د. قيس كاظم الجنابي: المقالة الأدبية عند أحمد حسن الزيات

توطئة:
اقترن الكاتب أحمد حسن الزيات ( 1885-1968م)، بمجلة (الرسالة) وهي مجلة اسبوعية للآداب والعلوم والفنون، التي كان رئيس تحريرها ، فصدر العدد الأول منها بالقاهرة (يوم الأحد 18 رمضان / 5-15 يناير سنة 1933م)، استهله بافتتاحية عنوانها (الرسالة)؛ورد فيها ،ان تقادم طغيان الرسالة بصقل الطبع، وبهرج الأدب بتثقيف الذوق، وحيرة الأمة بتوضيح الطريق.
ثم أشار الى خطة هذه المجلة بقوله:” أما مبدأ الرسالة فربط القديم بالحديث ،ووصل الشرق بالغرب فربطها القديم بالحديث تضع الأساس لمن هار بناؤه على الرمل ،ويقيم الدرج لمن استحال رقيه بالطنور! وبوصلها الشرق بالغرب تساعد على وجدان الحلقة التي ينشدها . صديقنا الاستاذ أحمد أمين في مقاله القيم بهذا العدد”.(1)
ومن هنا اقترنت المقالة بمجلة (الرسالة)، فازدهرت في النصف الأول من القرن العشرين ،وبلغت ذروة مجدها الأدبي ، ثم جنحت شمسها نحو الأفول بسيادة المنحى الواقعي في الأدب وظهور أنواع أدبية صرفت المواهب اليها كالشعر الحر وقصيدة النثر، فصار من يمتلك جذوراً في الشعر – وهو ما لا بدّ منه للمقالة الأدبية – يتجه الى مزاولة الشعر الحر أو قصيدة النثر لشيوع هذين الضربين، وللظن الغالب أنّ من يكتب فيهما يلق من التقدير الأدبي أكثر ممن كتب المقالة الأدبية.(2)
وحي الرسالة:
في مقدمته لكتابه (وحي الرسالة) اشارة واضحة الى علاقة مجلة (الرسالة) بتطور المقالة الأدبية في مصر والأقطار العربية، إذ يقول:” اخترت لك هذه الفصول مما كتبته للرسالة في ست سنين. وكان من عادتي أن أكتب الفصل منها في أصيل يوم السبت من كل أسبوع، ثم لا اكتبه طوعاً لتأثير قراءة أو تحرير فكرة أو تحبير رأي ،إنما كان أثراً لوحي ساعته، أو حديث يومه أو صدى أسبوعه”.(3) وتاريخ كتابة المقدمة في أول يناير( كانون الثاني) 1940م، بعد أن تفاقم تأثير مجلة (الرسالة)، وتفاقم حضور الزيات كاتباً بارعاً للمقالة الأدبية، والصحفية.
كانت المقالة الأولى في كتاب (وحي الرسالة)، بعنوان ( في الجمال)، وهو عنوان مختصر ومؤثر، ويجمع فيه أنماط الجمال وأجناسه ، فقد عرّفه تعريفاً واضحاً وجميلاً، بقوله:” الجميل في اجماع الناس هو ما ينشئ في الذهن فكرة سامية عن الشيء في الطبيعة أو عن الموضوع في الفن ، فبعث في نفسك عاطفة السرور منه والاعجاب به”.(4)

وقد قسّم هذه المقالة الى أربع فقرات، وفصّل في كل فقرة جزءاً من فكرة الموضوع؛ مما يعني أنه قسّم الموضوع الى أربع جوانب، فتحدث عن الجانب الواحد عبر اتجاهين أو وجهين، وهذا يضمن له حُسُن متابعة القارئ وابعاد الملل عنه، فهو كاتب وصحفي يهمه اقناع المتلقي واستمرار متابعته ومتابعة المجلة.
المقالة الانشائية:
أسلوب المقالة الأدبية وطريقة كتابتها تجعل المقالة جنساً أدبياً ، يمازجه – بعض الأحيان – التوجه الصحفي ،ولكن الزيات أديب بالدرجة الأساس، وصاحب موقف ورسالة، أي له مهمة غايتها ايصال الفكرة الى القارئ، وتوجيه الأجيال، واستقطاب الأقلام، وفي ميدان هذا الجنس الأدبي ثمة فواصل وتوجهات لكتابة المقالة الأدبية، التي تنساب بالتدريج نحو الصحافة أو السياسة، مع أنه يشير في ديباجة العدد الأول أنه يريد أن يبعدها عن السياسة قدر الامكان، ولكنه توفيقي بين التراث والمعاصرة بطريقة ما؛ وقفت مجلة ضد الحداثة فيما بعد. ومقالته في غالب الأحيان في كتاب (وحي الرسالة) مقالة انشائية ،وليست نصاً يتكئ على ما سبقه، ولكنها ممكن أن تتوجه نحو الكتابة النقدية والفكرية.
أول ما يواجهنا في هذا الميدان ، هو علاقة المقالة الأدبية، بالإنشاء ، بوصف الانشاء وسيلة ابداعية لإنتاج النصوص (الشعرية ، المسرحية، القصصية)، على أقل تقدير، وفي تلك المرحلة ؛ فالتعبير الانشائي ينبثق من قدرة الكاتب على توظيف ثروته الثقافية لكتابة نصوص نثرية جديدة ،ولكن الزيات يميل بعض الأحيان، الى الانشائية الصافية والخالصة في الكتابة، أو القريبة من الموضوعات المشتركة( السياسية، الاجتماعية، الثقافية)؛ كما في قوله:” ففي الربيع يشتد الشعور بالجمال ،وبالحاجة الى التجميل ، فترى الشباب بجنسيه يستعير ألوان الرياض وعبير الخمائل ومرح الطيور، ويحتشد في دور الملاهي وصدور الشوارع، فيخلع على الوجود وضاءة الحسن ،وعلى الحياة رونق السعادة”.(5)
وأحياناً يميل الى الكتابة القريبة من القصة، كما في مقالته ( على الشاطئ)، ولكنه في المقالة الانشائية الخالصة التي يتكلم فيها عن بغداد، من خلال تناوله لحديقة (النادي العسكري)، يوظف الشاعرية ليحلق مع رؤى الشعر وأحلام الشعراء، كما في قوله:
” يا دجلة، يا سجل الأمم وراوية العصور ! لشد ما فنيت في خريرك ضحكات ،وامتزجت بنميرك دموع، وخفيت في ضميرك أسرار ! لقد رأيتك بالأمس ضارعاً قد لصق خدك بالأرض حتى همَّ بخوضك الخائض، وهمدت حياتك حتى أوشك أن يسكن عرقها النابض”.(6)
فجمال الصورة وجمال العبارة ، وكمال الموضوع وجاذبيته ،هو من موصفات هذا النوع من المقالة التي دعاها بعض الباحثين بمقالة(الفكر)، لأنها باعتقاده ” تعالج شؤون الفكر بقلم الأديب المنشئ وذلك أمرٌ أن وفر شرط الجمال في النص الأدبي فانه لا يهيئ للفكر من سعة وشمول واستقصاء ونهد الى الجذور ، فلا غرو، ذلك أن الزيات كاتب منشئ أديب في أصل مواهبه”.(7)
ولعلنا نستطيع أن نرى بأن مقالته (في الأقصر) تبدو خير مثال للمقالة الأدبية والإنشاية، كما فيقوله:
” أشرقت الشمس علينا كما كانت تشرق منذ آلاف السنين على سيتي ورمسيس ، فهي وحدها المخلوق الذي شهد ضخامة الماضي ويشهد الآن ضآلة الحاضر! فليت شعري ماذا تقول ذُكاء[الشمس] في هؤلاء الأقزام الذين يحجون اليوم (طيبة) مختالين على مركب ليس لهم في صنعه قسط من حديد ولا خشب”.(8)
في الأسلوب:
أسلوب الزيات في المقالة الانشائية أو غيرها ، يقوم على استخدام أساليب لغوية ونحوية كأسلوب الاستفهام /السؤال ، ثم الاجابة عن السؤال، كما في مقالته (ما الجمال)، ومقالته( لماذا ترجمتُ آلام فارثر)؛ حيث ينهي المقالة الثانية بقوله:” فتنت في “جيته” وقادني إلهامه وروحه ،وأهبت بلغة القرآن والوحي أن تتسع لهذه النفحات القدسية، فأسعفتني ببيانها الذي يتجدد على الدهر ويزهو على طول القرن”.(9)
ويقول الزيات عن الأسلوب في مقالته ( حاضر الأدب العربي)، التي كتبها في (26آب 1950م)، مشيراً الى الأسلوب الذي يرى فيه أنه أسلوب من أساليب التعبير لا هو كلّها ولا هو خبرها؛ وإنما هو أسلوب تقتضيه حال ، كما تقتضي غيره أحوال. فالسعي لتغليبه على غيره من الأساليب مخالفة للطبيعة ومجافاة للطباع. والمعروف في تاريخ الآداب أن المذاهب الأدبية والأساليب الفنية هي التي تتنافس في الشيوع وتتفارس على البقاء”.(10)
ومع ذلك فإنّ للزيات مقالات آنية ومناسباتية (سياسية واجتماعية)،مثل:( العيد، العام الهجري، يوم الجمعة ،الحج ، المولد،…)، وغيرها. وله مقالات تتناول بعض الأعلام والشخصيات والأمكنة والحوادث، كما له مقالات أدبية هي من صميم الأدب، كما في قوله في بعضها:” الأدب عبير الروح وشعاع النفس ونضج العواطف، بتأثر حتماً بما ينال أولئك من تطور الحياة وتغير الناس وتقلب الزمن. فهو يطيب أو يخبث، ويضطرم أو يخبو، ويمرّ أو يحلو ، تبعاً لما يعرض للروح والنفس والعاطفة من أحوال الضعف أو القوة ،والفساد أو الصلاح ، والانحطاط والسرور”.(11)
المقالة الشخصية:
يهتم الزيات بالكثير من الشخصيات والأعلام، مثلما يهتم بالكتب والتصانيف ، ومقالاته عنها تقف عندها راسماً ملامحها معرباً عن خلجاته وهو يصورها تصويراً يبرز ما لها من مزايا وعيوب، ويبيّن أنّ المقالة لذ ترسم شخصية ما فإنها تقترب من القصة وتقتبس من المشهد المسرحي ،وتشابه نبضات الشعر.(12)
ومن تلك الشخصيات شخصية (محمد عبده)، المصلح الكبير ، الذي تربى في مدرسة جمال الدين الأفغاني، اذ يقول عنه:” عجيب عجيب! شيخ يلبس حلة مقطوعة الكُم ، ضيقة الرُّدن، مبنقة الجيب، ويقيم على طربوش كطرابيش الأفندية، وينتعل حذاء كأحذية الفرنجة، ثم يتكلم الفرنسية، ويصاحب الخواجات، ويغشى بلاد الكفر، ويترجم كتب أوربا، ويأخذ من جمال الدين،ويدرس المنطق على رغم ابن الصلاح، ويُريد أن يُدخل غي الأزهر علوم المدارس، ويشتغل بالأدب، وينشئ المقالات للصحف؛ ثم يحرم ” الدوسة” ،وينكر الوسيلة ،ويحلّ الموقوذة ، ويسوّغ لبس القبعة ،ويجيز الربا في صناديق التوفير ،ويحاول الاجتهاد ،ويفسر القرآن على غير طريق السلف..!
نعوذ بالله من هذه المحنة ،وعواقب هذه الفتنة ،ونسأل أن يقضيها منهج السنّة وعقيدة الجماعة…”.(13) هذا ما قاله الزيات على لسان العلماء، ثم قال:” هكذا يقول جمهور “العلماء” في صحن الأزهر حين انبلج نور الاصلاح من جبين محمد عبده”.(14)
وهو في كلامه هذا لا يجانب الصواب ،ولكن أسلوب كتابة مثل هذه المقالة وردود الأفعال المتوقعة قد لا يمكن مواجهتها لولا توافقية المجتمع المصري وميله للحوار، ولكن قلم الزيات هنا يتميز بسلاسة التعبير ،وجمال اللغة ،وتدفق الوجدان، والموضوعية في التناول.
أما موقفه من المنفلوطي ، فكان كما قال عنه:” كان المنفلوطي قطعة موسيقية في ظاهره وباطنه فهو مؤتلف الخلق ، متلائم الذوق، متناسق الفكر، متسق الأسلوب، منسجم الزي، لا تلمح في قوله ولا في فعله شذوذ العبقرية ولا نشوز الفدامة. كان صحيح الفهم في بطء، سليم الفكر في جهد ، دقيق الحسّ في سكون، هيوب اللسان في تحفظ”.(15)
وله مقالة عن العقاد، ولكنه تناول فيها روايته/ سيرته (سارة)، فقال عنه:” أما أسلوب (سارة) فهو أسلوب العقاد: صريح لا رغوة فيه، جلي لا غبار عليه، مستقيم لا التواء به. يتصل فيه اللسان بالعقل فلا يغلو، ويعتمد فيه القلم على القريحة فلا يهن. على أنّ العقاد في سارة قد احتفل لإسلوبه واحتشد لفنه فجاء على النمط العالي ، لا تجد خللاً في سبكه ،ولا قلقاً في اطراده ،ولا وهناً في منطقه ،ولا سقطاً في ألفاظه، ولا شططاً في معانيه . وفي رأيي أنّك لا تعرف العقاد على حقيقته انساناً وفناً الا في (سارة).”.(16)
وهو تشخيص لطبية رواية السيرة، والاحتفاء بالفن مع الذات.
مقالة البوح:
أفرد أحد الباحثين تعريفاً، لمقالة البوح، ذكر أنها هي الأرقى بين مقالات الزيات، ذلك أن المقالة الأدبية صنو القصيدة الغنائية، كلتاهما تعلو اذا ما سلكت سبيل البوح وبث المواجد، واذا كانت المقالة الأدبية حديث صديق الى صديقه ،ومسامرة ترفع فيها الحجب وتتحف بها الأنفس مما يرهقها ويثقل عليها ، فإنّ منحى البوح أقرب المناحي اليها؛ يصل بين الكاتب وقارئه صلة ألفة ومحبة، ويجعل الكاتب لدى قارئه ضيفاً غير مملول.(17)
ولعل مقالته (ولدي) في (6 نيسان 1936م)، التي بدأها بقوله:” يا قارئي أنت صديقي فدعني أرق على يديك هذه العبرات الباقية! هذا ولدي كما ترى ،رزقته على حال عابسة كاليأس ،وكهولة يائسة كالهرم، وحياة باردة كالموت، فاشرق في نفسي إشراق الأمل، وأورق في عودي إيراق الربيع ،وولّد في حياتي العقيمة معاني الجدّة والاستمرار والخلود!”.(18)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- مجلة الرسالة ، س(1)، ع(1) ، (القاهرة، 1933م)، ص 3.
2- أدب المقالة وأدباؤه ( سعيد عدنان)، ص 44.
3- وحي الرسالة: أحمد حسن الزيات، مكتبة نهضة مصر ، ط2(القاهرة، 1376هـ/ 1957م)،1/ المقددمة.
4- وحي الرسالة (الزيات)، 1/1.
5- وحي الرسالة، 1/ 15.
6- وحي الرسالة (الزيات)، 1/ 56.
7- أدب المقالة وأدباؤها( سعيد عدنان)،ص 149.
8- وحي الرسالة (الزيات)، 1/83.
9- وحي الرسالة (الزيات)، 1/44.
10- وحي الرسالة ( الزيات)، 1/228.
11- وحي الرسالة (الزيات)، 1/ 123.
12- أدب المقالة وأدباؤها، ص149.
13- وحي الرسالة (الزيات)، 1/247.
14- وحي الرسالة (الزيات)، 1/248.
15- وحي الرسالة (الزيات)، 1/387.
16- وحي الرسالة (الزيات)،1/423-424.
17- أدب المقالة وأدباؤها (سعيد عدنان)، ص155.
18- وحي الرسالة (الزيات)، 1/ 303.

شاهد أيضاً

نجومية الشعر العراقي
عبد علي حسن

توقفت ظاهرة النجم في الشعر العراقي وربما العربي أيضا عند الجواهري ، وحلّت مكانها ظاهرة …

يقظة المحسوس في التصوير الشعري في نصوص الشاعر السوري هاني نديم
الإهداء: إلى شهداء انتفاضة التحرير المجيدة
كتابة: علاء حمد-العراق

إشارة : أمام هذا النشاط الثر والمُثقل بالأطروحات الجديدة للناقد العراقي المبدع “علاء حمد” لابُدّ …

“مسافر إليكِ” وليد يفتقر إلى الشرعيّة والفنّيّة
فراس حج محمد/ فلسطين

الكتاب الجديد للشاعر محمد علوش “مسافرٌ إليكِ” (2020)، ليس صادرا عن دار نشر. يقع في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *