طارق الحلفي: صديقي الساهم (الى ناصر الثعالبي)

الى ناصر الثعالبي
تتمدد الأيام وتتضرج الذكرى
باللهب كدليل على شجرة الكلام
قبل ان تبيض غصونها المفرطة بالأمل
**
ساهماً كنتَ وتبقى ساهمًا
بين عينيَ وثوب المرحلة
*
يا صديقي
هزنا الجنُ وغصنُ المقبرةْ
وهوى نجمٌ وطارت قبَّرهْ
وسقى حلمُ الطفولةْ
صوت حزنٍ
وابتسامات غريقْ
وتساءلنا على دربِ الهوى
ايّ حب قد مضى..؟
ايّ يجيء..؟
واتفقنا
ان نشلّ الصمت في فعل الكلام
*
يا صديقي كان في بستاننا نخل وتينْ
واغاني الياسمينْ
ودروبًا كان يأتيها الرصاصْ
حينما ينتفض الموتى
بظل العرش
تأتينا السفينةْ
مطر يأتي الينا..
النخل يهتز
وتهتز الغصون
*
يا صديقي
انها حدّ السَّكينةْ
هكذا ابصرت في الدنيا السَّكينةْ
البدايات الرقيقة
والنهايات العميقة
وتدور الدنيا في ناعور عيني
وتغور للنهايةْ
*
اتَّذَكّر يا صديقي
مرةً في موقف الأَمن التقينا
وتحدثنا عن الحزب.. الرفاقْ
وعن الشارع والملح والوان النهارْ
وغرِقنا
بين تحليل المياسمْ
وانبعاث العاصفاتْ
وغرسنا نبتة الحبّ السجيني
في المجاري الشائباتْ
اتفقنا واختلفنا
وعلى الودّ تناغينا
وغنينا سويةْ
وافترقنا..
نزن الغيب بخيط من رخام
*
والتقينا عند تمثال “الرصافي”
وتواعدنا على مقهى تسمى “الملكيةْ”
كان يرتاد اليها المارقون
ـ هكذا كنا نُسمّى ـ
وكبارُ السّنّ.. عشاق الكرهْ
وكثير عاطلونْ
كانت المقهى تضجُّ..
بالنقاشات عن الثائر والناثر في صمت الضحيةْ
وبأسرار “تراحيل” الرفاق الشفويةْ
انتَ تذكرْ..
العيون الخزفية والمواعيد النديةْ
في بيوت الاصدقاء
ودكاكين الرفاقِ
ومسامات الفنادقْ
في النوادي
في مناشير الجريدةْ
واشتقاقات العزيمةْ
نمنح اللقيا وصالاً.. ونخططْ
اين نبدأْ
أَبتزوير الجوازات واوراق المرورْ
ام على كفّ مهربْ
وافترقنا..
بين تزوير الجوازات واوراق العبورْ
*
يا صديقي
والتقينا في دمشقْ
كانت الأوراق تذروها الرياحْ
كانت الساعات في الصمت مجاهيل اجتياحْ
انتَ تذكرْ..
يومها كنا سويةْ
يوم أنْ قالوا إلينا يا رفاقْ!
نهب قلبينا وميض الهذيان
الضحى كان خفيفًا
وتدلت سيرة الذاهل فينا
نحن كالنرد تدحرجنا سوية
وانتشرنا كزرازير الحقول
في (الحميدية) بعنا ورق النقد سخيا
وانتشينا
زمنًا تحت الندى
وزمانًا في المدى نكشف اثداء الغيابْ
انها الساعة وقت للرحيلْ
لم يكن صوت الرياح
انه صوت النواحْ
*
يا صديقي
ازف الموعد والساعة دقّتْ
ازف الموعد في صوت البنادقْ
صوت وصل وانعطافات نديةْ
انه الوصل.. البدايةْ
وانطلقنا نحو شلالٍ من الضوءِ نغني
رغم حزن الزهرِ في اعيننا كما نغني
” نحنُ في العالم نحيا ساهمين
نحن لو يدري قطار الشوقِ
أعتى ساهمين
ما تراءى لحظة في قطرة الماء الينا
ما توانى ان يقل: هيا تواروا
افرنقعوا عني.. دعوني
قبل انْ يوقظ يعسوب الفراقْ
ورق الشوق وأنفاق المصير
*
يا صديقي
كنتَ ساهم
في الأغاني
في الحضور الشجري
في شرابِ الخمرِ حتى في الفنون
….
….
في الأغاني
زادنا الاصرار تجوالاً على مرّ العصورْ
زادنا الصمت امتدادًا للسنين
زادنا الليل جراحا لنغني
يقظة فوق نصال من تمنّي
*
وتلحفنا الفنادقْ
وانتظرنا
لم نكن ندري اشتراطات السواقي
وعبور النهر يطوينا سنينا
ونغني
في كتابين ودفترْ
في.. ويأتينا الصباحْ
في الخنادقْ
في ميادين الفدائيين شمسًا ونعانقْ
حلمنا الاخضر في المنفى.. نباركْ
نقرع الاجراس لحنًا في سماوات المعاركْ
جذلينْ
اننا نغرق.. انا
قد بدأْنا
وعلى ابواب بغداد سنلقي راحتينا
وضحكنا فرحينْ
فالبدايات اتساع في القطافْ
في شراب الخمر امطرنا عذوق النخل دهرًا
وسهرنا
في الاقاصيص الصغيرةْ
والمخاضات المثيرةْ
في صهيل السجن والصبح العجول
في اقتحام المستحيل
عبر آلاف الدروب المستفزةْ
والى بغداد نبغي ان نعود
*
في الغوايات استظلّ البرعم الموجع فينا
كدليل من مهبات المديحْ
فنثرنا طلع بركان الفضولُ
بين اقدام السكونْ
ونشرنا ابجديات القلوع
في قدود الضحواتِ
وشراك القزّ.. اسرار الحنين
*
يا صديقي
كانت الساعات تبطئ
مثل من يمضغ بالصمت حصى

فضحكنا
وسخرنا
وتمازحنا كأعتا ساهمين
في التغربْ
في التشردْ
في بطاقات البريدْ
في مقاهي (المَرجَهْ)
حتى في التمني
وغفونا ساعةً او ساعتينْ
قبل ان ينمو هواءَ الزلزلةْ
قبل ان تصخب فينا السنبلةْ
والندى فوقَ العيونْ
*
يا صديقي
وبكينا دون ان نعلنَ ذلك
وبكينا دون ان نلعنَ ذلك
بينما العالمُ غافلْ
بينما العالمُ سافل
وبكينا..
ما تعودنا التغربْ
ما تعودنا التشردْ
ما تعودنا لنبكي
انما نبكي الهزيمةْ
*
يا صديقي
عبرت كفي المدينةْ
بين آهاتِ حنيني
وارتعاشاتِ يقيني
وبقينا
نكتبُ النخلَ ونرسمْ
عند (معلولةَ) شهرًا
في الخنادق
قد توسدنا البنادقْ
نحتسي الخمرة حينًا
ونغني وطنا ـ يحكمه الشرطيُ ـ حينًا
*
يا صديقي
بين (معلولةَ) كانت صلوات الفجر طيرًا
والتواءات الرفاقِ العائدينْ
حجرٌ يحفرُ قلبًا
يسمع الصوت الحزينْ
صوت بغداد تغني.
” انت يا طيرًا مسافرْ
طالت الفرقة حتى مَ تهاجرْ
ان تعد لي.. فلتكن بين البنادقْ
غزلاً تلمس كفي وشفاهي
وعلى جفنيك جمرًا.. فلتضعني
ادْنِ مني.. ادْنِ مني
انني أبغي وصالًا
لتصلني
*
يا صديقي
وتحدثنا طويلا
عن مليكٍ حاصرته الريح في رقعة شطرنجٍ كبيرهْ
بين خيلٍ وبيادقْ..
وانحناءات الرفاق العائدينْ
من بيوتِ الوادعينْ
وتلاوينِ القضيةْ
وامور شيعت نعش التمني
وامور بين (معلولةَ) كانتْ
صحوة الموت.. صرخنا بالبنادق
انتِ يا معلولةَ الطير أعتقيني
بين كفي وسمائي
نخلنا الاخضر يبكي
بين عينيّ وآلاف الشفاهِ
اسمع الصوت الحزينْ
في الجرائدْ
في القصائدْ
أهلنا دون التفاتٍ سربوا
من بين أيدينا زكاة للرماةْ
ونعال البدو داست ورقاتي
وشرور الحقد قصّت سعفاتي
فاعتقيني
انني أبغض سجني
وانحناءات التمني
انني أبغض في بيتي ارتعاشات الصغارْ
وصراخ النسوة الثكلى
واهات الفراقْ


ارضنا عطشى.. وإنا
لم نكن نهوى التغربْ
ما تعودناهُ طبعاً
ما تعودناه.. إنا
قدْ رجعنا
انت في بيروت تدمي ساعديك
وانا بين الصخورْ
فأس فلاح عجولْ
ينفض الثلج المعلقْ
فوق اغصان الرفاق القادمين
من ينابيع شمال الاقحوانْ
علّ صوتًا او لقاء او جوابْ
يصل الشوق اليكْ
*
يا صديقي
والتقينا
ورجعنا مثلما كنا بدأنا
نحفر الصخر وندمي ساعدينا
انها الأرض صديقي
انها الامُّ صديقي
انها..
لم تكن الا البدايةْ
*
يا صديقي
احتملني
مرة أخرى احتملني
واحتملني يا رفيقي
فالبدايات جسورًا للصباح
**
طارق الحلفي
ــــــــــــــ
* مع هجوم البعث على القوى السياسية العام 1987 زج بي في سراديب معتقل مديرية امن البصرة الذي كان يحوي من بين ما يحويه شيوعيين واسلاميين من حزب الدعوة.. وسواهم من معتقلين لأسباب غير سياسية. وكان ان نشب خلاف بين الشيوعين والاسلامين مما حدي بناصر الثعالبي ان يحسم الامر بالقول باننا نعيش في ظروف تتطلب وحدتنا كسجناء.
* الصحيح هي مقهى الجمهورية / بغداد
* الحميدية ـ سوق الحميدية / دمشق
* المرجة ـ ساحة المرجة / دمشق
* معلولة ـ قرية معلولة المسيحية في ضواحي دمشق

شاهد أيضاً

ابتسام ابراهيم الاسدي: شطرنـج… 

أقـُـتلُ المـَلك في لعبة الشطرنجِ أقتلهُ…. فتصابَ الرقعةَ بالذهول أحـركُ الوزيرَ قليلاً أدعـَـكُ وجـْهَ الفـــّيلة …

أسرجك خلف السطور
بقلم: سميحه فايز ابو صالح

نثرك الغافي بيقضة حلم يستفيق حين تهفو أختلج موجة العتم وأوقد جمرات الحروف الصقيعة بموقد …

ليس الْحُزْنُ بِهَذَا السُّوءِ الذي أنت تَظُنُّ
محمد الناصر شيخاوي/ تونس

في ساعة مُتَأَخِّرَةٍ من اللَّيْل يُطْرَقُ الْبَابُ بِقُوَّةٍ أَفْتَحُ فإذا هو جارنا الذي لم أره …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *