حركة المتخيل في العوالم الممكنة
حول: المعجزة الوهمية قصة قصيرة هادي المياح- العراق
كتابة: علاء حمد- العراق

التحولات النوعية التي تطرأ لحركة المتخيل على صيغة سحر وجودي له الأولية وخارج الوهم، فالقصدية هي التي نميزها بالرغم من أن لحركة المتخيل خارج المألوف له الأثر الفعال في إيجاد عوالمه الممكنة وعلاقاته مع الذات العاملة، ولكن وفي ضوء الفنّ القصصي تختلف الحالة تماما، كما أكد كانت على: التصورات الجمالية والفلسفية المتصلة بالخيال لحظة التحول النوعي ونقطة الفصل في طرح قضاياه والتفكير في اشكالاته ومقارباته.. ومن هنا تكون لعملية الفصل النوعية وما طرحه القاص العراقي هادي المياح من خلال عنونة جادة لكنها خارج الواقع اليومي، فالواقع الذي اعتمده، واقع استثنائي غير مكرر .. المعجزة الوهمية..

عندما تكون المعجزة، يرافقها الترجمة العملية، وإلا لانسميها بالمعجزة دون ترجمة في العقل والبصرية، ولأن المسلك الذي اعتمده القاص، خارج التوهم، فقد اعتمد الوهم، في إدارة العنونة وعلاقتها مع جسد الذات الحركية، وطالما لدينا حركة، فإذن هناك علاقة مع جسد النصّ الحضوري..

ثلاثة شخصيات اعتمدها القاص هادي المياح في قصته.. الباث الأول لنطلق عليه بالعالِم، أو الباحث عن الشيء، والشخصية الثانية الباث الثاني ( الجهاز ) .. والباث الثالث ( الساحر ).. هذا إذا خرجنا عن الباث الرئيسي وهو الناطق الكتابي وعلاقته بالكتابة وهو ( القاص نفسه )، وكذلك الحلم الذي شكل عاملا مساعدا وعلاقته مع جهاز يعمل بالمسح الضوئي للدماغ.

يتجاوز الوصف السردي في قصة القاص العراقي هادي المياح (المعجزة الوهمية )، بالانتقال من الواقع الوهمي إلى الواقع التطبيقي؛ فالجهاز المعمول به لتسجيل الأحلام، ينقلنا من حلم إلى آخر، وخصوصا أن الذي عمل به لسنوات عديدة قد عبر العمل التقليلي الموجز، مما منحنا الباث بالتنقيب والتفكر في القصة والأهداف من خلفها، وهو يعتني بالسرد التسجيلي للأحداث، ويصوره لنا تصويرا فوتوغرافيا كأن التفكر البصري قد تداخل لإيجاد تلك الأهداف؛ إلا أن نتفاجأ من خلال العمل بأن الرجل الباحث يخاف الأحلام منذ صغره، وهي حالة متناقضة مابين الجهاز الذي أوجده وحالة الخوف، وفي نفس الوقت إثارة للمتلقي وما سجله الجهاز من فوارق بينه وبين ملك إحدى الدول النفطية؛ وهذا يدفعنا أن ننتظر الأحلام المسجلة طيلة حياته وهو يدخل الخمسين من عمره، كلّ هذه الأحداث تم تسجيلها في دفتر الجهاز ومحفظته المبتكرة..

إن القاص العراقي هادي المياح، طرح سرديته الواقعية، ونقلها إلى أحلام متتالية، وعبر تلك الأحلام ليضعنا ماوراء الواقع، وفلسفة الحلم من المسميات التي تمنحنا الفطنة والعمل على تواجدنا.. أين يريدنا أن نكون من خلال العمل التلفظي المعمول به كحالة لتشخيص الملامح الجسدية في النصّ القصصي.. فبين الشخص المتواجد بشكل حقيقي وبين جسد العمل المركزي بشكل وهمي، أدار القاص الإجراء للمعاني من الواقع غير المتواجد وإلى واقع القصدية، وهنا نحدد العمل كفكرة مصغرة، وكبرت هذه الفكرة من حالة التفكر إلى حالة المغايرات المتواجدة في فنّ القصة القصيرة.. ونحن نتابع الحدث الدرامي الذي يميل إليه القاص، ففي كلّ مرة يقودنا إلى تنقلات جديدة.. ((قبل بضع ليالٍ، راوده حلم غريب ونادر. هو نفسه المحفوظ في ذاكرته وفي جهازه المسجل، ضمن قائمة تسجيلاته للأيام السابقة. وكان يظهر فيه، يشبه الى حد ما أحد ملوك دولة نفطية.

ولأن تلك الرؤيا تكررت لعدة ليال متواصلة، فقد تلبّسه ذلك الملك بشكل يفوق العقل والتصديق، حتى بات لا يميز بينه وبين الملك. )).. فقد بدأ يرى نفسه على شاشة الجهاز، ومن خلال العمل البصري والتفكر به، استطاع القاص أن يوصلنا إلى فكرة العمل الموجه.. والعمل التوجيهي كذلك، وحالة التفكر هذه أوصلتنا إلى نتائج غير محسومة، وكأننا أمام جهاز يراقبنا نحن أيضا، فمن خلال العمل التوجيهي، وجه طاقته الذاتية للجميع، وجعلها تستنزف القوى على انجاح عمله كمراقب أولي لإيجاد تلك الأسرار الداخلية لذاته من جهة ولذوات الآخرين من جهة أخرى؛ مما أثار الشكوك بالمراقبة والتنصت السري والذي لايعرفه ولا يديره غيره.. وإذا انتهى الرجل الباحث كنهاية من الحياة وأعني ( الموت مثلا ) أو عدم التذكر، سينتهي جهازه المعرفي.. ومن خلال تجربته الموجهة كعمل اجرائي، استدعى ساحرا، فأصبح أمامنا، جهازان، الجهاز الأول المعمول به (جهاز يعمل بالمسح الضوئي للدماغ )، والساحر كجهاز متواجد لايمتلكه هو، بل ملك رجل آخر أوجده كشخصية من السحرة.. والسحر من الممكن جدا معرفة الأشياء والنوايا من خلاله، وكذلك الجهاز الذي سخره كعمل موجه لمعرفة الأحلام والنوايا غير الظاهرة..

إنّ لأهمية هذه الملامح الجسدية والعمل من خلالها؛ تمنحنا حضور الجسد الفيزيقي؛ من اشغال الفراغ التفكري، وخصوصا أن القاص أوجد شخصياته خارج الوهم، وألبسهم ثياب الوهم في عمله الدرامي هذا؛ وأصبح شاهدا أمام الجميع على حضور كلّ شخصية، كحضور ممكن من خلال حركة المتخيل لديه؛ وعندما انتهت تلك الحركة، توقفت الأشياء لديه، ومن خلال المشهد الأخير : (ألقى نظرة قانعة ومتأملة نحو جهاز التسجيل.. سارع بإعادة تشغيله.. بحلق طويلاً في شاشته الصغيرة.. ليس هناك أصوات وإشارات، لا أثر لكائنات تعود لأشخاص معينين أو غير معينين.. ولا وجود للملك الذي تلبّسه طوال تلك الأيام، واستحوذ على تفكيره. انتبه الى نفسه التي بدت مستلبة اكثر من اي وقت مضى. ولبضع ثوانٍ فقط، انكشف له كل شيء، وأيقن بأن هناك من يسرق من دون ان يراه احد او يحسّ به. وان السعادة كقيمة – مطلقة كانت او نسبية – لا يمكن الاحتفاظ بها ابداً. ) .. لذلك فلم يجد من خلال رحلته الطويلة الاحتفاظ بتلك السعادة التي ضحى من أجلها.

إنّ التفكر الجسدي والاجراء التكويني وحركة المتخيل، تقودنا إلى دراسة في الجسد من منظورأنثروبولوجي واجتماعي؛ وهذا مادفعنا على توقف الحياة بالنسبة للجهاز المخترع، وهروب الساحر، كجهاز آخر أحضره الباث لنا.. فنهاية الحياة، هي نهاية السعادة، ولكن ماربطنا هو التواجد المكاني للجسد، مما ظهرت لنا الزمكانية كحالة فريدة من خلال عمل القصة المشبعة بماوراء الواقع، لتقودنا إلى نهاية واقعية وتخبرنا بأن حياة المرء، مرهونة بإصراره على التواجد .. وفعلا أن الحياة يمسكها المرء كأمانة يتمسك بها ولا يهجرها، لانه فيها وهو صانعها..

إن أحوال السرد المحذوفة منها والمتواجدة، ظهرت لنا وظهرت خلاصة الحذف، والتخلص من الوهم، والميول إلى السعادة الحياتية والتي من الممكن جدا أن تنتهي، وفي حالة الانتهاء، ستنتهي المشاهد الوصفية، وتتوقف الفكرة، كحالة تفكرية وحركة المتخيل في الأماكن الصالحة له.

المعجزة الوهمية
قصة قصيرة

هادي المياح – العراق

استعان بجهاز يعمل بالمسح الضوئي للدماغ، باستخدام مجسات استشعار ولواقط ممغنطة. عسى أن يحيط بما يسجله من صور وإشارات او اصوات. أدخل عليه الأوامر والايعازات المطلوبة قبل حلول الظلام، وارتدى ملابسه الخاصة وظل ينتظر حتى يداهمه النعاس وينام. كان تواقاً للنهوض في الصباح التالي، ليطلع على ما التقطه الجهاز من تفاصيل حلم غير مألوف. وحيث انه يتقن استخدام الأجهزة الإلكترونية منذ سنوات، ويتابع ما يستحدث عليها من تطورات، فقد كرس معظم وقته وجهده لذلك. ولم يصدق أن يصل به العمر إلى الخمسين بهذه السرعة ويستنفد الكثير من قدراته ووظائفه. فقد بات الآن لا يقوى على التذكر. وهزل جسمه. واصبح سمعه ثقيلاً، وكان قبل ذلك يسمع دبيب الحشرات وبوق القطار من مسافة بعيدة. صار يميل إلى النوم. فابتلى بأحلام اعتباطية، تشبه تخيلات لا صلة لها بالواقع. كان لا يحب الاحلام منذ صغره، بل يخافها لأن أكثرها دهشة، ما يجعله يطير في الهواء، ثم يقع منكفئاً على وجهه. لم يكن يميل للأحلام الفارغة التي لا تحمل معنى او منطق. قبل بضع ليالٍ، راوده حلم غريب ونادر. هو نفسه المحفوظ في ذاكرته وفي جهازه المسجل، ضمن قائمة تسجيلاته للأيام السابقة. وكان يظهر فيه، يشبه الى حد ما أحد ملوك دولة نفطية. ولأن تلك الرؤيا تكررت لعدة ليال متواصلة، فقد تلبّسه ذلك الملك بشكل يفوق العقل والتصديق، حتى بات لا يميز بينه وبين الملك. وفي أول ظهور له بملابس الملك، على شاشة الجهاز. انبهر بشدة، ووجد نفسه بحاجة ملحّة الى تحقيق الكثير من رغباته المكبوتة،(وإن حدث ذلك بعيدا عن الواقع)،خاصة عندما رأى نفسه يدخل القصر الملكي أنّى شاء، ويلتقي بمن يريد من العائلة المالكة وحاشيتها. هذا الحلم جعله يستعيد معظم نشاطه وقدراته التي تبددت في الفترة الأخيرة. فصار مولعاً بمشاهدته على الرغم من قصرِ مدة التسجيل التي لا تتعدى الثواني.أغراه ذلك وأصبح أسيراً لتخيلاته ودوافعه المكبوتة دون أن يدري. وصار يطمح بأن يتعرف على أسرار القصر مستفيدًا من ذلك التشابه المريب مع الملك، وأن يقوم بكافة الصلاحيات خاصة بغياب الملك. أوصله هذا التخيل الى قمة السعادة والنشوة. لكن السعادة لا تدوم، سواء كانت في الحلم أو في الواقع. لعلّه يعرف هذا جيداً. ومن أجل ذلك، فكر بطريقة أبعد وأعمق، في محاولة للتحكم بأحلامه، وجعلها تبقى أطول فترة زمنية ممكنة. في خطوة متقدمة كهذه، فكّر انه لابد ان يتواصل مع قوة غيبية أو اي شخص يمتلك قدرات سحرية. وبعد أن ناقش الأمر مع نفسه، فضل الاختيار الثاني، لقناعته بأن القوى الغيبية لا دَخْلَ لها في الحقول التجريبية. فاختار أن يطلب المساعدة والعون من ساحر مشهور. استشار أحدهم وكان مشهوداً له بقدرته على الطيران في الهواء والمشي فوق النار أو الماء، ولديه قابلية على تسخير واستجلاب ما هو بعيداً بطرفة عين. أخبره الساحر: ان هذا الامر يحتاج الى معجزة أو شبه معجزة! ، لكنّه لم يتوانَ عن الموافقة بشرط أن يحيطه علماً بالغاية من كل ذلك، وأن لا يحدث ما يحمله على الاستيقاظ من نومه بشكل مفاجئ ولأي سبب. لم يبد تثاقلاً من عرض الساحر، لأنه كان يبحث عن تذوق السعادة لفترة أطول وأن يعيش حياة الملوك حتى لو كان ذلك في حلم. وبعد مداولات، توصل الطرفان الى حل مقنع. بأن تكون أول ليلة تجريبية، للتحقق من نجاح تجربة الساحر. بعدها يتم إحاطته بكل التفاصيل الدقيقة. في تلك الليلة ظلَّ يتقلب في فراشه، يغالبه النعاس لساعات طويلة. على أمل أن ينام ويحلم فيتلبّسه الملك كما في كل مرة. وازداد ولعاً وفضولاً في الوصول بسرعة الى أهدافه.. كان ينتظر أن تتحقق المعجزة في هذه الليلة بالذات، لأنها تمثل له الليلة التي تتمم لياليه. وإذا لم يحالفه الحظ ويحلم ، فعليه أن ينتظر ظهور القمر بدراً في العام القادم ، كما أخبره الساحر. شغلته دقات الساعة الجدارية المرققة عقاربها بالذهب، التي ورثها عن جدٍه، فسارع على الفور لإيقاف ذلك الجرس اللعين الذي يُذهب عنه النوم، او يعمل على إيقاظه. لكنه توقف عن ذلك، لأنه تذكر ملابسه الخاصة ومجسات الجهاز المثبتة بها. كان يعوّل كثيرا على نجاح فكرته بتطوير الجهاز وبنفس الوقت استخدامه كمراقب سري لعمل الساحر. كان يأمل بشدة أن يرتدي ثياب الملك الفضفاضة، أثناء حلمه المرتقب. وراح يتخيل كأنه ارتداها فعلا، فرأى نفسه يتبختر بها هنا وهناك، في ممرات حدائق القصر الغنّاء حيث تطل عليها نوافذه الكبيرة . اشتدت به التخيلات وأخذ يستجمع كل رغباته المكبوتة في اللاشعور. وكان مصدر إغوائه الوحيد في كل ذلك، هو القصر. في صورة اخرى ، وجد نفسه وقد بدت عليه ثياب الملك مناسبة جدًا وهو يطوف بين أروقة القصر ومراياه، مما زاده ثقة وهو في طريقه لتفقد الجميلات من الحاشية. لكن النوم لم يأته هذه الليلة، كما في كل مرة . وبقي وعيه مرهوناً بوجود أميرات القصر وجواريه.. مما جعله يخوض طويلا في تخيلاته بكل التفاصيل الدقيقة اللازمة لتجربته الفريدة. عندما استيقظ، وجد نفسه مستلقياً على سريره ، غير قادر على الحركة وتَفقُّد الأشياء. ولا حتى أن يميز بينها. تخلص دون وعي من اللواقط والمجسات.. وبنظرة متفحصة الى معالم غرفته، تأكد له ان عملية المسح لم تكن محصورة في رأسه فقط، بل امتدت لتشمل مساحات أخرى، ضمّت معظم محتويات الغرفة. حيث لاحظ خللاً واضحاً في ترتيب أشيائه وممتلكاته. ثم سمع صوتاً يشبه حفيف رياح او وصوصة عصفور تأتي من مسافة بعيدة. سرّه ذلك وشعر بارتياح شديد. فقد أدرك أنه قد نام ليلة البارحة. ألقى نظرة قانعة ومتأملة نحو جهاز التسجيل.. سارع بإعادة تشغيله.. بحلق طويلاً في شاشته الصغيرة.. ليس هناك أصوات وإشارات، لا أثر لكائنات تعود لأشخاص معينين أو غير معينين.. ولا وجود للملك الذي تلبّسه طوال تلك الأيام، واستحوذ على تفكيره. انتبه الى نفسه التي بدت مستلبة اكثر من اي وقت مضى. ولبضع ثوانٍ فقط، انكشف له كل شيء، وأيقن بأن هناك من يسرق من دون ان يراه احد او يحسّ به. وان السعادة كقيمة – مطلقة كانت او نسبية – لا يمكن الاحتفاظ بها ابداً. ثم لمح بعينيه، الجانب المعتم من وجهِ الساحر وساقيه، وهو يتسلل من باب الغرفة الآخر، خارج المنزل. و سمع من تلك الناحية صوت دقات الساعة ذات العقارب الذهبية، وهي ترّن بقوة.

شاهد أيضاً

مي زيادة وولي الدين يكن: علاقة أساء فهمها وتصويرها الباحثون!
مولود بن زادي– لندن

“أكتب هذه المقالة سعيا لتوضيح العلاقة التي جمعت الأديبة مي زيادة بالشاعر ولي الدين يكن، …

نجومية الشعر العراقي
عبد علي حسن

توقفت ظاهرة النجم في الشعر العراقي وربما العربي أيضا عند الجواهري ، وحلّت مكانها ظاهرة …

يقظة المحسوس في التصوير الشعري في نصوص الشاعر السوري هاني نديم
الإهداء: إلى شهداء انتفاضة التحرير المجيدة
كتابة: علاء حمد-العراق

إشارة : أمام هذا النشاط الثر والمُثقل بالأطروحات الجديدة للناقد العراقي المبدع “علاء حمد” لابُدّ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *