شوقي يوسف بهنام: الشفرات الضائعة *

* كان  الباحث  قد تناول قصيدة ” جريدة ” للشاعر نزار قباني بالتحليل  وها هو الآن يحولها الى قصة قصيرة  . والقصيدة مغناة من قبل المغنية اللبنانية ماجدة الرومي ولكن بتعديل على نص القصيدة .
كم مرة جاءت إلى هنا .. إلى هذا المكان .. لقد أصبح مكانها المفضل ..بل أفضل الأمكنة ..ودت لو يكون بيتها السعيد .. كانت تقضي الساعات من كل يوم لتراقبه عن بعد . حاولت إحصاء هذه الساعات ..لم تستطع ..أصابها الذهول. كان يلهب مشاعرها .. يقلب أحاسيسها رأسا على عقب . كان يأتي في كل يوم وفي الوقت نفسه . يقضي بعض ساعات .لم يك يحمل غير جريدة ..أو كتاب أو في أقصى الحالات حقيبة سوداء . كان رجلا طويل القامة ذا نظرات ضائعة ، وعلى الرغم من هذا لم يراها . كان يجلس في مكان محدد لم يغيره البتة . هذا المكان هو مقهى يطل على بحر . المقهى صغير نسبيا . ولكنه جميل وهادئ جدا . ُجل رواده هم من نخبة المجتمع . يلتقي به عقول المدينة وشعرائها وفنانيها . لهذا المقهى مكان للصيف وآخر للشتاء . كانت تأتي في الصيف والشتاء . اعتادت على ارتياد هذه المكان منذ  وقت ليس بالبعيد . ولكنها لم تتمكن من التذكر كم من السنوات مضت وهي ترداد هذا المكان ولا في اي يوم  كانت أول زيارة له . وعلى الرغم من هذا الزمن لم ينتبه لوجودي  . عجيب أمر هذا الرجل …هكذا قالت في نفسها وكم مرة قالت ذلك ، كيف لا يراني وأنا جالسة ..ها هنا بالقرب منه . ما به ؟ بماذا يفكر ؟ دائما وحيد ..لا تترك نظراته ما بيديه ! . كل يوم وهذه الأسئلة والهموم تضغط على ذاكرتها وكينونتها ضغطا لا يحتمل . باتت تعيش هذا الضغط في كل لحظة من لحظات حياتها .
– هل أنا بهذه الدرجة من اللاجاذبية واللاجمال بحيث لا ينتبه لي ؟ 
– يوميا أنا انظر الى نفسي من خلال المرآة . لقد صارت المرآة صديقتي الوحيدة في هذا العالم . أنا وحيدة .. يا لتعاستي وشقائي . متى ينظر الى ويرى عيناي.. حاجباي الجميلين.. شعري الذهبي الذي اصففه كل يوم ولساعات طويلة كي يكون مصدر انتباه له ..هو الوحيد فقط . شفتاي الحمراء..فستاني الأزرق المزركش.. عطري الباريسي الذي اعتدت عليه .. انه عطر سريع الانتشار .. حقيبتي السوداء .. قبعتي السوداء هي الأخرى التي ارتديها لإثارته   ..هدوئي الذي يثير ما يثير ..وبالفعل قد أثار الكثيرين ..أما هو فهو ليس هنا ،على الرغم من وجوده أمامي على تلك الطاولة ..في ذلك الركن وهو يتأمل البحر تارة ويعود الى ما في يديه أو يراقب دخان غليونه الأسود وهو يتصاعد مثل السحاب تارة أخرى . انه طقس يومي لا يفارقه . ولكن لا فائدة من كل هذا . احتسي قهوتي مثل احتسائه للقهوة . النادل يتذمر من مناداتنا له لجلب القهوة  وكأننا الوحيدين في هذا المقهى . ولكن النادل مهذب جدا .عمله هذا يتطلب ان يكون هكذا . مهذب .. يتجول في ارجاء المقهى ..ينتظر اقل إشارة من احدهم لكي يرى ما يريد . هكذا هو النادل .. ما أتعسها من مهنة  .على الرغم من اكتظاظ المقهى برواده فأن هذا النادل لا تراه الا وهو يحمل القهوة أو الشاي إلى هذا وذاك . وهو مع هذا سعيد.الابتسامة لا تفارقه .. الهدوء دائما يحمله بين جوانحه .. لا يعرف غير مفردة ” نعم ” أو ” حاضر سيدتي ..انستى .. سيدي .. كنت أراقبه وهو ينادي النادل .. كانت منادته في منتهى الرقة والإنسانية .. على غير عادة الكثيرين .. يتعالون على النادل ..يقللون من شأنه .. هناك من يلغي إنسانيته بالمرة  فيشبع نزعاته السلطوية من خلال تعامله مع النادل .. أنت ..أنت  يا هذا لماذا تأخرت على ؟ لماذا لا تهتم بمناداتي ؟ . الست محترما .. الا ارتدي كما يرتدي غيري الملابس الأنيقة والتي تليق بالرجال المرموقين .. أتعلم من أكون أنا ؟؟  أنا يا هذا من تجري وراءه كل نساء الدنيا وهو لا يبالي بأية واحدة منهن.أنا لي أموال وثروة طائلة .. أنا من يستطيع تدميرك بالكامل ..أنا .. أنا ..أنا .. ويبقى النادل خافض الرأس وعيناه مسمرتان في الأرض . ويظل يهدد ويهدد و .. و . ولكن هو يخجل من ان ينادي النادل بصوت مرتفع وبإلحاح .. لقد تعود النادل عليه وعلي كذلك . فكان يومئ بعينيه الشاردتين بإيماءة خاطفة كان النادل هو الأخر يفهم ما يريد وكان النادل ينظر إليّ ليرى ما أود ان اطلب . لقد تعود النادل على كليّنا . والعجيب انه حتى هذه اللحظة لم يستدر حتى ولو لمرة واحدة على طاولتي .  عجيب هذا الرجل .. ما قصته  ؟ .. الا يدري أنني محترقة به .. وكل ليلة أعّوم في سريري بدموعي .. الا ينظر الى عيناي الذابلتين … الليل كله ، في غرفتي ، أتلوى في فراشي ،  تهاجمني صورته في كل لحظة  .. يباغتني صوته ..صوته انه أشبه بصوت ناي حزين .لم اسمعه و لا مرة ..كل ما استطيع ان التقطه من نبرات صوته هو منادته للنادل .. يا صديقي الجميل ..هل لي بفنجان قهوة أو شيئ من  سكر . ويعود من جديد إلى حيث كان .. وينسى العالم كله …وينساني ويتركني في وحدتي .. لا … هو لم يراني البتة ولا مرة واحدة . هل هو من عالم غريب غير عالمنا؟ . لا .. هو مثل كل الرجال ، ولكنه ليس مثل اي واحد منهم .  حين تراه بين الرجال ..لا ترى غيره .. الآخرين صاروا ظلا ودمى بل موميات لا تتمكن من الكلام .. يبقى هو الضوء الساطع .. النجم الأبهى .. ضيائه يضيء عتمة الآخرين وظلمتهم . يبقى هو الحضور والآخرين كلهم ..حتى أنا غياب .. كيف أصفه ؟ ..أنا لست بشاعرة تحسن قرض الشعر . لو كنت شاعرة ما كانت دفاتر الدنيا كلها تسع لوصفه .. انه البحر بعينه .. بلا حدود !! .  اغرق في مياهه ..  انه الدنيا ..انه دنياي . الا ينظر الى وجهي الأصفر المتعب ؟ الا يسأل ما بها هذه .. الست‘ امرأة ؟ الا أبدو كذلك .. الا يراني كما رآني الآخرين وكانوا يتسابقون من اجل الحصول على ابتسامة منى ولكن من دون جدوى . يا لها من مفارقة غريبة ..يا له من حظ تعيس .. أنت أيها القدر الجبار  ما بالك لا تستطيع ممارسة سحرك عليه وتجبره كما فعلت بالكثيرين من قبل ؟ آه يا قدري.. حركه ولو لمرة واحدة لا غير وأجعله يسهو مرة وينظر إلي . هذا كل ما أريد من الدنيا . التفاته هذه ونظرته ،عندي ، تساوي كنوز الدنيا كلها . التفاتته لي تجعلني شهرزاد بين يدي شهريار وتعيش معه ألف يوم ويوم . نظرته لي مياه باردة تطفئ حرائقي ..أنا احترق .. أنا بركان ..هل من مغيث . رباه حتى متى وهو ساكن لا يتحرك .. رباه اجعله ينادي النادل مرة ويقول له ما بها هذه التي هناك ..انها تربكني عن ما أنا منشغل به ..امضي وقل لها : كف ِ عن مضايقتي وملاحقتي ومطاردتي بنظراتها البلهاء هذه . لو فعلها مرة لكنت قد امتلكت العالم كله .كيف لا وهو قد رآني ورأى عذاباتي واحتراقاتي ووجهي الأصفر المتعب وعيناي الذابلتان وكلي أنا لا يهدأ . عندها أكون قد حركته بعض الشيء  ، وربما تكون فرصة للتواصل بيننا . ولكنه لم يفعل حتى هذه اللحظة .  عندما يذوب السكر في فنجان قهوته .. اشعر انه قد ذوب وردتين في قلبي .. أو ذوبني بالكامل . آه ما أحلى يده وهي تذوّب السكر .. كأنها يد فنان منشغل في رسم لوحة أو نحت تمثال .. يده .. يداه تروحان تحيطان بالفنجان كله ويحتسيها ، مثل طفل بدأ يشرب وهو لا يبالي بالعالم كله . ما أجملها من لحظات حين أضع يدي على طاولتي وعيناي تغرقان في تضاريس وجهه . انها تضاريس كما لو كانت منحوتة على جبل منذ أزمان بعيدة . تضاريس لها أسرار و مجاهيل وعجائب . كم تمنيت لو أسافر في أحلامي عبرها  . أنا عصفورة تبحث عن صخرة صغيرة من صخور تضاريسه العجيبة تلك  لتنام عليها  كطفل ينام  ويحلم ويسافر في كل الدنيا  وهو بين ذراعي أمه  . كل يوم يعذبني ويرمي الحطب في نيراني .. كل يوم يزيديني شقاءا ولوعة .. كل يوم يزيد هما من همومي .. أنا سجينة الانتظار .  رباه متى  يمن علي بنظرة يشفي بها جراحاتي .
صباح هذا اليوم .. جاء وهو على عجل وليس كعادته ومعه أكثر من حقيبته المعتادة . حقيبة كبيرة يبدو انها حقيبة سفر . كان هذا الموقف بمثابة مفاجأة لي  فأنذهلت. جلس على طاولته المعتادة ، وكانت علامات الارتباك والقلق بادية عليه . لم أك أنا الوحيدة التي انذهلت برؤيته على هذه الصورة . فصديقه النادل .. هو الآخر أصابته الدهشة .
– أستاذ انك اليوم لست على ما يرام .. هل بإمكاني تقديم مساعدة ؟  
– لا .. شكرا .. اليوم ابلغوني بأنني ينبغي ان  أكون في بلادي لأن زوجتي تفارق الحياة … أرجوك  فنجان القهوة الذي اعتاده لأن الطيارة ستغادر المطار بعد ساعة من الآن . وبعد لحظات من تناوله  لقهوته حمل بما جاء وغادر المكان وهو لا يلتفت إلى ما حوله وخرج من المقهى وضاع  في الزحام .. زحام الآخرين  …وبقيت أنا وحيدة مثل تلك الجريد المركونة هناك وحيدة ..وحيدة وتلفني الأحزان ..

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

حــصــــــــري بـمـوقـعــنــــــــا
| محمد الدرقاوي : التاكسي 75…

“ساكن جديد حل بالحي” ، هذا ما أسر به عامل مقهى في أذن مقدم الحي …

| د. ميسون حنا : كرة .

ضرب أحدهم كرة، تدحرجت بعيدا، حاول الكثيرون الإمساك بها دون جدوى، اختفت عن الأنظار وتوغلت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.