الرئيسية » نقد » ادب » حسين سرمك حسن: لؤي حمزة عباس، إغماض العينين المميت، دراسة اسلوبية (4)

حسين سرمك حسن: لؤي حمزة عباس، إغماض العينين المميت، دراسة اسلوبية (4)

( موت ..                                                                                             
تهيّؤا للنوم ، أعقد كفّي فوق صدري ..                                                         
وهكذا سوف يضعون يديّ ..                                                                       
سأبدو كأني أطير إلى داخلي .. )
                                        الشاعر الأمريكي
                                          ( بيل نوت )
في قصة ” رجل كثير الأسفار ” يواصل لؤي تقليب لعبة الموت التي فرضتها المحنة على وجوهها . فقد عاش بمرارة ولمس بما لا يقبل الشك أن الموت ، والكثير من الموت ، والتفنن بالموت ، هو من أهم ” عطايا ” مرحلة الإحتلال . وليس اهتمام لؤي بمعالجة موضوعة الموت وليد هذه المرحلة أبدا . إنه اهتمام قديم وأصيل ؛ قديم لأن هذا الانشغال احتل المقام المركزي والمهيمن ليس من أول مجموعة قصصية له بل من أول قصة من قصصه . وأصيل لأنه يدرك بخلاقية عالية ان الأدب العظيم هو ابن الموت وليس ابن الحياة . كل الأعمال الأدبية العظيمة في التاريخ البشري كان محور اهتمامها هو الموت . راجع ملحمة جلجامش والإلياذة والأوديسة وأوديب الملك وهملت والحرب والسلام والجريمة والعقاب والأخوة كرامازوف ومدام بوفاري والأحمر والأسود .. إلخ . والحياة نفسها – وياللمفارقة – لا تفرك عن وجهها صدأ الرتابة ولا يتوهج حضورها إلا عند حضور الموت . وإذا كان ( بوسويه ) يقول : ” إن اهتمام الناس بدفن أفكارهم عن الموت قد لا يقل شأنا عن اهتمامهم بدفن موتاهم ” معبرا عن آلية دفاع هروبية لدى البشر فإن لؤي كمبدع جسور ينشر أفكاره بلا تردّد ، ويكشف جثث أبطاله القتلى والموتى بروح اقتحامية ، وفي معالجة هذا الأمر إشارة صارخة على نضج الشخصية واكتمال الرؤيا . فحسب عبد الرحمن

بدوي في كتابه ” الموت والعبقرية ” ( فإن الإحساس بأن الموت مشكلة يتطلب الشعور بالشخصية أولا . فكلما كان الشعور بالشخصية أقوى وأوضح كان الإنسان أقدر على إدراك الموت كمشكلة .. ولهذا أيضا لا يمكن أن يكون الموت مشكلة بالنسبة ضعيفي الشخصية ، والنتيجة أن اللحظة التي يبدأ فيها الموت بأن يكون مشكلة بالنسبة إلى إنسان ما ، هي اللحظة التي تؤذن بأن هذا الإنسان قد بلغ درجة قوية من الشعور بالشخصية وبالتالي قد بدأ يتحضّر .. ولهذا نجد أن التفكير في الموت يقترن به دائما ميلاد حضارة جديدة ، وما يصدق على روح الأفراد يصدق كذلك على روح الحضارات . وقد فصل ذلك ” اشبنجلر ” ، ولهذا أيضا كان كل إضعاف للشخصية من شأنه تشويه حقيقة الموت ) . وليس كم المعالجة – مجموعة كاملة عن الموت – الذي يقدمه لؤي هنا هو الذي يعبر عن نضج رؤياه حسب بل نوع المعالجة المبتكر والتي يقدمها من خلال موضوعات وأشكال فريدة في كل نص من نصوص المجموعة . يستهل قصته هذه ” رجل كثير الأسفار ” بطريقة مراوغة :                ( سألني بماذا تفكر هذه الأيام ؟ استغربت لسؤاله كأني اسمعه للمرة الأولى ، وكان بودي أن أقول له إنني أفكر بكتابة قصة عن رجل يسافر كثيرا بين البصرة وبغداد ، منذ سنوات وسفره مستمر بحكم عمله – ص 39 ) .                                                  ولا نعلم حتى نهاية القصة من هو الذي سأل الراوي عمّا يفكر فيه هذه الأيام . ولا يأتي جواب الأخير مباشرا على السؤال ، بل التفافيا مربكا ” كان بودّي … ” ، وكأن السائل طرح سؤاله ومضى ، أو أن شيئا ما يمنع الراوي عن الإجابة . وهذه عادة لؤي دائما ، فهو يشوّش المسار ” المستقيم ” للوقائع ، ينحرف بها عن الطريق الذي يتوقعه القاريء ، يفاجئه ، بل يشاكسه ، يجعل الاحتمال الواحد ينفتح على احتمالات متعددة بعضها متضارب ، يقلق الرد المنتظر بحركة بسيطة تحوّله إلى مصدر للاستفهام والإقلاق . وفي العادة يتم هذا الإرباك بحركة بسيطة ، بمفردة وواحدة : بودّي ، ربّما ، إن … أو ، سوف ، سين الاستقبال … وغيرها . وفي أغلب الأحوال ينجز مهمة هزّ اليقين من خلال الكلام على الحدث كمشروع مستقبلي : أفكر في .. ثم التحوّل إلى السرد بصيغة الزمن الماضي وكأن الحدث قد وقع فعلا . فبعد أن جاءت الإجابة عن سؤال التفكير شبه مجهضة في اتجاهها نحو مصدر التساؤل الغائب يمضي الراوي في شرح تصوره عن القصة التي يفكر بكتابتها عن الرجل الكثير الأسفار الذي ( غالبا ما يسافر مرة كل أسبوع ، وفي أسابيع متباعدة يسافر مرّتين ) . وبعد أن يشرح طبيعة السفرتين بشكل هاديء يستدرجنا به نحو الاطمئنان ويخدر توقعاتنا ، إذا به يفجر في وجوهنا ، ووسط الحضور الساكن ، قنبلة مفاجأته الصاعقة :                                                                                                        

( لكنه في آخر سفرة له وقبل الدخول إلى بغداد بكيلومترات قليلة يُذبح على جانب الطريق – ص 39 ) .                                                                                    والقاص دقيق دائما في انتقاء المفردة المناسبة كما قلنا لأنه سيؤسس على رهافتها البناء اللاحق من ناحية ويتحكم باستجاباتنا من ناحية أخرى ، ولهذا اختار الفعل ” يُذبح ” وليس الفعل ” يُقتل ” لأن الأول فيه درجة عالية ونوعية من تأكيد الفعل أولا ، ولأن هذه الطريقة الشنيعة كانت هي المعتادة في تصفية الضحايا على طريق البصرة – بغداد وفي ذلك المكان الذي حدده القاص بالذات . وأي محاولة ( إحيائية ) بعد واقعة الذبح ستجعل البون الصادم شاسعا ، وهو ما صمّمه الكاتب في حركة فنطازية شديدة الغرابة والإحكام من دونها لا معنى فنيا لما سرده حتى الآن ، وهذا هو ما نسميه بالحبكة . فعلى رأي أحد النقاد الإنكليز فإن قولنا : ” مات الملك ثم ماتت بعده الملكة” هو خبر أو حكاية موجزة ، لكن قولنا : ” مات الملك ولا نعلم لماذا ماتت الملكة بعده بساعات قليلة ” هو حبكة . هنا يدخل عامل التوتر والتساؤل والروح الملغزة وانفتاح دائرة التوقع . ولؤي يدرك أن قوله : ( رجل يسافر كثيرا بين البصرة وبغداد .. ولكنه في آخر سفرة له يُذبح على جانب الطريق ) هو خبر قصصي أو حكاية موجزة في أفضل الأحوال رغم أن استخدام الفعل المضارع بإيحاءات استمراريته ومضامينه المستقبلية يشي أيضا بعدم التحقق النهائي ويضفي عليه مسحة ملغزة . ولهذا يسارع فورا إلى الإيغال المدوّي في خرق دائرة التوقع ، فالرجل الكثير الأسفار يرى نفسه في لحظة الذبح :                                                  ( وتلك مفارقة القصة فهو يواصل رؤيته حتى بعد أن يذهب القتلة مخلفين جثته بين جثث كان قبل وقت يتحدث مع أصحابها وهم يستمعون ، من دون اهتمام يُذكر ، لأغنيات وتعليقات الراديو – ص 39 ) .                                                             وفي هذه الحركة الفنطازية المرعبة يكمن سرّ الإبداع كلّه في كونه محاولة دفاعية مستميتة بوجه الموت ، وعدم التسليم بحقيقة أننا ” نُذبح ” ونروح . هناك فعل ما بعد الموت يقوم به المبدع ، وهناك قدرة على ” التلاعب ” بتوقيت الموت وشكله وهما عاملان هائلان في تحديد الإنرعاب البشري من تجربة الموت الوجودية ، فنحن لا نستطيع تحديد موعد موتنا ولا شكله . المثكل في الواقع مباغت دائما وهو الذي يحدد مقتربات هجومه الكاسحة . وهذا ما تعكسه ملاحظة القاص من أن الجثث الذبيحة كان اصحابها يتحدثون مع صاحبنا ويستمعون إلى المذياع بلا مبالاة قبل مدة وجيزة . لكن المبدع  يحيي الموتى ، وها هو يُنهض الرجل الذبيح الكثير الأسفار من وسط المجزرة :                                                                                                      ( كانت الجثث مفصولة الرؤوس ، رؤوس بعضها (مفتوحة الأعين) ، وقد بدأت

أعينها تكتسي بطبقة من سائل كثيف البياض . فتح عينيه وقد تصاعد في فمه طعم التراب المالح ، وضع يديه على الأرض ونهض وفي رأسه غير المفصول عن جسده ، مازالت الأصوات تتردد مختلطة بشخير الأجساد وهي تُذبح – ص 39و40 ) .                بعد الموت تنفتح أعين البشر عند لؤي على سعتها في نظرة نهائية بسعة السماء ، نظرة مفتوحة على الحد النهائي للعبور من دائرة الوعي المنخذل الذي اعتاد على إغماض العينين إلى دائرة نهائية ” لاشعورية كونية ” تبحلق في عيون وجودنا المرتجف بجسارة ، حد نهائي تعود فيه الحياة إلى لاعضويتها الأولى التي بدأت منها ( من التراب جئت  وإلى التراب تعود ) ، عودة هي في الحقيقة المآل النهائي لكفاح غريزة الحياة كلّه ، عودة ننتهي ( أو نبدأ ) بها عند خط المصير الحيواني الذي تؤشر طبيعته المشتركة طبقة السائل كثيف البياض الذي نراه عادة وقد كسى عيون الحيوانات الذبيحة . وفي إشارة بسيطة ( .. رأسه غير المفصول عن جسده .. ) يعيد القاص أقدام فنطازياه التي كان من الممكن أن تحلق بعيدا .. بعيدا في سماوات الخيال القصية إلى أرض القصة ، أرض ” واقعها ” ، لأن أرض واقع القصة تختلف تماما عن أرض واقع الواقع . وقف صاحبنا المذبوح جزئيا – وقد نكون نسينا بفعل مهارة القاص التغيبية أنه ذُبح – وصارت السيارات تمر به مسرعة دون أن تتوقف ، وركابها يقطعون أحاديثهم وينظرون إلى المجزرة البشرية والجثث مقطوعة الرؤوس . وكان يؤلمه أن المسافرين سوف يتلاعبون بحكاية الواقعة ، يضيفون أو يحذفون أو يحورون فيحكون واقعة أخرى لا تشبه واقعته :                                        ( ما كان يحزنه هو أن يرى نفسه ميتا في حكايات كثيرة تختلف كل منها عن الأخرى حتى لكأنه يموت في كل حكاية ميتة جديدة – ص 40 ) .                                   وهذا الذي يُحزن بطل القاص هو الذي يفرحنا كمتلقين أو شهود واقعة المذبحة ويهدهد مواجعنا . وهذا هو الذي يكمن وراء فلسفة فن الحكاية ، فهي التي تتيح لنا أن ننسج حكاية موتنا ( من خلال اللعب على خيوط نسيج حكاية موت غيرنا – آخر – ) والتحكم بإخراجها موفرة لنا الإحساس برهاوة التحكم بشكل الموت إن لم يكن بتوقيته . وأمام هذا التضارب في صياغة ميتاته ، يقرّر الرجل الذبيح جزئيا أن ” يكتب ” حكاية موته بنفسه . فينفض التراب عن نفسه وينطلق ماشيا بخفة وسط الطريق ، إلى يساره سيارات البصرة المتجهة إلى بغداد ، وإلى يمينه سيارات بغداد النازلة إلى البصرة . ها هو ” ينزل ” عائدا إلى بيته / مكافيء الرحم الأمومي ، وحسب ” أوتو رانك ” فإن الموت نفسه يمثل عودة نهائية إلى هذا الفردوس الهانيء ، في مشهد يعجز عن تصميمه أكثر مخرجي لأفلام الرعب مهارة . فها هو يركض م والحز الداكن في رقبته وركاب السيارات المنطلقة غير مصدقين ما يرونه :                           

( يطلق بعض السائقين منبهات سياراتهم ويزيدون من سرعاتها محاولين مجاراة خطواته مما يزيد من حماس الركاب فينزلون زجاج النوافذ وينادون ، لكنه لم يكن يعبأ بما يحدث ، كان يفكر أن بإمكانه قطع طريق الساعات الست بأقل من ساعة واحدة وربما أقل من ذلك إذا ما حاول أن يمد خطواته أو يهرول على نحو خفيف ليصل إلى المنزل . سيجد الباب مواربا وستكون زوجته في المطبخ ، يسمع طقطقة القدور وهي تفتحها لتتأكد من نضج الطعام وتعيد إغلاقها بعد أن تدق ، كعادتها ، على حافة كل قدر بالملعقة ، تنادي : هل عدت يا ماما ؟ معتقدة أنه الصغير وقد عاد من المدرسة – ص 40 ) .                                                                             ولا أحد يستطيع اللحاق برجل ذبيح مفتوح العينين مرة واحدة وإلى الأبد ، فإغماض العينين يعوق الانطلاقة العزوم التي تأخذ تعجيلها النفسي المناسب من لحظة الرؤية الصافية للنهاية المحتومة ، والتي تحولت من قدر مرسوم على يدي الله إلى نهاية مصنّعة على أيدي الإنسان حين يمسي قاتلا مسعورا . إن انطلاقة الرجل القتيل الخارقة لكل المواضعات الفيزيائية المجمع عليها هي درس في ” فتح العينين ” على الطريقة التي يتحدى بها الإنسان النهاية التي يرسمها له القتلة في توقيت وشكل لحظة ” إغماضه عينيه ” الأخيرة . فالفارق جسيم بين ميتة الخراف على قارعة الطريق العام بعيون بليدة مشبوحة يغطيها السائل الأبيض كثيف البياض كأنه كناية ( والكِنّة في اللغة البياض ) عن غلق بصيرة الوعي المنرعب ، وبين ” ميتة ما بعد الموت ” التي ” يقدرها ” المبدع الخالق . ميتة تتم في أسمى صورها في دفء البيت ومهابته وعلى السرير الرحمي الشخصي . ميتة تأتي كجزء من سياق الحياة اليومية الرتيب والذي يصبح جارحا حين نستذكره ” بعد الموت ” مثل دق الزوجة الملعقة على حافة قدر الطعام ، أو نداء الأم على صغيرها : هل عدت يا ماما ؟ . وتناشز السؤال الأخير النابع من الاختلاف ” الحجمي ” والعمري بين الطفل المتوقع من قبل الأم ، والزوج – الرجل الذبيح – الذي نعرفه نحن يخلق مفارقة موجعة في صدمة الانتظار التي ستتلقاها الزوجة / الأم التي لم متسمع جوابا وبقي سؤالها معلقا في فضاء المطبخ لأن الرجل – وبدراية القاص وحكمته – يصر على استكمال إخراج نهايته وبعيون مفتوحة لا يهم الآن – بعد أن تختم وفق مشيئته – أن تكتسي بطبقة السائل كثيفة البياض :                                                                                                          ( في الغرفة يخلع حذاءه ثم يفتح أزرار قميصه ويرميه على الأرض ليتمدد على السرير وقد بدأ القطع أسفل رقبته أقرب في دكنته إلى السواد . ستدخل زوجته الغرفة ومازالت رائحة الطعام عالقة بثيابها ، تنظر نحوه فيفزعها أنه يحدق باتجاه السقف وقد بدأت عيناه تكتسيان بطبقة من سائل كثيف البياض – ص 41 ) .                         

ومنذ اقتراب الرجل محزوز الرقبة من البيت يبدأ القاص باستخدام الأفعال مرتبطة بحرف ” سين ” الاستقبال : سيجد الباب … ستكون زوجته .. ستدخل زوجته .. وهي – كما قلنا – من السمات الأسلوبية للؤي ، وقد يكون محكوما نفسيا وإدراكيا في استخدام السين التي تكون مدة الاستقبال معها – لغة – أضيق منها مع ( سوف ) ، وذلك لأن الشوط الأوسع المديد المتمثل بالإنطلاقة من موقع المذبحة إلى البصرة قد انتهى وظل الشوط القصير المتمثل بدخول البيت والضجعة الختامية . والسين أيضا توصف بأنها حرف ( تنفيس ) لأنها تنقل الفعل المضارع من الزمان الضيّق وهو الحال إلى الزمان الواسع وهو الاستقبال . وبعد أن كان الرجل الذبيح مكتوم الأنفاس وكأنه مغلق العينين في رحلة موته – أو ما بعد موته – الفعلية يتمدد على سريره في ميتته الثانية ويسترخي و ( يتنفس ) ويفتح عينيه إلى الأبد .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *