تطرحها جدلية الحياة والموت في النص،بمعنى ان بيات وضعنا في دائرة من الجدل،وعلينا ان نطرح فيه اسئلة ، وليس مهما الوصول الى الاجوبة،فالمهم اننا ندخل في التجربة ولانبقى نهرب منها.النص اقرب الى مسرح العبث لدى يونسكو وبيكت من حيث البعد التجريدي للشكل الذي صيغت به الفكرة،ومن حيث مستوى الصراع الذي يرتفع الى درجة العمق الذي تتجه اليه النصوص المسرحية ذات الانشغالات الفلسفية،وعلى ذلك النص يستطع ان يفرض حضوره الفني وبقوة في اي مكان يعرض فيه،لانه يبتعد عن المنحى الواقعي من حيث الزمان والمكان،اضافة الى عمق الفكرة التي يطرحها الصراع القائم في النص . .احييك اخي بيات ، انت الابن الشرعي للمسرح .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *