اسماعيل ابراهيم عبد: امرأة اوروك تنشد للشعب بلسان عدنان الصائغ

عدنان الصائغ بمطولته (نشيد اوروك) يصنع نموذجا للفعل الشعري , بلغة شعبية حد اللذع القادح المخجل , يصرخ بها الضمير الشعري بإنسانية وانسيابية جريان الماء ليقول كل شيء ويذيع كل الأسى ويعرج عند جُل الأنماط الثقافية والمثيولوجية.. ذلك كله يتصافف بشعرية شعبية تغلب على جُل الاشتغال الشعري لعدنان الصائغ في مطولته التجريبية المهمة (نشيد أوروك).
ومن أكثر الثيمات وضوحا وهيمنة هما السياسة والمرأة , لانهما فعل جسدي من مسربي الجنس والألم ، وكونهما ظاهرتين بارزتين جدا في جميع مراحل التاريخ البشري ولجميع بلدان الارض.. بسبب هذا الوضوح سوف لا أتمسك بهما في تأويل موضوعات شعبية الشعر بالفصحى إلّا مضطراً ومن زوايا بعيدة الى حد ما! ..
لقد استخدم الشاعر اربعة مستويات لغوية هي :
* اللغة الشعرية وما فيها من مواصفات تخص التخيل والتنغيم والعاطفية. * اللغة الاسطورية التي تتميز بنشرها للتفخيم والتهويل والتعميم والقدرية ، خاصة الاساطير الرافدينية القديمة واليونانية والعربية، التراثية للمتصوفة خاصة.
* اللغة الدلالية التي تعتني بالهموم اليومية وتناصاتها مع السلوك والثقافة الاجتماعية للطبقات الأقل ثقافة.
* لغة التجريح الدارجة التي تنحصر ـ تقريباً ـ بالمواقعات الجنسية وابراز افعالها بصراحة تامة او مشوهة أحياناً، وتشمل الألفاظ الحوشية غير الشائعة في المزاح الشعبي والسوقي كالشتائم و(الفشار)..الخ..
هذه المستويات تتوازى مع بعضها لتمكن الفكر المتخفي وراءها (فكر الاحتجاج) من ان يوضح عمق الهوة بين الناس والنظام السياسي ، ولولا موهبة ومقدرة الشاعر على التنويع لصارت مقالات سياسية اجتماعية مطولة ، وأن بعض الأجزاء من المشاهد الشعرية تصنف على انها بوستر سياسي لا دعائيا.
أولاً : اللغة الأنيقة
انها لغة بعدة مواصفات منها :
ـ انها تحافظ على الروح الشعبية بأناقة لغوية خاصة.
ـ انها خاضعة لتركيب لفظي وجملي يتنوع دلاليا بهدف الجذب الجمالي المبرمج .
ـ أنها شعبية المنطق والأداء مرصوفة لتؤلف ومضاً تضليليا من توجيه غير مرئي.
ـ هي لغة مضمخة بالمضامين المبهجة بالرغم من بكائية وجدانيتها.
ـ أنها متوافقة مع نظائر جمالية أخرى.
لنتابع :
{وحيدا على الرمل، تحلم أن تكتـــــــري غرفة أسفل
الذكــريات تؤثثها بالأرائـــــك والـكـلـمـات، ترى مـن
خلال النوافذ مـعـتـمة ـ مـطـر العابـرات يـــــنثُّ، ينثُّ
وقلبك أضـمـأ من حجرٍ صاعداً سلم الـراتـب الـمـتآكل
نحـو الجريدة
[ ـ هــــــــــــل تـشـتـهـيـن الـقـصـائـد بـالشـوكـلاتا ؟] تـشـيـرُ لـسـائـقـها يفتح الباب.
ـ هل تفتحين له بين ساقيـــــــــــك هذا الممر الشهي}( ).
* الأسطر الشعرية المتقدمة أعلاه تقص بقولها الشعري ومضة من السلوك اليومي للعوام من الشعب ولسلوك نقيض لعوام (خَدَمَةِ السلطة) الحاكمين للبلاد ، وتكاد تغمز الى زوجات الضباط العسكريين ، فقد شاعت ظاهرة (مومسة الرجال)( )، لسواق الضباط والامراء ، من قبل زوجاتهم.
* لربما المهم هنا الإشارة الى الأناقة اللغوية وموجباتها الاستعمالية.. نراها في :
1 ـ ترتيب القول ليصير مُعَبِراً عن ظاهرة شعبية تعيب النهج السلوكي اليومي لرجالات الدولة.
2 ـ المقطع الشعري يغطي المقطع النقيض الاجتماعي لعموم المثقفين (المشتغلين بالجرائد) وكيف هم رمل تحت أقدام السلطة.
3 ـ الإشارة الى راتب موظف الدولة البسيط الذي لايكفيه ليوم واحد بسبب ارتفاع أسعار السلع بشكل جنوني.
4 ـ الحلم الذي هو الأمل يتصاعد طردياً مع التفاوت الاقتصادي المريع بين رجالات الدولة وقوى الشعب البسيطة.
5 ـ تتوزع الدلالات المضمرة في مفاصل القول لتؤلف بؤرة للقص تحقق الآتي : ـ تنظيم الاستعارات لتحيل الى نمط سلوكي اجتماعي يتوافق مع الدلائل اللغوية ذات الأهداف السياسية.
ـ توظيف اللغة الاستعارية لتصير رموزا مستقلة ظاهريا، متصلة باطنيا ، مع المضمر من الرموز الأُخرى التي لا تبتعد عن الهم اليومي لعلائق ونشاط الجموع الشعبية. ـ لتحافظ على شرط مهم من شروط قصيدة النثر (الأحدث) وهو شرط سردية القول الشعري المنثور.
ـ لعل أهم الموشورات التي تحيل الى الاستعارات الخاصة والرموز المضمرة هي عبارة (هل تفتحين له بين ساقيك هذا الممر الشهي)، لكونها ظاهرياً هي استعارة عن لذة التلذذ الرجولية لشهد الجنس مع المرأة . لكنها رمزياً تحيل الى قدر آخر من المضمرات فهي : ـ مادياً : رمز عن فرج المرأة.
ـ معنوياً : رمز للسلوك الاجتماعي الشائن ، ومن رموزها المضمرة أيضا ، وجود زوجات شبقات منحرفات لدى الأسياد المدعين بنظافة عوائلهم وتسيدها الاخلاقي ، كما أنها رمز عن مضمور الجوع الجنسي العام للشغيلة وصغار العسكريين غير القادرين (مالياً) على الزواج، ومنهم الشاعر عدنان الصائغ ـ عند زمن كتابة المطولة!.
ثانياً : ثقافة السلوك العسكري
يتخذ الشاعر من التذكر وسيطاً له في التثبت من السلوكيات العسكرية ، التي كادت أن تكون أكثر السلوكيات قبولاً ، كتقاليد اجتماعية في العراق بين عام 1979 وعام 1996 لحظة كتابته خطابه ” نشيد أوروك ” , تلك تقاليد متسمة بالعنف ولذة الأذى ، إذ هي مخزون اجتماعي يومي شعبي لم تتخلص منه حتى النساء، وقد استجابت له شاعرية عدنان الصائغ بجعلها طاقة لسلوك شعبي مَيّز خطابه هذا. لنرى الآتي :
{……………………………
قالت فتاة الكـوافـيـر: لا أفهـم الشعر. قال
المحرر منكفئا خلف نظارتيه:ـ سأشتري بـسـعر المقالة كـيـس بطـاطـا…
[وعبود يزحف في ساحة العرضات] : صباح الأناشيد يا مدن الحرب إن
القنابل لم تفطر الآن. أي الـرصـاص سـيـوصـلـنـا لـلـنـهـايـة. لوطية هذه
الارض ـ يا سيدي ـ والـحـكـومـات تـلـهـو بـخـصـيـانـهـا، كـلـمـا قلت :
آه بلادي} ـ نشيد اوروك , ص7
نلفت النظر.. (هنا) الى التاريخ الاجتماعي لثيمة الثقافة السائدة عسكرياً : 1 ـ أن السلوك العسكري نوع جديد ومستجد على الشعب.
2 ـ أنه منظومة عامة من العنف يصل حد ممارسة العنف مع الذات. 3 ـ على مدى التغير الحياتي العسكري ينتج عنه فعل (سلبي أو إيجابي) يخص المرأة. 4 ـ الحرب صارت ـ بإرادة قسرية ـ سلوكا وطنيا ومجتمعيا وحتى مناهج مدرسية. 5 ـ لعل الشيء الوحيد الذي يعي المدى البعيد للعسكرة هو المثقف، ومن أجل ذلك فيصل الأمر به الى التضحية بكل فهم لمهمة الأدب ليسعَ للعيش فقط ولو كان ثمن سعيه مجرد كيس بطاطا.
يمكنني تجزئة ضرر ” الثقافية العسكرية ” كنهج شعبي وثقافي في آن بالحدود الآتية : ـ العنف وتاريخه لم يعطِ ، لا للشعب ولا للمثقف , الفرصة ليوطد الفهم الحقيقي للمعنى الحضاري للثقافة.
ـ عدم إتاحة الفرص أمام الشعب ليختار وجهته الايديولوجية أو متجهه الديمقراطي لذا لم يعرف، لا قيمة الدفاع عن الوطن ، ولا الدفاع عن الحرية ، مما جعل الجميع دون مستوى النضال الحقيقي ، لا على مستوى النفع الاقتصادي ولا على مستوى المنفعة الاجتماعية.
ـ بالنظر لسعة التراث العسكري الشعبي وجديته يكاد يغطي بقية القيم الإنسانية كتقاليد أساسية سبقته.
ويمكن ان نلفت النظر الى جغرافيا التراكم الموضعي لنصوص (العنف العسكري) في المطولة بتوزيعها على ثلاثة نماذج هي :
ـ ساحات القتال وتصرف الضباط والجند كعلائق للرتب بينهم .
ـ اماكن الأُسر ممن تسرح آباؤهم وأبناؤهم من الجيش وليس لديهم ذكريات وتجارب غير العسكرية.
ـ مدونات الذكريات التي دونها المثقف ، تأييدا أو احتجاجا ، وهي كممارسة ثقافية قد أخذ الشعر منها الكثير الكثير.
* في (نشيد أوروك) المطولة الشعرية الغريبة شكلا ونسيجا، وضّع الشاعر ثقافة شعبية قائمة على أساس :
+ الميدان العسكري شمل حتى مخدع الزوجات البغايا.
{ـ منذ يوم خرجت من السجن هل ترتضيني عشيقك لكنني لست أملك………… تصفق في وجهه الباب :
ما بالهم كلما خرجوا من سجن الحكومة جاؤا إليَّ} ـ نشيد اوروك , ص13
+ تجاوز الطقس العسكري جميع السوءات طرّاً وعنفاً الى الدرجة التي يساوم فيها الرجل على شرفه الشخصي (اللواط) , للخلاص من التزاماته العسكرية دون ان يتخلص ـ لاحقاً ـ من السجن , ويظل الموت مصيره.
{مرحى لمن أدخلوه الى دورة الـمياه وضاجعـه حرس السجن مـنـكـفـئـيـن على لحمــه واحدا واحدا، فإذا انتفخ السر في بطنه أجلسوه على بطل البيبسي كولا.. وقال الطبيب بصك الوفاة : لقد مات منتفخا بالبواسير..} ـ نشيد اوروك , ص 36
+ جعل الشعر متنفساً غير شرعي للتعبير عن الغلبة الاجتماعية لـ (العسكرة) عبر (شيفرات) بلغة جنسية المضامين.
{[ أدخل في دورة للمياه وأسحب سيفونها يجرف النص وهو يبقبق بالفن والمستقبلية. ـ باعوك يـا وطني مثل كيس النخالة] بـاعـوا الـصـفـوف بكـيـل الحتوف وراء خلاخيلها وشمت زندها البض بالدلو} ـ نشيد اوروك , ص47
+ تشريح الفعل العسكري بلغة احتجاج متشنجة كأنها وقاحة مقاومة . {أبيض في داخلي جملا بالمظلات تهبط سرب ملائكة لترى ما الذي ظل من إثم آدم يرسل أولاده للمصانع والثكنات ليخلو بحوائه… (أنا خمرة الكون ياسيدي فإحتسِ مـن نبيذي إذاأوصـد الحان أبوابه) ما تبقى أؤجل معناه في حيز نـاحـل بـيـن خـسـرو وشيرين حتى أذوق الغواية من فمها وأزيح السواكن ساكرة لأثيرالحفيظة في هوس النهد يرغو يماما ينشط هذا الفضاء جناحاه} ـ نشيد اوروك , ص48
+ التعبير بصراحة حد الفجاجة لوصف دناءة الطبقة العسكرية المتحكمة بالشأن الإنساني للجند / {(يا ليل الصبح متى غده …. أرّق القناص وأرّقه..) ليل من قصدير يهـبـط حـتـى نـافـذتي ، تنكسر المرآة الى نصفين فأبصـر شيخا هـرما يشبهني يتبعه حـشـد طـفـولات فـطـمـتـهـا الحـرب. ألم شـظـايا المرآة فـتـجـرحـنـي الكـلـمـات يسيل دمي فوق الزئبق منسلبا حتى رف مخيلتي. أفـتـح ألـبـوم الـصـحـب وأبـكـي مـن ضـاعـوا في لـيـل الجبهات، المدن، الـذكـرى “جـئـنـا بالــلـوريـات الخشـبية مكبوسين كتمر في الأخصاف” لمـاذا تـشـطـرنـي الحـرب نـصـفـيـن، لمـاذا يـغـدو الـلـيـل كجـزمة جندي أثقلها الطين بصدري} ـ نشيد اوروك , ص59
ثالثاً : شعرية الروح السوقية
ليس بدعة أن يكون للشعر مأوى في السوق المروّجة لبضاعة السويق ، فهذه ظاهرة يومية نجدها في كل اماكن التسوق في العالم وعلى مدى التاريخ المديني للبشر .. لكن ما هو ملفت للنظر دخولها ظاهرة بائنة في نسيج اللغة الشاعرية الأنيقة مجملة القول , ومجللة الرؤية , بما يفي ومتطلبات الهموم اليومية للناس إبان مرحلة الحصار الخطيرة للبلد (العراق).
في تتبعنا (لنشيد اوروك) توضحت لنا رؤية الشاعر لهذه الفاعلية بين الشعر الفصيح وتلك الشاعرية المحاذية له في سوق التسوق سواء عند عملية البيع أوفي تداول الحاجات اجتماعيا وبيتيا.. لننظر في الآتي :
“أن المعلومة عن ثقافة الشعب وعاداته متعددة، تتضمن رموزا وإشارات خاصة”( ).
أننا نعدُّ الشعر معلومة لثقافة شعبية، وستكون معلومة اقتصادية متعلقة بالحالات التسويغية والتسويقية لكن بلغة أسى السياسة وانهيار الأمان :
[ـ قل إنكَ لا تملك يا أبتي ثمن الوصفة.
ـ ما ثمن الطلقة في صدر علي الرماحي؟
– عشرون ومائة فلس يدفعها
الأهل.
ـ وفي بطن حميد الزيدي؟
-مائتان. ارتفع السعر قليلا هذي الأيام.
ـ جننت ولم تكمل للآن روايتك المنحوسة يا عبد الحي] ـ نشيد اوروك , ص65
يُرى في المشهد الحواري ـ وهو مستل من ذاكرة التسعينات لأيام الحصار الاقتصادي على العراق قبل عام 1995, يُرى أنه يحمل كماً من المعلومات التي تخص ظروف الشعب اليومية التي وصلت به حد أن يرى كل المآسي لا تتعدى أن تكون حدثاً عادياً.. إنه ـ مثلا ـ يحمل المعلومات المصرح بها :
1 ـ وصفات الأطباء تحولت من المجانية الى ان تصير قيمة نقدية.
2 ـ ثمن الوصفة الطبية غاليا على الفقراء.
3 ـ وأن الاب مريض.
4 ـ وهناك قتيلان هما علي الرماحي وحميد الزيدي، الرماحي قتل بطلقة في صدره والزيدي قتل بطلقة في بطنه.
5 ـ وسعر الطلقة الاولى 120فلسا والثانية 200فلس.
6 ـ والاسعار قد ارتفعت قليلا.
7 ـ وان عبد الحي للآن لم يكمل روايته.
* تلك هي أخبار لا تتجاوز عدة كلمات ، لكن ما الظروف الاجتماعية المقابلة لها؟ نرى أنها ـ بحسب التسلسل المقابل ـ تتضمن:
1 ـ العلاج زاد ثمنه مع زيادة الاصابات بالسكان , فقد شاعت أمراض التدرن والحصبة والسل والسرطان والربو وغيرها كثير، جُلها مميتة ولا أدوية تدخل العراق بسبب تعنت السلطات وكذب المجتمع الدولي.
2 ـ أن معظم الناس مرضى وفقراء ، رجال ونساء.
3 ـ وأن جُل الآباء كبار السن وخارج نطاق الخدمة العسكرية , شبه عاجزين او غير صالحين , لا للعمل المدني ولا للعمل العسكري , هم مرضى يأكلون ميزانية الشباب وأعمارهم .
4 ـ عمليات القتل بلا سبب طالت أبسط الناس ، حتى كأن القتل حق للسلطة لا يمكن معارضته ، لا بالاحتجاج العلني ولا باللوم ولا حتى بالقول الهمس.
5 ـ شاع في العراق ـ اجتماعيا وسلطويا ـ أن الهاربين من الجيش هم خونة يجب قتلهم امام الناس ليأخذوا عبرة من كون المقتولين مجرمين بحق الوطن.. وكعقوبة لسوء تربية الأهل، أن يدفعوا ثمن الطلقات النارية التي قتلت أبناءهم.
6 ـ وأن اسعار الطلقات لها سوق تأخذ الحكومة أثمانه بعين الاعتبار، ولكن الشاعر أراد (بهذا) السخرية التراجيدية.
7 ـ وعبد الحي هو كل الاحياء (المثقفين) ممن عَبَدوا الحياة ورغبوا فيها ورأوا أن يسجلوا رواية الظلم والإجرام بحق الشعب، وليبينوا القدر الكبير من استهتار الحاكمين برقاب ومصائر الناس ومدى التضليل الذي يمارسه الحاكم العسكري / المدني / الجاهل / للبلاد. ولقد دخل هذا النمط من التصرف الى الشعر (من هذا النوع المنصص أعلاه) كتعبير عن طبيعة سلوك وتفكير الشعب العراقي كروحية ناتجة عن مركبات الاضطهاد والتجهيل.
لنأتِ الموضوعَ الشعريَ من بابٍ مكملٍ .. لننظر:
{رأيـت الـمـعـري يقـدم أشعاره علفا للجواميس. في خطاي فكرة أنت أخطأتها في التفقه حتى استطالت حبالا لشنقي. تركنا الحقائب فارغة
كالحقائق فوق رصيف مـدائـن نيبور كي نلحق القاطرات التي مضغت تـبـن تأريخـنـا فـتجشأ ثغـر المذيعة حين رأتـنا نؤجج ثوراتنا بالكلام، فـقـامـت لتـولع سيجارهـا الماليبورو.. فالتهب القش تحت الأرائك ثم أضافت: [وصرح في الاجتماع المدار وزير الحـصار لقـد نفد الزيت يا سادتي في مخازن دولتنا فليقلي المواطن بيضته بالضراط]} , نشيد اوروك , ص10
في المقطع تأكيد شعري على شعبية الثقافة الشعرية من عدة جوانب ، مثالها : 1 ـ أن الشاعر يخلط بين الهم المعاشي والهم الثقافي.
2 ـ المقطع يستثمر السخرية التي تتبناها الدولة ليسخر بالدولة فليس هناك من وزير للحصار كما أن ليست من تعابير الدولة العراقية ولا غيرها مثل التصريح الذي تذيعه المذيعة.
3 ـ المذيعة (هنا) تشبه المومس.. وتشبه الاسياد ـ ايضا ـ بنوع السيجار.. وهي أبعد ما تكون عن الثقافة كشعر او اعلام.
4 ـ للمقطع مشيدان للثورة المضمرة هما ثيمة المعري والتفقه الموصل الى المشنقة. 5 ـ للمقطع قيمة اقتصادية معكوسة مضمرة ترمي الى القول (أن لا ثمن للتعب ولا أهمية للإنتاج الجمالي) من الناحية السوقية والتسويقية.. وهذا واحد من وجوه السلطات الظلامية التي فقهها الشعب وأدخلها الشاعر كأرث جديد للشاعرية الشعبية الفصحى. * لو دققنا المشاهد السابقة المنصصة كلها لوجدناها غائرة في مضمرات اشارية ورمزية تدلي بالمعلومات عن حياة وعادات وطرائق تفكير الشعب العراقي بعامته الواقعة تحت نير بلاء الحاكين.
* ولعل من بين السوقية الاخلاقية ما يذهب اليه الشاعر في تأليف القصة الشبيه بالتراث الشعبي التي نصها الآتي :
[يترك دولته في يد الخيزران تقيم الولاة وتعزلهم، فيرى قهرمانتها تتربع في مجلس البرلمان ترد المظالم…
ـ سيدتي سرقوا عنزتي.
ـ ما فُقدتْ عنزةٌ في سواد العراق ففي عنقي دَيْنها…
ـ ثم ناموا مع امرأتي
ـ إذا كان من قُبَل فبراءٌ جنود الخليفة لا يطؤون النساء الحصينات إلّا
من الدبرِ ولتسألن ـ إذا راودتك الشكوك ـ مؤخرتي..
تقرع لاهيةً جرس خلخالها من قيان وليلو..
فيطل من الباب حارسها الضخم منتعظا ـ أمر سيدتي..
ـ فصلوا جثة البرمكي على باب قصر الرشيد ثلاثاً] , نشيد اوروك , ص 80 , 81
لا نريد ـ هنا ـ الدخول في الشرح والتفسير لكون المشهد واضح بقصد الافاضة بالفضائح, لكن لنا ملاحظات بسيطة /
1 ـ المشهد يروي عن حوادث كلها شكوى الناس على ممارسات السلطة. 2 ـ تمارس السلطة آلية التسويف والتضليل حتى لو كان مكشوفا وغير أخلاقي. 3 ـ المقطع مشحون بطاقتي اللوم المبطن والممارسة الاقتصادية لسوقية السوق السياسي تاريخيا , كأن السياسة والحكم سوق نخاسة ونجاسة وقتل القريب والبعيد ممن لا يحابون السلطة.
4 ـ أورد الشاعر هذه القصة كقصة متناصّة مع ما يجري من بيع للضمائر وسرقة للفقراء واعتداء على شرف الناس وتصفيات الخصوم بأبشع طرق الانتقام.
5 ـ من خلال الشعر، المصاغ قصّاً، يتمم الشاعر قصديته في جعل الشعر ضمير الشعب في كل عهد.
* ومن طريف القول الشعري ذلك الذي يستثمر الطرافة والتندر في تزجية وتسويق قضايا مهمة لحياة عموم الشرائح الاجتماعية عريضة الاتساع طبقياً :
[مرَّ المُزَمِّر ، مرّ المُطَبِّل
مرّوا ولا زيت ـ في البيت ـ او بصل
وإنتظري الفضلاتِ على الطاولةْ
لقد كرّشتْ بطنها الحربُ
ما تُخمَتْ بعدُ،ما سوس اللحم أسنانها القاتلةْ] ـ نشيد اوروك , ص9
رابعاً : الإذابة الغنائية
الشعب مصدر الإلهام ، والغناء مظهر الجمال الروحي والفني، والاغاني إذ تصير ارثا خالدا فهي تؤرخ جمالية القول وأريحية القوم وعنفوان الروح في توقها الى الطرب.. الطرب الذي يكسب صفة الخلود إن عبّر عن غائر الحب للبيئة والاشياء والناس..
لننظر الى الغناء الشعبي كطاقة من كلمات حية إذ أن :
“الكلمة الحية أي كلمة حية، لا تواجه موضوعها بشكل واحد : فبين الكلمة والموضوع ، وبين الكلمة والمتكلم، وسط لدن يصعب النفاذ منه في الكثير من الأحيان، وسط من الكلمات الأخرى، كلمات الغير في هذا الشيء نفسه وفي الموضوع نفسه. ولا تستطيع الكلمة التفردَ والتشكل أُسلوبياً إلا في عملية التفاعل الحي مع هذا الوسط الخاص، المتميز”( ). لأن الكلمة بالنسبة لباختين ليست لفظاً من عدة حروف , هي حيوية تآلف كوحدة بانية ومنتجة لنص، بما تحتويه من قوة تركيب للمعنى وللإفادة وللتوصيل.. وهي جزئية من مستويات أصلية وساندة.. والساندة قد تكون شعرا او نثرا مجاورا او محايثا او مكملا.. وقد تكون لهجات تعبير لطقوس وتراث وغناء..
من الجزئية الأخيرة نجيء موضوعنا بعدّنا للكلمة مستوى متعدد الأنماط من التعبير عن روحية الغناء الشعبي ككلمات لجمل ساندة ومنتجة للمعنى الوجداني في الشعر باللغة الفصحى. قد نفيد من هذ الفهم بالآتي :
أ ـ شعرية الكلمة الغنائية المتخيلة
{“المتخيل المختلف” ؛ متخيل مختلف عن السائد والذي يعمل على الكتابة في الموضوعات المهملة و”المحرمة”}
[…………………………. من بدل َالقلبَ ينشد عزلته بالنصوص
بنايك دافيس: ” هاك ابرة هـــاك الخيطْ خويَه اردْ اكلفكْ..
ومْسرَّدْ الدلالْ شله علَه عِرفك…
” قاطعا خيط آلامه كلما جرها نايـــل، فيكر بحبات
مسبحة عمره في المقاهي] ـ نشيد اوروك , ص47
في النص الشعري نثرية كاملة دخلت بشعرية ملازمة للدلالة لتكمل القول. يُرى فيها تنوعا طريفا ذلك هو أن الشاعر جعل من القول الشعري الأصلي خلفية لشعرية الغنوة الشعبية.. ولو دققنا القول لأحلناه الى ثلاث بؤر لغوية دلالية كون كلمات النص كلمات حية، على حد فهمنا لمقولة باختين الواردة سابقا.. وهي:
ـ المستوى الأُسطوري : إذ يفتتح القول بأُسطورة دافيس الأوربية لما قبل المسيحية، التي تخص عازف الناي القديم الذي ولدته أمه ورمته في غابة فعلمته الآلهة عزف الناي.. والناي من الآلات الموسيقية الغنائية التي لها تاريخ أُسطوري وحقيقي… بمعنى أن الأُسطورة منحت النص قدرة غنائية لينتقل الى المستوى الثاني.
ـ مستوى الغناء الشعبي ذو الهموم اليومية بلغة دارجة : ان الغنوة الشعبية هنا مغامرة فنية، إذ هي مستثمرة مثلما هي دون تغيير لا في اللفظ ولا في المحتوى.. والاغنية مشاعة وتعني أن القلب ممزق وأن صاحبة القلب تريد من أخيها أن يخيطه بإبرة وخيط لا بخيط طبي، وكأنها جازعة لدرجة عدم الاحساس بالألم، وأنها تخولة ليخيطه كما يشاء.. ولعلها تغمز أن يجيء لها بالحبيب.
ـ مستوى الغناء بشعرية الفصحى لليومي الخاص بالعاطلين : ان الغناء المطوّل النبرة (النايل) غناء العاطلين، وهؤلاء ينتهي عمرهم بين التسبيح اللاهي بمسبحة والجلوس في المقاهي.. وكأن الشاعر يرسم مصيرا للبشر في أنهم سيصبحوا دون ناي وغناء وأحباء، ومن ثم يصيروا عاطلين عن الحياة.
* يُرى في خلاصة النص أننا بإزاء مشهد ميلودرامي ، يحاكي الشاعر ذاته بكلمات من ثلاثة لغات, المستوى الأول ديكور والمستوى الثاني غناء تعبيري والمستوى الثالث ستارة غلق الأحداث.
ب ـ غنوة التوطن الطفولية
من طرافة التنوع الاستعمالي للكلمة الشعرية الحيوية أنها تداخل بمبثوثها بين الأهداف وتجريدات الصفات لتعمل على توطين مصاغات خاصة للأطفال مثلاً :
[…………………….آه.. لو أتمدد فـي الليـــل
الصـيفي المقمر فوق السطح المرشوش وأصغي كالأطفال لكـل حكــايا
أمي.. لولا تلك العـيـنان الجامدتان لأحصيت النجمـــات على السطــح:
” كالا بالا برتقالا عمي كلي جيب الكالا.. وي..
” أفتح علبة سردين أتمدد فيها وأنام”هيله يارمانةْ.. الحلوة زعلانةْ ”
لماذا عكرت مزاجي في عيد الميلاد بأنغام شخيرك يا سيد حرز كأنة قمح
تـتـكـســـــر تحت حجار الطاحونة أفتح رأسي وأنظفه من قش الأحلام لعلي] ـ نشيد اوروك , ص 58.
هذا اللون ليس غناء فقط بل هو تلحين لكلمات منها ما ليس له معنى، ولا يعرف مَنْ قائله.. لولا الأغنية اللصيقة بـ ” الـ كالا بالا عمي كلي جيب الكلاوي “…. لصار النص كله ردات للعبة البنات الأطفال. إذاً هذا التضمين وهذه الإذابة أعطت للمنصوص الشعري وللنص الأصلي طاقة مؤلفة من / ((الردة الطفولية، الايماء غير المنظور بالرقص لأن ردّات الأطفال كلها ـ تقريبا ـ راقصة، ثم التغيير في منظومة المعنى، ثم تحقيق الطرب والشاعرية، فإعطاء غطاء للمقولات الفلسفية لتكون كأنها حكمة شعبية مخترعة، ثم التذكير بفطرية سلوك النائمين على السطوح الصيفية، وكذلك التذكر لمآسي البحث عن سكن، إضافة الى تذكر الضجر من التخالط المتزاحم للبشر في النوم والاعياد)). يلاحظ أن معظم الصنوف القولية تستحضر غائبا غير مراعى “مسكوت عنه” لتكتمل صورتها الصوتية والدلالية ومن ثم يكتمل اداؤها الشعري.
ج ـ الغنوة المُخَلَّقَة
يرتبط الشعر باللحن الموسيقي وبالرقص فلكليهما إيماء واحد في التطريب لكن المثير للاهتمام هو ذلك التدجين الغنائي الشاعري بين اللغة الفصحى لقصيدة النثر والدوزنة الغنائية لأغان شعبية موضوعة شبه مخلقة.
بمتابعتنا لذلك وجدنا بعض النصوص تنتمي الى قصدية تداولية تشبه تسويق البضائع , لكنها محافظة على الشروط الفنية للقصيدة والغنوة الشعبية :
[قال المرابي
قال الصحافي
قال اللواطي
قالوا.. وقالوا… وقلتُ: سلاما.. أيا وطنا..
لم نجني منه سوى الصفعات] ـ نشيد اوروك , ص36, ص40
الملاحظة الأساسية على هذا التنميط النظمي أنه يحتفظ بتلحين تطريبي.. كما أنه موزون.. ثم هو سهل التداول بسبب قصر الجمل.. كما أنه يحمل هماً إنسانياً شاملا لكل لوعة لبشر على اوطانهم.
لندقق في الآتي :
[حتى اذا
ابتهجوا في البلاد
وضجت دفوف الحصاد
على الارض
هدهم طوفان المياه ..
الجراد…
الطواغيت] ـ نشيد اوروك , ص55
التقطيع الكلمي اعلاه للسطور جاء متناغما مع:
ـ الحاجة الى التنفس بعد الانشاد مثلما في الاداء الغنائي والعزف..
ـ أنه يلائم حركة الرقص الإيمائية في مهرجانات الحصاد الريفية..
ـ التشكيل التسطيري للكلمات يقترب من انحناء المنجل على قبضة سيقان السنابل.
لنتجه الى منحى مكمل :
[والعصر.
إن الشعراء لفي خسر،
إلا النقارين على طبل
والهزازين على حبل
والماشين مع النهر.
فاحرق اوراقك يا ابن الصائغ
لن تجني من هذا العالم
غير القهر] ـ نشيد اوروك , ص56
ـ في هذه الغنوة ترقيق مقصود ليترادف مع عذرية القول المخلوق ليكون غنوة وومضة شعر، وشعبية فكر للاحتجاج!.
ـ الشاعر لم يحافظ على الوزن التقليدي إنما دوزنها بتنغيم فكري باتجاهين هما، الترقيق باتساق الكلمات مع بعضها، ثم بالتسجيع الموازي للفظ القرآني..
ـ في الاحوال كلها , الشاعر جعل من نفسه منشداً غنائياً.
* لنذهب الى غنائية صرف ليست بحاجة لا الـى لـحـن ولا موسيقى ولا رقص يرافق الصوت :

[والأغاني
التي خبأتها الحبيبات تحت القلائد
دافئة بيننا
ما الذي يجعل القلب أكثر حزنا وقمحا
ما الذي يجعل الناي أدفأ بوحا
ما الذي يجعل الشعر يضمد جرحا] ـ نشيد اوروك , ص56
ـ المقطع يعتمد صوتية القافية تعويضا عن اللازمة الغنائية..
ـ ويستميل السامع او الرائي بتكرار يعوض عن الدوزنة الموسيقية..
ـ ثم يبيح بفطرية البوح تسويغا معوضا عن الايماء الجسدي.
* بمثل هذا التنسيق وغيره يتجدد القول الغنائي عبر مسلات انظمة مخلوقة حاولها الشاعر لتصير بمنجاة عن الفوضى، التي كثيرا ما يفتعلها المطربون الشعبيون.
خامساً : دلالة شعبية الفواعل والافعال
الواقع أن للأسماء حضور طاغ في جميع الأنشطة الإنسانية… ولقد تعارف الناس على أهمية المسمى، بل لعلهم تباروا في انتقائها ، كالأسماء الحسنى لله والاسماء التحببية للأنبياء والأئمة والعلماء ونجباء القوم.. وبعضها يدخل الى المدلول المباشر لأحد موجودات النبات، والحيوان، والبشر، والحجر، والماء، والهواء، والتراب.
ان الأسماء هي أولى دلالات اللغة، ثم تليها الأفعال كأهم مصادر القول التدويني والشفاهي، ثم التتمات الأُخرى للحروف والظروف.. كل تلك العناصر الراسمة للخارطة اللغوية لن تحد من تصادم الأفكار (أحيانا) بين الفعل والاسم أي أن يدل الاسم على فعل مجافي لدلالة كليهما.. المهم أن الأسماء كلمات تعيينية دالة مستدلة تعطي وتأخذ من محيطها الاجتماعي الشيء الكثير.
من هنا تقع مسؤولية اللغة، ومن ثم الشعر، ومنه الى الروحية الشعبية للمسميات. ترى كيف ندخل شعرية الأسماء في قصيدة نثر شعبية؟
من المتوقع أن يكون الأمر في غاية السهولة، وفي غاية الصعوبة كذلك.. لنتابع: [من أنت؟ أحشاء من كتب وشوارع مهضومة، ماضيا
والبسوس تجر البسوس أباعرَ مهزولةً ومدافعَ ] ـ نشيد اوروك , ص9
من السهل علينا القول بأن الأسماء في النص أعلاه هي:
(احشاء، كتب، شوارع، بسوس، أباعر، مدافع).
هي أسماء جميعها منسوبة لـ /
ـ أحدأث : فالأحشاء لحدث الحشو في المعدة، والكتب لحدث الكتابة، والشوارع لحدث الشروع بالمشي، والبسوس لحدث البس اي النشر والتفريق والحرب ، والأباعر لحدث التبعرر في دفع الفضلات والمدافع لحدث الحرب بين المتنازعين.
ـ للاستعمال : الأحشاء للاستعمال في حفظ الغذاء داخل المعدة، والكتب لاستعمال التدوين، والشوارع للامتطاء، والبسوس لنشر الموت بين القبائل. والأباعر لجعل التبعرر في خدمة الرعاة. والمدافع لأجل دفع المقذوفات النارية نحو العدو.
ـ للصراع : الأحشاء للصراع بين الجوع والشبع، والكتب للصراع بين العلم والجهل او التذكر والنسيان، والشوارع للصراع بين التضييق والتوسيع، والبسوس للصراع بين المتحاربين بالغزو والصدام، والأباعر للصراع بين القاطعين للمسافات الطويلة والقصيرة. والمدافع للصراع بين المقاتلين بالنارين القوسية العالية والقوسية الواطئة.. وهكذا…
* هذا كله بسيط جداً , لكن من الصعب أن نحزر ما وراء الدلات الاسمية وارتباطاتها من خلال تاريخها اللغوي والاجتماعي.
* الأصعب أن تدخل هذه الأسماء كمعاقد لشعرية قصيدة النثر الشعبية.. لا نرى الصعوبة في صوغ الكيفيات , إنما في فتنة وفنية الدلالات.
لنأخذ مقطعاً أكثر عاطفية نقيم عليه بعض فرائضنا.
[ديونيس يسقط مثل اللفافة من فم سكيرة تشتهي رجلا بالماينيز تغرز شوكتها
الـمـعـدنـيـة فـي إلـيـتـيـه فـيـنـعـظ نـلـبـد خـلـف لذاذاتها بالمساطر نكسرها ونفر
الى الـثـورة الاشـتـراكـيـة فـي مـطـعـم الـفـول حـيـث الـمـعـلم يقلي لينين ويأكله
قبل أن يدخل الصف] ـ نشيد اوروك , ص15
نلاحظ :
1 ـ يوجد في النص(18) اسماً مما يعني سيادة كبيرة للأسماء في الهيمنة على النص. 2 ـ يحتوي النص على (9) أفعال مما يعني التعبير مخصص للشاعرية العاطفية الوجدانية.
3 ـ من الأسماء (17) اسما شعبيا ، والأفعال جميعها شعبية ، بما يعني (إحصائيا) غلبة كاملة للروحية الشعبية الشاعرة.
4 ـ جميع الأسماء والأفعال لها دلالات استعارية شبه سردية مما يحيلها الى الشعر المنثور مباشرة.
5 ـ جُل الأسماء لها دلالتان ، السخرية والاحتجاج .
* تلك هي طريقة الصائغ في تزجية الشعرية الشعبية في ثنايا قصيدة النثر الجديدة. * حتى الآن لم نتعرف على الأسماء الصريحة كأعلام الناس والأماكن فلننتفع بـ / [……………….. ألبسوني قميص الخلافـــة
منخرقاً بالخلافات ثم أتوني على جمل يضلعون وهـــم
يندبون علي قميص إبن عفان؟
ما لي وعثمان
مالي ودنياكموا هذه ــ لأزهدن عندي من عفطة العنز
فانصرفوا واتركوني أتم صلاتي] ـ نشيد اوروك , ص 30
الاسماء سواء صرح بها او لم يصرح سندخل بها الى نتيجة ملاصقة للتراث القديم المسكوت عنه في المقاطع المتقدمة:
ـ اسماء البشر “عثمان بن عفان وعلي بن إبي طالب (رض)”.
ـ اسماء الاماكن “المدينة المنورة”.
ـ أسماء الحيوان “الجمل والعنز”.
ـ أسماء الأشياء “القميص والخلافة والخلافات، والدنيا، والعنز، والصلاة”.
* وبذات الطريق الاحصائية سنجد الاسماء بما فيها الاسماء المصدرية النحوية = 13. يقابلها = 7 أفعال ، وهي تعادل (تقريبا) ذات النسبة السابقة، لذا فبجميع آليات وطرائق استثمار الصيغ السابقة تؤكد الطريق الوعر الذي تسلكه لغة عدنان الصائغ لتزجية شعرية وشاعرية الاسماء المُعَلِّمَة لشعبية مقاطع قصيدة النثر أعلاه ـ بحسب فهمنا للدلالات المرجعية الفنية للاستثمار الجديد للشعرية والشاعرية في طاقة المشاع الشعبي المسكوت عنه تاريخيا. لنتبين نشاطا آخر للأسماء ككلمات حيوية في علاقتها بالمسكوت عنه أيضاً :
[نضحك مما يقول كـنـيـش الى كاتب العدل (يقرأ في محضر الأمن أوراقه :
سـيـدي كـان يـحـمـل سـبـحـة عدد الخرزات 101، سوداء حســـــــــــينية..
سيدي ويوزع حلقوم أم البنبن بموكب عكد زُبالة)..] ـ نشيد اوروك , ص51

سادساً : قص المثيولوجيا شعرياً
قصائد النثر تحتفي بالسرد احتفاء المُكْتَشَف الحيوي .. أحيانا .. يصل الانبهار باللحظة السردية حد التغاضي عن شروط ” الغنائية ” للشعر.
ولأن الصائغ يُعدُّ من المجددين النشطين فهو ينحاز كثيراً الى السرد لكن دون أن يكتب قصة كاملة مستقلة بشروطها العقلية.
نرى (الصائغ) قد وضع لنفسه حدوداً خاصة بالسرد وأُخرى خاضعة بالقص الشعري ، عند احتوائه للمأثور أُسلوبيا شعريا، وللمثيولوجيا قصّا.
لنجتزئ قدرا من الامثلة على ذلك :
[ـ هل ستفك وثاق أخي بعد أن……
يتوتر ـ (عضوه) ـ شيئا فشيئا فيولجه…
والجدار الذي سوف يجفل من الأمر طلقة طلقتين ثلاثا سيعتاد..
يأتي الجنود على فخذيها ويمضون في الشهقات الاخيرة نحو سجل الوفاة…
فيشطب في الفجر اسمان…….] ـ نشيد اوروك , ص74
لقد شاع في مراحل الحكم الفردي وجود طبقة من رجال الأمن (ضباط ومراتب) مهمتهم اغتصاب اخوات وبنات وزوجات المعارضين ، او بالعكس.
وهذه القصة لها مرادف لصيق بما كان يفعله الجنود والضباط في المنطقة الكردية بما يماثل سلوك رجال الأمن في الوسط والجنوب من العراق.
القصة كاملة الا من بعض الشروط .. فالبطلة امرأة مغتصبة يقايضها سجانها على شرفها بمقابل اطلاق سراح أخيها.. ثم ينتهي من نزوته معها فيعطيها الى الجنود يفرغون بها نزواتهم حتى الموت ليأتي الصبح فيعدم الأخ وبذلك يصبح انتهاك العرض جريمة من اسمين البنت واخيها.
هذه القصة حدث منها الكثير في جميع بلدات العراق ، فأصبحت جزءا من المتداول الشعبي، ضمها الشاعر الى نشيده ليستحضر ما بنيت عليه علائق المثيولوجيا ، صائغا إياها بالشعر قصيدة نثر شبه مبشرة بالمطولات الشعرية السردية الجديدة.
لقد تقصّد الشاعر أن يجعل القصة مفتقدة للراوي ولهيئات الشخوص مما يحيلها الى جزئية من مأثور شعري .
لنطرق بابا جديدا من أبواب سردية المثيولوجيا الشعرية /
[رصيف وباب بليد
وقوادة وقمر وشرطي..
كثير التلفت رقبته من حذر
وتنورتان تضيقان حين يضيق الزقاق
وتتسعان أمام المحلات والـ…
ـ أما زلتَ في العسكرية ؟
تحسستُ عمري حذاء قديما وعينين من
مطر ونعاس.
ـ وأنتِ ؟
..
استدارت لطفلتها….] ـ نشيد اوروك , ص135
في القصة فقدان للحدث الحقيقي .. أبقى الشاعر على الوصف فأنجزه شعرا بقصة مبهجة لكنها مبكية , حتى النقاط في الأخير أرادت أن تقول لحبيبته “امضي لحال سبيلكَ.. لدي اربعة أطفال.. هذه صغيرتهم معي “.. كأنه يقول :
“أنا أمضي حياتي بين قوادة وشرطي وحذاء عسكري “..
قد يكون سبب وجود مثل هذه قصة هو أن الحكومة العسكرية في الثمانينات كانت تزج بالشباب الى العسكرية حتى يصل عمر الشاب 45 سنة فيكون عمره قد ضاع , ومن لديه حبيبة قد ملّت انتظاره وتزوجت وانجبت.
ولزيادة التوضيح اثبت قصة غنائية دون شرح /
[جعدني جرس لا يكف عن الصمت في باب القشلة..
يسأل أين رباطات بهرز ..
أين المقاهي بأوجارها والتخوت.. وقد رقص الساس بالطاس..
ادخل مقهى جغالة اسمع جالغي..
رشيد يراقص طيره بين الجنائب والجسر بالرست والبنجكاه ”
فأركض خلف المدلل حافي وعبيتي علْه اجتافي..
بوسه من الاسمر كافي] ـ نشيد اوروك , ص142
سابعاً : التناصات التراثية
أجد ان اجتهادات الشاعر في هذا الاتجاه مقسمة ـ حسب اشتغاله الشعري ـ الى :
أ ـ العادات السيئة
هناك من الممارسات الاجتماعية ما لا يتفق مع الذائقة العامة او الاخلاق المرعية مما يمكن وصفها بالعادات السيئة.. هي ليست سيئة بمعنى الضرر الكبير او المؤسي لكنها قد تكون مضرة بأصحابها.. ولكثرة انتشارها وتداولها بين القدر المهم من المجتمع فهي تدخل ضمن منظومة العادات الشعبية غير المستساغة، خاصة بالنسبة لذوي التعليم العالي التخصصي. لنتمعن في :
[ويشخر ” كيكو ” وراء المراحيض يجمع من كل بوالة نصف قرش وعـنــد اشتداد الظهيرة كان يحدق من ثقب حائل للفروج التي تتوسع أو تتقلص. ينتف عانته دهشا ويقول لجدته :
أن بول النساء سيوسع من دخله كلما طالت الحرب]ـ نشيد اوروك, ص35
قد يحضر في ذهننا مباشرة سؤال ” لماذا جيء بهذا النص؟ “..
أُخمن أن الشاعر جاء بهذا النص، وبهذه الفجاجة، ليحقق الأغراض الآتية:
1 ـ الكتابة لا يعاب عليها أي لفظ مثلما يتصرف عامة الناس من ذوي التعليم الوطيء.
2 ـ ليربط بين مواسم الزيارات للأئمة والصالحين بهموم النساء المتبركات طالبات الزواج للتخلص من العنوسة.
3 ـ ليعلن أشرار الحرب من خلال:
ـ انتشار المخبولين مثل كيكو.
ـ كثرة المنتفعين من مآسي الحرب ممن أتخذوا من الموت طريقة لجمع الأموال. ـ طول الحرب يجر الى كثرة عنوسة النساء.
ـ صعوبات الزواج المالية تجعل النساء يتواطأن مع الانحرافات الجنسية. ـ الحرب كارثة بشرية تنهار بفضلها الاخلاق والقيم والقطاعات الاقتصادية ويتحكم من خلالها الادنياء بمصائر الشرفاء.
4 ـ تكرار الظاهرة السيئة بعاداتها وأشكالها المنحرفة شائع ومسكوت عنه ومن مهمة الشاعر فضح ذلك.
5 ـ وضوح هذه العادات أدخلها بصورة (ما) ضمن تراث السلوك الاجتماعي الذي سيصير شعراً شعبياً له من يتلقاه ويحترم رواده.
لنتمعن فيما يأتي أيضا:
[الفيلم يوشك ـ قال مُقِّصُّ التذاكرـ أن ينتهي.
ابتسمت لا يهم.. ومال على اذني عطرها هامسا: المهم النهاية.
في الظلمة انتبهت ليديَّ تجوسان تحت القميص المهدل غاباتها] ـ نشيد اوروك,ص114
في المقطع حالة من خلوات الشباب والمراهقين والمتحابين نساء ورجالا , هذه الخلوات كانت شائعة بين1980و1990, وهي ان تكون المواعيد الغرامية في السينما مستغلين الظلمة العازلة واللهو بأحداث الفيلم ليقوم العشاق بالمداعبات التي لا يمكنهم إتيانها في الضوء امام الآخرين. هي عادات ليست سيئة جدا ولا مضرة وكثيرا ما يقدم عليها الشباب مضطرين , لذا فهي عادات تأخذ طابعها الشعبي من العدد الهائل للذين يمارسونها, على الرغم من ان العرف يعارضها وقوانين الآداب العامة تمنعها!
ب ـ طقوس
الشاعر مولع ومهتم بالطقوس الشعبية , يجعل لها أماثيل متنوعة الوقائع , منها ما يخص الأفراح وبعضها يخص الأحزان كالمآتم وزيارات الأئمة والصالحين ـ ان البيئة العراقية تنحاز لكل ما هو مبك وحزين وموجع :
[عبود خطبوا له مَرَهْ، هيه، هيه، هيـ… من غير
حمرة محمرة، هيه.. هيه.. هيـ………. ] ـ نشيد اوروك , ص124
هذه الكلمات تشكل طقسا من طبل ورقص وانشاد نسوي وذكوري ، فالأعراس في الخميس تعج بها، لذا فهي دخلت الى التراث بسبب قدمها وارتباطها بتقاليد وثقافة المجتمع. يمكن التمعن كذلك بطقس آخر، إنه طقس التشابيه الحسينية :
[احمل رأسي على طبق وأطوف… بعصر المماليك
اغسل بالدمع شباك رأس الحسين] ـ نشيد اوروك , ص29
هذه الطقوس تخص انتقال رأس الحسين (ع) في البلدان والتي لها طقوس احتفائية تقليدية تحتفظ بها الممارسة الشعبية، جاعلة اياها جزءا مهما من نشاطها التراثي.
ج ـ مثاقفة الجرائد
يتكرر طقس الجريدة بالكلام والممارسة بين اكثر المثقفين وبعض الشغيلة وطلاب المدارس ومنتسبي الجامعات , حتى صار يشكل مظهرا من مظاهر النشاط الشعبي اليومي لمن ينتجها ويبيعها ويشتريها ويقرأها، بل هي نوع من المثاقفة التي تعمد على مزج الثقافات مع بعضها بالتوسع القرائي عبر الجريدة ، سهلة الحمل والثمن. وقد أخذ هذا التقليد جزءاً مهماً من عناية الشاعر مثاله :
[قال المحرر منكفئا خلف نظارته:ـ
سأشتري بسعر المقالة كيس باطاطا..(نشيد اوروك، ص7)] [ـ الزيارة ممنوعة.
ـ هل ينقضي يومنا في الجريدة؟.. ] ـ نشيد اوروك، ص12
[ورأيت بأولى الصفحات قصائده الفاقدة الطعم،..] ـ نشيد اوروك، ص63
[قلّبتُ الصحف اليومية في عجل…
تركت الصفحة في الباص العاطل..] ـ نشيد اوروك ، ص89
[تصعد خلفي امرأة..
منذ مساء الحفل لم افكر في شفتيها فيحوم على ذهني النحل طنينا، يصعد خلفي رجل ممسوح يخفي نصف ملامحه خلف جريدته] ـ نشيد اوروك، ص105
د ـ فبركة روحانية
بتصورنا أن الروحانيات والتفكير اللاعقلاني جزء مكمل لما هو موضوعي وعقلاني كونه فضاء محورا عن العقلاني، كما أنه يتماشى مع فطرية الاداء الشعري وفطرية السلوك الشعبي, لكن بعضا من هذه الروحانيات يأخذ طريقة التعاويذ مثلما عليه الأوراق التي هي ترسيمات روحانية على صفحة 28 وعلى صفحة161, وعلى صفحة194 ويرافقها كمٌ مقابل من الشِعر المضفور كتتمات لها , ولكن كل ذلك مضلل لأن الشاعر يبغي الإيحاء بأن تلك الترسيمات شكل من التعاويذ الروحانية ، بل أن الهدف السياسي الايديولوجي واضح في كونه يستخف بها ويكتب من عنده ما يسفهها / لنقرأ الواجهة الترسيمية الآتية ونحكم :
[برطلوا الريزخون فغير سير الرواية كي يستدر الـدمـوع والثريد لأطفاله فأضاع القضية باللطم والشوربا وحيدا في العراء] ـ نشيد اوروك ،ص28 [اعرف أني وقبل قليل خرجت من المذبحة
قابضا بين اضلاعي الوطن الجمر وداعا..] ـ نشيد اوروك، ص161
[ـ كم ساعتك الآن ؟
ـ منتصف الموت ببغداد] ـ نشيد اوروك، ص194

هـ ـ الأمثال
الأمثال هي من تعطي غنى شعبيا واضحا لوله الشاعر بتراث الشعب الفطري والثقافي… سنورد بعضا من مستثمرات الشاعر لها :
[ تشرق الشمس زعلانة فاستجاروا بديك
فصيح..] نشيد اوروك ، ص11 ـ مثل مصنوع.
[حامل الهوى تعب] ـ نشيد اوروك ، ص13 ـ مثل عربي قديم استعماله مستمر.
[ أنساك شهد اللذاذات سهد التجاريب (نشيد اوروك، ص55)] ـ مثل مخلوق.
[تعلم ان تفتح كفك وسع القلب وقلبك وسع العين وعينك وسع الدنيا] ـ نشيد اوروك ص64] ـ مثل مخلوق.
[ إذا كان عصري لا يستقيم بغير دمي
فيا سيوف خذيني
خذيني فقد اتعبتني الحياة بظل الطغاة (نشيد اوروك، ص187)] ـ مثل تراثي ما يزال ساري التداول شعبياً وثقافياً.
ثامناً : حيوات ثقافية
يمكننا ان نتبنى وجهة نظر عامة للنشاط الاجتماعي على اننا نجده في الشعر ثقافة شعرية تخص الجمهور العريض للناس صانعي الأكثرية لأي شعب.
سنوزع واجهة الشعر الشعبي لنشيد اوروك على :
1ـ إحياء القص التراثي : سنلحظ ، في المشهد الشعري القصصي أدناه، الكيفية التي يؤالفها ببعضها الشاعرُ ـ الرائي الراوي ـ كعناصر قص تراثي:
* {أمرُّ بديوان رابعة العدوية: أعدو وراء غزالة حبك لاهية في مروج التغنج يصطادها ملك اعور ثم يسلخها صانعا جلدها طبلة:
آه.. يا.. ليل.. يا عين .. تبكي النوافير في قصره وطنا ضيعته السلاطين:
سيدتي أين ؟ ينخرق الطبل من شدة النقر، ينسل من ثقبه ـ آخر الليل ـ صوت أنين نحيل يطارد طيفك في الريـح ] ـ نشيد اوروك ص72
يشيع في التراث العربي التحول الدراماتيكي للمرأة المتصوفة رابعة العدوية.. وقد جعلها الشاعر نديمته الضميرية ينشد لها ويشكو..
لقد وضع نقصاً متعمداً في النص فقد (حذف الحدث) ليصير شبيهاً بالقص العربي القديم الذي يركز على فكرة الحكمة لا على فنية شروط الصنف القصصي. بهذا يمزج الشاعر بين القص والحكمة والشعر وشعبية اللغة التي توجه القول.
لقد لجأ الشاعر الى هذا المعطى ليؤكد بعض الأهداف التي يمكنني تلخيصها بـ : ـ الاستثمار الفني للمحتوى الجدي للرمز التراثي والمثيولوجي لشخصية رابعة العدوية. ـ لأن قصة رابعة العدوية قصة للتحول النفسي والوجداني من السلوك غير المرضي اجتماعيا , الى سلوك غاية في الالتزام والصبر والعزوف عن ملاذ الحياة. ـ لأنها شاعرة عانت ويلات الاهمال والظلم والقذف بالشائن من الأكاذيب. ـ ليؤكد على أن قوة التراث يمكنها ان تصير قوة حقيقية لخلود الأثر الفني الموغل في أوالياته الدلالية.
* في المقطع الآتي يتجه القص ناحية انتقاء وتحوير أكثر جرأة من النص السابق لنمعن النظر به:
[كـانـت جـواري يـزيـد يـطـبشـن في رغـوة الحوض ممتلئا بالخمور.
فقام. توظأ في عجل ومضى يصلي الغروب على خبر جاء بالفاكس:
أن الخيول استباحت خيام الحسين] ـ نشيد اوروك، ص43
القص (هنا) تراثي تم اختلاقه وتصويره على أنقاض مأساة الحسين (ع) التي يحكى فيها أن رأس الحسين (ع) قد (جُزَّ) وبُعث الى الخليفة الاموي يزيد بن معاوية..
يتأكد في القص وجود إشارات تناصية هي الهدف من ايراده بهذا الشكل إذ أن :
ـ ان القص شبه مكتمل لو أضاف الراوي متسعاً لتوضيح لحظة اللهو بين الخليفة والجواري.
ـ لجميع رؤساء وملوك العالم الفرديين في الحكم ، سلوك يشبه سلوك يزيد في هذه القصة. ـ أن الوسيلة (الفاكس)التي اوصلت خبر (الاستباحة) هي الشيفرة في هذا المقام الشعري لولاها لصار القص مجرد نقل محاذي لحدث استشهاد الحسين (ع).
ـ المبرر الحقيقي للقول القصصي ـ كما نعتقد ـ هو شيوع مغامرات الرئيس العراقي للجمهورية الخامسة( ) والتي أكثرها تتعلق بتلذذه بالقتل والنساء.
2 ـ الصراحة المفرطة : في اللغة اليومية للحكي بين الناس تنطلق كلمات وجمل في غاية الصراحة دون ان تؤذي مسامع المتحدثين بها.. لكن الكثير من المثقفين يرونها من حوشي الكلام رديء اللفظ.. إنها لغة شائعة وليس فيها ما يعيب (ما عدا) انها ـ أحياناُ ـ تكون جارحة وفاضحة دونما مبرر.
لننظر الآتي :
[ادرسْ الحَبَ يا ثورْ ادرسْهُ.. (فجلدتُ عُمَيْري ونمتُ على شتم عاهرة بلعتْ نصفه ورمتني على بابها اتناهق] ـ نشيد اوروك ، ص21 [نامت معلمة الصف في حضن طالبها الوقح (تفتح قوسا لإصبعه خلف بنطالها] ـ نشيد اوروك ، ص 37
[كنت اراهم بحاناتها يكتبون القصائد من تخمة ويبولون كل صباح على حلمي] ـ نشيد اوروك، ص,39
[ايمـــان خطبــت يا صكـبــــــان لسيــــارة اولدزموبيــل ورسائـلها؟ ـ نقعها بالماء واشربها. ماذا فعلت مفرزة الاعدامات بأرتال الفارين من الجبهة ؟ ـ كــــ……. عــــرضـــــك] ـ نشيد اوروك، ص93

[والمحقق يشتمني غاضبا :
أيــها الكــلب قــــــل اي شيء سواه] ـ نشيد اوروك، ص101 [ـ يا سـيـدي لــــــم يكن بيننا غير هذا الشميم المذرذر بين حديقته وقميصي… (يُدخل قازوقه).
ـ كيف كان يضاجعك الكلب] ـ نشيد اوروك، ص152
3ـ السجع وجمل الحديث الحوشي : في رغبته للتجريب وبأفق مفتوحة على المصادر اللغوية القاموسية والاستخدام الحديث لحوشي اللفظ والكلمات ، وضع لبعض المشاهد الشعرية نمطاً يتصف بالكلام الحوشي المسجع الذي تتخلله ألفاظ مصنوعة للدعابة.. لننقل بعضاً منها لأجل أن نتصور طبيعة الاتجاه الفني الذي يريده صائغها :
[تتملاه يعلك حلمتها خابطا حقوها وهو يرهز منتضعا في يديها
تمسده باشتهاء فيمسك أخثمها كعبثا ذا بضاضـــة ضــنكا
جاثما مثل كعب مقبب يرتج جردلها فيبطحها فوق مكمأة يفترشها
مولجا شيأه… في حوضها… دوخها طوله فيدفعه سافقا حرها…
غضوضا مصوصا وهي تجعر محمومة] ـ نشيد اوروك، ص77
[الطوائف التي تعدو ورائي مرجئية يتركون ليوم القيامة قائمة المعصيات…..
وحشوية وحسينية وحسنية وحربية وحبية وحازمية وحارثية وحائطية
وجواليقية وجهمية وجعفرية وجحدرية وجبرية وجازمية وجارودية
وجاحظية وثوبانية وثعالبة وبيهيسية وبكرية وبطيخية وبشرية وبزيغية
وبرغوثية وبدعية وبترية واشعرية واطرافية واسوارية واسماعيلية
واسكافية واسحاقية واحمدية واخنسية ومجسمة ومشبهة ومريسية
ومعطلة ونظامية ونصيرية وشميطية وشمراخية ونعيمية وزرارية
وهشامية وامامية] ـ نشيد اوروك , ص111

اسماعيل ابراهيم عبد

شاهد أيضاً

نجـيب طــلال: الدراما العربية بين النقد والإشهار (2)

صورة مكشــوفـــة : حتى نضع القارئ والمهتم المفترض ضمن صورة مكشوفة . لا تأويل لها …

محمد حسين السماعنة: ملامح الصورة الشعرية عند جميلة سلامة

رأى الجرجاني أن طريقة الصياغة هي التي يتفاضل بها الكلام، وهو لذلك مزج السمات الحسية …

د. قيس كاظم الجنابي: المقالة الأدبية عند زكي مبارك

توطئة: يرتبط اسم زكي عبد السلام مبارك (1892-1952م)، مقالياً مع مجلة (الرسلة) ومؤسسها أحمد حسن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *