نجمان ياسين.. مورخاً وقاصاً
د.أوس عبد الجبار
باحث في التأريخ والتراث الإسلامي

“امسكت بقلبي ارجوه ان يكف عن الخفقان بكل هذا الألم ، وأصغيت الى قلب الأرض يخفق ، وسالت نفسي : كيف يمكن ان يكون صوصي اكثر عقلا من كل مجانين دنيانا ؟ ” .
رواية جنون وما أشبه

على مر التاريخ انجب الموصل مبدعين كُثر كان لهم أثر عميق وصدى واسع في مجالات مختلفة ، اثرى هذا الإبداع حقول معرفية مختلفة ، فلنا الحق ان نفخر بهم خصوصا انهم ينتمون لذات المدينة التي ننتمي اليها ، من هذه الأسماء على سبيل المثال لا الحصر ( اسحق الموصلي وزرياب وابراهيم الموصلي وابي تمام والازدي والموسيقار العظيم عثمان الموصلي وابن الاثير ومراد الداغستاني وراكان دبدوب وشاذل طاقة وجواد سليم وكامل الدباغ وصالح احمد العلي وصولاً الى نجمان ياسين).

لماذا وقع الاختيار على نجمان ياسين من بين كل هؤلاء المبدعين ، لسببين بسيطين أولهما ان نجمان ياسين قرات له وعاشرته فانا شاهد عيان على هذه الشخصية الكبيرة اما ثانيهما فهو استاذي وملهمي فقد تاثرت به وبفكره وفلسفته ورؤيته للتاريخ .

نجمان ياسين من مواليد الموصل 1952 ولد في أزقة الموصل القديمة ونشأ بها وما روايته العظيمة جنون وما اشبه الا رجوع بالذاكرة الى مواطن الصبا ومرابع الطفولة فهي برايي المتواضع عملا أدبياً مبهراً فضلاً عن ذلك فهي مشاهدات حية وتوثيق تاريخي وذاكرة مدينة لحقبة من تاريخ الموصل وتحديدا شارع الفاروق فهنا تكمن عبقرية هذا العمل وهو المزج وتوظيف الأحداث الحية مع النص الادبي ذو اللغة الأدبية العالية فينقلنا الى عوالم الطفولة وكأننا نشاهد فلم سينمائيأ من خلال عبقرية وخيال نجمان ياسين .

نجمان ياسين مفكر موسوعي فقد حظرت له محاضرات وندوات عدة ففي كل مرة اقف مذهولاً امام تلك الذاكرة و وسط هذا الإطلاع العجيب فياخذنا تارةً الى الأدب الروسي فيبحر بنا إليه من دون توقف لوهلةٍ واحدة فكانهُ عاشَ معهم ، ثم ياخذنا تارةً أخرى الى أدب أمريكا اللاتينية فكأنما يقول لسان حال المتلقي لابد لهذا الرجل قد عاش معهم . ثم يخطف عقولنا وادراكنا الى بزوع الحضارات فيحدثنا عن الآلهة القديمة وعن ملوك تلك الحقب ثم يذهب بنا الى عصور أموية وعباسية ، وهنا يقف المتلقي مذهولا من هذا الرجل الموسوعي وهو يضاهي عمرو بن بحر الجاحظ وأبو حيان التوحيدي وابن مسكويه واخوان الصفا في سعة علمهِ وإطلاعه و موسوعيتهِ فعندما انصت اليهِ اجد نفسي تائهاً كقطرةٍ ببحر . قال عنه الشاعر الكبير معد الجبوري : “إن نجمان ياسين قاص كبير ظل ممسكاً براية حضورهِ المتالق ، وهو يقف بصوته المتوهج وبصماته الخاصة في واجهة المشهد القصصي العراقي والعربي ، ويسعى الى حضور أبعد وأوسع بخطى واثفة وثابة” . وقال عنه أيضا اللغوي الكبير عمر الطالب : “وفي ظني ان نجمان ياسين في مجموعته ذلك النهر الغريب يعد واحدا من الكتاب العرب الذين احسنوا استخدام التراث الشعبي المحلي وتقديمه في اطار فني جذاب وهي سمة لايستطيع ان يمتلكها أي كاتب كان ” . أما في مجال التاريخ نجدهُ يقرأ التاريخ بعيون مختلفة غير مألوفة ، ولهُ رؤيتهُ وفلسفتهُ الخاصة فمن يقرأ الزواج في الإسلام والتاملات في التاريخ الاجتماعي والاقتصادي الإسلامي يدرك ذلك جيداً . إن كتاب ’’التأملات’’ بتناوله مواضيع غاية في الأهمية وتطرقه إلى مسائل خطيرة يوضح لنا من خلال لغتهِ العالية بالكتابة وذكاءه العميق الحذق نقد الكثير من النصوص التي تعد لدى غيره من المسلمات فيحللها تحليلاً عبقرياً ويسلط الضوء على الكثير من المغالطات التي يجهلها البعض ثم يصححها لنا . كما ويعد كتاب التأملات كتاباَ هاماً جداً ويجب أن يكون منهجاً دراسيا لطلبة الدراسات الأولية ولكل باحثٍ أيضا لما يحويه من مواضيع هامة وعميقة في الجوانب الاجتماعية والاقتصادية لم يتطرق إليها احد من قبله إلا ما ندر . يسعى كتاب التاملات الى معالجة الكثير من المفاهيم الخاطئة والنصوص الملتبسة ويجيب على الكثير من الأسئلة التي ظلت زمنا طويلاً بلا أجوبة إذ تم إغفال العديد من الجوانب الاجتماعية في الدراسات التاريخية وتركزت جل تلك الدراسات على جوانبٍ سياسية وعسكرية غير مكترثة إلى حياة تلك المجتمعات المغلوبة كيف كانت وكيف عاش فقرائها ومحتاجيها فجاء كتاب التأملات ليسلط الضوء على كل تلك المفاصل التي اًغفل عنها سواء بشكل متعمد أو غير متعمد .

للدكتور نجمان ياسين اكثر من ٤٠ كتاباً مفردا و ٢٥ كتاباً مشتركاً وبحوث لاحصر لها وتنوعت هذه الكتب بين التاريخ والحضارة والشعر والقصة والرواية والنقد الادبي والفني والتاريخي . لقد كتب عن نجمان ياسين كثيرون وما هذه المقالة الا محاولة بسيطة احببت ان اقدم فيها للقارئ تصوراً بسيطاً عن شخصية هامة ومؤثرة اثرت بنتاجها ميدان الادب والتاريخ .

شاهد أيضاً

دفاتر قديمة
في رحاب الترجمة
ناطق خلوصي

يمكن القول بأن الترجمة ، وأعني هنا ترجمة النصوص الثقافية ،على صلة مباشرة بالموهبة. فلولا …

نـجيـب طــلال: باب ما جـــاء في احتفاليـــة “كــورونـــا” (01)

عــتــبة التـحَـول : كما يقال” إذا عمت المصيبة هانت ” ومصيبتنا في وباء كورونا الذي …

لن يثنينا فايروس كورونا المستجد عن تعقب الجمال
أحمد رامي وأم كلثوم ..خمسة عقود من الود والحب الضائع
عبد الهادى الزعر

يرتبط اسم الشاعر أحمد رامي في ذهني وربما في أذهان الكثيرين بشيئين الأول — أغاني …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *