ناطق خلوصي: دفاتر قديمة.. ما يشبه الخصام (ملف/6)

إشارة :
رحل القاص المبدع والروائي الرائد “عبد المجيد لطفي” تاركا منجزا قصصيا وروائيا ومسرحيا كبيرا لم ينل العناية النقدية الكافية. وفي لقاء أخير معه نُشر في مجلة آفاق عربية في الثمانينات قال إن لديه أكثر من 80 مخطوطة لكتب لم تُطبع. أين أصبحت؟ وكيف سنجدها مادام كل مبدع عراقي يرحل وتضيع آثاره (مخطوطاته ومكتبته الشخصية خصوصا) برحيله؟ مقالة الروائي الكبير ناطق خلوصي التي تفتتح بها أسرة موقع الناقد العراقي ملفها عن الراحل الكبير تكشف الكثير عن ريادة لطفي في الفن السردي العراقي والخلاف حول ريادته لقصيدة النثر وغيرها. تدعو أسرة الموقع الأحبة الكتّاب والقرّاء إلى المساهمة فيه بالمقالات والصور والوثائق.

كان الدكتور عبد الإله أحمد قد قال في كتابه ” نشأة القصة وتطورها في العراق للفترة 1908 ــ 1939م “الصادر أوائل العام 1969 ، وهو يتحدث عن جيل القصاصين الرواد ، أن قصصهم تحقق تطوراً في التقنية والمضمون وأضاف: ” ان أجمل قصص هذه المجموعة قصة عبد المجيد لطفي ” ليلة كؤوس وذكريات ” (المنشورة في جريدة الحاصدفي كانون الثاني1937 ), فكتب له القاص رسالة هذه مقاطع رئيسية منها :
الأسناذ الفاضل عبد االاله أحمد المحترم :
تحية طيبة وتمنيات حارة لأنجح الأعمال والدراسات النافعة ولصحة مقيمة . وبعدفقد اسعدت مؤخراً بالحصول على مؤلفك الثمين الجليل النفع ….. لقد فرحت جداً بالجهد الطويل الصابرالذي انتهى إلى حصيلة رائعة فليس بالشيءالقليل أن يظفر المرء بكتب من هذا النوع في هذه الأيام التي راح الناس فيها ــ قراء وباحثين ــ يركضون وراء كل ما هو سهل المأخذ والعطاء…… لقد وجدتك مع بواكير قصصي أكثر من عادل ،وحتى لكأني أرضيتك بتلك المدارج القلقة حتى حابيتني في بعض أحكامك . والحقيقة يا أستاذ عبد الاله إني لا أكاد أتعرف على قصصي الماضية وتبدو لي أحياناً غريبة وكسيحة وتستحق الشفقة والرحمة ، حتى اني فقدت معظم ما كتبت في تلك السنوات البعيدة . وانه من الصعب الوقوف على نقاط التقاء بين قصصي البدائية الساذجة وقصصي الجديدة القائمة على تجربة غنية ومريرة . وليس هذا مدحاً لها ، فهذا بعض ما تهبه الأيام لقاء ما تأخذ منا من عمر ثمين .ولأنني أتوق إلى أن تتوج مواهبك وبدايتك الدراسية الموفقة بالدكتوراه في القصة أيضاً اتماماً للبحث والتاريخ فسأبعث لك عما قريب بمجموعة من قصصي المتأخرة للاطلاع ما وسع الفراغ .فقد أعطيت يا استاذ أحمد للبحث قيمة تاريخية وأصالة لأنك قرأت ما يستهلك شهوراً من الوقت واندفعت بحماس الشباب في كل مظان الأدب المهجور واتحت لنا ، نحن الذين فقد معظمنا بواكير ما أنتج ، أن نقع على ما فقدنا لنرى فيها ما كنا فيه وما صرنا فيه ، وفينا من ذهب إلى اخراه ومنا من ينتظر ولا يكف عن الانتاج والعطاء. بقيت ملاحظة وددت أن أفيها بعض الحق في ما يخص الرومانسية التي رأيت أن قصصي في تلك المرجلة اتسمت بها. فالرومانسية يا استاذ عبد الاله ليست مرحلة . انها امتداد طويل وأبدي لإنسانية الانسان ، والتعبير عن مشاعره بصدق وحرارة . فالرومانسية كانت وستبقى لأنها أصيلة ولصيقة بالمشاعر الانسانية لأنها إحياء أو تطبيق للأحكام والأخيلة والرغبات .وإذا كان الماضي يكسبها طابعاً من الشجن بوصف دقائق المشاعر وقيود المجتمع ،فإن العصر الراهن الأكثر ماديةًً وانكشافاً في كل شيء هو ايضاً عصر رومانسي من نمط جديد ، صريح ومنطلق وشجاع في تناول قضاياه الأساسية كالحب وانتزاعه من نزعة التخيلات والبوهيمية أحياناً إلى تطبيق جاد وعملي وممارسة مباحة في مجتمعات ابتعدت عن بعض ما تراه رواسب سيئة السيرة . فالرومانسية تحقيق لرغبات انسانية . بالأمس كان النداء الواجف في مرحلة القلق والحياء ، وهو اليوم نداء جهير لأن الناس في شغل كثير والحياة متجعدة وقاسية وبحاجة لرومانسية منطقية ، وهي عندي اليوم رومانسية عملية وأصيلة ، ,إني لأعد نفسي دون ريب بمتعة شائقة في ما تبقى من الكتاب .
عبد المجيد لطفي
في25/12/1970
لكن التوتر ما لبث أن بدأ بين القاص الرائد والناقد حين ناقض الناقد نفسه ونسف ما كان قد قاله من قبل. ففي الجزء الأول من كتابه ” الأدب القصصي في العراق منذ الحرب العالمية الثانية ” الصادر في العام 1977، كتب الدكتور عبد الاله أحمد : “وقد يلوح عبد المجيد لطفي استثناء لما ذكرنا . فهو ظاهرة شاذة في الأدب العراقي الحديث لغزارة انتاجه ، ومواصلة الكتابة التي لم تعرف التوقف يوماً .إذ كان ينشر قصة في كل صحيفة ومجلة مقروءة في العراق أو غيره من الأقطار العربية . ولكن غزارة انتاجه وسرعته في الكتابة ، وتعجله في نشره بحيث يحس القارىء انه لا يراجعه بعد كتابته الأولى له . كل ذلك أدى إلى تهافت معظم ماكنبه وسقوطه في العادية ” ، مما أثار غضب القاص .
في العام 2002 قررت أن أجري حواراً موسعاً مع الدكتور عبد الاله أحمد يتمحور حول الواقعية . وحين فاتحته بالموضوع اقترح عليّ أن تكون أسئلتي استفزازية ، فانتهزت الفرصة لأستفزه ولأقيس ردة فعله فأثرت مسألة خلافه مع القاص الرائدعبد المجيد لطفي ، فاحتد صوته و هو يقول : ” ألا يكفي أنني اعتذرت منه علناً ، وأمام جميع الحاضرين ، في مؤتمر القصة الذي كان قد أقيم في مصيف صلاح الدين ؟” .

شاهد أيضاً

الدكتور زهير ياسين شليبه: تكريم الكاتب عدنان المبارك (ملف/13)

عجيب أمر هذا الكاتب عدنان المبارك، دخل في عقده السابع لكنه لايزال يتحدث معك بصوت …

قصيــدة وطـن رائية العرب
فكرة القصيدة ومطلعها وخاتمتها الدكتور صالح الطائي
تأليف ونظم مجموعة كبيرة من شعراء الأمة العربية (ملف/15)

إشارة: يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تفتتح هذا الملف عن “قصيدة وطن- رائية العرب” …

سعد جاسم وتحولاته النصّية
قراءة في قبلة بحجم العالم*
حسام كَصاي العاتي (ملف/35)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *