صورة البطل في رواية أم سعد لغسان كنفاني
الدكتور محمد حسين عبد الرحيم السماعنة
عمان – الأردن (ملف/22)

توطئة
في عام 1969سأل صديقٌ غسان كنفاني(1) وقد رآه يحمل السلاح :” يا غسان رأيتك تحمل ريشة ، ثم القلم ، والآن السلاح ، ماذا ستحمل في المستقبل ؟ فقال : أي شيء أستطيع به الدفاع عن النفس ، الريشة ، القلم ، السلاح ، أدوات أدافع بها عن نفسي ” (2). حمل غسان السلاح وكتب روايته في لحظة تاريخية فلسطينية بلغ فيها الكفاح المسلح ذروة من ذرى مجده ، وحقق فيها الفلسطيني الإنسان الكادح فعلا يشار إليه ويكلل بالغار لم يتوقعه كثير من مثقفي فلسطين ، فقد تحولت مخيمات اللجوء إلى قواعد شعبية للثورة المسلحة.ولدت أم سعد في تلك اللحظة التاريخية لتحمل النبض الحماسي الذي تركته الثورة والفعل الجهادي،”ولتمجد الإنسان الكادح وتستمد منه الحكمة والمعرفة ، هذا الإنسان الذي يحمل راية المقاومة ويستشهد من أجلها ” (3).
المقدمة
“تعد رواية أم سعد الحد الفاصل في كتابات غسان ما قبل 1967وما بعدها، إذ تحكي ما تحكيه من مواقف، وتكشف وتعري الواقع التاريخي والاجتماعي على السواء”(4)
تبدأ رواية أم سعد زمنيا بعد الهزيمة ، وتصل بنا إلى زمن انتشار العمل المسلح حين شكل ظاهرة جماهيرية لها قواعدها في المخيمات والجبال ،فهي تبرز الانقلاب الكبير الذي طرأ على الحياة الفلسطينية إثر نشوب المقاومة، وهي تقدمه عاموديا وليس رأسيا بمعنى أنها تبسط حالة ولا تنسج حبكة وهي تنتهي حيث تبدأ (5) ،. ومن هذا نفهم لم خط غسان كنفاني على بوابة روايته جملة حماسية يقول فيها:” إلى أم سعد الشعب والمدرسة “وجملا حماسية أخرى منها :” لقد علمتني أم سعد كثيرا ، وأكاد أقول إن كل حرف جاء في السطور التالية إنما هو مقتنص من بين شفتيها اللتين ظلتا فلسطينيتين رغم كل شيء، ومن كفيها الصلبتين اللتين ظلتا ،رغم كل شيء ، تنتظران السلاح عشرين سنة ” (6) .
أم سعد هي رواية الزمن الجديد في أبسط تجلياتِ تحوله (7) ،وهي رواية عن انبعاث الشعب الفلسطيني وقوة الحياة الكامنة فيه. تصور ” أثر الهزيمة في الجماهير الفلسطينية البعيدة عن أرضها والقابعة في مخيمات التشرد والعذاب “(8) وتتحدث عن الدور التعليمي الذي يقوم به الشعب والمعرفةِ الثورية التي يكتسبها المثقف منه؛ فأم سعد بطل الرواية ليست سوى أم واحدة من بين كثير من الأمهات اللواتي أرسلن أولادهن للحرب، فهي التي تلد الفدائيين الفلسطينيين لتأخذهم فلسطين .
بعيدا عن النقاشات التي أثارتها أم سعد حول تحديد شكلها الفني (9) إذ لا يقدم لنا غسان كنفاني في هذه الرواية حدثا واحدا متصلا بفرد وإنما يقدم مجموعة من الأحداث التي تخص شعبا ،وتشكل معنى كليا تصبُ لوحاتِ الرواية التسعَ فيه ،بعيدا عن كل ذلك النقاش نجد أن الاشتباك الفردي ” في رواية ما تبقى لكم يصبح جماهيريا وجماعيا في أم سعد 1969، فقد أدركت الجماهير أن خلاصها في الاشتباك الشامل مع العدو. وأدركت أن خيمة عن خيمة تفرق “(10) فعندما كتب غسان كنفاني روايته أم سعد “كان الوضع الثوري للشعب الفلسطيني قد نما بحيث لم يعد فيه مجال للبطولة الفردية ،وأصبح الشعب هو المدرسة وهو البطل .
أم سعد “رواية المرأة الكادحة في مخيم اللاجئين “(11) فهي تحكي قصة أم سعد المرأةِ الفلسطينية التي تسكن المخيم ، وتعيش من العمل اليدوي البسيط : الغسل ، والمسح ، وتنظيف البيوت مقابل ثمن بخس ليرات معدودات، وبيتها في المخيم طيني تغرقه مياه الأمطار دائما، وزوجها رجل محبط يعمل يوما ولا يجد عملا أياما فيجلس في البيت يراقب الحياة تمضي، وهو يفرغ إحباطه في معاملته الفظة القاسية لأهل بيته، ولكل من حوله، لكنه يتغير لما يرى ابنه سعيدا يتدرب على القتال ، ولأم سعد ولدان ؛ سعيد وسعد. يذهب سعد ليصير فدائيا بعد هزيمة 1967فلا نجد أم سعد تسكن الخوف عليه في قلبها ،وتنطلق من لسانها كل عبارات الفخر بهذا البطل وبفعله تنتظره وتتباهى به وتزهو وتفتخر . فهي حين تحكي للراوي المثقف عن التحاق ابنها بالفدائيين ويكون رد فعله باهتة متراخية تفاجئه بقولها وموقفها :” أتدري ؟ إن الأطفال ذل ! لو لم يكن لدي هذان الطفلان للحقت به ..لسكنت معه هناك . خيمة عن خيمة تفرق ” (12).
عاشت أم سعد لاجئة في المخيم بلبنان، ولم تفقد صبرها بعد الهزيمة التي أوجدت شريحة ثقافية يائسة ، وكانت تأمل أن ترجع إلى وطنها وأرضها لتتخلص من هذه الحياة القاسية التي جرفت إليها بعد بعدها عن أرضها وقريتها، وهي تشكك بالأنظمة العربية وجيوشها، وتعلق أملها على الفدائيين الذين تنجبهم وتربيهم ليحرروا فلسطين .
تنمو الأحداث في رواية أم سعد وتتطور بتتابع لوحات توافرت فيها السمات العامة للقصة القصيرة؛ الفورية والانطباعية والبساطة والموقف الأحادي، لتقدم لنا في النهاية عالما متكاملا، يتشكل من ضم هذه القصص إلى بعضها (13)”ويرى الدكتور شكري الماضي أن هذه الخلخلة ” دلالةٌ على الخلخلة التي أحدثتها الهزيمة في البناء الاجتماعي الاقتصادي وفي الفكر العربي عامة “(14)
تميز كنفاني بقدرته على رؤية الوطن من منظوره الخاص الذي يرى طبقات المجتمع الفلسطيني في تناقضاتها فيركز عدسته على من يحمل الهم والوجع ويتصدى للتغيير ، فهو يرى في المصلحة العميقة التي تربط بين الكادحين وبين الثورة ما يفسر اندفاعهم لحمل السلاح ، فهو منحاز للكادحين وواثق بإمكاناتهم . وتميز كنفاني بلغته الشعرية المكثفة ، اللغةِ التي تتحول في دلالاتها الطيعة في يده ليستخدمها كما يستخدم الرسام ألوانه بمهارة ورقة وفن، وهذا واضح في كلمات أم سعد الموحية الموجزة العميقة الدلالات ، الجميلة السهلة.
وتأتي هذه الدراسة غير بعيدة عن نتائج الدراسات الكثيرة التي تناولت أم سعد ، وإن حاولت أن تبحث عن زاوية لم تصلها أعين النقاد ولم تفتش عنها أقلامهم فهي تبحث عن حركة الجسد في رواية أم سعد، وتحاول أن تجيب عن أسئلة كثيرة علقت في الذهن منذ قرأها علينا أستاذنا عبد الرحمن ياغي حفظه الله .
الأسئلة :هل أغفل غسان كنفاني المرأة البطل، فرسم أم سعد مشدودة إلى الخدمة والتربية ،لا إلى الثورة وحمل السلاح(15) ، وهل نموذج المرأة البطل في رواية أم سعد لا يتعدى دور المساند الفاعل لولدها البطل سعد، وهل هو نموذج ،مع ما فيه من صفات إيجابية يحمل في طياته سلبية واضحة (16) ؟كيف صور كنفاني أم سعد ؟ ولم رسمها بهذه الصورة ؟
ولمحاولة الإجابة عن هذه الأسئلة جاءت هذه الدراسة حاملة مجموعة من العنوانات؛ الدراسات السابقة ، أم سعد والبطولة الإيجابية، أم سعد البطل المعلم، أم سعد البطل الرمز، أم سعد البطل المضمخ بالأرض، أم سعد بطولة الأم/ المرأة /الأنثى، لوحات حركة الجسد في رسم صورة البطل ، الخاتمة .

الدراسات السابقة
أثارت رواية أم سعد كثيرا من الأقلام فكتبت عنها وأبحرت بين سطورها ولوحاتها تحاول تلمس شخصياتها أو أبطالها فقد خصتها رفيقة البجوري بحديث جميل ممتع في كتابها الأدب الروائي عند غسان كنفاني ، ودرستها نهلة الحسنية دراسة مطولة في كتابها أم سعد من المرجع إلى النص،ونقدها إبراهيم خليل في كتابه في القصة والرواية الفلسطينية. وكذلك فعل إلياس خوري في تجربة البحث عن أفق مقدمة لدراسة الرواية العربية بعد الهزيمة ، وأما شكري الماضي فقد أرشدنا إلى سبب الخلخلة في بنائها الفني وتكونها من لوحات لا يربطها رباط عضوي ظاهر في كتابة الرواية العربية في فلسطين والأردن في القرن العشرين مع ببلوغرافيا.ولعل فيحاء عبد الهادي من أكثر الكتاب عناية بأدب غسان كنفاني إذ اهتمت بالحديث عن هذه الرواية من ضمن حديثها عن أدب غسان كنفاني في كتابيها ؛ دراسات أدبية نماذج المرأة /البطل في الرواية الفلسطينية والطريق إلى الخيمة الأخرى دراسة في أعمال غسان كنفاني.ونذكر في هذا المقام دراسة فخري صالح التي حملت عنوان “في الرواية الفلسطينية” إذ خص هذه الرواية بقراءة ممتعة .ولم ينس الناقد أبو مطر أن يدلي بدلوه في نقد هذه الرواية ووضعها موضعها من روايات غسان كنفاني في كتابه “الرواية في الأدب الفلسطيني”0. ولأستاذي الكبير الجليل عبد الرحمن ياغي مجموعة من الدراسات عن غسان كنفاني وفيها تحدث عن هذه الرواية ولعل دراسته “مع غسان كنفاني وجهوده القصصية الروائية” هي من الدراسات القليلة التي كان لها أثر في الترويج للإبداع الكنفاني .وينضاف إلى هذا كله كثير من الدراسات الجامعية، والمقالات والأبحاث ، والندوات التي أظهرت بكل إخلاص قدرة هذا الكاتب وعظمة روايته أم سعد وبقية أعماله .

أم سعد والبطولة الإيجابية
أم سعد البطل النموذج الذي نرى من خلاله الخاص والعام ، فهي ابنة المخيم المجبولة ببساطة العيش والكرامة والعنفوان ، سلاحها ما اختزنت من بعد فكري يتضح من عملها وسلوكها وكلماتها ، فهي الخيط المشدود في بنية الرواية تكملها في بناء واحد ،وبإطار شكلي مفكك يعبر عن حالة التفكك الذي كان يعيشه المجتمع في قيمه وحياته وفكره ، أتت شخصية أم سعد في الرواية التي تحمل اسمها لتلعب الدور الرئيس ولتتجسد من خلالها صورة المقاومة العربية الفلسطينية الحقة، فرفع كنفاني البطولة النسائية من خلال أم سعد إلى أعلى مراتبها.
إن بطل رواية أم سعد هو عجوز فلسطينية ذات بطولة مفردة اكتسبت على يد غسان كنفاني تكثيفا خاصا أسبغ عليها ملامح جماعية فلم تعد أم سعد الفرد إنما الشعب بأكمله(17)فهو لم يغفل دور المرأة في النضال والكفاح ، وإنما جعل لها الدور الرئيس في التحريض والدعم ورفض الذل (18) ؛ فإن كل خفقات ممن خفقات قلب أم سعد، وكل خطوة من خطواتها ، وكل كلمة من كلماتها، وكل صفة من صفاتها جاءت في هذه الرواية لتشارك في رسم صورة نابضة حية للشعب الفلسطيني الذي عاد من الركام ؛ فقد كانت أم سعد في اللوحات التسع معلما قادرا على إيصال رسالته ، تعلم الراوي المثقف كيفية رؤية الأحداث في نبضها وحرارتها الواقعية،مع اختفاء بعض صفات الأمومة التي تربط الأم بطفلها لتظهر “مجردة من إحساسات الخوف والرهبة (19).” لقد عبرت أم سعد عن الرؤية الكنفانية التي تحمل إيديولوجية ، فهي رؤية ثورية تسعى إلى اتخاذ أسلوب التحرير والنضال طريقا أساسيا يحمل في طياته نظرة عميقة نحو المستقبل الفلسطيني المزين بالأمل(20) فالمرأة جزء من عناصر التغيير شأنها شأن الرجل ، ويكاد كنفاني أن ينقل الصورة المثالية للمرأة في المجتمع الاشتراكي الذي تشكل فيه المرأة جزءا من الجيش الصناعي لا تتركه إلا إذا اقتضت منها ذلك واجبات الأمومة .
إن تفاعل أم سعد المتنامي وتوحدَّها مع المخيم والشارع والفلاحة اللبنانية وامتدادَها إلى الآخرين جعل البطولة الرئيسة التي أوكلت إليها في هذه الرواية ذاتَ طابع جماعي ، رسم بها غسان بالخطوط العريضة التكثيف واستخدام الرمز، ملامح بطل واقعي اشتراكي .
تتعمق صورة البطولة والفعلُ البطولي عند أم سعد من خلال موقفها البطولي في ثلاث حكايات تقصها عن أنماط ذكورية خائنة : نمط الثوري الانتهازي الخائن عبد الولي ، ونمط الجهاز الأمني العربي (الأفندي)، ونمط البرجوازية المستغلة (صاحب العمارة ) ويضاف إلى ذلك إدانتها للمثقفين في كثير من المواقع، وأدانت الذكورة التي فقدت رشدها (زوجها أبو سعد ) . ولا ننسى أنها هي لا الأب التي ربت أبناءها على رفض الأمر الواقع وعلى حب التضحية وهو الأمر الذي حبب إليهم المقاومة وبالتالي تغيَّرَ حال أبي سعد الذي أعادت له ضربات المقاومة توازنه ورشده .
أم سعد التي حملت عبء البطولة في الرواية بلغ وعيها الثوري درجة الإيمان بتقديم أبنائها وقودا للثورة ولا ترتاع إذا ما نذر أبناؤها أنفسهم من أجل فلسطين ، و تدرك أم سعد ببساطتها معنى الزمن الجديد ، وهي تعيشه بلحظاته المتغيرة محتفلة به وقادرة على أن تعطيه من عرقها (21) .
انطق كنفاني أم سعد مفردات وصورا موحية تنم ،رغم بساطتها ،عن رؤية فلسفية صارمة للأحوال والتطورات ، وجعل منها امرأة ذات وعي طبقي حاد ترى من خلاله الناس في حالة صراع تشرح به الأحداث والوقائع والمواقف التاريخية وتسقطها إسقاطا فجا على من حولها من خلال لغة حركية بصرية حية أخذت من الواقع.وهذا الدور البطولي الذي اضطلعت به أم سعد يعطيها قيمة عظيمة وتؤكد دورها البطولي المؤثر العميق في التحريض والتعبئة والمشاركة الفاعلة في الفعل المقاوم .
وقد قدم الكنفاني أم سعد البطل على دفعات كادت أن تكتمل في اللوحة التاسعة، فهو يزين أم سعد في كل لوحة بسمة أو بصفة بطولية ، من خلال الحوار والوصف والتصوير ،وهو ينطلق في ذلك من إيديولوجية واضحة ترى أن البطل هو الذي يتصف بصفات الإنسان الاشتراكي التي منها :
أ‌- انحياز البطل دائما إلى جانب الكادحين وهذا ما وجدناه في أم سعد عندما تركت الشغل في العمارة عند الخواجا وتركت للمرأة اللبنانية ما تبقى لها من أجرة .
ب‌- التفاؤل : كانت أم سعد متفائلة ، فهي تتفاءل بابنها سعيد ،وهي تلد وتبني وتزرع للمستقبل الذي تؤمن به وتعرف أنه سيأتي وإن كانت لا تعرف متى فتتمنى أن تعيش لترى ذلك اليوم الجميل البهي الذي سيأتي وبين أحضانه الحياة الأجمل والأكمل والأفضل. أم سعد في الرواية ” هي عنوان الطبقة التي لا تعرف الاستسلام ، صحيح أنها تستشعر الهزيمة حتى النخاع ، ولكنها ترى مستقبلها المشرق أمامها ،، وتعرف أن عليها أن تصنعه وأن لا تنتظر حدوث معجزة من السماء (22)
ت‌- التعليمية : أم سعد في الرواية معلم عارف بكل خيوط اللعبة الجديدة للحياة وكيفية التعامل معها ، وهي واثقة من كل نتيجة ومن حصولها، فهي تتحدث عن المستقبل كأنها تراه ،فمسار الأشياء واضح في ذهن أم سعد ، بينما نجده مشوشا في ذهن الراوي ، فهي كما هي حال الشعب المدرسة الذي تمثله، ترى الكامن في الساكن بل مما يجعل الراوي المثقف يشغل نفسه بتتبع كلماتها وسلوكها ليتعلم منها .
ظهرت بطولة أم سعد بأشكال متعددة في كلماتها وسلوكها وصفاتها وحواراتها وعملها وآثاره ، ففي اللوحة الأولى تطل علينا بشخصية قوية لتزرع الأمل وتتحدى الهزيمة واليأس صاعدة من رحم الأرض، ومع أنها حزينةٌ لما أصاب العرب من هزيمة ،وتعاني من ألم المنفى والبعد عن القرية والأرض ،إلا أنها جاءت لتتحسس قضايا المجتمع الفلسطيني وهمومه ، حاملة صرتها هويتها الفلسطينية التي تشير إلى ترحالها الدائم بحثا عن العودة .وفي اللوحة الثانية يبين الكاتب ما تحمله هذه الأم سعد من صفات وقدرات فهي واعية مدركة للواقع الذي يغلِّف منطقتنا بالسواد، فترفض خيمة الذل والعار،وتفرح لذهاب ابنها إلى المقاومة محتفظة بعاطفة الأمومة،بل إنها من تدفعه إلى ذلك وتشجعه عليه ، والرغبة بالمشاركة في العمل المسلح الذي يقوم به الرجال .وهي في اللوحة الثالثة تواجه الطبيعة مع سكان المخيم ، وتكبر فيها معاناة فقد الوطن ، وتحمل في عينيها دموعا لعلها دموعَ الحزن على ما فقدته في حياتها من لحظات أنثوية ، أو لعلها دموعُ العطش إلى الحرية والحياة الهادئة التي افتقدتها بفقد الوطن .وفي اللوحة الرابعة تظهر أم سعد شخصية تحمل سمات البطولة فهي قد توحدت في أم فلسطينية أخرى داخل الأرض المحتلة لتوحدَ بين شعب شتته النكبةُ والنكسة ،فترعى المقاتلين وتوفر لهم الأمن والغذاء ، حاجاتي الحياة الأساسيتين للبقاء في الفعل المقاوم.وفي اللوحة الخامسة تشارك ابنها في عمله البطولي المقاوم حين تزيل ونساءَ المخيم بأيديهن شظايا القنابل التي انتشرت في الطريق ، حتى تشققت راحتاها ، لحماية المكان وتوفير الأمن داخل المخيم بيت الفدائيين ، وهي تخاف من سوء ظن هؤلاء الذين يستغلون تعب الكادحين أن يتهموها بالسرقة وهي تحمي طرق المخيم من قطع الحديد المؤذية . وفي اللوحة السادسة تظهر أم سعد بوعي بطولي فهي تعي التاريخ وتفهم أن الثورة تولد من رحم الفترة التأريخية ، ومن صمود الثوار وثبات أبناء الأمة فهي تتطلع للمستقبل على أنه قوة دافعة إلى الأمام ، فهي لا تريد أن تتكرر مأساة الماضي مرة أخرى وتتمنى لو قتل فضل عبد المولى .وفي اللوحة السابعة أم سعد البطل تعلمنا التضحية والتوحد ضد المستغلين فهي ترفضت العمل عند الخواجا بعد أن اكتشفت أنهم يريدون أن يضربوا الطبقة الكادحة ببعضها ، انسحبت أم سعد لأنها تعرف أن الصراع الطبقي هذا ليس وقته . وفي اللوحة الثامنة تتخلى أم سعد عن الرؤية الغيبية وتعتقد الرؤى الواقعية، فعلت ذلك عندما خلعت الحجاب الذي لم يغير من واقعها المرير شيئا وتقلدت الرصاصة .وفي اللوحة التاسعة يمتد تأثير أم سعد إلى إنسان المخيم المحبط فيغدو أبو سعد كالديك ، وأينعت الغرسة التي غرستها .
أم سعد بدلالتها الرمزية شخصية إنسانية منسجمة مع باطنها ، تكاملت منذ البداية حتى نهاية الرواية . شخصية فاعلة بالمعنى الفني اخترقت الواقع ووعته من ممارستها اليومية فاكتسبت بذلك بعد اجتماعيا تتحرك بحرية وفقا لطبيعتها وتتصرف طبقا لمعاناتها ، وتتصل بالواقع المعاش ، وبقضية الشعب وبمسيرة ثورته ، وتمتزج قضاياها الخاصة بالقضية العامة لتشكل قضية واحدة لا تنفصل ، أم سعد شخصية تعددت فيها المعاني فهي الأرض وهي الشعب وهي الوعي وهي الأمل والثورة (23).
أم سعد البطل المعلم :
أهدى كنفاني روايته إلى أم سعد، الشعب والمدرسة ،فقد أصبح الشعب هو البطل والمدرسة الحقيقية فقد جاءت أم سعد في تسع لوحات يحملها إلينا راو منخرط في تفصيلات الأحداث ، ومشارك في خلقها والعيش في دفئها فهو شخصية أساسية يشير دائما انه يتعلم في كل لوحة درسا ويكتسب خبرة من أم سعد،تلك الشخصية المحورية والبوصلةُ التي” تتحرك بتلقائية لتشير ببساطتها إلى منحى حركة الأحداث ، وهي في الوقت نفسه الوعيُ الفلسطيني الجديد في أرقى وأبسط تجلياته “(24). فما هي الدروس التي تعلمها هذا المثقف الراوي من أم سعد في هذه اللوحات التسع ؟
الدرس الأول :الكبوة لا تقتل شعبا وأي انكسار يتبعه نهوض إذا أراد الشعب واختار وفعل .فغداة الهزيمة بدت الشمس المتوهجة وراء النافذة لكثير من المثقفين وكأنها قرص من النار يلتهب تحت قبة من الفراغ المروع “(25) ، فطوى كثير منهم أنفسهم على بعضها كالرايات؛ جاءت أم سعد بفرع دالية لتزرعه ليضج الراوي ويقولَ لها : أهذا وقته يا أم سعد ؟” ذلك الفرع الذي رآه المثقف الراوي غصنا يابسا خشبيا جافا هو نفسه الذي أثمر في نهاية الرواية . هو الإرادة والعمل والأمل والأطفال الذين أثمروا ثورة ورفضا وحياة،فهي كانت عارفة بما يتفاعل في كيان الشعب وتدرك الكامن في النفس وتعرف بإحساسها الشعبي أن إرادة الشعب لا تقهر لذلك كانت تقصد شيئا بغرس عرق العنب الجاف اليابس الذي سيورق في النهاية (26)أحضرت أم سعد للراوي فرع الدالية الذي أثمر كما أثمر الفعل والإرادة اللذان يقلبان الحسابات كافة .
الدرس الثاني : الاختيار الإنساني الحر هو الخلاص من أي مذلة تفرض على الإنسان ؛ فهي تختار أن ترسل أبناءها إلى الحرب واحدا تلو الآخر ،وهي تختار أن تعمل أو لا تعمل مع الخواجا ،وفي وقولها إن تفضيل سعد الحبس على التوقيع على ورقة يتعهد بها أن يصبح آدميا اختيار حر يلغي الحبس من داخله .
الدرس الثالث : رمت أم سعد الحجاب القديم ، وعلقت بدلا منه رصاصة أهداها لها ولدها، فهي تدفعنا إلى الثورة على الموروث الديني المتخلف الذي يستغل لمزيد من التخلف والاستغلال .
الدرس الرابع : علمتنا أم سعد أن العمل يجلب الحرية وأن الكلام غير المقترن بالعمل لا يغير من الواقع شيء.
الدرس الخامس : عندما هاجمت الطائرات المخيمات ، استنفرت أم سعد سيدات المخيمِ لتنظيف الطرق من شظايا القنابل مع أنها لا تملك سيارة ومع أن أصحاب السيارات في معظمهم من الطبقة التي تسيء الظن دائما بأفعال الطبقة المسحوقة التي تعيش في المخيم . لقد جمعت أم سعد ونساء المخيم هذه الشظايا لتعلمنا أن من يزرع الحب يحصد الحب ،وأن الأمل في تغيير رأي تلك الطبقة وتعديل أفكارها وسلوكها ما زال قائما فلا يجوز أن نعاملها معاملة العدو .
الدرس السادس : تنبه أم سعد على أن جشع الطبقة المستغلة قد يقودها إلى استغلال حاجة الفقراء ، وقد تغري حاجةُ الإنسان الفقير هذه الطبقةَ بعقد تحالفات لحصار الفقير في لقمة عيشه كما فعلت حين طردوا المرأة اللبنانية لكي يربحوا توفير ليرتين .
أم سعد البطل الرمز
أم سعد رواية ” استثنائية في خصوصيتها النسائية ؛ لاحتفائها الشديد بشخصية المرأة الرمز ” (27) يقول غسان كنفاني : ” أم سعد امرأة حقيقية ، أعرفها جيدا ، وما زلت أراها دائما ، وأحادثها ، وأتعلم منها ، وتربطني بها قرابة ما ، مع ذلك فلم يكن هذا بالضبط ما جعلها مدرسة يومية ، فالقرابة التي تربطني بها واهية إذا ما هي قيست بالقرابة التي تربطها إلى تلك الطبقة الباسلة المسحوقة ،والفقيرة، والمرمية في مخيمات البؤس ” (28) فهي شخصية رامزة تحمل ” مواصفات تتجاوز العادي المألوف إلى ما هو أسطوري “(29) ولعل هذا ما مكن كنفاني من خلق شخصية هي”مزيج من الأسطورة والإنسان العادي من البشر ممزوج بالمخيم والأرض والمستقبل ” فجاء تصويره لأم سعد موهما بالواقع ورابطا أم سعد بمجموعة من الصور الدالة التي ترقى بها إلى مستوى الرمز ؛فهي مجاز تتكشف في شبكته الرمزية كل القيم الروحية والأخلاقية للشعب الفلسطيني وهي ” رمز للأرض الفلسطينية والثقافة الفلسطينية الجماهيرية المكابدة لشظف العيش ، والمتأملة بالكفاح والتحدي . وهي” الرمز الشامل للكفاح غير اليائس ، وللثقافة الوطنية المتأصلة في التحمل والصبر . وكأنها واقع أسطوري ، يتجاوز الفرد لتغدو صوتا جماعيا حواريا يحمل في ثناياه تعددية صدى الصوت الجماعي الفلسطيني الخارج من المخيم ” (30).فهي ترى أن خيمة عن خيمة تفرق ؛لأن خيمة اللاجئ خيمة حبس وخيام الثوري حرية وبحث عن الحرية. ولأنها ترى أن طريق الخلاص من الذل الذي فرض عليها هو بإرسال أبنائها واحدا تلو الأخر للخيمة الأخرى بوعي واختيار حر لأنها تعرف أن ذلك واجب وشرط وضرورة للخلاص، فإن لم يذهب سعد ، فمن سيذهب؟ إن لم يذهب أصحاب الحق الذين طردوا من ديارهم وأبعدوا عن بياراتهم وحقولهم هم وأبناؤهم إلى حرب التحرير فمن سيذهب؟
يمجد كنفاني أم سعد كرمز للثورة التي يرى أنها قادرة على التغيير وخلق روح بعيدة عن اليأس في كل مكان لجأ إليه الجسد الفلسطيني ؛ فالثورة تغير في الناس وفي حياتهم وسلوكهم وحالاتهم النفسية .فأم سعد الثورة هي التي جعلت أبا سعد يرفع رأسه ويتحسن ، ويشوف أم سعد وأولادها غير، وجعلته الثورة يمشي مثل الديك بعد أن أعادت إليه توازنه. والعمل المقاوم هو الذي جعل أم سعد تكفر بكل الحجب فهي قد رمت الحجاب الذي صنعه لها شيخ منذ عشرات السنين لتتقلد حجاب الرصاصة التي أهداها إليها سعد، ومثلها فعلت نساء المخيم اللواتي تزين بالثورة واقتناعهن بأن قوى الغيب لا تقدم لهن إلا الواقع الأليم، وأن الكفاح المسلح وحده هو الذي يحمي ويقي .وفي هذا إشارة تخلخل في القيم التي كانت سائدة قبل النكسة ،و إشارة واضحة إلى تبلور رؤى جديدة وأفكار جديدة وفلسفة جديدة تنتشر في الثقافة العربية الإسلامية.
أم سعد البطل المضمخ بالأرض
بين أم سعد والأرض علاقة حميمة لأن تمجيد كنفاني لأم سعد هو تمجيد لجوهر ارتباطها بالأرض والثورة ، فهي قوية كالصخر ، وتأتي من رأس الطريق المحاط بأشجار الزيتون كشيء ينبثق من رحم الأرض ،و تمشي كرمح يحمله قدر خفي . وهي تصعد من قلب الأرض وكأنها ترتقي سلما لا نهاية له وشعرها حين يبتل في المطر يبدو كتراب مسقي ،وحين تبكي تجيء دموعها مثلما تنفجر الأرض بالنبع المنتظر منذ أول الأبد وراحتاها كجلد أرض يعذبها العطش ، وكفاها جافتان كقطعتي حطب ، ولها جبين لونه التراب يكشف قصة الهزيمة ، ونهارها صحراء قاحلة من التعب ،…إن هذه الصور الكثيرة التي تلتصق أم سعد فيها بالأرض، أو تقترن بها، أو تنبثق عنها هي تعبير عن تولد انبثاق الحياة من المعاناة والألم وفقدان الأرض موطن الحرية ومصدر قلق الأفئدة وعذابات الأرواح التي طردت منها .
لقد أمعن كنفاني في ربط أم سعد بالأرض برائحتها فهي أينما تكون تفوح منها رائحة الريف بما فيه ومن فيه من فلاحين طيبين وارتباطهم بالأرض وتعلقهم بالشجر والحجر وذرات التراب ، أينما تذهب تحمل معها صرتها هويتها الكادحة .وهي تؤمن بالمستقبل في مواجهة اليأس الحاضر وتعبر عن هذا الإيمان عملا في الأرض تقرب إيمانها بالغد إلى مصدر هذا الإيمان فتزرع فرع الدالية وهي تؤمن أن الأرض ستنميه ليعطي عنبا من اعتصاره لحبات التراب في عمق الأرض العمق الذي يخفي حياة تحت الوجه المليء باليأس والقهر والهزيمة وهذا ما حدث فعلا إذ أزهر هذا الفرع ونما ليشكل خيطا جميلا اخضر تجتمع عليه لوحات الرواية التسع .
تتجلى شخصية أم سعد بصورتيها :” الأم الإنسان ، والأم الرمز الشامل لطبقة المخيم في المنفى ، ولكل الأمهات المشابهات” (31) .فهي تحمل صفات كثيرة متنوعة تجعل منها شخصية مزدوجة ؛ عادية وأسطورية معا .
أم سعد بطولة الأم/ المرأة /الأنثى
حوَّل كنفاني أمَّ سعد من أم تضحي بابنها من أجل فلسطين إلى أم تحقق ذاتها من خلال هذه التضحية(32) ، وهذه إضافة جديدة إلى شخصية الأم ، دفعت رفيقة البحوري إلى إعطاء سمة الملحمية لأم سعد إذ قالت : “إن صورة أم سعد تختلف جوهريا عن الصورة الأم المتألمة التي تضحي بابنها ، لأن نضال سعد ليس تضحية ، بل تحقيقا لذاتها (33) و تتضح صورة أم سعد من خلال الصور الجزئية والحسية التي تتضافر فيما بينها لتشكل لوحة فنية متكاملة لتلك المرأة التي عجن الكاتب جسدها بالأرض ، وطبعه بملامح الصمت والأسى وفداحة الواقع الذي يزيدها إحساسا بعمق المأساة .
أسبغ الكاتب على أم سعد كثيرا من الصفات الإيجابية وألقى على بنيتها المتواضعة مظاهر إنسانية ثقيلة تشي بأنها امرأة مستلبة مصادرة ؛إذ لم ير كنفاني حول أم سعد إلا تلك الهالة الإعجازية من صفات الشجاعة والقوة والقسوة التي تجلل حضورها الأثير إلى قلبه .فهو قد دفعها نحو قباب وعي أحادي الجانب يهتم بالوطن المفقود ويستشرف من خلاله الزمن الفلسطيني الآتي .(34).
تمثل أم سعد نموذج التوحد مع الوطن ونموذج الأمومة والإنسانية ؛ففي “كل لوحة من لوحات الرواية التسع تتشكل أم سعد بملامح جماعية؛ فهي كل أم فلسطينية رفضت أسمال البؤس واختارت – طوعا وقناعة – طريق القتال (35)، ويرى جورج سالم أن أم سعد ليست امرأة واحدة ، وإنما “هي كل أم فلسطينية،أو هي فلسطين ذاتها (36)وهي أم أسطورة ، وأم نموذج ، وأم واقعية للغاية ،ببساطتها ، وأميتها،وعدم مجاملتها وبقلبها الطيب ، وهي بإحساسها الثوري توجه وتشير إلى الشبكة الكثيفة التي عادت الشعب : الطبقة المستغلة التي تتحكم بأجرة العامل وبلقمة عيشه ،الطبقة الإقطاعية التي تنحاز إلى الأعداء دفاعا عن بقاء الثروة ، والقيادات التقليدية التي، والزعامات العربية التي كان لها الدور الأكبر في وأد ثورة 1936، والبرجوازية إعاقات المد الثوري . ولعل استعارة الكاتب أم سعد من قلب المخيم لترسم لنا تسع لوحات بلغتها وروحها وبحسها وبطيبتها وبسهولتها قد انعكس على لغة الرواية فهي” رواية سهلة في كل شيء ، بسيطة في كل ناحية ؛ اللغة المحكية ..واللقطات الجميلة التي تسلط الضوء على الزاوية التي يريد الكاتب إظهارها ..الحبكة القصصية البسيطة التي يفهمها القارئ مهما كان مستواه الثقافي وأيا كانت طبقته الاجتماعية ..الجو النفسي الذي ينقلنا إلى أجواء الحياة الشعبية بعمالها …ومخيماتها ..ونسائها الريفيات ..وأطفالها ..الذين اتسخت ملابسهم ..وامتلأت وجوههم بالبؤس..الروتين الذي يلف شخصية أم سعد العاملة.وأن معمارها نابع من الفكرة ذاتها ومن الشخصية ومن الطبقة التي تخاطبها القصة وتعبر عن أحلامها وآمالها (37)”.
لقد جعل غسان كنفاني من أم سعد نموذجا للأم الفلسطينية التي تحمل بين جوانحها كل هموم الوطن وآماله ؛ فهي تختزن في نفسها كل ذل الماضي ، ولذا فهي تدرك أن سعدا يتوجب عليه بعد خروجه من الحبس ألا يعود إلى البيت وإنما يتوجب عليه أن يقطع الحدود متوجها نحو الوطن(38) لإيقاف مسلسل الغرق في الوحل ، وهي تتقطع ألما عندما تفكر أنه من الممكن أن تموت قبل أن ترى ما سيحققه سعد والشباب العودة للأرض ، ولذلك هي راضية رضا تاما على التحاق سعد بالكفاح المسلح ، وواعية إلى أن السبب الرئيس في شقائها وتعبها وفقرها هو الاحتلال.”وقد أعطى غسان لأم سعد زيادة على واقعيتها تجريدا يقترب من حد الرمز لتصبح مثالا للأم الفلسطينية . لذلك لا يدهش القارئ عندما يجد أن سعدا الفدائي المحاصر في الأرض المحتلة يجد في المرأة الفلسطينية القادمة نحوه ورفاقه صورة أمه ، وأيضا لم يخطئ حدسه فعندما ناداها: يا يما ردت عليه وأحضرت الطعام لهم والماء” (39).

لوحات حركة الجسد في رسم صورة البطل
أم سعد البطل تنتشر على مساحات الشعر والسرد والحوار في هذه الرواية ، فهي الخيط الذي يجمع أجزاء الرواية بعضها إلى بعض ، ففي كل لوحة تتكرر صفة لها وحركة ، ونظرة وتأتي ريشة غسان لتضيف في كل لوحة لمسة ، وعلى أطراف كل خط ملامح جديدة موحية لأم سعد تربطها بما مضى من لوحات وتكشف عن خطوات أم سعد القادمة
لوحة الصعود من رحم الأرض
يقول الراوي: ” قادمة من رأس الطريق المحاط بأشجار الزيتون ، وبدت أمام تلك الخلفية من الفراغ والصمت والأسى مثل شيء ينبثق من رحم الأرض.قمت ووقفت أمام النافذة المشرعة وأخذت أنظر إليها تمشي بقامتها العالية كرمح يحمله قدر خفي “(40). في هذه اللوحة الحركية اللونية يقول ويختصر كنفاني حديثا طويلا عن أم سعد ومشيتها وسبب قدومها ؛ إذ توحي كلمة (قادمة) بكثير من الانتظار والشوق لهذا القادم الخيِّر ،وهذا ما وضحه وقوف الراوي وزوجتهِ على نافذة مشرعة لينظروا إليها وهي تمشي إليهم ،وهم ينظرون معجبين ولكنهم لا يفعلون شيئا سوى النظر والكلام عنها ووصف مشيتها ، وأما المكان الذي قدمت منه ،وهو رأس الطريق المحاط بأشجار الزيتون ، فهو صورة لمكان جميل مبارك يوحي بأن كثيرا من العيون تنظر إلى ذلك المكان بانتظار شيء أو حدث أو شخص يغير من حالة الكآبة التي أحاطت المكان بعد النكسة . ويؤكد هذا الشوق أن أم سعد تنبثق من رحم الأرض من حالة السكون ومن تحت السطح وما يوحيه السطح من ثبات وسكون . فهي المنتظر الذي ولد من رحم المعاناة ،المنتظر الذي يرفع رأسه عاليا ويمشي كرمح بعد أن جاء قدر خفي، فهذا القادم أم سعد جاء ليمحو آثار النكسة من النفس التي شُردت فهي ترفع رأسها وما ترفع رأسها إلا لعمل عظيم وفعل ذي قيمة كريم ،فيترقب المثقفون طلتها ويشيرون إليها بالبنان ويتابعون خطواتها وحركاتها وكلماتها .وهي دائما تجيء لا تستسلم لكبوة ولا تعرف اليأس ، ترتقي دائما إلى الأعلى وكأنها تصعد سلما لا نهاية له، وفي الارتقاء إيحاء بالعزة والنصر والرفعة والعمل السليم الخالي من الأسئلة والشكوك، يقول الراوي ” مثل دقات الساعة جاءت .هذه المرأة تجيء دائما تصعد من قلب الأرض وكأنها ترتقي سلما لا نهاية له. قالت زوجتي فيما نحن نحصي خطواتها ترى كيف تشعر أم سعد الآن؟(41)وتعود أم سعد بعد أن اختفت منذ تفجر القتال ، تعود على إيقاع الهزيمة، فلم تعود ؟ هل تريد أن توبخنا وتبصقَ في وجوهنا لأننا هزمنا وانكسرنا ؟ يقول الرواي: ” وقالت زوجتي : لقد اختفت أم سعد منذ تفجر القتال . وها هي تعود وكأنما على إيقاع الهزيمة ….لماذا تجيء وكأنها تريد أن تبصق في وجوهنا؟(42)فمن هم هؤلاء الذين اختزل سلوكهم وكلماتهم وتصرفاتهم وردة فعلهم باستحقاقهم بصقة أم سعد ؟
وتعود أم سعد دائما ،عالية كعلم وكرمح ، وترقى الطريق نحو الراوي المثقف وهي تحمل إرادة لا تعرف الاستسلام واليأس ، وفيها قوة خفية لا يستطيع الراوي رؤيتها.وعندما تدخل بيت المثقفين بيت الراوي، تفوِّح رائحة الريف في الغرفة .يقول : ” كانت أم سعد ترقى الطريق نحونا ، تحمل الصرة الصغيرة التي تحتفظ بها دائما ، وتسير عالية كما لو أنها علم ما ، تحمله زنود لا ترى . ودخلت أم سعد ففوحت في الغرفة رائحة الريف (43)” وهي تفوح في صورة أخرى في رأس الراوي رائحة المخيمات بتعاستها وصمودها العريق .
نلحظ في هذه الصورة الجزئية التي تشكل جزءا مهما من لوحة العودة اعتماد كنفاني على اختصار الأحداث وقضمها وتكثيفها في كلمات وعبارات مكثفة موحية أساسها الحركة ؛ ففي قوله ونلحظ في هذه الصور استخدام كنفاني للألفاظ التي تشير إلى الحركة في رسم صورة أم سعد : فهو يستخدم كلمة صاعدة ليشير إلى ارتفاع منزلتها في أعين الطبقة المثقفة ، ويقول : ينبثق وتنبثق ليشير إلى المفاجأة التي أحدثتها عودتها وأثر هذه العودة الإيجابي في الطبقة المثقفة .ويستخدم تمشي وتسير ليدل على أنها عادت بإراتها ورغبتها واستمراريتها ،ويستخدم ترتقي ليحكي عن علو كعب المقاومة ، ويستخدم (تعود) ليشير إلى عدم انتهاء المعركة مع الاحتلال بعد ، وأن أم سعد الشعب الذي لا يموت وهو قادر على المقاومة دائما حتى بعد الهزيمة ،ويستخدم فوَّحت في الغرفة ليشير إلى أن فعل الطبقة الكادحة الريفية ومن أبناء المخيمات، ويبدو أن اعتماد كنفاني على هذه الألفاظ الحركية يشي بما في نفسه من فخر بفعل المقاومة الجهادي فجاءت جمله مليئة بالألفاظ الدالة على الحركة الموحية التي تختصر وتكثف وتقول كثيرا وكثيرا .
لوحة الفرح

تشكلت لوحة الفرح من مجموعة من الصور الجزئية التي تجمعت حول موقف أم سعد من المقاومة ، وموقِفها من الجالسين في بيوتهم يتابعون نشرات الأخبار ، وموقِفها من سلوك المقاومين وأفعالهم :
الصورة الأولى :أسمعت أم سعد سعدا كيف تزغرد وهو ذاهب إلى المعركة .والزغردة حركة تشير إلى الفرح والفخر والسعادة .يقول الراوي :” وقابلته عند طرف المخيم وأسمعته كيف أزغرط”(44)
الصورة الثانية :حركة ذراعها التي أشارت إلى المكان الذي سيقطع سعد إليه الحدود ، هذه الحركة التي أشارت بها بذراعها إلى جهة ما ، توحي هذه الحركة الإشارية التي انتقلت بها اليد السمراء في كل جهة من المكان وارتمت في أحضان كل شيء في الغرفة : الأطفال ،والمكتبة ،والزوجة ، وصحن الطعام، والراوي، والمقعد -توحي بالفرح والزهو الذين يسكنانها بما يقوم به سعد ورفاقه ، وتشير إلى حرصها على سرية عملهم لحفظهم وحمايتهم ،و إلى أن الآثار التي توصل إليها عمليات المقاومة تمتد إلى كل هؤلاء الذين أشارت إليهم أم سعد . فابنها يقطع الحدود إلى كل هؤلاء ليصل إليهم ليحميهم ويحافظ عليهم وليعيدهم إلى أرضهم ويبعد عنهم حالة الحزن التي تسكنهم .أما لون اليد الأسمر فقد حمل تعب الفلاحين وعرقهم ودأبهم على العناية بحقولهم وبياراتهم،ولعل حركة اليد في المرة الثانية جاءت للتهديد والتوبيخ ،فهي تقول وذراعها مصوب كما تصوب البندقية نحو الراوي ” وأنت ؟ ماذا ستفعل يا ابن العم ؟ عشرون سنة مضت وأمس تذكرتك وأنا أسمع في الليل أن الحرب انتهت ، وقلت لنفسي يجب أن أزوره ، ولو كان سعد هنا لقال لي : هذه المرة دوره هو أن يزورنا ..فهل ستفعل ؟”(46) إنه عتاب وتوبيخ و يقول :” وبدا لي أنها أشارت بذراعها إلى جهة ما ، ثم ارتدت الذراع كأنما من تلقائها ، وأخذت أحصي الأشياء التي أشارت إليها الذراع السمراء : المكتبة والمقعد والأطفال والزوجة وصحن الطعام وأنا “(47)ويقول :” وعاد ذراعها مرة أخرى يشير إلى تلك الحدود ، ويدور فوق المكتبة والمقعد والأطفال والزوجة وصحن الطعام وأنا ، ثم ظل مصوبا نحوي ، مشدودا كأنه جسر أو حاجز ” (48).
الصورة الثالثة : “كانت تتوهج بسعادة غامضة وجلست على الكرسي وقالت : يخزي العين عنهم كان المختار يحكي لي القصة وكنت أضحك بعبي ، وقلت له أخير : مليح اللي ما ضربوك ، أحمد ربك على السلامة ! فزعل “(49)هذه الفرحة التي غمرت أم سعد كانت بسبب أقول ابنها المقاوم وسلوكه وردة فعله.وقد ودل على هذه الفرحة الداخلية العميقة الفعل الحركي (تتوهج) .
الصورة الرابعة : تتابع الأفعال في حوار أم سعد مع الراوي حول الحبس وردة فعلها الفرحة بما توصلت إليه من نتيجة فهي ترى أن الحبس أنواع ، وأننا كلنا نعيش في حبوس ، وأن عدم العمل لتغيير الواقع أو العجز عن التغيير هو نوع من الحبوس ،يقول الراوي :” وقفت ونظرت إلي واضعة تلك الابتسامة على ركن شفتيها ، وقالت : أنت غير محبوس ، فماذا تفعل ؟ ….وكانت الصحف ملقاة على الأرض ، والراديو الذي تركته في الليل مفتوحا أخذ يتلو نشرة الأخبار ، وكانت أم سعد تنظر إلي تارة وإليه تارة أخرى ، وبدت لي نظراتها ، وهي تنتقل مني إليه ، إنما تمد بيننا قضبان حديد تعجز كفاي عن هزها ، ثم قالت : أتحسب أننا لا نعيش في الحبس ؟”(50) تتحدث أم سعد في هذا المقطع بقوة وثقة ومنطق وتتحرك كلمة الحبس متكررة في كل جملة تقولها على امتداد الفقرة ، ولكن الصورة التي شكلتها حركة عينيها المتنقلة بين الراديو والمثقف الذي كانت صحفه ملقاة على الأرض توحي بأكثر من حركة سطحية لا معنى لها ،فإن تلك النظرات التي كانت تمد بينهما قضبانا من الحديد الثابت الصلب كانت مليئة بالتوبيخ بل بالشفقة على حالة المثقف الذي لا يرى أبعد من صحيفته الملقاة والراديو الذي لم ظل طول الليل مفتوحا يتلو النشرات الإخبارية .
الصورة الخامسة : ترتجف أم سعد دفاعا عن فرحتها وغضبا لها : ” وكانت ترتجف ، لا شك أنها كانت المرة الأولى التي رأيتها فيها مجتاحة بمثل ذلك الغضب” (51) .

لوحة العمل
تشكلت لوحة العمل من مجموعة من الصور الجزئية التي إذا ما جمعنها معا ظهرت لوحة العمل التي هي عنوان أم سعد الحقيقي فهي قد كرهت الكلام وانتقلت إلى العمل فهي :
صورة المسار اليومي : فهي ” ما تزال تأتي إلى دارنا كل يوم ثلاثاء : تنظر إلى الأشياء شاعرة حتى أعماقها بحصتها فيها “(51) فهؤلاء المثقفون يعيشون على تتبع أخبار أمثال أم سعد وكل ما في بيوتهم هو من بيع تلك الأخبار والحديث عنها ، وهي “تقطع أيام الأسبوع جيئة وذهابا ” (52)لا تتكاسل في بحثها عن الحياة والاستمرار في النبض والحركة الدائبة بحثا عن لقمة العيش .
صورة الجسد المعبر : في تفاصيل جسدها وبين مسامات جلدها حديث طويل عن العمل ، فقد رسم كنفاني لأم سعد بالألفاظ الحركية واللونية صورة تنبض عملا وكدحا وشقاء ” : وفجأة رأيتها جالسة هناك ، كانت كفاها مطويتين على حضنها ، ورأيتهما هناك جافتين كقطعتي حطب ، مشققتين كجذع هرم ، وعبر الأخاديد التي حفرتها فيها سنون لا تحصى من العمل الصعب ، رأيت رحلتها الشقية مع سعد ، مذ كان طفلا إلى أن شب رجلا ، تعهدته هاتان الكفان الصلبتان مثلما تتعهد الأرض ساق العشبة الطرية ، والآن انفتحتا فجأة فطار من بينهما العصفور الذي كان هناك منذ عشرين سنة ” (53)
يسلط كنفاني الضوء على كفي أم سعد ويديها ويكثر من تصوير تلك الحركة ” : وكنت ما أزال أنظر إلى كفيها ، منكفئتين هناك كشيئين مصابين بالخيبة ، تصيحان في أعماقهما ، تطاردان المهاجر إلى الخطر إلى المجهول؟”(54) بالحركة يصور كنفاني لهفة الأم على ولدها وبحركة اليدين يشير إلى عمق الألم الذي تشعر به الأم الفلسطينية وهي ترسل ابنها للقتال ، ولعل اختيار كنفاني الكفين لإيصال هذه الرسالة لأنهما اللتين تمدان أم سعد بالقوة والحياة فهما سبب الحياة لسعد ولأم سعد ولكل العائلة ،يقول :” وتحركت كفاها المطويتان في حضنها ورأيتهما جميلتين قويتين قادرتين دائما على أن تصنعا شيئا ، وشككت إن كانتا حقا تنوحان “(55)ويقول :” عادت أم سعد ، ففرشت راحتيها أمامي ، كانت الجروح تمتد فوق خشونتهما أنهرا حمراء جافة ، تفوح منهما رائحة فريدة ، رائحة المقاومة الباسلة حين تكون جزءا من جسد الإنسان ودمائه (56).
لوحة الصراع
: “وضربت أم سعد كفا بكف ، وكدت أسمع في اصطفافهما صوت قطعتي خشب : الفقر يا بن لعم الفقر (57)”
” وفوَّحت الغرفة برائحة الريف العريق حين أخذت أم سعد صرتها الصغيرة وتوجهت إلى الباب ، ولوهلة اعتقدت أنها مضت ، إلا أنني سمعت صوتها يعبر من بين المصراعين المفتوحين على وسعهما ” (58)
“كانت ترمقه بحذر ، وبيدها أمسكت الرصاصة المعلقة بالسلسلة …كانت أصابعها متمسكة ، لا تزال ، بالرصاصة المتدلية من السلسة على صدرها (59)”
” صنعه لي شيخ عتيق منذ كنا في فلسطين ، وذات يوم قلت لنفسي : ذلك رجل دجال بلا شك . حجاب ؟ إنني أعلقه منذ كان عمري عشر سنين ، ظللنا فقراء ، وظللنا متهرئ بالشغل ، وتشردنا ، وعشنا هنا عشرين سنة (60)”
” ومسحت أم سعد راحتيها المبتلتين ، بردائها ، ثم أخذت تنزل كميها المشمرين ، وتنظر حولها ، ثم قالت :
لو أنا والناطور والحرمة قلنا للخواجا ثم صمتت ، وأخذت تنظر صوب المدينة المكومة في غبار المساء الحزين (61)”
” وقامت ، وأخذت تحوم من جديد وكأنها مربوطة إلى تلك الورقة التي كتبها سعد في مكان مجهول ، ربما أسندها إلى جذع شجرة ، أو إلى ذراع سلاحه لذلك بدت الخطوط خشنة سميكة مقطعة وقلت لها : ما الذي ستفعلينه الآن يا أم سعد ؟ (62).
“هدأت النار، وظل الدخان يطرش الأفق ، ووقفت أم سعد على الرمل تنظر إلى كفيها المجرحتين ، وبدأ الأطفال يعودون إلى بيوتهم ” (63).
في الصور السابقة مجموعة كبيرة من الأفعال التي تدل على الحركة المعبرة الموحية التي تسهم في رسم صورة البطل بل التي ترسم صفاته ومواقفه ؛ فهي تصور أم سعد وهي تتخذ موقفا قويا شجاعا من عملية الاستغلال والمستغلين والطبقة المستغلة في المجتمع الذي كاد أن يتطور إلى صدام فهي تمسح راحتيها بردائها ، لتدل على بساطتها وفقرها وقناعتها ، وتنزل كميها لتعلن أنها أوقفت العمل ، وتنظر حولها وكأنها تبحث عن صاحب العمارة المستغل الظالم تريد أن تقول له شيئا يزعجه ، ولكنها تمنت لو أن أبناء الطبقة الكادحة اجتمعوا جميعا ليقولوا للخواجا ما يبعد شره عنهم .
وهي حين تضرب كفا على كف تملأ الأذن بكلمات التعبير عن الأسى والقهر والتحسر على ما قد ضيعه الفقر وما سببه الفقر وما جاء بالفقر إلى حياتها .وهي في كثرة المواقف التي أدخلت الصمت إلى حركتها توحي بالغضب وعدم الرضا.وحين أمسكت الرصاصة بيدها دلت على اعتزازها بالمقاومة والعمل ورفضها للغيبيات وأصحاب الخزعبلات الذين ورطوا المجتمع الجاهل في ذلك الزمن بالكسل والخمول وانتظار النصر على سرير الراحة والدعاء .
وهي حين تفوِّح الغرفة برائحة الريف أو المخيم ، تخبرنا بما في الفعل تفوح من إيحاءات طبقية ومكانية إذ هي تربط أم سعد بطبقة الفلاحين الكادحين ،والمسحوقين الفقراء في المخيمات لنرى مقابلها طبقة الراوي المثقف وطبقة المستغلين .فهي تدين المثقفين وتتندر برسم صفاتهم ومواقفهم المحزنة .

“فلسطين” بريشة الشهيد البطل غسان كنفاني

الخاتمة
لحديث لم يكتمل بعد أقول:
امتلأت لغة كنفاني في روايته أم سعد بالكلمات الموحية ؛ فقد حملت الكلمات روحا تشي بالكثير من الحديث والصور والعواطف والأحاسيس فهي تختصر كثيرا مما يمكن أن يقال في العديد من الصفحات.
لقد أستطاع كنفاني أن يصل بلغته المكثفة المركزة المدججة بالإيحاء ، وبأسلوبه السهل إلى استخدام ما تتيحه اللغة للكاتب من وصول إلى أبعد ما يمكن من التعبير ورسم الصور بجمال وذوق وإحساس .
إن الريشة التي رسمت أم سعد جعلت منها لوحة فنية تثير كثيرا من الأسئلة وتوحي ألوانها بالعديد من الأفكار وأغنت عن صفحات كثيرة من الوصف ؛ فقد أشرك كنفاني اللون والحركة في رسم صور الأبطال والبوح عن مكنونات صدورهم ، وللحديث عما واجهوه وما يواجهونه في حياتهم وفي صدامهم مع الواقع . وللبوح عن آرائهم ومدى الثقة بها .
تشكل الحركة عاملا مهما في رسم لوحات الرواية ؛فهي خيط يربط صور الشخصية المحورية ويعطيها في لوحات متباعدة صورتها التي تكاد تكتمل في اللوحة التاسعة ففي كل لوحة إضافة من لمسة ريشة الكاتب تضيف إلى البطل شيئا جديدا يفتح أبوابا عديدة من الأسئلة .
الهامش
1- ولد في عكا عام 1936، لجأ إلى لبنان إثر المجازر الصهيونية عام 1948، ثم رحل إلى دمشق وهناك عمل في إحدى المطابع لإعالة أسرته ، وعمل معلما للتربية الفنية ، تعرف على القائد الفلسطيني جورج حبش، والتحق بحركة القوميين العرب ، ثم انتقل للكويت عام 1955، بقي رئيسا لتحرير الهدف حتى استشهاده ، في 1972،كتب غسان المقالة والنقد الأدبي ، ومجموعة من الروايات والقصص .
2- النقيب ، فضل ، عالم غسان كنفاني غسان كنفاني إنسانا وأديبا ومناضلا ، ص 69-70. 2- 2-
3- عاشور، رضوى، الطريق إلى الخيمة الأخرى دراسة في أعمال غسان كنفاني، دار الآداب،بيروت،1977 ،ص 27.
4- الحسنية ، نهلة ، أم سعد من المرجع إلى النص ، دراسة في رواية أم سعد ،معرض الشوف الدائم للكتاب, 2002،ص 7.
5- وادي ، فاروق ، ثلاث علامات في الرواية الفلسطينية غسان كنفاني إميل حبيبي ، جبرا إبراهيم جبرا،المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، 1981، ص40.
6- كنفاني ، غسان ،الآثار الكاملة الروايات ، المجلد الأول ، مؤسسة الأبحاث العربية ، ط3، 1986، ص 241-242.
7- وادي ، المرجع السابق،ص 47.
8- الماضي ، شكري عزيز، الرواية العربية في فلسطين والأردن في القرن العشرين مع ببلوغرافيا ، دار الشروق للنشر والتوزيع ، 2003، ص61.انظر لمزيد من المعلومات : كتابه : انعكاس هزيمة حزيران على الرواية العربية ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت ، 1978.
9- لمزيد من المعلومات حول النقاش الذي دار حول قضية رواية أم سعد أهي رواية أم قصة قصيرة انظر : حسنية ، ص 34.
10- أبو مطر ، الرواية والحرب ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، الأردن ، 1994، ص 139.
11- ياغي ، عبد الرحمن ، مع غسان كنفاني وجهوده القصصية الروائية ،معهد البحوث والدراسات العربية، بغداد ، 1983، ، ص 137.
12- كنفاني ، المصدر نفسه ، ص 365.
13- الماضي ، المرجع السابق ، ص 61.
14- نفسه ، ص 61.
15- مناصرة ، حسين ، المرأة وعلاقتها بالآخر في الرواية العربية الفلسطينية بحث في نماذج مختارة ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، الأردن ،2002، ص 63.
16- عبد الهادي ، فيحاء قاسم ، دراسات أدبية نماذج المرأة /البطل في الرواية الفلسطينية ،الهيئة المصرية العامة للكتاب ، 1997، ص9،91-95.
17- انظر :أبو مطر، أحمد عطية ،الرواية في الأدب الفلسطيني 1950-1975، دار الحرية ، بغداد ، 1980،ص280.
18- العمري ، أحمد عليان ، المرأة في أدب غسان كنفاني ، رسالة ماجستير ، الجامعة الأردنية ، عمان ، 2008،ص20.
19- صالح، فخري ، في الرواية الفلسطينية ، مؤسسة دار الكتاب الحديث ، بيروت، لبنان، 1985، ص 21.
20- انظر :العمري ، ص 20.
21- انظر ::وادي ، فاروق ، ثلاث علامات في الرواية الفلسطينية غسان كنفاني إميل حبيبي ، جبرا إبراهيم جبرا،المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، 1981،ص47.
22- عبد الهادي ، فيحاء ، وعد الغد دراسة في أدب غسان كنفاني ، دائرة الثقافة منظمة التحرير الفلسطينية ، 1987، ص 86.
23- انظر :الحسنية ، أم سعد من المرجع إلى النص ، دراسة في رواية أم سعد ، ص84 .
24- وادي ،المرجع السابق ، ص 47
25- كنفاني ، المصدر السابق ، ص 245.
26-انظر : أبو مطر ، المرجع السابق ، ص 281.
27- مناصرة ، المرجع السابق، ص 61.
28- كنفاني ، المصدر السابق ، ص 241.
29- المراكشي ، عمر ، أم سعد والجسر المفتوح ، مجلة دراسات ، العدد 5، شتاء 1991، ص 79.
30- خوري ، إلياس ، تجربة البحث عن أفق ، مقدمة لدراسة الرواية العربية بعد الهزيمة ، ص 55.
31- مناصرة ، المرجع السابق ، ص 78.
32- حطيني،يوسف،مكونات السرد في الرواية الفلسطينية، منشورات اتحاد الكتاب العرب ،1999،ص 40.
33- البجوري ، رفيقة بن رجب ، الأدب الروائي عند غسان كنفاني ،دار التقدم ، تونس ، 1982، ص 91-92.
34- انظر : خليل ، سائدة سلامة ، التوجهات الاجتماعية والسياسية في ثلاث روايات فلسطينية البحث عن وليد مسعود للجبرا إبراهيم جبرا ، والوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل لإميل حبيبي ، وأم سعد لغسان كنفاني ، رسالة دكتوراه ، جامعة القديس يوسف ، بيروت ، 2009 ،ص101
35- أبو مطر ، المصدر السابق ، ص 280.
36- سالم ، جورج ، المغامرة الروائية ، دمشق ، 1973، ص 109.
37- خليل ، إبراهيم ، في القصة والرواية الفلسطينية ، نقد ، دار ابن رشد للنشر والتوزيع ، عمان ، 1984، ص 135.
38-انظر : أبو مطر ، المصدر نفسه ، ص 282.
39- نفسه ، ص 285.
40- كنفاني ، غسان ،الآثار الكاملة الروايات ، المجلد الأول ، مؤسسة الأبحاث العربية ، ط3، 1986،ص 245.
41- نفسه ، ص245 .
42- نفسه، ص 246.
43- نفسه ، ص 246.
44- نفسه ، ص 250.
45- نفسه ، ص 251.
46- نفسه ، ص 252.
47- نفسه ، ص 252.
48- نفسه ،ص 252.
49- نفسه ، ص 254.
50- نفسه ، ص 254.
51- نفسه ، ص 259.
52- نفسه ، ص 259.
53- نفسه ، ص 260.
54- نفسه ، ص260.
55- نفسه ، ص 263.
56- نفسه ، ص 297.
57- نفسه ،ص 335.
58- نفسه ، ص 336.
59- نفسه ، 324-325.
60- نفسه ، ص 326.
61- نفسه ، ص 318.
62- – نفسه ، ص308.
63- – نفسه ، ص296.
المصادر والمراجع
– البجوري ، رفيقة بن رجب ، الأدب الروائي عند غسان كنفاني ،دار التقدم ، تونس ، 1982.
– الحسنية ، نهلة ، أم سعد من المرجع إلى النص ، دراسة في رواية أم سعد ،معرض الشوف الدائم للكتاب, 2002.
– حطيني ، يوسف ، مكونات السرد في الرواية الفلسطينية، منشورات اتحاد الكتاب العرب ،1999.
– خليل ، إبراهيم ، في القصة والرواية الفلسطينية ، نقد ، دار ابن رشد للنشر والتوزيع ، عمان ، 1984.
– خوري ، إلياس ، تجربة البحث عن أفق ، مقدمة لدراسة الرواية العربية بعد الهزيمة ، التحرير الفلسطينية،مركز الأبحاث ، 1974 .
– سالم ، جورج ، المغامرة الروائية ، دمشق ، 1973.
– صالح، فخري ، في الرواية الفلسطينية ، مؤسسة دار الكتاب الحديث ، بيروت ، لبنان ، 1985
– كنفاني ، غسان ،الآثار الكاملة الروايات ، المجلد الأول ، مؤسسة الأبحاث العربية ، ط3، 1986.
– عاشور، رضوى، الطريق إلى الخيمة الأخرى دراسة في أعمال غسان كنفاني، دار الآداب،بيروت،1977.
– عبد الهادي ، فيحاء قاسم ، دراسات أدبية نماذج المرأة /البطل في الرواية الفلسطينية ،الهيئة المصرية العامة للكتاب ، 1997.
– عبد الهادي ، فيحاء ، وعد الغد دراسة في أدب غسان كنفاني ، دائرة الثقافة منظمة التحرير الفلسطينية ، 1987.
– الماضي ، شكري عزيز، الرواية العربية في فلسطين والأردن في القرن العشرين مع ببلوغرافيا ، دار الشروق للنشر والتوزيع ، 2003.
– أبو مطر ،أحمد عطية ، الرواية والحرب ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، الأردن ، 1994.
– نفسه ، أبو مطر، أحمد عطية ،الرواية في الأدب الفلسطيني 1950-1975، دار الحرية ، بغداد ، 1980،ص280.
– مناصرة ، حسين ، المرأة وعلاقتها بالآخر في الرواية العربية الفلسطينية بحث في نماذج مختارة ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، الأردن ،2002.
– النقيب ، فضل ، عالم غسان كنفاني غسان كنفاني إنسانا وأديبا ومناضلا .
– وادي ، فاروق ، ثلاث علامات في الرواية الفلسطينية غسان كنفاني إميل حبيبي ، جبرا إبراهيم جبرا،المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، 1981.
– ياغي ، عبد الرحمن ، مع غسان كنفاني وجهوده القصصية الروائية ،معهد البحوث والدراسات العربية ، بغداد ، 1983.
– اليوسف ، يوسف سامي ، غسان كنفاني رعشة المأساة ، دار منارات للنشر ، 1985.
الرسائل الجامعية:
– خليل ، سائدة سلامة ، التوجهات الاجتماعية والسياسية في ثلاث روايات فلسطينية البحث عن وليد مسعود لجبرا إبراهيم جبرا ، والوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل لإميل حبيبي ، وأم سعد لغسان كنفاني ، رسالة دكتوراه ، جامعة القديس يوسف ، بيروت ، 2009.
– العمري ، أحمد عليان ، المرأة في أدب غسان كنفاني ، رسالة ماجستير ، الجامعة الأردنية ، ، عمان ، 2008.
الدوريات :
– المراكشي ، عمر ، أم سعد والجسر المفتوح ، مجلة دراسات ، العدد 5، شتاء 1991، ص 79

شاهد أيضاً

من رسائل القرّاء والكتّاب الموجّهة إلى الروائي سلام ابراهيم (14) (ملف/62)

إشارة : تجربة رائعة يقوم بها الروائي المبدع “سلام ابراهيم” وهو يؤرشف رسائل قرّائه الكرام …

حيدر حسن جابر: البنية السردية في روايات سلام إبراهيم (رسالة دكتوراه) (14) (ملف/61)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

فاضل البياتي: سنواتُ السبعينات الحُلوة المُرٌّة والذكرى 21 لرحيلِ الشاعر الكبير عبد الوهاب البياتي (ملف/4)

هكذا قررتُ إذن… سأمضي في رحلةٍ ليس بوسعي أن أُحددَ مسافاتها ألآن، ولا أدري ماهي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *