الدور الأمريكي في تخريب العراق
نواه فيلدمان
ترجمة صالح الرزوق

كانت الدولة الإسلامية من عدة وجوه منظمة عراقية. فقد ترأسها عراقي اختار لنفسه لقبا يربطه ببغداد. وبسبب نشاطها العسكري ولدرجة كبيرة بسبب بيروقراطيتها، اعتمدت على عدد لا بأس به من البعثيين العراقيين السابقين ليحتلوا مراكز متقدمة ومتوسطة. وأي متابعة لصعودها وتطورها يجب أن يبدأ من العراق والأحداث التي مرت عليه عام 2003 وما بعده ودور الولايات المتحدة فيها.
واسمحوا لي أن أذكر بصراحة تامة أنني مقتنع أن الولايات المتحدة تتحمل مسؤولية أخلاقية مباشرة تجاه هذه الكوارث التي جرت في العراق، حتى مهدت في نهايات الألفين لنشوء القاعدة في ميزوبوتاميا، وهي المنظمة التي تطورت أولا إلى الدولة الإسلامية في العراق، ولاحقا إلى الدولة الإسلامية. وعمليا مسؤولية أمريكا في عدم استقرار العراق بدأت حتى قبيل الغزو عام 2003.
في الثمانينات، دعمت الولايات المتحدة بقوة صدام خلال حرب العراق وإيران. ولكن بعد غزو صدام للكويت عام 1990، معتقدا أن الولايات المتحدة ستبتلع ذلك على مضض، شكلت خسارة جيوشه بعمل عسكري أمريكي عام 1991 ظروفا ستضاعف من مسؤولية أمريكا. وشجعت إدارة جورج دبليو بوش شيعة وكرد العراق للثورة لتهدد وتضعف صدام – ولكن أدى ذلك لمجزرة فقط، وأصبح من الواضح أن الاحتفاظ بصدام في السلطة يخدم المصالح الإستراتيجية للولايات المتحدة بشكل أفضل. وخطيئة التخلي عن المعارضة، مع الإبقاء على صدام دفع أمريكا لإقامة منطقة حظر جوي، الأمر الذي أدى، بحكم الواقع، لسيادة أكراد العراق على كردستان.
وأعقب ذلك مقاطعة الأمم المتحدة للعراق، وغني عن القول أن الولايات المتحدة دعمت القرار وفرضته إدارة بيل كلينتون بكل عنف وصرامة.
ورسم الأثر التراكمي لتلك السياسات، من 1991 حتى الغزو في2003، صورة للولايات المتحدة تبدو فيها مثل لاعب (غير منضبط) استعمل قوته الإمبريالية لإعادة صياغة الجغرافيا السياسية والاقتصاد العراقي كما يريد. تلك النزعة الإمبريالية يعبر عنها بأوضح لغة إعلان جورج دبليو بوش والمتضمن أنه يحق للولايات المتحدة شن الحرب على العراق “في الوقت الذي تختاره”.
ومثّل الغزو الفعلي للعراق ذروة المزاجية الإمبريالية: في بعض الأوقات تكون غير راضية عن صدام، وفي بعض الأوقات حاضنة له، وفي النهاية تقرر إسقاطه. ولا بد من الاعتراف أن الولايات المتحدة قوة إمبريالية مشلولة، كلما يحين الوقت لتبادر وتتخذ قرارا تحدد فيه نوع الحكومة التي تريد أن تحل محل التي ستتخلص منها. إن التمدد الإمبريالي والتخبط الذي غذّى الكارثة العراقية عبارة عن خطيئة تحسب على الولايات المتحدة. وهي مسؤولة أيضا وبالطبع عن الحرب الأهلية الطائفية التي مزقت العراق. فقد اشتعلت – كما أعلنت “أنا” في حينه ولا زلت مؤمنا بذلك- أن غزو الولايات المتحدة والاحتلال الفاشل أنتجا مشكلة أمنية كلاسيكية. وتدمير الدولة العراقية ودون أي بديل يحظى بوجود فعال لفرض النظام، أجبر العراقيين العاديين على الالتحاق بجماعات توفر لهم الحماية من الضرر. وكما اتضح لاحقا كانت الهوية العرقية والدينية هي الأقرب للعراقيين، كما حصل في البلقان بعد انهيار يوغوسلافيا. والطوائف المنقسمة التي تحولت إلى أرضية صالحة للحرب الأهلية لم تتطور من “أحقاد قديمة” تحرك الحياة المعاصرة فقط. وإنما لعبت دورا هاما في خلق التبعيات وجعلت الناس يعتقدون أن هذا هو الطريق المضمون للحصول على حماية جماعية. ولم تعجز التنظيمات عن إقناع الناس أن هذه هي الحقيقة.
بقيت نقطة أكثر ارتباطا بموضوعنا، وهو أن الولايات المتحدة ملامة أيضا على استمرار عدم استقرار دولة العراق، حتى بعد “انطلاق” الجيش للمساعدة في إخماد ثورة السنة عام 2008. ومنذ 2008 وحتى سقوط الموصل في حزيران 2014، مر العراق في ظل استقرار مزيف وهش. فقد قطعت حكومة بغداد، التي يهيمن عليها تحالف الشيعة والكرد، وعدا للسنة بالسيادة وبسلطات محلية في مناطقهم، ولكن لاحقا نكثت الحكومة بوعدها، وهذا بدوره بدل مواقف مناطق الأغلبية السنية في العراق وجعلها منطوية على ذاتها وغير قانعة. والحقيقة، أن سلطة بغداد نادرا ما تمددت إلى مناطق السنة التي كانت مركزا لانتفاضاتهم.
صحيح أن الولايات المتحدة حثت بغداد على الوفاء بوعودها لهم. ولكن تلك الدعوة كانت لا تعني إلا القليل، ولسبب بسيط أنه بعد الثورة لم يعد للولايات المتحدة مرتكز فعلي: فالثورة كما كان يبدو تم ترويضها، وأعلنت إدارة أوباما عن نيتها بسحب القوات الأمريكية من العراق. أما الجمهوريون، الذين أرادوا التأكيد على قصة إدارة بوش بما يخص إنهاء المهمة وإنجازها في العراق، لم يكن لديهم إلا القليل من الشكاوي بخصوص الانسحاب، رغم أن حفنة صغيرة صرحت أن ما حصل هو قرار متسرع.
الخلاصة أنه لا تظهر مؤسسة أمريكية جاهزة لتضع حدا لتعمل حكومة بغداد مع سنة العراق على أنهم متمردون استسلموا وهم مستعدون الآن لقبول مبدأ سيادة الشيعة والكرد.
ويمكن النظر لاحتلال الدولة الإسلامية في العراق لمساحات من الأرض على أنه تحطيم لأوهام حكومة بغداد في سيادة مطلقة وحقيقية في مناطق السنة، وذلك بعد الظروف المستجدة.
وهذه الحقيقة أيضا تضع مسؤولية تمدد الدولة الإسلامية أمام الباب الأمريكي. فالولايات المتحدة ساعدت على خلق عدم التوازن في العراق، ومهدت الظروف لصعودها كظاهرة عراقية من الداخل. وبالفعل، إن تأكيد دونالد ترامب بلهجته الرعناء أن باراك اوباما هو من أوجد الدولة الإسلامية يمكن إعادة قراءته ليعني أن استراتيجية أوباما غير الفعالة فتحت الباب لتوسع داعش.
عموما رغم هذا التفسير الممكن أود أن ألح على أن الاضطرابات في العراق، والتي ساعدت على انتشار الدولة الإسلامية، واحتلال مساحة ملموسة منه، لا يمكن بمفردها أن تشرح كيف وصلت هذه الجماعة إلى السلطة. فقد كانت مناطق السنة في العراق مضطربة طوال الفترة بين 2008-2012. ثم اندلع الاحتجاج ضد حكومة بغداد في 2012 و2013. ولكن في تلك الفترة، كانت الدولة الاسلامية لا تمتلك القدرة على السيطرة، وكانت محل سخرية من مناوئيها، واشتهرت باسم “دولة من ورق”. غير أن العامل الحاسم والمؤثر الذي قلب الصورة، ومهد لوضع استراتيجي جديد بدءا من عام ،2014 لم يكن نابعا من أوضاع العراق ولكن من أحوال سوريا.
ففي عام 2014 ظهرت إمكانية نشوء دولة تلغي الحدود السورية العراقية. وهذا الخيار برز للوجود بسبب استمرار تراجع سيادة نظام الأسد وتفتته فوق الأراضي السورية. وذلك نتيجة الحرب الأهلية في سوريا.
ومع أن الحكاية معقدة يمكننا تبسيطها كما يلي. بعد موت أبي مصعب الزرقاوي وانهيار صعود السنة في العراق، دخلت القاعدة في بلاد الرافدين في فترة تبلد. وشجعت الحرب الأهلية السورية المنظمة، والتي أصبحت تحت قيادة أبي بكر البغدادي، وحملت اسما آخر هو “الدولة الاسلامية في العراق” (ISI). وابتسم لها الحظ حينما أرسلت قوات إلى سوريا لبناء تحالف مع المقاتلين المحليين، ولكسب المتطوعين. وأطلق على تلك القوة اسم “جبهة النصرة” التي أعطت الإشارة على وجود قوات غير سورية تؤازر العمل العسكري وتساعد السوريين في حربهم، مع التأكيد أنها ليست توسيعا لمساحة ISI التي كانت تقريبا غير ملحوظة.
واغتنمت جبهة النصرة في سوريا فرصة الفوضى التي خلقتها الحرب الأهلية، ورصت الصفوف مع بقية الجماعات السنية المقاتلة، وبدأت باحتلال مساحات من البلاد. وبتراكم نجاحات الجماعة أعلنت بغداد في نيسان 2013 أن جبهة النصرة تحت قيادة داعش وأنهما معا يحملان اسم الدولة الإسلامية في العراق والشام – وتم اختصار هذا الاسم بـ ISIL أو ISIS، وباللغة العربية داعش (الدولة الإسلامية في العراق والشام). ومع أن جزءا من جبهة النصرة عارضت قيادة بغداد، وببادرة دفاعية عرفت نفسها باسم القاعدة، فان أعضاء آخرين قبلوا الاندماج الرسمي وتشكيل كتلة موحدة.
وسيطرت داعش بحلول كانون الثاني 2014 على مدينة “الرقة” السوربة. وفي غضون شهور قليلة تمكنت من احتلال مساحة ملحوظة من شمال سوريا. وما أن أرست دعائم حكومتها، عاد المقاتلون إلى الرقة لإحكام قبضتهم على الكثير من محافظة نبنوى. وفي بواكير حزيران 2014 احتلت داعش الموصل، وفرضت نفسها على خريطة العالم بشكل جدي ولأول مرة. وفي 29 حزيران نصب البغدادي نفسه خليفة للمسلمين. وسيطرت حكومته التي أصبح اسمها الدولة الإسلامية فعليا على مساحات ممتدة على طرفي الحدود العراقية والسورية.
إن السياق الأساسي لأحداث في هذه القراءة يقترح أن ما خول الدولة الإسلامية لتكون لاعبا له وزنه في المنطقة يوجد في قدرة الجماعة على احتلال الأرض ثم الاحتفاظ بها وعلى طرفي حدود الجارين: العراق وسوريا. وليونة الجبهة السورية هو ما وفر لها الفرصة لتتحول إلى دولة حقيقية. وفقط بعد تأسيس تلك القاعدة لها في سوريا أصبح من الممكن للدولة الاسلامية أن تصنع لحظتها التاريخية التي كانت بحاجة لها وأن تحتل الأراضي العراقية. ويمكن أن نفهم من ذلك أنه دون الحرب الأهلية في سوريا، لم يكن من الممكن إنشاء دولة إسلامية على الإطلاق.

*مقتطفات من كتاب (الشتاء العربي: تراجيديا) لنواه فيلدمان الصادر عن جامعة برينستون عام 2020.
ترجمة صالح الرزوق

شاهد أيضاً

الدور الفني لللغة المحكية في أعمال جيمس كيلمان
سكوت هايمس*
ترجمة: صالح الرزوق

ذكر الناقد الشكلاني الروسي فيكتور شكلوفسكي أن “القيمة الفنية لشيء ما، وعلاقتها بالشعر <بالتعارض مع …

سعيد بو خليط : استفسارات أولية حول كتاب : مفاهيم، رؤى، مسارات وسير.. نصوص رائدة

استفسارات أولية حول كتاب : مفاهيم، رؤى، مسارات وسير.. نصوص رائدة تقديم : سعيد بوخليط …

الروائي جوزيف كيسيل في سوريا : حكايات رحلة سنوات العشرينات (2/ 5)
ترجمة : سعيد بوخليط

الروائي جوزيف كيسيل في سوريا : حكايات رحلة سنوات العشرينات(2/ 5) ترجمة : سعيد بوخليط …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *