محمود سعيد: الم يبق منهم أحد؟.. مجموعة قصص لمي مظفر (ملف/20)

إشارة:

الشاعرة والقاصة والناقدة الفنية والمترجمة الأديبة مي مظفر نموج للعطاء الأدبي المتواصل منذ مطلع السبعينات حتى اليوم. أنجزت الكثير بلا ضجيج وكانت بعيدة عن الأضواء والإعلام، ولعلها هي نفسها تحاشت الترويج لأدبها زهداً وترفعاً. في الأعوام الأخيرة وإثر رحيل رفيق عمرها، الفنان رافع الناصري، كرست جلّ وقتها وجهدها للحفاظ على إرثه الفني وفاء له ولذكراه. الأمر الذي جعل البعض ينسى – أو يتناسى- إنجازها الإبداعي المتنوع الممتد زمنياً إلى أكثر من أربعة عقود وأكثر من خمسة وعشرين كتاباً. هذا الملف مناسبة جميلة للإحتفاء بها والتذكير بإبداعها.

د. باهرة محمد عبد اللطيف

ارتكبت خطأ حين قرأت العنوان لم يبق منهم أحد، فإذا هو تساؤل: ألم يبقَ منهم أحد؟ وفي الحقيقة إن الثاني أفضل لأنه سؤال يتضمن الإجابة، والسؤال خير من التقرير، فالتقرير يحتمل الخطأ والصواب.
هي محموعة قصص للكاتبة مي مظفر، والمجموعة عبارة عن حكايات لسيدة بغدادية، طفولة وشباباً ونضوجاً، عاشت في هذه المدينة نصف حياتها، ورأت نعيمها وبؤسها، ثم اضطرت للرحيل عنها عندما وقعت بين فكي البؤس والحرب والحصار. تبدأ المجموعة بقصة ثلاث فتيات يكدن أن يكن توائم، أو ربما هن أخوات، أو هن لفتاة واحدة، منهن بزي وملابس مختلفة. تلك الصورة تعطي انطباعاً بأنها عن عائلة واحدة، وتبدأ المجموعة بقول بليغ في غاية الجمال للإمام الشافعي: ما دخلت بلداً قط إلا عددته سفراً: إلا بغداد فإني حين دخلتها عددتها وطنا. والشافعي أحب بغداد حباً لم يفصح عن مثيل لأي مدينة جداً، ولو لم يضطهد من قبل المعتزلة بقسوة وسعار وخبث لا نظير له، لما هرب من بغداد، وبهربه فقدت المدينة أحد عباقرتها، الذين جددوا بحقل فريد مبتدع، مازال حياً حد الآن، فربحته مصر.
من الجملة الأولى في المجموعة نرى حباً لا يظاهيه حب لمدينة أسطورية يولد بها النقيضان ويربوان ويؤلان إلى فناء وعدم، الحب والكراهية، القسوة والتراحم، الكرم والبخل الخ. السرد بلسان طفلة تنشأ في بيت عريق، له صلات بالأتراك، وبرجالات الحكم، منفتح على الحضارة، والعلم، والتعلم، والتطور، والموسيقى في وقت واحد، ثم تبدأ القصص بالتخصص في شخص واحد، أو لقطة واحدة، فهناك الطفلة التي تقضي نهاراً كاملاً على دراجتها، تكتشف بغداد، فتكاد المكتشفات أن تضيعها، لكنها بدل ذلك تضيع النهار كله، ثم تفكر كيف سيكون عقابها من قبل أهلها، لكن المسألة تحل نفسها فلا عقاب ولا عتاب.
البيت الكبير يحوى غرباء انقطعت بهم السبل، فمحمد الذي يهرب من خدمة العلم، لينقذه أحد الأطباء ويسند له عملا عنده يقوم به، لكنه يقع بغرام زوجة البستاني، ثم يهرب معها . وهناك أسمهان التي شهدت بأم عينيها مذبحة أهلها جميعهم حتى الأطفال، ولم تنج إلا لاختبائها تحت السرير، ثم تؤخذ إلى مدرسة تديرها الراهبات، فيزول الخوف تدريجياً وينمو بدله اعتماد على النفس، وثقة بقواها الذاتية التي تتطور من خوف إلى تخويف ترعب به زميلاتها، وهناك قصة عبد القادر الفريدة الذي شعر بأن صوت أم كلثوم لم يخلق إلا ليخترق وجدانه ويسري في شرايينه هو دون غيره، ولذلك فحين تتوقف المغنية المشهورة عن الغناء لآصابتها بتضخم الغدة الدرقية أو السرطان، ينذر ألا يقرب العرق حتى تشفى، ويبر بوعده فيشفي الله أم كلثوم. لكنه لم يتزوج، وبدل ذلك يقيم مهرجانا حقيقياً لكل حفلة تحييها أم كلثوم، بالرغم من عذابه من الشائعات التي تدور حولها، بوقوع كم هائل من الرجال في حبها، إلا أنه لا يصدق ذلك. وحين تزوجت ام كلثوم الحفناوي طبيبها، كفن الراديو ودفنه، وتخلص منه ومن أم كلثوم. ثم قصة والد راحيل اليهودية قبل رحيله إلى إسرائيل، وكان عذب الصوت، يشرب كل يوم ويغني أغنيته الرائعة : سكابا يا دموع العين سكابا. عرق وشراب والمزة كبابا. ويبقى كذلك حتى يجبره قومه على ترك بغداد والرحيل منها، وهناك قصة العقرب، وقصة ميساء البدينة عكس اسمها، وزيارتها مع صديقاتها للسينما يوم كل خميس، وتمتعها بسينما الخيام الجديدة المدهشة الفريدة في الشرق الأوسط، وعرض الأفلام الأمريكية الضخمة بها بعد إنتاجها في بغداد ونيويورك في يوم واحد، انذاك وقع شاب في حب ميسا، وتعارك مع آخر عند نهاية الفلم، ثم قصة رجل وضرتان وعشيقة وسحر وغرام، ثم قصة حب، ولقاء ووداع، وحادثة فريدة ليوسف عمر، التي وقعت في غرامه وحب صوته امرأة حسناء، كانت تحبه بجنون ثم انتهى الحب عندما علمت أنه “مطيرجي” هاوي طيور. لكنه ظل يغني ولم ينقطع الصوت حتى انتهى وهو سكران فيصطدم بعمود كهرباء/ صدمة قوية قادته إلى حتفه.
في قصة اربعينية امرأة لم تمت. أحيت مسنة غنية حفلة دعت إليها كل من سيبقى حياً بعد موتها لتحتفل معه بذكرى أربعين يوما على موتها، ووسط التساؤل عن غرابة الحفلة، حرصت على أن تكون أجمل حفلة ذكرى، فدعت أفضل المقرئين وأفضل من يجيد الرقص الصوفي، وحينما انسجمت مع الجو الديني وتفاعل عقلها مع نشاطه، أحست بأنها تسير في تلك المنطقة الغامضة بين الموجود والمخفي، والواقع والخلود لتنتهي الحفلة بغياب وعي الداعية ورحيلها.
(قرار صعب) قصة انتظار مؤلم لحبيب ينتهي بقطيعة لسبب تافه، فذلك الحبيب رغم حبه الشديد، وحياته في الغرب “لندن” لكنه يرفض أن يقدم على الزواج من يحبها، لأنها كانت مطلقة، خوفاً من شبح طليقها، أما البيت العتيق، فبعد ثمانين عاماً تقضيها عجوز في بيت، تتركه لأنه مهدد بالانهيار، فكيف تستطيع أن ترحل عنه بعد تلك المدة.
قصة وثيقة فقدت مثل غيرها، فمأساة مؤلمة، تحدث لنا جميعاً بشكل من الأشكال، وبطريقة ما، فالقصة تصور بصدق فني شديد، رغبة ملحة في عمل شيء مهم, يشغل صاحبته مدة طويلة, ويجبرها على التضحية بوطنها ومستقبلها وعملها, للبحث عن زوج ضاع في زحمة الحياة والواجب الوطني. أرسل إلى باريس في مهمة حكومية، وهناك اختفى كما اختفى عراقيون كثيرون قبله وبعده، فتصر المسكينة على ان تقوم هي بالتحقيق، وتذهب إلى باريس، وتجند نفسها عشر سنوات من البحث والتفتيش ومعاناة الغربة والوحدة وعندما تجد من يشبهه تماما، وتحين اللحظة لكي تبدأ الخطوة الأولى وهي مواجهته وإلقاء الأسئلة عليه، للتأكد منه، في ذلك الموقف الحدي تتلاشى جرأتها، وتضطرب، ولا تجد شجاعة كافية لتبدأ، لا بل لا تستطيع فتح فمها، فينزل من الحافلة، ويختفي، ووتبقى هي جامدة كالتمثال، ولا تدري أن الفرصة ضاعت كما ضاعت عشر سنين كاملة بالبحث، والتقصي، والغربة، والألم، أشعر أنا شخصياً مررت بالحادثة لا هي، لأني فعلاً قمت بها.
في مجموعة القصص هذه نرى مفارقات رقيقة، وحباً بريئاً ينتتهي نهاية تراجيدية، وأحلاما عميقة لا تتحقق، وكأننا نستجيب إلى موعد نرى فيه فلما يعرض في شاشة بعرض الدنيا كلها، مخصصة لتريك كما في أحلام الماضي كله مندمجة مع الحاضر والمستقبل. شاشة عريضة، واسعة أمامك تعرض آلام العراقيين جميعهم، ومآسيهم في الحرب والسلم، في هذه الشاشة نرى تطلعاتهم وآمالهم ونستشف مستقبلهم، وتلمس جراحاتهم، وأحزانهم وبالرغم من أن بعض القصص كتبت في فترة كان العراق فيها مستقراً، آمناً، يقف على حبل سري يؤدي به إلى طريقين: السلام والاستقرار أو الهاوية، لكن الأدب يقفز من هنا وهنا إلى هناك وهناك ليجعل كل شيء تأمل به حياً، قريباً منك لكنه يؤول إلى سراب، ولهذا يأمل القارئ أن ينجو الوطن والمواطن من الأخطار، لكنه لا يصدق ذلك، فقد رآه بعينيه ينتتهي إلى العدم.

شاهد أيضاً

سلام إبراهيم: وجهة نظر (7) الكائن الأيديولوجي (ملف/41)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

د. عدنان الظاهر*: سرير الرمل (ملف/40)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

من رسائل القرّاء والكتّاب الموجّهة إلى الروائي سلام ابراهيم (9) (ملف/39)

إشارة : تجربة رائعة يقوم بها الروائي المبدع “سلام ابراهيم” وهو يؤرشف رسائل قرّائه الكرام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *