غانم العقيدي: كنا في مقهى محمود (4)

قرار نجاح التأميم
في 1/3/1973 اعلن العراق عن نجاح قرار تأميم النفط ، واصبح العراق سيد ارضه ونفطه بالتوصل على اتفاق بين الحكومة العراقية وشركات النفط، بأن تقوم الحكومة العراقية بتزويد شركات النفط بـ1مليون طن، أي ما يعادل 110 مليون برميل من نفط كركوك بمعدل واحد ونصف طن شهريا بدون ثمن او تكاليف كتسوية شاملة ونهائية عن كافة التعويضات وقد قدرت مبالغ التعويض بـ300مليون دولار.
خرجت الجماهير في بغداد والمحافظات للاحتفال واذيعت البرامج المختلفة من الاذاعة والتلفزيون حول نجاح عملية تأميم شركة نفط العراق واعتبار ذلك انتصاراً للعراق على شركات النفط العالمية التي طالما كانت تملي شروطها التعسفية في الحصول على امتيازاتها النفطية، وتعنتها المستمر برفض حق العراق المشاركة برؤوس أموالها بنسبة20% ، كما قامت الصحافة بنشر مقالات عن التاميم وعن الكوادر العراقية.
كانت وجوه رواد المقهى ذلك المساء فرحة ومبتهجة، وقد انتابها الانشراح بأن الازمة التي كان يعيشها العراق قد انتهت، وان عهداً جديداً ينتظر العراق والعراقيين، يبشر بالخير بعودة ثروة البلد الى اهلها.
بعد ايام عدة على اعلان العراق الانتصار على شركات النفط الاحتكارية، والاحتفالات التي رافقت الاعلان مازالت مستمرة، نقل التلفزيون لقطات عن الحفلة الكبيرة الذي اقامتها الشركة العراقية للعمليات النفطية لموظفيها وعمالها وعوائلهم على حدائق نادي موظفي الشركة الغناء المحيطة بالمسبح في منطقة (بابا) السكنية وحضر الحفلة كبار المسؤولين والموظفين، وقد احيا الحفلة كثير من المطربين العرب والعراقيين ومنهم الفنانة السورية دلال شمالي، والمطرب العراقي فاضل عواد الذي غنى اغنيته المشهورة لاخبر لاجفية لا حامض حلو لا شربت.
في عصر احد الايام طرق باب بيتنا الحاج عامر الذي فاجأني وفي الحقيقة اخافني لإنه لم يقف ببابنا ولم يدخل بيتنا من قبل، الا بمناسبة العيد لمعايدتنا والسلام على ابي، اعتذر الحاج عامر عن الدخول قائلاً وهو يدلعني:
حسون انا قررت اقامة حفلة في المقهى يوم الخميس وعلى حسابي الخاص بمناسبة نجاح عملية تاميم النفط، لهذا جئتك وارجوك ان تلبي طلبي بجلب البيانو الى المقهى والعزف عليها، وسيقوم مطربي الحي باحياء الحفلة، وقد وافقوا على ذلك بعد ان عرضت عليهم طلبي باقامتها.
فوجئت بالحقيقة بطلب الحاج عامر وببديهية سريعة اجبته:
انا اسف ياعم لا استطيع ان البي طلبك:
أولاً: ان البيانو عائدة لأمي، وثانياً لا تتلاءم البيانو مع الحفل الشعبي الذي تريد اقامته، وتستطيع ان تتفق مع احد الفرق الموسيقية الشعبية المنتشرة في منطقة الدواسة لاحياء الحفلة، بآلاتهم المناسبة كالدف والرق والكمان.
اقتنع الحاج عامر بوجهة نظري، وقرر الذهاب الى منطقة الدواسة وهي احدى مناطق الموصل التي اغلب روادها من الشباب تمتاز بكثرة محلاتها المختصة بالملابس الرجالية والاحذية والمستلزمات الرياضية ونوادي الرياضة والمقاهي والسينمات وفرق الموسيقى وتكاد تخلو من النساء للإتفاق مع احدى الفرق.
كان لطلب الحاج عامر مني جلب البيانو والعزف عليها قد بين لي عاطفية وسطحية هذا الرجل ولم اظنه من قبل غير ذلك.
يقع مقهى محمود في زاوية تطل على شارعين، احدهما الشارع العام لطريق بغداد الموصل بعد قنطرة القطار مباشرةً ، والاخر يمثل احد المداخل الفرعيه الى الحي ويحتل المقهى ركناً صغيراً من بناية صغيرة وموقعاً ممتازاً لمن يريد ان يستمتع برؤية باصات النقل العام المسماة بدك النجف، وهي باصات ملونة بألوان زاهية فضلاً عن باصات كبيرة حديثة تقوم بعض الشركات المعروفة كالانكرلي والعكيلي وغيرها، تحمل المسافرين من الكراج الكبير الموجود في منطقة باب الطوب الى بغداد وبالعكس فضلاً عن سيارات التاكسي وسيارات الميني باص من نوع الجمسي ويمرعبر الشارع كذلك سيارات النقل الأوربية القادمة من تركيا ورومانيا وبلغاريا وهنكاريا وغيرها من الدول الاوربية وقسم من هذه الشاحنات قد يحمل بضاعته الى العراق، وقسم يمر عبر الترانسيت الى دول الخليج، وكانت حركة النقل هذه حركة دؤوبة ومستمرة ليلا ونهاراً. وقد تعودنا نحن رواد المقهى الاختلاط ببعض من سواق الشاحنات الاوربية التي يتوقفون للاستراحة في المقهى لتناول القناني الغازية، وكنا نجد صعوبة حقيقية في التفاهم الا بالاشارة لأن معظمهم لا يتكلمون اللغة الانكليزية، وهم من بلدان شرق اوربا كرومانيا وبلغاريا وهنكاريا وكان ابو شكيرة يتمازح معهم ببعض الكلمات التي تعلمها من هنا وهناك، كهلو وثانكيو وجاو وغيرها ويمزجها باللغة العربية، وكان قسم منهم يعرض بعض البضائع لبيعها مثل البطانيات وبناطيل الجينز وانواع الحلويات وغيرها، وكانت بضاعتهم تلاقي اقبالاً من قبل رواد المقهى وما يجاورها وكان الشباب يلجأون الى شراء بناطيل الجينز المرغوبة، وذلك لان سعرها اقل بالنصف من سعر السوق بينما يلجأ الأهالي الى شراء البطانيات واطارات السيارات وبعض الحلويات والاشياء الأخرى.

*****

الكنديون
في ظهيرة يوم الخميس الاخير من شهر آب التأم اعضاء الفريق لمناقشة مباراتنا التي سنجريها مع فريق محلة الطيران الاعتماد عصر يوم الجمعة وبعد ان استعرض المدرب حمدي استعدادات الفريق والعمل على اكمال عدده وابداء توجيهاته حول كيفية مواجهة ذلك الفريق الذي يعرف فريقنا عنه الكثير لاننا نتدرب في ملعب واحد هو ملعب الطيران، خرجت انا للجلوس مع مجموعة من اصدقائي على المصاطب الموضوعة على رصيف المقهى، عندما توقفت سيارة صغيرة من نوع رينو نزل منها ثلاثة من الشباب الاجانب عرفناهم من هيأتهم ومن ملابسهم غير العادية.
جلس الشبان الاجانب على احد المصاطب بجانبنا بعد ان القوا تحيتهم المعتادة هلو وخرج ابو شكيرة العتيد على طريقته الخاصة بكلمة هلو وكود مورني ثم تحول الى الكلام بالعربية الممزوجة بلغة الاشارة وسألهم:
ماذا تشربون ؟
لم يتلق ابو شكيرة جوابا سريعا، بعدها بدأو يتكلمون وابو شكيرة واقفا لا يدري ما يفعل عندها تدخلت أنا وسألتهم بالانكليزية عما يقصده ابو شكيرة.
قال أحدهم:
هل بالامكان الحصول على البيرة؟
فاجبته:
لا يوجد بالمقهى سوى المشروبات الغازية والشاي.
قال:
بعد ان تداول مع اصحابه انهم يريدون كوكا كولا.
قلت:
ان الكوكا كولا ممنوعة هنا في العراق.
قال:
ما المانع؟
قلت:
انها شركة تتعامل مع اسرائيل وقد اقر مكتب مقاطعة اسرائيل عدم التعامل معها.
قال: اذن ببسي كولا
لم نتعود في المقهى بالحقيقة لقاء مثل هؤلاء الشباب المغامرين ان صح التعبير وكل ماكنا نراه من الاجانب هم سواق شاحنات الترانزيت.
سألهم صديقي مدرس الجغرافيا نبيل، العائد للتو من بغداد بعطلة الخميس والجمعة، والذي يعد لدراسة دبلوم التربية في الجغرافية بعد البكالوريوس في جامعة بغداد مرحباً بهم عن بلدهم؟
قال الذي طلب الكوكا كولا واسمه روجيه:
انهم من كندا ومن مقاطعة كيبك.
واصبنا جميعا بالدهشة عن كيفية وصولهم الى الموصل، قال نبيل متعجباً:
كيبك انها المقاطعة التي تتكلم الفرنسية كلغة رئيسية الى جانب الانكليزية، واضفت انا لقد حدثت فيها اضطرابات تنادي بالانفصال عن كندا على اعتبار انها مقاطعة فرنسية وقد اكتشفها الفرنسيون وما الى ذلك.
تفاجأ الشباب الكنديون بالمعلومات التي نملكها عن كيبك، وعن سكانها وعن الاضطرابات التي حدثت فيها، وكيف يكون لهذا المقهى البسيط والبعيد عن مركز المدينة، أن يكون فيه هذه النخبة من الشباب المثقف ويمتلك هذه المعلومات عبر وسائل اخبارية بدائية كالراديو.
قال نبيل بعد ان تم تعارفنا:
كيف وصلتم الى هنا من كيبك؟
اجاب روجيه وهو الذي كان يقود:
انها رحلة متعبة طويلة استكشافية وسياحية والاهم من هذا انها رحلة دراسية لكنها جميلة جداً تعرفنا بها على كثير من الحضارات للدول التي مررنا بها وقد استفدنا استفادة قصوى وخاصة صديقي شارل فهو يدرس لتقديم رسالته في الماجستير عن طرق وبحار وانهار وتضاريس اوربا، واتصالها وفواصلها بين اوربا والشرق الاوسط الجغرافية وقد دون شارل وصور اغلب الاماكن والمعالم الحضرية لتلك الدول التي مررنا بها، اما صديقي لا فاييت، فهو يدرس الموسيقى الشرقيه في المعهد العالي للموسيقى وهو يعزف العود والزرنا والكمان.
ركبنا الطائرة الى فرنسا وبقينا يومان فيها نتجول في معالمها برج ايفل ومتحف اللوفر وشارع الشانزليزيه، ثم ابتعنا هذه السيارة وعبرنا بها عبر الطريق البري الى المانيا الشرقية والى تشيكوسلوفاكيا ثم هنغاريا ورومانيا وبلغاريا، وأخيراً تركيا التي هي المحطة المهمة في رحلتنا لانها تخدم تطلعات شارل في دراسته حيث تتصل اسيا بأوربا فيها، وكذلك تعدد منافذها البحرية على عدة بحار مشتركة بين اسيا واوربا، وكانت ذات فائدة عظيمة لشارل، حيث اتيحت له الفرصة للتعرف الى المجتمع التركي وعلاقته بالشرق والغرب، وللافايت الذي يحضر لدراسة الموسيقى الشرقية وخاصة التركية، وقد اخذت منا زيارة استانبول عدة ايام حضرنا فيها عدة حفلات موسيقية، كانت من الروعة بمكان وقد قام لافاييت بمشاركة بعض الفرق الموسيقية التركية العزف، وقد افردت له فقرة للعزف المنفرد الذي اجاده بتصفيق الجميع، ثم التفت الى لافاييت ليسأله عن المقطوعات التي قام بعزفها؟
قال لافاييت انها معزوفة اغنية الفنانة اللبنانية من اصل شركسي طروب (جوخ بحبك جوخ و ياستي ياختيارة) قبل ان ندخل العراق عبر معبر ابراهيم الخليل وها نحن هنا معكم.
قلت :
ان كندا بعيدة ونحن نقرأ عن كيبك وتطلعاتها وسعيها للاستقلال عن كندا.
قال نبيل:
انها من محاسن الصدف ان تكون استراحتكم هنا في هذا المقهى الشعبي، وانا وأصدقائي من السعادة بمكان بتعرفنا عليكم، ثم قدم نفسه على انه مدرس وكما شارل حاصل على شهادة في الجغرافية وهو على وشك الانتظام لدراسة الدبلوم في بغداد، ويسعى أيضاً لإكمال دراسته في الخارج اذا ما حصل على قبول من الجامعات الاجنبية.
قال شارل:
اذا كنت ترغب بالدراسة في كندا، فإن كلفة الدراسة غالية وغير مدعومة، الا اذا كانت على حساب حكومتك وقبل التقديم ستحتاج شهادة لاثبات اجادتك اللغة مثل التوفل مع لزومك بتقديم اثبات لآخر دراسة درستها هنا في بلدك العراق، او في أي بلد درست فيه، على ان تكون مصدقة من وزارة خارجية بلدك، وستذهب مستمسكاتك الى الجهة التي ستعادل شهادتك.
قال نبيل:
من المهم جداً ان تكون دراستي باللغة الانكليزية، لأننا هنا في العراق ندرس بصورة اساسية اللغة الانكليزية منذ مرحلة الابتدائية.
قال شارل :
هناك نوعان من الدراسة في اللغتين الفرنسية والانكليزية، وهناك بعض الجامعات تتيح لطلابها اختيارالدراسة وفق اللغة التي يرغب بها الطالب من أي اللغتين، ثم ان هناك مدناً لغاتها الرسمية هي الانكليزية والفرنسية، والجامعة التي ستلبي رغبتك هي جامعة مكغيل في كيبك وتعد حالياً واحدة من أعرق الجامعات، والطلاب والطالبات الأجانب يمثلون خمس مجموع الطلبة. وتتميز الدراسة فيها باللغتين الانكليزية والفرنسية، وتعتبر الجامعة من الجامعات الكندية المرموقة، ولديها معايير قبول عالية إذا ما قورنت بجامعات كندية أخرى لدرجة إعطائها لقب “هارفارد الكندية” لتميزها وعراقتها في المجالات البحثية.
وتمتاز بأبحاثها المتميزة ،الحائزة على العديد من الجوائز العريقة في شتى المجالات البحثية، وتنتمي الجامعة للعديد من المنظمات البحثية، سواء داخل كندا وفي العالم، بما في ذلك الجامعة بشتى كلياتها وهي ضمن الجامعات 50 الأوائل في التصنيف العالمي والإقليمي وعلى مستوى العالم..
وعلى كل سوف ارسل اليك التعليمات بصورة مفصلة.
جاء ابو شكيرة لأخذ الفوارغ ، وهو يلّعب شاربه الكث يميناً ويساراً مع ابتسامة الانشراح عندما يريد ان يمازح معلقاً:
هلو هلو ثم سأل نبيل:
ما أخبار الجماعة ؟ يقصد الكنديون
قال نبيل مازحاً ايضاً:
إنهم فرقة موسيقية شرقية
قال ابو شكيرة:
هل عندهم آلات موسيقية؟
قال نبيل :
نعم
مازح ابو شكيرة الكنديين بالاشارة وهو يعزف بيديه كانه يعزف بالكمان.
ضحك الشباب الكندييون وقام لافاييت الى السيارة وجلب الكمان وبدأ بعزف موسيقى تركية من اجمل ما يكون وبدأ رواد المقهى بالخروج لمشاهدة العزف، ثم غير لافاييت عزفه الى اغنية طروب جوخ بحبك جوخ وسط تصفيق الجميع، ثم قام ابو شكيرة بوضع قدح الشاي في وسط رأسه وهو يتمايل يميناً ويساراً هازاً بكرشه المتدلي، ويلعّب شاربه بصورة عجيبة، فقام روجيه وجلب كامرة حديثة متطورة، تختلف عما كنا قد عرفناه عندنا من الات التصوير، وبدأ بالتقاط الصورللجمهرة التي تجمعت لمشاهدة وسماع العزف، ثم التقط عدة صور لمحمود وهو يهز بكرشه بين الجمع وقدح الشاي على رأسه.
ظل لافاييت ينتقل من عزف الى آخر ولم يتوان بعض الشباب من القيام بالرقص، مع انشراح الجميع والتصفيق الحاد للافاييت بعد ان انهى العزف.
أخيراً قام روجيه بنصب الكامرة لالتقاط صورة تذكارية جماعية لنا انا ونبيل وبقية الاصدقاء معه ومع رفاقه. غادر الكنديون المقهى بعد ان قمنا بتوديعهم وقد تبادل نبيل معهم العناوين وقد اعطى عنوانه الى شارل (العراق، موصل، وادي حجر، مقهى محمود).

*****

بغداد
بعد نجاح عملية تأميم النفط، اعدت الحكومة برامجها المتعددة في مجمل نواحي الحياة للنهوض بالبلد من الواقع المتاخر الذي كان يعيشه شعبه، فبدأت بالتوسع باقامة المشاريع العملاقة ضمن تخطيط مبرمج اعدت له الدراسات والتصاميم وكذلك قامت الحكومة بخلق وظائف شملت كافة الخريجين العاطلين عن العمل، لزجهم في تلك المشاريع التنموية المراد منها السير بالعراق الى نهضة شاملة في كل المجالات وشملت كل المحافظات.
ارسل لي رياض ابن خالتي رسالة، يطلب مني فيها تجهيز اوراقي الرسمية ووثيقة التخرج وطلب مني الحضور الى بغداد، لغرض تعييني في احدى الدوائر التي اصبح فيها زميل لوالده مديرها العام، وبعد ان فُتحت ابواب التعيينات على مصراعيها وفي كل الاتجاهات.
أعلمت امي بالموضوع الذي اسرها جدا قائلة:
انه لأمر مفرح ان تنتظم بوظيفة بعد هذا الانتظار الطويل لتقطف ثمرة جهودك مبروك لك وظيفتك، وهي خطوتك الاولى على الطريق اتمنى لك الموفقية فيها لبقية حياتك، وكم كنت اتمنى ان يراك ابوك الآن لو كان حياً ثم قامت تبكي مرة أخرى واخذتني بالحضن قائلةً:
انها فرصة ايضاً لنسافر فيها سويةً، فإني بأشد الشوق الى رؤية خالتك نسيمة واولادها.
رافقتني امي في سفرتي الى بغداد لرؤية خالتي واولادها ولخوفها من احساسها المفاجئ بالوحدة لرحيلي بعد موت ابي.
استلمت امانة الصندوق في المؤسسة التي عينت فيها بجانب الكرخ من بغداد طبقاً لاختصاصي في مجال العلوم المالية، بعد ان قابلتني لجنة التعيينات بأمر المدير العام ووافقت اللجنة على تعييني، وقدمت موافقتها الى المدير العام الذي استدعاني الى مكتبه ورحب بي ترحيباً حاراً وخيرني بين البقاء للعمل معه في بغداد أو العودة الى الموصل للعمل في فرع الدائرة هناك، ثمّ استدرك قائلاً: سأبقيك هنا للتدرب على اعمال المديرية لفترة زمنية، ومن ثمّ لك الخيار في البقاء أو العودة وحملني تحياته الى زوج خالتي.
عدت الى بيت خالتي وانا منشرح وفرح بتعييني، وبالمقابلة التي استقبلني بها المدير العام ونقلت تفاصيل تعييني الى بيت خالتي، وكانت امي فرحة ايضاً وهي في بيت اختها التي لم ترها منذ وفاة والدي وقد نقلت تحيات المدير العام لزوج خالتي واخبرته عن موضوع تخييري في البقاء في بغداد للتدرب، او المباشرة في الموصل كما نقلت له انني اخترت ان ابقى للتدرب والاستفادة ومن ثم اعود الى الموصل.
كعادتها ابنة خالتي ليلى التي تعمل معيدة في كلية الاداب، التي تخرجت منها في قسم اللغة الانكليزية كانت تهتم بنا وبالاخص بأمي وتحرص على راحتها والتفنن بتقديم وجبات الطعام المختلفة، وكم تمنت امي في كل مرة ان تعيش بجانب اختها نسيمة لولا ارتباطها بوظيفتها وقد سبق وان المحت لي انها وبعد احالتها على المعاش، ستعمل اذا وافقتها انا على الانتقال الى بغداد والعيش الى جانب خالتي في الملحق السكني لدارهم.
انتظمتُ بالعمل بالدائرة وكنت انقل تفاصيل اليوم الذي اقضيه في الدوام لأمي والى بيت خالتي، وبقيت امي بضعة ايام ثم قمنا انا ورياض بمرافقتها الى الكراج واركبناها الحافلة المتجهة الى الموصل وهي تذرف الدموع وتوصي رياض ان يهتم بي.
أخترت فندقاً قريباً من الدائرة ومع ان خالتي لم تتقبل فكرة الفندق هي وبقية افراد العائلة ولكني اصريت ان اذهب الى الفندق لياخذ كل منا استقلاليته، ووعدت خالتي اني ساكون عندهم في كل يوم اثنين وجمعة.
لفت شكلي وهيئتي الكثير من منتسبي دائرتي واغلبهم من النساء الموزعين على مقاعد الدائرة وكأنهن زهرات جميلات بهيأتهن الملونة المحببة التي اشعرتني بالفرق بالعالم الجديد الذي انا فيه.
كانت بغداد العاصمة الزاهية والحبيبة الفاتنة التي استلمت وظيفتي فيها تضج بالناس وتنبض بالحياة ويسمو عمرانها الزاهي وحواضرها الممتدة من اقصى شمالها الى اقصى جنوبها ومن اقصى شرقها الى اقصى غربها. لا وجه للمقارنه بين العاصمة بغداد وبين مدينتي. فهنا المجتمع منفتح ومتحرر ومبادر عكس مدينتي المحافظة وبما اني لم احقق أي من رغبات المرحوم ابي او امي فيما كانا يخططاه ويتمنياه لي فقد احسست وانا في العاصمة باني في عالم آخر بعيد كل البعد عن حياتي السالفة واتخذت قراري على ان اتكيف مع الوضع الجديد واتقبله على ان احافظ على ثوابتي فيما نشأت عليه.
الدائرة التي اعمل فيها كانت تعج بالحسان كما اسلفت، وكنت اسمع كثيراً من التعليقات من زميلاتي وزملائي بعد ان توثقت علاقتي بمرور الوقت حول هيأتي وخاصة من الزميلات المتزوجات وعروضهن باختيار احدى الموظفات او احدى البنات من معارفهن للزواج باحداهن، وكنت اتخلص من تلك الطروحات بلباقة ودبلوماسية.
كانت زميلتي والتي تسبقني بالعمل مدققة الحسابات الآنسة نادرة تأتي الى غرفتي في اليوم مرتين على الاقل، اولهما في الصباح في بداية العمل لتعطيني افتتاحية الصندوق والأخرى قبل نهاية الدوام لمراجعة حساب الصندوق مع المستندات وتثبيت الرصيد وكانت نادرة جادة وصارمة في تعاملها معي وتدقيقها لمستنداتي لكني لم اعر لذلك اهمية، لأني متأكد من سلامة اجراءاتي العملية فضلاً عن علاقتي بالمدير العام.
واظبت على زيارة بيت خالتي، في كل اثنين وكل جمعة، لكني كنت اتخلف بعض الأحيان حسب مزاجي والحالة التي اكون فيها وكلما اعود لزيارة خالتي، الاقي عتباً خفيفاً منها كما يلجأ رياض الى سؤالي عن عدم مجيئ؟ وإلى اين ذهبت؟ ويأخذني للطواف في بغداد وفي منطقتهم المكتظة في المأمون، ولم تكن ليلى التي اراها قد اكتنزت نوعا ما واكتسب لونها شيء من الحمرة الخفيفة وقد تورد خداها وتكور جسمها لتسالني لكنها وكالعادة كانت تحرص على ضيافتي باكمل وجه.
مع مرور الوقت بدأت زميلتي نادرة تخفف من صرامتها المعهودة وبدأ الحديث معها يأخذ منأى آخر خارج نطاق العمل.
نادرة شابة جميلة وأنيقة وجذابة لها عينان جميلتان ووجه مدور وخدان متوردان كانت نسائم عطرها الانثوي الراقي تثير فيّ عواطفي وهي الى جانبي تدقق مستنداتي فانتشي في داخلي واتمنى ان تبقى الى جانبي وكنت اتعمد ان اثير بعض الملاحظات المفتعلة حول العمل لإبقائها بجانبي مدة اطول احاول من خلال ذلك التقرب اليها باعتماد اسلوب المزاح المبطن المغلف بما أرمي اليه وكنت أتعمد أن ألمس أصابعها وهي تؤشر على الورق موضوعاً ما، وكانت نادرة تحس بذلك فتسحب يدها مع إبتسامة خفيفة ومع مرور الوقت استطعت ان اجذب زميلتي نادرة العصية.
لم اعد في المرحلة التي اعيشها هنا في بغداد افكر كثيراً في نهلة وكيف كنت مغرماً بها الى الحد الذي كان يؤرقني، لكنني وعندما اخلو في وحدتي وخاصة اثناء ذهابي الى الفراش تعود بي الذكريات الى امي وبيتنا وإلى حبيبتي نهلة وبداية علاقتنا البسيطة والمحبة والالفة التي توثقت بيننا وبينها وبين امي التي اعتبرتها كابنتها، مع ان امي كانت حريصة على ان لا تتمادى بالاختلاط العشوائي دون مواعيد محددة في زيارة الى احد او زيارة من احد لكنها اسقطت حاجزها هذا عن نهلة، وكنت انا في غاية النشوى بذلك ولم يحدث بيني وبين نهلة طيلة الفترة التي توثقت علاقتها بنا بعد كثرة ترددها على امي اكثر من المجاملة الحلوة التي تغلفها النشوى ونحن نلتقي تلك المشاوير القليلة وقد ولد لدي هاجس يوحي لي بأني سأرى نهلة في بيتنا، كلما دخلته لكن حاستي لم تصدق كل الاوقات التي تصورت فيها اني سأراها.
كما اعود بذاكرتي الى المقهى، وتجمعنا المسائي الجميل وجدالنا وضحكاتنا وتعليق الحاج عامر على ابي سامية، وتدخين ابو سامية الذي تضاعف بعد ان نجح العراق في تأميم النفط، الذي كان ابو سامية معارضاً له.
*****

….. يتبع

شاهد أيضاً

بعد فوات الأوان
تأليف: رياض ممدوح

مسرحية مونودراما ، عن قصة للكاتب العراقي انور عبد العزيز المنظر ( غرفة عادية قديمة …

رَجلٌ مِن فَيضِ السّمَاءِ
بقلم عبد اللطيف رعري
مونتبولي/ فرنسا

أنا رجلٌ من تراب من رمادِ الغاباتِ من وحلِ القُبورِ. .من خَليطِ الماءِ والزعفرانِ … …

ألـف هـايـكـو وهـايـكـو
(2) إيـسا (ياتارو كوباياشي 1763- 1827)
ترجمة: جمال مصطـفى

101 هواء ليلة تناباتا البارد / يدهن الخيزران بالندى * تناباتا مهرجان يقام سنوياً في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *