محمد عوض محمد نقلها عن الألمانية
(فاوست) ونزغات الشر في النفس البشرية ونزعاتها
شكيب كاظم

تعد مسرحية (فاوست) للأديب الألماني الكبير يوهان فولفانك فون كوتيه (1749-1832) من أشهر ما كتب، ولم تصل إلى شهرتها أعماله الأخرى ومنها ( آلام فرتر) التي نقلها إلى العربية ، الأديب المصري أحمد حسن الزيات (1885- 1968) صاحب مجلة ( الرسالة) الثقافية والأدبية الأسبوعية، فضلا عن ( ديوان الشرق والغرب)؛ أو (الديوان الشرقي) كما يترجمه الدكتور عبد الرحمن بدوي ( 1917- 2002) إذ عرف عن كوتيه شغفه بآداب الشرق، ولاسيما الأدبين العربي والفارسي، إذ اهتم بأشعار حافظ الشيرازي، وكان من المؤمل أن يفتأ أحد المستشرقين، لكن عدم تمكنه من إجادة اللغة العربية، وانشغاله بالوظيفة الحكومية في دوقية فايمار، وقف حائلا دون نيله هذا الامتياز.
الدكتور فاوست، الأسطورة التي تدوولت في القرون الوسيطة، والذي كان يمثل النقاء ومكارم الأخلاق، والأفكار النبيلة، وقد تعرف على احد المهرطقين الشغوفين باللذائذ المحرمة والموبقات، ولقد شاء المترجم الباذخ لهذا العمل الباذخ أيضا؛ الدكتور محمد عوض محمد (1895- 1972) أن يطلق على هذا المهرطق اسم ( إبليس)، في حين جاء اسمه في العمل الأصل ( الشيطان مفستوفيليس)، هذا الرجل الشرير يوقعه في حبائله، ويغريه بإعادته إلى شبابه، فيرتكب الفواحش ما ظهر منها وما بطن، لكنه في أخريات أيامه يعود إلى جادة الصواب، فيحاول-بمساعدة إبليس- إنقاذ حبيبته ( مركريت) من السجن الذي تقبع فيه انتظارا ليوم إعدامها، هو الذي دفعها- وقد كانت فتاة حيية خجول تنضح طيبة-لارتكاب موبقات شتى، فتدس السم لأمها كي يخلو لها الجو العابث، كما تكون سبباً في مقتل أخيها الذي أفجعه ارتماس شقيقته في حمأة الرذيلة، ولوك الناس سمعة الأسرة، وتسقط جنينها الذي حبلت به سفاحا من فاوست، الذي يحاول إنقاذها بمعونة إبليس، لكن تقريع ( مركريت) لأبليس وفزعها من مرآه متسائلة: ما هذا الذي انشقت عنه الأرض؟ أهذا هو؟ أخرجه من هنا! ما الذي يبغيه في هذه البقعة الطاهرة؟ إنه يبغيني. ص188.
هذا الأمر يغير مجرى الحوادث، قائلا لها: لقد كتبت لك الهلاك، في حين كانت ترانيم علوية سماوية تصدح، لقد كتبت لها النجاة، لكن إبليس. وقد طال عليه الأمد والجدال والنقاش يسحب فاوست ويخرجان من الزنزانة، وصوت من داخل السجن يضعف تدريجيا منادية عليه ولكن لات حين مناص.
أسطورة (فاوست) هذه،تكاد تذكرني بأسطورة ( تاييس) التي صاغها رواية رائعة أديب فرنسة الكبير ،اناتول فرانس (1844-1924) حيث حاول الراهب الزاهد المتبتل (بافنوس) إنقاذها من حمأة الرذيلة المتردية فيها، والذهاب بها إلى أحد الأديرة كي تحيا حياة الطهر والبتولية، لكن يصعقه جمالها الأخاذ، فيقع في حبائلها، ليعشقها ويهيم بها وجدا وحبا، ويظل مكابرا كابحا هوى النفس.
إنها رواية الحب العذري العفيف المكابر، وإذ غير حياتها من العبث إلى الدير، فلعلها بدلت حياته هي الأخرى من الدير إلى…بما يشبه تبادل الأدوار والأحوال! فضلا عن عمل ابداعي مشابه لجبران خليل جبران لعله (عرائس المروج)

المترجم مخمد عوض محمد

النقل بلغة راقية
نقرأ ( فاوست)لكوتيه التي نقلها إلى العربية الدكتور محمد عوض محمد بلغة لاتكاد تدانيها لغة،وكلك ظن أن الدكتور محمد،مختص بالأدب،لكن إذ تقرأ المقدمة التي كتبها الدكتور طه حسين (تـ1973) يفجؤك أن المترجم مختص بعلوم الجغرافية، تتساءل من أين جاءته موهبة الصياغة الراقية هذه؟ فهذا ما يؤكد أن المواهب لا شأن لها بالدرس؛ فالدرس لا يصنع موهبة بل قد يصقلها وينميها،وتعجب ثانية من أن المترجم قد نقل هذه المسرحية عن الألمانية مباشرة، وقلة هي المترجمات التي تنجو من اللغة الوسيطة،وهو إنما حذق اللغة الألمانية فضلا عن التركية،يوم نفته سلطات الإحتلال البريطاني لمصر سنة 1916 إلى جزيرة مالطا،كونه من العاملين ضدها،فاختلط هناك باسرى الحرب من جند الألمان والأتراك فتعلم التركية وحذق الألمانية وترجم عنها.
تقرأ المقدمة فتأسف لهذا التسويف. والتاجيل من لدن طه حسين، وقد طلب منه المترجم محمد عوض محمد كتابة مقدمة لها، وهي الصادرة عن لجنة التأليف والترجمة والنشر، التي الفت سنة1914 وكان من مؤسسيها الدكتور أحمد لطفي السيد، واحمد أمين، وطه حسين، وعبد الوهاب عزام، ومحمد أحمد الغمراوي، واحمد زكي، وعبد الحميد العبادي، ومحمد فريد أبو حديد، وبيدي الطبعة الثانية، وهي من خزانة كتب المرحوم أبي، الصادرة عام 1365هـ الموافق لسنة 1946، تقرا فتعجب لهذه الحواشي والإيضاحات التي يسردها المترجم الحاذق النابه الدكتور محمد عوض محمد، الذي يفك أمامك مغاليق هذه المسرحية التي ما برحت تحتاج إلى شروح وتوضيح لبعد العهد بها؛ إذ كتبت في بدايات القرن التاسع عشر، فضلا عن بعدها عن الأجواء العربية والشرقية، فتكثر فيها طقوس السحر والتعزيم، كما أن كوتيه في خواتيم عمله هذا، يهجو العديد من رجالات ذلك الزمن الذين عابوه، ولا نستطيع الوصول إلى كنه الأمر، لأنها موغلة في التعمية. والإبهام، فضلا عن أنه ما كتبها دفعة واحدة، كي يلم بمجريات عمله، بل كان انشغاله بأعباء الوظيفة في دوقية فايمار، وشغفه بالسفر، وغشيانه أماكن اللهو والأنس والقصف والشراب، حائلاً دون إتمام عمله المسرحي هذا، هذه الفواصل الزمنية زادت في إرباكه.

الدقة في العمل
تقرأ فتعجب- فوق عجبك باللغة الراقية الرصينة- بالدقة المتناهية، حتى لا تكاد تجد خطأ طباعياً، بله النحوي أو اللغوي، الأمر الذي يذكرني بدقة المترجم الفلسطيني الحاذق؛ أبي وائل عادل زعيتر(1897- 1957) الذي أتحف مكتبة العرب بأكثر من عشرين كتابا مترجماً، ويوم يكمل عادل زعيتر طبع كتاب ( البحر المتوسط) لأميل لودفيك في دار المعارف بمصر، يحصي اثنتي عشرة خطأة في كتاب عدد صفحاته تسع مئة صفحة، لكن عادلا لا يرضيه أن يخرج كتابه بهذه الأخطاء الطفيفة، واذ يعرض الحال أمام صاحب الدار شفيق متري؛ فإن شفيقا هذا لا يقبل أن تتحمل داره الرصينة أخطاء غيره، فيقترح زعيتر كتابة توضيح يحمّل نفسه وزر هذه الهفوات الهينات، في حين نقرأ الآن كتبا مترجمة وموضوعة ضاجة بالأغاليط النحوية واللغوية والإنشائية ولا يتوارى أصحابها والدار الناشرة خجلا من الناس.

شاهد أيضاً

نجـيب طــلال: الدراما العربية بين النقد والإشهار (2)

صورة مكشــوفـــة : حتى نضع القارئ والمهتم المفترض ضمن صورة مكشوفة . لا تأويل لها …

محمد حسين السماعنة: ملامح الصورة الشعرية عند جميلة سلامة

رأى الجرجاني أن طريقة الصياغة هي التي يتفاضل بها الكلام، وهو لذلك مزج السمات الحسية …

د. قيس كاظم الجنابي: المقالة الأدبية عند زكي مبارك

توطئة: يرتبط اسم زكي عبد السلام مبارك (1892-1952م)، مقالياً مع مجلة (الرسلة) ومؤسسها أحمد حسن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *