بولص آدم: اللون يؤدي اليه (2) (ملف/12)

المبدع بولص آدم في جزيرة كورفو اليونانية٢٠١٠

إشارة :
“ومضيتُ، فكرتُ بنفسي كالمتسوّل، لعلّ أحدا ما يضع في يدي وطني”.
يهمّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تقدّم هذا الملف عن تجربة الأديب العراقي “بولص آدم” مبتدئة بنشر نصوص كتابيه: “ضراوة الحياة اللامتوقعة” و”اللون يؤدي إليه” اللذين وضع لنصوصهما جنساً هو “الواقعية المتوحّشة”، وهذا امتيازه الفذّ في ابتكار جنس من رحم الأهوال العراقية، فقد أدرك أنّ النصّ العراقي يجب أن يُكتب بطريقة تكوي أصابع من يقرأه وقد يشتعل بين يديه. وهي ليست نصوصا “مفتوحة” بل الرؤية التي ينبغي أن يُكتب وفقها النص العراقي الحقيقي. بلاد تُجمع فيها الأشلاء المجهولة لأجساد أبنائها المُقطّعة بالمفخخات في “بابل” في “طشت الخردة” لا يمكن لنصوصها أن تُكتب إلا بطريقة بولص آدم “المتوحشة”. وبهذا المعنى فهي أيضا درس في أن أدب الحرب الكبير يُكتب بعد الحرب. حرب العراقي لم تنته. لقد بدأت الآن خلف سواتر الذاكرة المؤرِّقة الشعواء لتخرّب حياتنا إلى الأبد نحن جيل الخسارات الابدية: “حياتي ضراوة لامتوقعة- لاتسألني رجاءً عن باقي النص”. تحية للمبدع العراقي بولص آدم ودعوة للنقد العراقي لدراسة نصوص قد تمهّد لمدرسة.

صقيع

أنا والصقيع في لحظة تنافر
– يا لجمال الثلج!
هكذا دائما، يقولون
ألا يهمهم غرس دبابيس البرد في حياتي؟
بياض الثلج، ليس اللونُ المفاجئ
خلف الشبابيك هوَ، على الأسيجة في ضوء القمر
أستغربُ هيامهم بالسيد المرتقب،
يخلع قبعاته بعدد ليالي الصقيع
ويتركها على القمم،
يقولونَ: رائع، خلاب، يمنحنا حبات كريستال..
ذلك كله، ليس لي فيه، غير خلافي مع الدنيا لحظة صقيع!
انتشرت النيران في بيت هناك،
حضرت سيارة إطفاء وسلطت خراطيم..
تفحمت عظام وأحشاء الغرف،
شدّت الريح رأس البيت المحترق،
ظلت الصنابير مفتوحة، لم تطلق الخراطيم ولو قطرة
الماءُ تجمد!
وزّعَ الثلجُ تيجانه
نارٌ تعلنُ ظلالها الحمراء
لم تقترب منها قطرة بيضاء

دمار بياني

عند الحرب،
المخلوق المركب
في تنقلاتِ المُوشّح النشاز، حَرّفَ أيامنا
عند الحصار،
انحرف نحو النقر الرتيب بالصفنة وجهنا
بريمة للرأس صارت الرقبة،
خَدّرَنا نشازُ المروحيات
نمنا على مواويل الأُمم المُدوزنة..
الدبابة التي ظهرت على جسر الجمهورية،
دمّرَت مقامنا وبعثرت أوصال النغم،
سمعنا نشاز العازف على أوتار الحرية..
حتى موعد ربطها بسلسلة في المتحف،
ظلت الدبابة، دبابة ولم تتغير
نحن ايضاً لم نتغير،
نحنُ، حمقى
لم نتعلّم

أغنية البطريق
أجلس الآن أمام التلفزيون، 30 دقيقة وأنا أراقب 12 بطريقاً ، هذا هو الإرسال ! أبقوا الكاميرا ثابتة في لقطة واحدة فقط، بطاريق تقف على صخور في قاعة حيوانات .. بين البطاريق والكاميرا بحيرة صغيرة يعكس ماؤها إنارة مسرحية بدرجات اللون الأزرق، أنا كيس حي وأمامي 12 كيسا حيا، أجلس الآن أما الشاشة متمنيا أية ايماءة أو حركة جديدة، يتقدم بطريق في خطوة راقصة ويمد منقاره الى الأمام قليلا! لكأنه يرغب في إلتقاط الأشياء الموضوعة على الطاولة التي تفصلني عن التلفزيون .. في يوم عرض البطاريق، ترغب الطبيعة في التعرف علي! هي لا تعرف الماضي ولا المستقبل .. تعرف الآن فقط .. انها ليست في البرية بل في قاعة مبردة .. اسمع يا بطريق؟ هل تريد التقاط اسطوانة موسيقية من فوق الطاولة؟ أم المصباح المنضدي، أو فواتير في أظرف ينبغي دفعها؟ هناك أيضا قواميس بلغات مختلفة ومجلة (Week End) وهناك قدح زجاجي مضبب ومملحة حمراء، كانت سناء قد ارسلتها من اسطنبول كهدية! أم أنك ترغب في التقاط الـ (دمبك)! لترقيص أصدقائك البطاريق؟ يا أخي البطريق ! أنا أفهم غربتك وأنا الآن سعيد جدا بأن جارك البطريق يحرك جناحيه ويهز راسه رافعا منقاره الأسود الى الأعلى، لكأنه يرغب في نقر السقف والطيران! ….. كن سعيداً أيها البطريق انك لست حاليا في حالة حرب ..
كيف لي أن أسمعك ايقاع (بوليرو) لـ (رافيل) أخشى عليك يا صديقي البطريق من شرطي الدّين الذي يرغب في سرقة وظيفة شرطي الدكتاتورية في المسرح الوطني!.. يا أخي البطريق أ سمِعني أي شيء ولو صرخة .. صوتك وحده .. لا تستبدله بصوت الذئب أو الفيل أو الحمار.. صوتك هو الأنسب لك، لن تكون هناك موازنة مناسبة لرد فعل نطقي البشري! لذا سوف أسمَعُك فقط .. من أين لي أن أحضر لك الآن (فارس ايشو) لكي يغني لك هدوء العالم فوق لا محدود الخوف؟ أفهم غربة البطاريق في ستوديو حديقة الحيوانات … في لحظتي هذه يغالبني نعاسي أفكر وأنا أنظر اليك … هل يحضر (مازن) غداً في استراحة الظهيرة لنتحدث قليلاً عن مطربي الـ (DJ) أو عن تغافل إتقان النوطة ؟! من أين لي أن احضر لك أمي لكي تحكي لك قصة التشرد والزيارة القسرية لعواصم العالم ؟ّ! حقاً .. هي ترغب في سماع قصة جدتك التي قتلت في (ألاسكا) وألتُهـِمَت من قبل ذئاب القطب البرية يا أخي البطريق! كيف أحضر لك (البيرتو) لكي يقول لك ببراءة الطفل الكبير .. لا تبالي ؟! ويُسمِعْكَ أغنية والده (فارس) .. (بيني وبينك) .. يا أخي البطريق بيني وبينك (ميلانية) التي ستـُغرقك في عاطفة دفينة .. بيني وبينك تراتيل تنشدها لك (سانو) اصرخ يا بطريق لعل (بطرس) يسمعك من (سدني) أو يجد فيك (لوثر) لونا أزليا فوق كنفاس اللوحة .. هل يتسنى لـ (مارتينا وكارمن ومارتن) لكي يدرسوا في حصص الحيوان عن تراجيديا البطريق؟ أم انك في حاجة الى طعام الغداء؟ حسنا! سوف أحاول الاتصال هاتفياً بـ(منيرة وماجدة) لكي يساعدونا في هذه المسألة!

اعذرني على لا مبالاتك يا صديقي البطريق !! ما أنا في هذه اللحظة سوى آذان من بين ملايين أخرى ترغب في سماع صوتك .. الأحلام تنتظرني في السرير .. وأنت ينتظرك موظفو محطة الارسال، لكي يحولوا كاميراتهم عنك نحو مغني (بوب) غامض .. يحاول الغناء على درجات سلم الدولار!.
25-3-2006

الخريف التالي بعد لوثر

المتبقي في جوزة الخريف،
ضياء هامشي وخيبة متوقعة
امام كل الأشياء أنت
وجوه صَيفت بقايا الحَرِ في زخم الكلام.. من بعدك،
وانت في الفردوس،
فردوس الفن،
فردوس الفنانين،
هادئ بطبعك..
الخريف التالي من بعدك، مشاهد متآكلة كان
أنت الدفين طقساً
علمتني الوصول سريعاً عبر الأزقة الضيقة،
تظهر الزرقة كالنهير المتعرج فوقنا فجراً،
يشخط السنونو سربه في سماء الموصل..
كيف لي ان تعرفَ .. كيف لذلك الصيف ان يرحم؟!
على بساط الأرض، قبضة تعصر،
وتخرج الحياة مندلعة من فوهة الثرثرة..
ماعدت اشتهي المفاجآت، ولاأنحت من خيالي،
ماعادت الأماني، حُبلى بعرض آخر،
كل شئ اصبح واضحا.. أشد وضوحاً من الخراب!
أراك، خارجا للتو من صخب اللوحة في الطريق الى المحطة،
قطار الربع بعد الثامنة أم قطار الخامسة فجراً؟
في الصيف الماضي والخريف التالي وشتائي المثخن بغربته،
صاخبة ايامي بصمتك..
استل خريفاً من أم الربيعين، لكي لا أنسى
21/ 11/ 2011

بولص آدم في افتتاح معرض الفنان لوثر إيشو في النمسا٢٠١٢

رجل في الباص

الى أخي الفنان لوثر إيشو آدم

كلما اوقفو الباص ليفتشوه، خرج من صدره زفير كاحتكاك الملعقة بصحن معدني ، كلما تعثرت اطارات الباص في الشارع البطئ، تلقى وخزة تحت اظلاعه .. حصل في صباح الخدمة البارد ذاك على خمسة ملاعق لبن ودفا الأستاذ الفنان كفيه باخر قطرات الوقود في المدفاة ، تخيل الطريق في تهدئة متكررة النموذج ، لكان الطريق المخيف ، غابة محتطبة مخيفة.
طريق اكاديمية الموصل للفن ، اهو الذهاب الى متجر علقت على جدرانه الفطائس ؟
لا طبعا ، هناك ابتكار ما، ربما ..
هواء ينزلق على وجهه ، يحلقه مباشرة، زجاج نافذة الباص مكسور، يزنبر الباص في طريقه ، الفنان يتاسف كعادته اكثر، الجالسان الى يساره، يتضوران، يتمتمان رعشة وصلاة، بالكاد صدق( لوثر) نفسه ، بان موعد استلام راتبه يقترب .
6/3/2007

اللون يؤدي اليه

الى روح أخي الفنان الراحل لوثر إيشو آدم

اللمحة تؤدي اليه، والمعنى..
استدير بأحلامه متشبثا بمزاياه
يُمهِلُني فرصة البحث عنه
طال انتظارك.. أخي!
ما يثير الأرتباك، يغربل استفهامه
حديثه بأعين تبحث، تأمله بروح شوافة
الطيور المهاجرة، جثامينها في الفناءات، حطت بدمها في لوحاته
استعادات.. بغيابه احتراق،
كل صباح، اصحو من حلم كان زائري فيه،
البيت الذي سنقتل لو التقينا فيه ثانيةً،
نحن، في نشرة الأنقراض،
والأحبة الذين يذكرني وجهه بهم،
استنجد بحكاياهم لأتنفس قصته،
لمحة بعد لمحة، أُقاوم وجعي،
وحده من ترك لي ماأنا فيه،
هومن يذكرني به .. المعلم.
أنشغالٌ بالأبادات، أخذني بعيدا ..
غافلني كل شئ وأبعدني عنه،
من فرط حرمان الحياة، جاءت خاتمة الموت !
كيف
الحال
هناك، وأخبارك يا لوثر؟
– عندكم هناك .. تعلمون كل شئ !

السكتة الوحشية

الحرب الخطأ
رواية في الدسائس
العبث في المكان الخطأ، في الزمان الخطأ
عذاب قراءته، حياة برمتها
الساحر والمقامر في لعبة التداول،
المنتحل والراقصة في البهو،
القواد والقحبة، مخابرات شعبية مصورة،
كل شئ تم تدميره بين الفصول
مسرح باللآوعي لهواة الأنتقام..
الكل، هدف خطأ، ثمة وشايات منوعة في كل حكاية!
التلفيق، غمزة وقمزة،
الورشة، عدتها ثرثرة،
السائق الجاحظ قدامها.. الوهم بحوزته وزر التفجير في وريده
المارة ، كالسمك البطئ في برك نائية.. صدمة،
العيون المزروعة، المتدلية والمستفزة في المكاتب.. ضياؤها راشق
الآذان المطاطية، جسور.. نحو فوهات المسدسات،
الصوت الخطأ في الحرب الخطأ، روايته وحشية..
العوائل في طابور وهمي .. الشباك القادم ، هاوية
النازحون في المتنزهات المندثرة.. ينتظرون قطار المحطة في المرآة،
كل ذاكرة.. سرقوا منها اللآوند،
اسلاك الأزقة المتوحشة، خرائب مسيجة، جريمة امام فرن الخبز المعتم
اشارات المرور المسلحة، تنظمها اصابع في قفازات،
الشوارع ، مخفيات، اشكالية في اللف والدوران ، نوايا الرؤوس المتربصة.. كالضفدعة المنتفخة تحت ذباب الصيف هي لوزية المتنفذين، فواق متعدد الذبذبات،
البوصلات، تربط عدة مفاتيح، للزينة القبيحة لاأكثر
اجهزة التنفس وضغط الدم ونبض القلب كلها مقاييس النهاية
الملاكُ في المكان الخطأ، في الزمان الخطأ
حالة
من حالات
الأسف،
روح تحت الضغط.. جلطة
10/ 9/ 2011

شاهد أيضاً

وعد الله ايليا: لوثر ايشو ..والتفرد الفني (ملف/14)

إشارة: بموازاة عراق ينزف تحت سياط الجلد على يد الظالمين والفاسدين، نَزَفَ زهوراَ عراقية مُرَمّمة، …

لوثر ايشو مازال نابضا بالحياة رغم رحيله
مقالة في جريدة موصلية
عنكاوا كوم –الموصل -سامر الياس سعيد (ملف/13)

إشارة: بموازاة عراق ينزف تحت سياط الجلد على يد الظالمين والفاسدين، نَزَفَ زهوراَ عراقية مُرَمّمة، …

مقداد مسعود: “حميد الربيعي” من الهدوء .. إلى الورد (ملف/3)

حين علمت ُ برحيلك، وقفتُ حاملاً أعمالك الأدبية دقائق حداد … ثم شعرتُ بحفيف ينافس …

2 تعليقان

  1. صالح الرزوق

    صباح الخير.
    قرفت بعض نصوص هذا الكتاب و انا اشرب القهوة.
    و بين قصيدة و قصيدة استرق نظرة من السماء.
    النافذة امامي كهذه القصائد تقود الى فضاء غير محدود.
    و لكن هناك ميزة اخرى غير النص المفتوح.
    و هو تشخيص غير العاقل، و تشيء العاقل. بالاضافة الى النبش في الواقع النفسي للمشاعر.
    هذه تجربة جديدة و تتحلى بالجرأة. تذكرك بغيرها دون ان تكررها.
    بمعنى انها تحرك عربة الشعر خطوة الى الامام…

  2. بولص آدم

    اخي د. صالح، صباح الخير، إنتطرت أن يأتي صباح آخر لأجيب عليك أيضا بصباح الخيرات ونشكر الحياة.. بخصوص إعتبارك أن هناك ميزة أخرى غير النص المفتوح و ( تشخيص غير العاقل، و تشيء العاقل. بالاضافة الى النبش في الواقع النفسي للمشاعر. ) هذا صيدك السمين الآخر في نُهير نصوصي، إحتفظ به في ذهنك وأنت تقرأ باقي نصوص الكتاب. أكتفي الآن بهذا وسيكون لنا عودة اليه ثانية مستقبلا .
    شكرا جزيلا مع التقدير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *