أسامة غانم: تشظي المحكي المتعدد في رواية ” بوز الكلب”

تعتبر رواية ” بوز الكلب “* للناقد والروائي عباس عبد جاسم إمتداداً لروايته ” السواد الاخضر الصافي “** ، حيث نلاحظ أن مواقع الرؤية من حيث الشكل والدلالة للمؤلف والراوي وشخصياته الأخرى: متداخلة أحيانا ، متقاطعة أحيانا أخرى ، ولكنها تلتقي مجتمعة لتأسيس نص مفتوح بطبقات متعدَّدة ، تتشاكل فيها مرجعيات وجودية وتاريخية مع ” لعبة الرواية ” ، لإنتاج رؤية جديدة بحساسية الاختلاف في الكتابة الروائية .
ورغم أن الاختلاف هو تجاوز بمعنى “لحظة ” فارقة ما بعد الحداثة ، ” فإن الروائي يعمل بقصدية مافوق نصية ، على إحالتنا خارج النص تماماً إلى ما وراء السرد ، والى ما وراء الرواية ، لإيجاد مداخل ( = مفاتيح ) لتدوير الشيفرات والإشارات المبثوثة في الرواية ، والواقعة في منطقة يتداخل فيها الوهم بالحقيقة والمتخيل بالواقع ، مما يرغم القاريء على بذل المحاولة من أجل إعادة تجميع آفاق النصْ الدلالية (1) .
وما يجعل رواية ” بوز الكلب ” أكثر تميّزا عن أنماط الرواية التجريبية السائدة ، هو انها تجمع بين جنس الرواية الملموم وعمل النص المفتوح ، ورغم تشظي المحكي كبنية مهيمنة في الرواية ، فان ثمة خيط سردي رفيع يتحكم في الربط بينهما ، لهذا فالرواية نص روائي مركب من أحداث دائرية ” لامتناهية ” ، ولكن بامكان المتلقي أن يبتدئ من أية صفحة في أي فصل ، لذا فما على الراوي سوى أن : يروي ، يحكي ، يسرد ، وخاصة ان الرواية تتشكل من : فصول/ قطوع / تخطيطات/ مقتبسات/ ملاحق/ متون ؛ كجدران متداخلة ، وكل جدار مستقل عن الآخر من حيث الاشتغال ، والطرح ، والتوجه ، ولكن كل ذلك يرتبط بحبل سري دفين ، حيث تعمل الملاحق على دعم واسناد وقائع السرد الروائية بالمرجعيات التاريخية ، وذلك لإضاءة ما يجري من أحداث داخل المتن ، بل وأحياناً يرفده بوقائع متشابهة كـ ” سقوط بغداد ” ، فالمتن السردي يُروى بلسانين هما : الراوي الرئيس( أيوب الكاتب ) والصحفي ( ابراهيم سعدان) ، اما المدونات الأخرى ، فهي مكتوبة من قبل المؤلف ، وهذا التدخل في الرواية من قبل الروائي ، يعتبره فريد الزاهي اقتحام كـ ” مؤلف منظور ” (2) ، على اعتبارها ما وراء الرواية ، أو رواية لارواية ، و” رواية اللارواية مثلها مثل ما وراء القص التاريخي – مهما بلغت أدعاءاتها بالدقة الحقيقية في التسجيل التاريخي – الا انها تبني تقاريرها بوضوح على التناصات الروائية “(3) ، وليس هكذا فحسب بل اعتبرت ليندا هتشيون هكذا روايات لا يمكن ان تكون إلاّ سياسية (4) ، وهذا ما نلاحظه في ” بوز الكلب ” ، حيث أن محورها سياسي – سوسيولوجي بشكل مكثف ، تتصف بالعمق الابستمولوجي ، لأن الموضوع الجوهري المرتبط بجميع الحداثات هو الابستمولوجيا وبالتحديد طبيعة وامكانية المعرفة ، على شرط ان لا تتحول الرواية الى وثيقة معرفية – تاريخية دون المتخيلات ، لذا علينا قراءة المتخيل كأنه وثيقة تاريخية ، لأن ” المتخيل هنا وسيلة لتفسير الواقع الذي يتميز عنه ، أن المتخيل ليس كاملاً على الدوام فهو يحتاج دائماً الى قاريء يكمله ” (5) ، يحتاج الى قاريء/ ناقد مثقف ، مثل قاريء امبرتو ايكو النموذجي ، وليس قاريء دون مستوى النص تسيره المناهج السياقية ، بالكاد يطل هذا القاريء على أفق النص ، وبالرغم من ذلك لو أراد قاريء ( بوز الكلب) تلمّس بدايات حكاية : محدّدة الملامح ، مكتملة الأحداث ، واضحة الشخصيات ، ما استطاع الى ذلك سبيلاً ، لأنها فوق المتخيل ، ورواية اللارواية . ” فالميتافكشن ، تشتغل من خلال تضخيم التوترات والتعارضات الكامنة في كل الروايات : الإطار وكسر الإطار، التقنية والتقنية المضادة ، بناء الوهم وتفكيكه ” (6) .
وقد يتساءل البعض : لماذا حملت الرواية هذا العنوان الاستفزازي ؟ وما الغرض من ذلك ؟
بعد البحث والاستقصاء في النصْ ، تبين لنا أن الروائي قد أطلق تسمية الكلب على الكلب البوليسي الذي رافق الاحتلال الامريكي ، من اجل المشاركة في عمليات التفتيش والمداهمة ومن اجل المشاركة في تعذيب السجناء ، وهذا ما تناقلته وكالات الانباء العالمية من عرض صور المجندة الامريكية ليندي انجلاند وعشيقها ، وهي بصحبة كلبها تعذب السجناء ، وهم عراة بكل بربرية وهمجية ، حتى صارت انسانية الانسان تحت وطأة الاحتلال مجرد احتمال :
” عندما عدتُ الى أصل الكلب ، تبيّن لي بأنه كلب هجين ، وقد دربته السرجنت كاثرين بأسلوب مراوغ ، فقد علمته عند تفتيش النساء ، أن يمدّ بوزه أسفل السرّة !! ” – الرواية ص 123 .
” نزعت كاثرين الكمّام عن بوز الكلب ، أرْخت السلسلة ، أوشك بوز الكلب أن يلامس وجهي تقهقرت الى الخلف ، كانت الارضية زلقة دبقة ، خلتُ الصراخ يختلط بالنباح ، لم أسمعه ، وانما أحس به : كيف يخرج من حنجرتي .
قالت لي كاثرين :
-إهدأ .. لا تخفْ .. لن يمسّك صديقي بالأذى !! “– الرواية ص 67 .
” إني أتهم الكلب غير الأمين . بخيانة هذا البلد الأمين ، لأن قبضة الخنجر من ذهب ، وعصا العبودية من خشب ، سأضحك من فرط الألم ، لأن الفرح مجاز كاذب “– الرواية ص 53 .
بل نصل الى قمة المهانة وعدم احترام انسانية الانسان ، في منظر الكلب ، عند صعوده الى سرير السيدة مديحة العساف زوجة البروفسور برهان السمان ، وهي ملفوفة بعباءة الأسى والمحنة ،وعلى مرأى منها تنهار القيم :
” عندما دخل الكلب ، كانت الباب نصف مفتوحة ، صعد الى السرير ، والجسم محتشم بعباءة المحنة ، والرقيب على مرأى منه في الحيز المفضوح ، يقضم آخر ما تبقى من الفاكهة المحرّمة ” – الرواية ص 49 .
.تتميز ” رواية اللاروية ” بالتهكمية المشوبة بالسخرية العميقة، وخلطها التهكمي بين الحقيقي والروائي ، ففي ” قطع 5 – بهاء وحشي ” من الرواية ، يرسم الروائي صور كاريكاتيرية مليئة بالتناقضات غير المنطقية والجمع بين الأشياء المُتنافرة :
” أميوّن
يقرؤون
صحف
الصباح
بنظارات
سود
بهاء سعيد ، في بهاء وحشي يتنزّه الشهيد ، هذا خروف يتقدم القطيع
سادة نقباء تدرّبوا على خيانة الله
أميّون يلعبون بدمى الحضارة “– الرواية ص 62 ، 63 .
فالتأويل هنا ” يفهم النص ، وفي الآن نفسه يفهم عملية الفهم هذه ، أي أنه يكون واعياً لمختلف العمليات العقلية والحدسية والشخصية التي تشتغل على تحقيق هذه العلاقة الملتبسة المعقدة بين قاريء ونص ، خاصة اذا كان القاريء مهموماً حقا بِهَم الكشف عن/ وفي النص أكثر من مجرد قراءته العادية ” (7) .
ولتأكيد ما ذهبنا اليه وتعزيزه ، بشان رجال الدين ، نقرا ما يلي ، في قطع 1 و2 و 3 :
وفقيه أعجم الكلام . ” نكاية بأخطاء التاريخ ” .
وخطاب الفقيه لعبة خطرة . ” فتنة الكلام ” .
فقيه يلعب بأحجار الشطرنج :
من درّب الكلب على عظْمَة التبعية . ” مجاز كاذب ” .
وفي القطع 8 ” هواء أزرق ” المفخّخ بالأكاذيب ، تتعدّد تساؤلات الروائي الملبدة بالتشكيك، تساؤلات غامضة ، تساؤلات متباينة ، مختلفة : تاريخية – دينية – فانتازية ، تضع المتلقي امام امتحان المعرفة ، لأن قسماً منها في الاستطاعة الاجابة عنها ، بالعودة الى خارج النص ، والقسم الآخر مضمر ، محصّن ، ضمن حدود الروائي ، وضمن الثنائية المتناقضة :
لا أحد يعلم ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ الكل يعلم
من ذبح عبدالله بخنجر المودّة ؟
” هو عبدالله بن معاوية بن عبدالله بن جعفر – ذي الجناحين – بن ابي طالب قتله العباسيين
مَنْ قتل (أبانا الذي في السموات ) ؟
“هو السيد المسيح قتله اليهود ”
مَنْ شطف الماء بالرماد ؟
مَنْ جمع المكائد في حديقة الامة ؟
من هرّب الشمس خارج البلاد ؟
مَن دخل من ( باب حِطّة )
” نقل ابو سعيد الخدري عن النبي “ص ” :
إن مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطة في بني اسرائيل من دخله غفر له ” .
إن المعنى الاستعاري هو لحلّ اللُغز ، وهذا ما نحتاجه في التخطيطات الخمس ، رغم أن جميع التخطيطات احتوت على ترسيمات توضيحية ولكنها مبهمة ، ملتبسة ، غامضة ، محملة بمرجعيات معرفية – تاريخية ، تحيلنا الى خارج النص ، لكي نعثر على المعنى، وهي كما قلنا ان جميع الملاحق ترفد المتن السردي ” متن الرواية ” ، لكن التخطيطيات يكون اشتغالها كأنه لا يمت بصلة لأي طرف ، وهذا غير تمام ، لأن المؤلف وضعها لتوضيح فصول الرواية السردية والقاء الاضواء الكاشفة عليها ، رغم اتسامها بالقطيعة والغموض مع الفصول ، ولكنها في الحقيقة تعمل على توظيف محتوياتها للكشف والحفر والدعم السردي للنص ، ففي التخطيط المعنون ” مجتمع ما قبل السقوط ” مثال على ذلك ، وللزيادة في الايضاح نستعير من تخطيط أول المعنون ” الفوبيا الزائدة ” ( إسقاط الصنم – إنتاج الصنم ) ، والتواريخ الثلاثة الهجرية التي وضعت من قبل المؤلف بقصدية وضعها فقط كأرقام مجردة من مضامينها ، وماذا تعني ؟ ولماذا وضعت ؟ ولا نستطيع معرفة ذلك إلاّ بالاحالة خارج النص ، للكشف عن المعنى الذي أراده المؤلف :

إسقاط الصنم          انتاج الصنم
       مجتمع ما بعد السقوط

ديمقراطية القلة      إقتصاد الكفاف

بويطيقا الموت        الحرية الحمراء

                  بغداد

  247 هـ      744 هـ     ـ656 هـ

لم يرسم المؤلف تخطيطه البصري ” إسقاط الصنم –إنتاج الصنم ” إعتباطا ابداً ، فقد رسمه كـ دال سياسي وتاريخي على ما حدث ” بعد سقوط بغداد ” أي سقوط العراق ” عام 2003م ، مع التواريخ الهجرية الثلاثة ، وعند الحفر في المرجعيات الثقافية – المعرفية والمتخيل التاريخي ، تتشكل الصورة بكل وضوح ، في ” مجتمع ما بعد السقوط ” :
247 هجرية : في هذه السنة قتل الخليفة العباسي المتوكل على يد حراسه الاتراك ، وهو الذي اعتنق نَظْرية المعتزلة تغليب العقل على النقل .
656 هجرية : سقوط مدينة بغداد على يد هولاكو .
744 هجرية : سقوط مدينة بغداد على يد تيمورلنك .
هنا كل هذه التواريخ حملت عنواناً إستعارياً هو ” سقوط بغداد ” و “سقوط العقل ” ، وهي التواريخ المتطابقة مع عام 2003 م عام سقوط بغداد ، هنا تتضح الصور للمتلقي .
علينا قراءة عناوين الفصول الخامسة عشر قبل أن ندلف الى المتن السردي ، وذلك لكي تعطينا الفكرة الشاملة ، بالطبع كذلك مع عناوين الملاحق التي تعتبر نصوص متوازية للنص الروائي ” عن الطروحات الايديولوجيا والفكرية والتاريخية المبثوثة في الملاحق والفصول : رائحة العطب – الرجل القفل – مغلف الوديعة –أسماك وجثث – الدم والمطر – المقايضة – العوّامة – لعبة الرّواية – مستعمرة النفايات – المداهمة – من مفكرة برهان السمان – الجثة – التظاهرة – المواهمة – المحذوف من ” بوز الكلب ” .
تبدأ الرواية بمشهد متداخل ما بين الراوي الرئيس ” ايوب الكاتب ” والبطل الرئيس الصحفي ” ابراهيم سعدان “، على شكل سرد بجمل اخبارية ، ثم تقطع بجمل شعرية استدراكية ، ثم جمل سردية اخبارية .. وهما في مبنى الجريدة ، الجمل الاخبارية للراوي ايوب ، لكن الجمل الشعرية الاستدراكية لمن ؟ اهي لــ ابراهيم سعدان ؟ ام لـ الراوي أيوب الكاتب ؟ أم للروائي عباس عبد جاسم ؟ وهل يكون هنا هو البناء اللساني ، أي الذات المتكلمة ؟ ، تبقى الاجابة معلقة لأنها في متاهة حكاية ! تشكيل اسلوبي متعالي يشتغل على التقطيع السردي المفتوح ” الاخبار ” ، والمغلق ” الاستدراك ” ، يعكس لنا التعارض ، على مستوى الاستعارة ، بين نَظريّة الإبْدال ونَظريّة التَفاعل ، ليكون المتلقي فريسة الاستراتيجية التي اشتغل عليها الروائي وضحيتها :
” بعد عودة ابراهيم سعدان من المنفى ، كان اللقاء بيننا حافلاً بالذكريات المغمورة ، فقد تذكّر طفولته الّضّالة في ( الشوّاكة ) ، وهربه عبر الحدود تحت جنح الظلام ( كانت الحروب عارية من أوراق التوت ) ، كان يتحدّث بسخرية ومرارة ( لا يمكن التحرّر من الشعور المعذّب بالغربة بسهولة ) كنت أشم رائحة العطب من كلامه ( أمجاد كاذبة وبهاليل ، أمان كاذب وسلام وهمي ) ، حتى أوشك أنْ يفقد الأمل ، وكأن لا سبيل للخروج من هذه المحنة ، ولكنّه لا يزال يحلم بعيني الطائر وجناحيه ( يجب أن نحلم ، حتى ولو كان الحلم على حساب مرارة الواقع ) “– الرواية ص 12 .
إن شخصيات الروائي نفسها هي “غير واقعية ” تماماً ، و” غير واقعية ” ايضاً هي التجربة التي يصفها القص . وفيما بين ” واقعية الماضي ” و ” لاواقعية القص ” يكتمل التفاوت واللاتجانس ” (8) ، وما بين الشخصية والقص ولا تجانسهما ، يكون المتخيل هو الفاعل في تجاوز الحدود المرسومة لشروط التجربة ، لأن التجربة تستمد العبرة من الماضي للمستقبل ، والزمان ، بمعنى الاختلاف التكميمي بين الواقعة والاحتمال ، هو شرط إمكانية التجربة ، ومنها نتعرف على الشخصية الروائية.
ابراهيم سعدان الشخصية الرئيسة في الرواية ، صحفي ، لم يستطع التكيف لا في المنفى ولا في بلده :
” هربتُ الى الخارج ، فكانتْ المكابدة مع الغربة ، وهربتُ الى الداخل فكانت المكابدة مع الخوف ” – الرواية ص 15 ” .
وما بين الغربة/ الخارج والخوف/ الداخل ، يتشتت ابراهيم سعدان ، ويضيع بين الحقيقة والمتخيل ، بين الواقع والوهم ، ويقوم بالتعامل مع الحاضر كأنه ماضي ، ومع الماضي كأنه حاضر ، وتتداخل الأحداث والرؤى ، اما الوعي فهو أقرب الى تيار المتخيل والذاكرة :
” حشرونا في قاعة مقفلة ، رأيت السامري الذي ضلّل قومه ، وبصحبته جنرال مهووس ، فوق قبعته غراب ، كانت كاثرين المجنّدة تضمّ بوز الكلب الى نعيم الرمان ، وأزرار قميصها نصف مفتوحة ، واليانكي يقضم التفاحة بنهم وشراهة .
قال الجنرال :
– من يرقص مع الكلب ؟
ردَ السامري :
– الرقص مع الكلب متعة آسرة!! – الرواية ” ص 15 .
يستند المتن الروائي على أوراق المفكرة العائدة للبروفسور برهان السمان عالم الطاقة النووية ، وقد بعثر الروائي وقائعها بين الفصول السردية ، فهذه الأوراق يودعها الدكتور برهان السمان قبل اختفائه عند ابراهيم سعدان ، عن طريق سائق الدكتور سامي الحاج ، الرجل القفل كما يسميه دكتور صلاح السيد ، فهو ” كان يعرف اسرار الجميع ، ولكن لا أحد يعرف أسراره ” – الرواية ص 19 :
” فتح إبراهيم سعدان مغلّف الوديعة ، وفي اللحظة التي إستلّ منها حزمة الأوراق ، فوجىء بوجود مظروف آخر داخل مغلف الوديعة ، وعندما فضّه ظهرت له : وثائق/ كشوفات/ قوائم/ أوراق شخصية مستلّة من مفكرة مذيّلة باسم برهان السمان/ صور أشخاص بحجم ربع بوسكارت / خرائط لأقبية ومخازن وأنفاق تحت الارض/ موقع النفايات ( موشّر بقلم ماجك أحمر) في …. / رسوم بيانية , – الرواية ص 25 ” .
ويتبين بانها أوراق مستلة من مفكّرة برهان السمان على شكل يوميات تتعلق بما يخص الطاقة النووية ، وما يخص مادة اليورانيوم ، وهذه أوراق يعطيها ابراهيم سعدان الى أيوب الكاتب/ الراوي ، من اجل كتابة رواية استنادا على هذه الاوراق – الوثائق ، على اعتباره روائي ، ومنها يبدأ الشك واللايقين يتسرب الى الراوي ، على شكل أسئلة محيرة ، تعمل على تشويش رؤية المتلقي :
” ولكنْ ثمة شك راودني : لماذا أختيرت هذه الأوراق من المفكّرة دون غيرها ، ثم ما تعليل نقص مدوّنات عام 2003 ؟ هل حجبها برهان السمان أم ابراهيم سعدان ؟
في ظني أن أحدهما عمد الى إخفاء معلومات منها، لا يريد لأحد الاطلاع عليها ، ولعل القارئ وحده مَنْ يتلقف شفرات هذا النقص ” – الرواية ص 93 .
ليس الراوي وحده من يقع في دائرة الشك بل قبله وقع ابراهيم سعدان في تجربة الشك ، الشك المتسرب من الروائي الى شخصياته :
” راح ابراهيم سعدان يفكر: لماذا لم يظهر اسم برهان السمان في اللائحة السوداء ؟ في حين ظهرتْ أسماء مَنْ كانوا معه ، مثل صلاح السيد وحارث الراوي وعلي الخطيب و ( آخرون ) .
وإلا كيف يحدث أن يكون مطلوباً ولم يُدرج اسمه في هذه اللائحة ؟ بل هناك أكثر من جماعة تبحث عنه ، إذن أي لغز محيّر هذا !! “– الرواية ص20 .
يميل فعل القراءة الى ان يصبح مع الرواية الحديثة ، استجابة لاستراتيجية الشك والخيبة ، وخاصة عندما يطلب من القارئ سد نقص المقروئية التي لفقها المؤلف ، لأن القراءة ” الوحيدة الجدية للنصوص هي قراءة خاطئة ، والوجود الوحيد للنصوص يكمن في سلسلة الأجوبة التي تثيرها . فالنص كما يشير الى ذلك تودوروف بمكر ، هو نزاهة يقوم بها المؤلف بوضع الكلمات ليأتي القراء بالمعنى” (9).
خلاصة التجربة الكتابية لرواية ” بوز الكلب ” لــ عباس عبد جاسم ، تتمثل في الفصل المعنون ” لعبة الرواية ” ، وفيه يؤكد المؤلف حضوره الطاغي في كتابة الرواية ، كـ” مؤلف منظور ” ، وهذا يمثل أحد مرتكزات بعد ما بعد الحداثة (10) في رد اعتبار المؤلف الذي ألغاه بارت في مقالته المشهورة ” موت المؤلف ” ، التي تهدف الى ” تحرير النص من سلطة الظرف المتمثل بالأب المهيمن : المؤلف ” (11) ، وبما أن الرواية هي رواية ميتا رواية ، أو رواية لارواية ، يعني انها ظاهرة نقدية يعيها الروائي في العمل الذي يكتبه ، وتداخل المسؤوليات بين الروائي والناقد والقارئ ، كما تعكس تداخل أشكال الاساليب والاجناس الأدبية المختلفة في النص الواحد (12)، وفيها تتجذر فتنة الأنا بذاتها ، وهذا ما نلمسه في هذا الفصل عندما يتحول السرد المتخيل الى سرد الأنا ، عندما يجعل شخصياته الروائية تتكلم عن لسانه لطرح : رؤيته ، اراءه ، افكاره ، حول كتابة الرواية ، وهذا يبرز الذات الكاتبة :
” لأنني بحاجة لأن أعرف هذه المسافة في المنظور بين ما دوّنه من وقائع وما دوّنته في الرّواية ، قلت له :
-أتذكر( حكايات الف ليلة وليلة ) ؟ ألم تنتبه الى تشظي المحكي فيها بصيغة قطع السياق ووصله بسياق آخر، حيث كل حكاية تقود الى حكاية أخرى مختلفة عنها ، فحكاية الاسكافي تقود الى حكاية الحمال ، وحكاية الحمال تقود الى حكاية الأميرة ، وهكذا تنشطر الحكايات وتتناسل عن بعضها ، هكذا تظهر الذات الحاكية لكي تموت الحكاية .
لهذا فجماليات النسيج تكمن في كيفية تقطيع الوقائع المدوّنة ، وبذا لم اكتفِ بإحداث القطع بين بنية وأخرى من دون ايصال القطع بينهما في آن .
وإن كان ثمة منطق يحكم الوقائع المدوّنة ، فإني أسال حقاً : أهناك منطق للواقع بعد أن فقد الواقع المنطق والانسجام والاتساق في بلادنا ؟
وإن كنت تسأل عن التأزيم ، فقد حاولت ادارة أزمة اختفاء برهان السمان من خلال تأزّم الشخصيات المرتبطة به ، لأنّها ليستْ أزمة برهان السمان وحده ، ولا أزمتك وحدك ، وإنما هي أزمة بلاد مأزومة برمتها “– الرواية ص 68 ، 69 .
وللنهاية يبقى عباس عبد جاسم ، يبين كيف كان يؤثر على القارئ ، وبأي طريقة من خلال التدخل في البناء السردي :
” – نعم . الرّواية لعبة في بناء الوهم وهدمه بالواقع .. لهذا لم أكتفِ بتشويش ذهن القارئ وحواسه باختفاء برهان السمان ، وإنما شغلته بلغز مصير ابراهيم سعدان الغامض ، إذن التشويش والتلغيز من جماليات الرواية ، وليس من مساوئها “– الرواية ص 70 .

الهواش والاحالات
*عباس عبد جاسم – بوز الكلب ، رواية ، منشورات مركز تنوير ، ط1 ، بغداد 2015.
**عباس عبد جاسم – السواد الاخضر الصافي ، رواية نص ، منشورات الغسق للطباعة ، ط2 ، بابل 2002 .
1 – أسامة غانم – الوقائع السوداء ، ضمن كتاب : كسر النمط عباس عبد جاسم ، تقديم وتحرير: د. وسن عبد المنعم الزبيدي ، دار غيداء للنشر والتوزيع ، عمان / الاردن ، 2017 ، ص 79 .
2- عباس عبد جاسم – تطور الرواية العربية من رواية الرواية الى رواية اللارواية ، جريدة القدس العربي اللندنية ، 7/ 5 / 2020 .
3- ليندا هتشيون – ما وراء القص التاريخي: السخرية والتناص مع التاريخ ، ترجمة : أماني أبو رحمة ، المجلة الثقافية الجزائرية ، 10/ 6 / 2011 .
الدراسة فصل من كتاب ” جماليات ما وراء القص : دراسات في رواية ما بعد الحداثة ” ، مجموعة مؤلفين ، ترجمة : اماني ابو رحمة ، دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع ، دمشق – سوريا ، 2010 .
4 – ليندا هَتْشيون – سياسة ما بعد الحداثية ، ترجمة : د. حيدر حاج اسماعيل ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت – لبنان ، 2009 ، ص 13 .
5- باتريشيا وُوه – الميتافكشن : المتخيل السردي الواعي بذاته : النظرية والممارسة ، ترجمة: السيد امام ، دار شهريار، البصرة – العراق ، 2018 ، ص 123 .
6- م . ن ، ص 24 .
7- مطاع صفدي – نقد العقل الغربي : الحداثة وما بعد الحداثة ،مركز الانماء القومي ، بيروت – لبنان ، 1990 ، ص 237 .
8 – بول ريكور– الزمان والسرد : الزمان المروي ج 3 ، ترجمة : سعيد الغانمي ، راجعه عن الفرنسية : د. جورج زيناتي ، دار الكتاب الجديد المتحدة ، بيروت – لبنان ، 2006 ، ص 235 .
9 – امبرتو ايكو – التأويل بين السيمائيات والتفكيكية ، ترجمة : سعيد بنكراد ، المركز الثقافي العربي ، ط2 ، الدار البيضاء – المغرب ، 2004 ، ص 22 .
10 – يطلق عليها مصطلح الحداثة البعدية أيضاً ، كما يسميها الناقد مطاع صفدي في كتابه ” نقد العقل الغربي ” حيث هي : ليست طليعية فكرية أو فنية ، وليست دعوة سياسية أو ايديولوجية ، لكنها هي التي تأتي واتية بعد كل معارك الطليعيات والإيديولوجيات والحداثويات . ص 314 ، م . س . نقد العقل الغربي .
11 – رولان بارت – نقد وحقيقة ، ترجمة وتحرير : د . منذر عياشي ، تقديم : د . عبدالله الغذامي ، دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع ، دمشق – سوريا ، 2019 ، الاقتباس من المقدمة ص 10 .
12 – د . محمد حمد – الميتا قص في الرواية العربية : مرايا السرد النرجسي ، مجمع القاسمي للغة العربية وآدابها ، 2011 ، ( ج. م ) ، ص 10 .

شاهد أيضاً

الدكتور زهير ياسين شليبه*: بمناسبة الذكرى الثانية لرحيل شاعر الشعب الدنمركي الساخر بني أندرسن 1929-2018 (ملف/1)

قصائد للشاعر الدنمركي الساخر بني أندرسن الأعداء الأعزاء أنا أحترمه أكثر من اللازم كان دائما …

ثامر الحاج امين: رواية (مصير بلقيس)… صرخة احتجاج بوجه العنف

عن دار ميزر للنشر في السويد صدرت للكاتب العراقي المقيم في الدنمارك ” كريم عباس …

مريم لطفي: الهايكو فن التامل

“لحظات من الخلوة والتامل تحقق لي الهدوء والتوازن التركيز،وتدفع في نفسي قوة هائلة لمواصلة الطريق”..برتراند …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *