رمزي العبيدي: نظرية انتحال الشعر الجاهلي عند طه حسين، مناقشة قضية خطيرة بمنظور حديث (القسم الثاني)

تتلخَّصُ ( نظرية الانتحال ) ـ أو ( نظرية انتحال الشعر الجاهلي ) _ التي جاءَ بها وابتدَعها أو وضع فرضيَّاتها عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين ، مطوِّراً لفكرةٍ عرضها قبله أستاذه المستشرق البريطاني ( كارل مرجليوت ) ، بأنَّ الشعر الجاهلي كلُّه منحول ، وأنَّه لا يمثِّل الحياة الجاهلية ، أو هو من وضع الوضَّاعينَ من الرواة والقصَّاصينَ الذين أرادوا أنْ يستفيدوا منه في قصصهم ورواياتهم ، وقدَّم على ذلك أدلَّة عقلية منطقية يقبلها العقلاء ويرفضها المتشدِّدونَ ، ولا يشكِّل قبول العقلاء لها إثباتاً أو دليلاً على صحَّتها ورجحانها ، بلْ هو من باب قبول النظرية الفكرية كما هي بصحَّتها وخطئها كنظرية مجرَّدة أو فكرة جديدة ، لمناقشتها وإبداء الرأي فيها دون التعرُّض إلى صاحبها والتشكيك بنيَّاته ومقاصده من ورائها ، ولكنَّ ما حصل مع العميد غير ذلك ، فقد ركَّز المعترضونَ على تكفيره والتشكيك به وبنيَّاته ودوافعه ، ولم يدافعوا عن الشعر الجاهلي بكونه تراثاً لأمة العرب المزعومة ، بل دافعوا عن دين المسلمينَ بعصبية وتعصُّب ، ولم يقدِّموا دليلاً منطقياً يدينه ويقنع النيابة العامة المصرية بجرمه أو تجريمه ، أمَّا العقلاء فقد سكتوا ولم يبدو رأياً في نظريته خوفاً على أنفسهم من هجمة الإسلاميينَ ـ الأزهريينَ منهم خاصة ـ الشرسة التي توجَّهَتْ نحوه حينها ، فلم يريدوا لأنفسهم أنْ يكونوا معه في خانة الاتهام ! .
 قلْتُ : قسمَّ العميد كتابه ( في الشعر الجاهلي ) إلى ثلاثة أقسام ، وأطلق على كلِّ منها تسمية ( كتاب ) ، وضمَّن كلَّ فصلٍ مجموعة من المباحث سمَّى كلَّ واحدٍ منها فصلاً ، وربَّما كانتْ هذه الطريقة الغريبة في التقسيم هي ممَّا تعلمه من دراسته في أوربا .
وعلى أيَّة حال فقد تضمَّن القسم الأوَّل [ الكتاب الأوَّل ] منه ، ما يلي :
1. فصلٌ أوَّلٌ للـ [ تمهيد ] أراد به مقدِّمة لما يريد أنْ يقدِّم ويعرض ، استخدم فيه براعته في الإنشاء وقدرته على التعبير للدخول إلى صلب الموضوع بطريقة ذكية تجذب القارئ المتتبِّع وتدفعه إلى الاستمرار معه والانجرار إلى ما يريد ، فقد ناقش فيه تناول مسألة القديم والجديد عند الناس واختصامهم فيها وجدلهم حولها ، وأكَّد أنَّ المختصمينَ فيها لم يتناولوا هذه المسألة من جميع أطرافها وجوانبها ، وأنَّهم أغفلوا منهج البحث العلمي عن تاريخه وفنونه ، ووضع نفسه ووضعنا بين أمرين ، أولهما : ( إمَّا أنْ نقبل في الأدب وتاريخه ما قال القدماء ، ولا نتناول ذلك من النقد )   ، وثانيهما : ( أنْ نضع علم المتقدمينَ كلَّه موضع البحث )   ، وأراد بتعبير أو كـلمة : ( البحث ) هنا : ( الشكّ ) ، فهو لا يريد أنْ يقبلَ ( شيئاً ممَّا قال القدماء في الأدب وتاريخه إلا بعد بحث وتثبُّت إنْ لم ينتهيا إلى يقين فقد ينتهيان إلى الرجحان )   ، وقد بيَّن الفرق بينَ المذهبينِ وشرح ذلك بالتفصيل وضرب الأمثلة لهذا الشرح ، مبيِّناً إيمانه بالمذهب الجديد ـ الذي هو ومذهبه ـ لأنَّه يريد أنْ يقلب القديم رأساً على عقب ليمحو أكثره أو يمحو شيئاً كثيراً منه ، قد فعل ذلك فعلاً ؛ ومن هذا كلِّه بدأ الشكُّ عنده في قيمة هذا الشعر الجاهلي ، وألحَّ في الشكِّ أو ألحَّ عليه شكُّه ، فانتهى إلى ( أنَّ الكثرة المطلقة ممَّا نسميه شعراً جاهلياً ليس من الجاهلية في شيء ، وإنَّما هي منتحلة مختلقة بعد ظهور الإسلام ، فهي إسلامية تمثِّل حياة المسلمينَ وميولهم وأهواءهم أكثر ممَّا تمثِّل حياة الجاهليينَ )   ، وهذه هي الفرضية الرئيسية في بحثه .
2.  فصلٌ ثانٍ لشرح وتفسير [ منهج البحث ] الذي ينوي اعتماده ، وهو منهج المحدثينَ من أصحاب العلم والفلسفة ، دون أنْ ينكر بأنَّ هذا المنهج هو نفسه الذي استحدثه الفيلسوف الفرنسي ( ديكارت ) للبحث والاستقصاء عن حقائق الأشياء وأصلها ، ورأى بأنَّه ( يجب علينا حين نستقبل البحث عن الأدب العربي وتاريخه أنْ ننسى قوميَّتنا وكلَّ مشخَّصاتها ، وأنْ ننسى ديننا وكلِّ ما يتَّصل به ، وأنْ ننسى ما يضاد هذه القومية وما يضاد هذا الدين )   ، وإنْ كان هناك ما يجب أنْ يقيِّد به ذاته ويذعن له فهو ليس غير منهج البحث العلمي الصحيح الذي هو ( ليس خصباً في العلم والفلسفة والأدب فحسب ، إنَّما هو خصبٌ في الأخلاق والحياة الاجتماعية أيضاً )   ، وهو معجبٌ به لدرجة أنَّه يفرضه على الذين يكتبونَ وعلى الذينَ يقرأونَ أيضاً ، ليكونوا أحراراً عنده أو في رأييه .
3. وحمل الفصل الثالث نظرة نقدية جريئة طرحها في تمهديه باقتضاب وإيجاز ، وهي : إنَّ [ مرآة الحياة الجاهلية يجب أنْ تتلمَّس في القرآن لا في الشعر الجاهلي ] ، لكنَّه هنا يفصِّل فيها ، فهو يرى : إنَّ القرآن ( أصدق مرآة للحياة )   وأصدق تمثيلاً لها ، و ( للحياة الدينية عند العرب من الشعر الذي يسمونه الجاهلي ، فالقرآن لا يمثِّل الحياة الدينية وحدها ؛ وإنَّما يمثِّل شيئاً آخر لا نجده في هذا الشعر الجاهلي ، يمثِّل حياة عقلية قوية ، يمثِّل قدرة على الجِدال والخِصام أنفق القرآن في جهادها حظاً عظيماً )   ، ويعتبر أنَّ هذه القضية غريبة حين يسمعها السامع ، لكنَّها بديهيَّة حين يفكر فيها ، لأنَّ نصَّه ثابتٌ لا سبيل إلى الشكِّ فيه ، ونحنُ لا نرى عنده تناقضاً في هذا ، ولا حتى عندما كذَّب بعدها قصة إبراهيم وإسماعيل التي وردَتْ في القرآن والتوراة ، ذلك أنَّه أنكر القصَّة مكذِّباً لها ولم يكذِّبِ النصَّ ، والقرآن عنده جديد على العرب في أسلوبه فقط لا في موضوعه ، وإلا لما فهموه ولا استوعبوا نصوصه ، ودليله على ذلك إيمانُ بعضهم به ومناهضة بعضهم الآخر له ومجادلتهم فيه ، وهو أيضاً لا يمثِّل العرب كلَّهم  ، وقد وجدناه يدعو في كتابه ( نقد وإصلاح ) إلى التعامل معه كنصٍ أدبي لا ديني ؛ وهو يجد في الشعر الجاهلي ( حياة غامضة جافة وبريئة أو كالبريئة من الشعور الديني القوي والعاطفة الدينية المتسلِّطة على النفس والمسيطرة على الحية العملية )   ، لذا لا يستغرب من عجز الشعر الجاهلي كلِّه عن تصوير الحياة الدينية للعرب الجاهليينَ ، وهذا عكس ما يمثله القرآن من تمثيله لحياة دينية قوية تدعو أهلها إلى الجدال ما وسعهم ثمَّ إلى الكيد واضطهاد الغير وبعدهما إعلان الحرب التي تحرق الأخضر واليابس ولا تبقي ولا تذر ، وفي الأخير يعود ليؤكِّد حكم النقدي الجريء بأنَّ ( التماس الحياة العربية الجاهلية في القرآن أنفع وأجدى من التماسها في هذا الشعر العقيم الذي يسمُّونه الشعر الجاهلي )   ، وأشار إلى أنَّ بحثه هذا قد غيَّر كلَّ التغيير فيما تعوَّدنا أنْ نعرفه من أمر العرب الجاهليينَ .
4. في الفصل الرابع [ الشعر الجاهلي واللغة ]   من هذا القسم أو الكتاب الأوَّل ، فصَّل في كون هذا الشعر الجاهلي لا يمثِّل اللغة الجاهلية أو لغة العصر الجاهلي ، وقدَّم الأدلة والبراهينَ المنطقية لتثبيت رأيه وبيان صحَّة إدِّعائه ، وأثناء تقديمه لهذه الأدلة والبراهينَ وصل إلى أنَّ أبناء إسماعيل وهم العدنانيونَ أو العرب المستعربة الذين اكتسبوا العربية اكتساباً بعد أنْ محَتْ لغتهم الأولى ، تعلموا العربية من أهل اليمن وهم القحطانيونَ أو العرب العاربة الذين خلقهم الربُّ عرباً ففطروا على العربية ، وقد اتفق الباحثونَ على أنَّ إسماعيل بن إبراهيم هو أوَّل مَن تكلَّم بالعربية ونسي لغة أبيه ؛ ثمَّ شرح العميد الاختلاف بين لغتيهما ، ليصل إلى أنَّ ( هذه النظرية متكلِّفة مصطنعة في عصور متأخِّرة دعَتْ إليها حاجة دينية أو اقتصادية أو سياسية )   ، وهذا واضح لكلِّ مَن له إلمام بالبحث التاريخي ودرس الأساطير والأقاصيص ، إذن تعتبر عنده قصة إبراهيم وإسماعيل التي وردَتْ في القرآن وفي التوراة قبله هي من باب الأساطير ، وفيها نوع من الحيلة والتحايل على التاريخ ( في إثبات الصلة بين اليهود والعرب من جهة ، وبين الإسلام واليهودية والقرآن والتوراة من جهة أخرى )   ؛ ليعود إلى ما بدأ به وهو : إنَّ ( هذا الشعر الذي يسمُّونه الجاهلي لا يمثِّل الجاهلية ولا يمكن أنْ يكونَ صحيحاً )   ؛ وهنا قامَتْ عليه الدنيا وما قعدَتْ ! ، وثار عليه كلُّ المتخلفينَ في هذا العالم العربي المتخلف أساساً ، أو الذي أخذ من التخلُّف سجيَّة وطبعاً ، ولم يستطيعوا معه بداً إلا أنْ اتهموه بالكفر والإلحاد ثمَّ الزندقة ؛ كما قدَّمنا في القسم الأوَّل من هذه المقالة الوافية لا الضافية ، لأنَّنا لا نستطيع البوح فيها بكلِّ ما في نفسنا من نقدٍ حول قضية انتحال الشعر الجاهلي وآراء العميد فيها ، إذ ربَّما يعترض عليه الناشرونَ الذينَ نستهدفهم لينشروا مقالتنا ورأينا ، فتبقى ويبقى خاصاً بنا في أرشيفنا ولا تظهر ولا يظهر للنور ؛ قلتُ : لم يستطيعوا معه بداً إلا أنْ كفَّروه ورموه بالإلحاد والزدنقة ، دونَ أنْ يتمكَّنوا من تفنيد رأيه ، لأنَّ ضربته كانتْ في الصميم منطلقة من فرضيَّاتهم وآرائهم التي اتفقوا على صحَّتها ورجحانها ؛ ولم يتفهَّم ما أراده طه حسين ولم يبرِّره له سوى ذلك النائب الناقد الأستاذ محمد نور رئيس نيابة مصر العامة ، والذي تولَّى التحقيق معه في هذه القضية ، فكان الرجل متنوِّراً متفهِّماً للخطأ الموجود في الفرضية الأصلية المتفق على صحَّتها ورجحانها من قبل الجميع ، إضافة إلى ذكاء العميد نفسه وفطنته بامتناعه عن الجواب عندما سأله الأستاذ نور عن الكتب ـ وطلب منه تقديمها ـ المدوِّنة للجاهلية الفصحى أو التي تتناول الفرق بينَ لغة حمير ولغة عدنان ، بأنْ قال له ( أنا لا أقدِّم شيئاً )   ، لا لعجزه عن تقديمها ، بل لأنَّها لمستشرقينَ يعتبرونهم متغرِّضينَ غير منصفينَ بحقِّ تاريخنا وتراثنا ولو كانوا يقولونَ الحقيقة ، وواضح أنَّ الأستاذ المحقِّق يعرفها ولا يجهلها ، لكنَّه كان متعاطفاً مع العميد لأنَّه متنوِّرٌ ـ كما قلنا عنه وقال قبلنا عنه الأستاذ خيري شلبي ـ بدليل أنَّه استقبل حيلته وأجوبته المطاطية لبقية أسئلته وما سجَّلها له وعليه منها ، وهي : ( فليس من بعيد أنْ يكون ……… ، فما الذي يمنع ……… ، ونحنُ نعتقد ……… ، وإذن فليس ما يمنع قريشاً أنْ تقبل هذه الأسطورة ، وإذن فنستطيع أنْ نقول !!!! )   ، واعتبر أنَّ المؤلف عاجزٌ عن تقديم البيان أو أنَّ كلَّ ما جاء من قبله ضمن بحثه في هذه المسألة هو : ( خيال في خيال )   ، وبرَّ له بعدها تبريراتٍ أخرى ، لينجيه ممَّا هو فيه ، والغريب واللافت للنظر هو أنَّ العميد كان مسروراً بكلِّ ذلك ولم يعترض عليه ، فيالَ ذكاء الرجلينِ ؛ ولا يمكننا المرور على هذه المسألة دون أنْ نذكر ونذكِّر بأنَّ اليهود لم يكفِّروا العميد مثلما كفَّره المسلمونَ ، مع أنَّ الموضوع يتعلَّق بهم وبعهدهم القديم كتعلقه بالمسلمينَ وقرآنهم ، ولنْ نذكر رأينا وتعليقنا على هذا ، وسنترك لكلٍّ رأيه وتعليقه .  
5. في الفصل الخامس [ الشعر الجاهلي واللهجات ] ، وهو الفصل الأخير من القسم الأوَّل ، تناول فيه العميد موضوع علاقة الشعر الجاهلي المزعوم باللهجات العربية ، وأنطلق أيضاً أو صوَّب سهام نقده من فرضية قديمةٍ أجمع هو وغيره على صحَّتها ورجحانها ، وهي أنَّ هناك اختلافاً بين لهجات القبائل العربية في الجاهلية ، ونوَّه بأنَّ مَن يقرأ القصائد السبع لنْ يشعر بشيءٍ يشبه أنْ يكون اختلافاً في اللهجة أو تبايناً في مذهب الكلام أو حتى تباعداً في اللغة ، وهذا صحيح تماماً لأنَّ ( البحر العروضي هو هو ، وقواعد القافية هي هي ، والألفاظ مستعملة في معانيها كما نجدها عند شعراء المسلمينَ ، والمذهب الشعري هو هو )   ، ومن هذا ذهب إلى عكس ما يخال المسلمونَ من أنَّ القراءات مروية عن الربِّ على لسان نبيِّهم ، فأثبتَ بدليلٍ علمي ومنطقي أنَّ جميعها غير منزَّلة من عند الربِّ كما يزعمون ، إنَّما هي قراءاتٌ متعدِّدة قرأتها العرب حسبما استطاعَتْ ، ودليله هو أنَّ العقل والمنطق يقبل ما يقول ويدَّعي ، وهو أيضاً ممَّا ( تقتضيه ضرورة اختلاف اللهجات بينَ العرب التي لمْ تستطع أنْ تغيِّر حناجرها وألسنتها وشفاهها لتقرأ القرآن كما يتلوه النبي وعشيرته في قريش ، فقرأته كما تتكلم )   ، لأنَّ اختلاف اللهجات كان قائماً قبل القرآن وظلَّ بعده ، ومن حيث أنَّ العرب اختلفوا في قـراءة القرآنْ فهو إذن لا يدري أو لا يستطـيع أنْ يفهم ( كيف استقامَتْ أوزان الشعر وبحوره وقوافيه كما دوَّنها الخليل لقبائل العرب كلِّها  على ما كان بينها من تباين اللغات واختلاف اللهجات )   ؛ ولمْ تختلفْ في هذه المسألة مواقف المعترضينَ على العميد ، بلْ زادَتْ شراسةً ، لكنَّ هذا المنصف ـ نعني المحقِّق محمد نور ـ أيضاً برَّرها له بتأويل : ( قالَ ، ولمْ يقل ) ، وبالتلاعب بمعنى كلمتي : ( القراءات ، واللهجات )  ، ليخلِّصَهُ وينقذه ثانية ممَّا هو فيه ولنفس السبب الذي هو تعاطفه معه ، وربَّما إعجابه به وقناعته بما قدَّم وطرح .
وتضمَّن القسم الثاني [ الكتاب الثاني ] منه الذي عنونه [ أسباب انتحال الشعر ] ، ما يلي :
1. الفصل الأوَّل : [ ليس الانتحال مقصوراً على العرب ] ، وأراد فيه المقارنة بين انتحال الشعر عند العرب وبين انتحاله في الأمم الأخرى كاليونانية والرومانية ، وأشار فيه إلى اقتناعه وتأثُّره بمنهج البحث الديكارتي الذي شرحه في فصول قبله واستخدمه في فرضيَّاته ، ولم يفته أنْ ينوِّه بأنَّ المستقبل لهذا المنهج لا لمنهج القدماء ؛ ولم يعترض واحدٌ من المعترضينَ على كلِّ هذا ، فلم يكن البحث يهمُّهم ولا المنهج ولا حتى الشعر الجاهلي الذي نسفه العميد ، بلْ كان التعصُّب الأعمى للدين الإسلامي هو الذي يحرِّكهم ويدفعهم إلى ما ذهبوا إليه ، ولو استطاع واحد تخطئته في منهج بحثه أو في فرضيَّاته الأخرى غير تلك المتعلقة بالدين لكان من السهل دحض نظريته بالكامل أو من الأساس ، لكنَّهم لم يستطيعوا مجتمعينَ ومنفردينَ ، وذلك لأنَّ سعة أفقهم لا ترقى إلى سعة أفقه ، وقابليَّاتهم الكتابية والتعبيرية لا تساوي قابليَّاته ، وهم ليسوا مثله في الاتزان ومستوى التفكير والذكاء .
2. الفصل الثاني : [ السياسة وانتحال الشعر ] ، وهو فصلٌ طويل بالمقارنة مع فصول الكتاب في هذا القسم أو أقسامه الأخرى السابقة ، وهو كالذي بعده في الطول ، ربَّما لاعتقاد العميد بأهمية السياسة والدين وتأثيرهما ودورهما لا في انتحال الشعر الجاهلي وحده ، بل في الحياة العامة كلِّها ، فهو يرى أنَّ المسلمينَ ( لم يظهروا على العالم إلا بهذا الإسلام ؛ فهم محتاجونَ إلى أنْ يعتزُّوا بهذا الإسلام ويرضوه ويجدوا في اتصالهم به ما يضمنُ لهم هذا الظهور وهذا السلطان الذي يحرصونَ عليه ؛ وهم في الوقت نفسه أهلُ عصبية وأصحاب مطامع ومنافع ، فهم مضطرُّونَ إلى أنْ يرعوا هذه العصبية ويلائموا بينها وبينَ منافعهم ومطامعهم ودينهم )   ، ويفيد بأنَّه كان على العرب الاستفادة من الدين والسياسة معاً ؛ فالعميد يعتمد هنا على حقائق التاريخ الثابتة أو المتفق عليها في السيرة المحمدية ، وما جاء بها من العداوة التي سرعان ما اصطبغَتْ بالدم ، والتي تكوَّنَتْ بعد هجرته إلى يثرب بين قبائل العرب في جزيرتهم العربية ، وكانتْ قبلها صِلات المودَّة القديمة موجودة بينهم ، هذا من جهة ، وعداوة محمد وأتباعه لليهود من جهة أخرى ، وما الألفة التي ظهرَتْ بينهم بعد فتح مكة إلا ألفة وهمية سرعان ما عادَتْ إليها الضغائن والأحقاد واستيقظتْ فيها الفتنة بعد غفوةٍ قصيرة ؛ ناهيك باختلاف المهاجرينَ من قريش والأنصار من الأوس والخزرج على الخلافة بعد موت محمد ، ومع استقامة الأمر للقرشيينَ لم ينسَ اليثربيونَ هذه الخصومة التي يصفها العميد بالعنيفة ؛ ويستطرد في هذا الفصل ليذكر لنا قصصاً متعلقة بتعصُّب كلٍّ من الفريقينِ ، وما يتعلق بها من شواهد شعرية ، ولم يغفل عن عصبية الأمويينَ وحدهم من دون قريش بعدما استقامَتْ الخلافة إلى عثمان بن عفان ؛ فكلٌّ أخذ يبحث عن مجده القديم ولم يجدْ هذا المجد إلا بانتحال الشعر ، أو إنَّ هذه الأحداث السياسية هي التي دفعَتْ العرب إلى انتحال الشعر ؛ أو كما يعبِّر فيه بأنَّ هذا الفصل الطويل ينتهي به إلى نتيجة يعتقد أنَّها لا تقبل الشكَّ ، و ( هي أنَّ العصبية وما يتَّصِل بها من المنافع السياسية قد كانتْ من أهمِّ الأسباب التي حملتْ العرب على انتحال الشعر وأضافته إلى الجاهليينَ )   ؛ وللاستزادة من هذا والتنوير فيه يعرض شيئاً ممَّا جاء به محمد بن سلام الجمحي في كتابه الشهير ( طبقات الشعراء ) ، من ( انَّ قريشاً كانتْ أقلَّ العرب شعراً في الجاهلية ، فاضطرَّها ذلك أنْ تكونَ أكثر العرب انتحالاً للشعر في الإسلام )   ، وفي هذا النصِّ دليلٌ واضح وقاطعٌ وصريح على أنَّ فكرة انتحال الشعر كانتْ موجودة بقرون طويلة قبله وقبل أستاذه ( مرجليوت ) ، لكنَّ ابن سلام قال بانتحال بعض الشعر الجاهلي ولم يقلْ بانتحاله كلِّه كما قال المتأخِّران ، أو أنَّه أقرَّ بوجود شعر منتحل أو منحول وهو غير الشعر الجاهلي أو معه ، إضافة إلى اعترافه بوجود مشقة وعُسُر عنده وعند النقاد غيره في التمييز بين الشعر الذي ينتحله العرب أنفسهم ، وهذا كلُّه يثبتُ صحَّة ما ذهب إليه عميد الأدب باستخدامه لمنهجه الديكارتي منهج الشكِّ من أجل الوصول إلى اليقين ؛ وهذا الفصل كسابقه لم يُعترَض عليه أو على مضمونه لنفس الأسباب الذي ذكرناها .
3. الفصل الثالث : [ الدين وانتحال الشعر ] ، يعتقد العميد في هذا الفصل أنَّ العواطف والمنافع الدينية الإسلامية لم تكنْ ( أقلَّ من العواطف والمنافع السياسية أثراً في تكلف الشعر وانتحاله وإضافته للجاهليينَ )   ، فهو لا يرى لغيرها من عواطف ومنافع الأديان الأخرى غيره ـ كالمسيحية واليهودية ـ أثراً في انتحال الشعر الجاهلي ، وهذا لا يتعارض ولا يتناقض مع ما جاء في فصله الأوَّل من هذا القسم من كتابه بأنْ ليس الانتحال مقصوراً على العرب ، فقد يكون لها أثرٌ في انتحال شعر آخر غير الشعر الجاهلي ، ونراه يضرب الأمثلة ويقدِّم الأدلة لهذا كعادته ، ويشير إلى اتخاذها من الجنِّ أداة من أدواتها لنحل هذا الشعر في العصر الإسلامي ، والغرض من هذا الانتحال ـ كما يرجِّح ـ هو : ( إرضاء لحاجات العامة الذين يريدونَ المعجزة في كلِّ شيء ، ولا يكرهونَ أنْ يُقَال لهم أنَّ من دلائل صدق النبي في رسالته أنَّه كان منتظراً قبل أنْ يجيء بدهر طويل ، تحدَّثتْ بهذا الانتظار شياطينُ الجنِّ وكُهَّان الإنس وأحبار اليهود ورهبان النصارى ؛ كما أنَّ القُصَّاص والمنتحلينَ اعتمدوا على الآيات التي ذكرَتْ فيها الجن ليخترعُوا ما اخترعُوا من شعر الجنِّ وأخبارهم المتصلة بالدين ، فهم قد اعتمدوا على القرآن أيضاً فيما رووا وانتحلوا من الأخبار والأشعار والأحاديث التي تُضَاف إلى الرهبان ، فالقرآن يحدِّثنا بأنَّ اليهود والنصارى يجدونَ النبي مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل ، وإذن فيجب أنْ تخترع القصص والأساطير فيما يتَّصل بها من الشعر ليُثبَتَ أنَّ المخلصينَ من الأحبار والرهبان كانوا يتوقعونَ بعثة النبي ويدعونَ الناس إلى الإيمان به حتى قبل أنْ يُظِلَّ الناس زمانه )   ، ثمَّ يقول بعد هـذا مبـاشرة : ( ونوع آخر من تأثير الدين في انتحال الشعر وإضافته إلى الجاهليينَ ، وهو ما يتصل بتعظيم شأن النبي من ناحية أسرته ونسبه إلى قريش ، فلأمرٍ ما اقتنع الناس بأنَّ النبيَّ يجب أنْ يكون صفوة بني هاشم ، وأنْ يكون بنو هاشم صفوة بني عبد مناف ، وأنْ يكون بنو عبد مناف صفوة بني قصي ، وأنْ تكون قصي صفوة قريش ، وقريش صفوة مضر ، ومضر صفوة عدنان ، وعدنان صفوة العرب ، والعرب صفوة الإنسانية كلَّها ، وأخذ القُصَّاص يجتهدونَ في تثبيت هذا النوع من التصفية والتنقية وما يتَّصل منه بأسرة النبي خاصة ، فيضيفونَ إلى عبد الله وعبد المطلب وهاشم وعبد مناف وقصي من الأخبار ما يرفع شأنهم ويعلِّي مكانتهم ويثبت تفوقهم على قومهم خاصة وعلى العرب عامة ، وأنت تعلم أنَّ طبيعة القصص عند العرب تستتبع الشعر ، لا سِيَّما إذا كانتْ هذه العامة هي التي تُرَادُ بهذا القصص )   ؛ وعلى هذا الرأي الأخير فقط اعترض المعترضونَ ، فهم جزَّؤا الفكرة ليعترضُوا على جزءٍ منها لا عليها برمَّتها ، ربَّما لأنَّ العميد خدعهم أو هم خُدِعوا بقوله : ( نوعٌ آخر ) ، فنراه يجرُّهم ويستدرجهم كلَّ مرَّةٍ إلى ما يريد ويبغي ، وهم ينساقونَ وراءه كالعميان ، ونحنُ نرى أنَّ قولة بشار بن برد تنطبق عليهم تماماً في هذا الموضع ، حيث قال :
أعْمَىً يَقُودُ بَصِيْراً لا أَبَاً لَكُمُ
  قَد ظَلَّ مَن كَانَتْ العِمْيَانُ تَهْدِيْهِ
ولا نريد بهذا الشاهد التقليل من شأن العميد أو الاستهانة به ، بل نريد العكس وهو التقليل من شأن هؤلاء المعترضينَ والتهوين من قدرهم ، لا سِيَّما أنَّ هذا البيت الشعري الذي استشهدنا به هو لرجل أعمى البصر متفتِّح البصيرة يشبه العميد تماماً ، كان قد قاله استخفافاً بمفتوحي البصر عميان البصيرة يشبهونَ المعترضينَ تماماً ؛ ولم يستطع رئيس النيابة الأستاذ محمد نور هذه المرَّة أنْ يبرِّرَ أو يسوِّغ هذا الأمر للعميد فقد اعتبر عبارته هنا ( خالية من كلِّ احترام ، بل وبشكل تهكُّمي غير لائق ، ولا يوجد في بحثه ما يدعوه لإيراد هذه العبارة على هذا النحو )   ، لكنَّه لم يحاسبه على هذا كلِّه ، ربَّما لأنَّه كان مدركاً أو متفهِّماً للفكرة كلِّها التي تمَّتْ تجزئتها ، أو لأنَّه أراد أنْ يمتصَّ برأيه هذا غضب الغاضبينَ عليه لتعاطفه معه وإعجابه به كما قلنا قبلاً ، وهو أيضاً كان يريد أنْ يخفي هذا التعاطف وذاك الإعجاب ؛ لم يكتفِ العميد بهذا بل يعدوه إلى إنكار ما يخاله الكثير من المسلمينَ أو كلُّهم من أنَّ للإسلام أولية في بلاد العرب ، فقد قال في هذا الصدد : ( أمَّا المسلمونَ فقد أرادوا أنْ يثبتوا أنَّ للإسلام أولية في بلاد العرب كانتْ قبل أنْ يُبعَثَ النبي ، وأنَّ خلاصة الدين الإسلامي وصفوته هي خلاصة الدين الحق الذي أوحاه الله إلى الأنبياء من قبل ، فليس غريباً أنْ نجد قبل الإسلام قوماً يدينونَ بالإسلام أخذوه من هذه الكتب السماوية التي أوحيَتْ قبل القرآن ، والقرآن يحدِّثنا عن هذه الكتب فهو يذكر التوراة والإنجيل ويجادل فيهما اليهود والنصارى ، وهو يذكر غير التوراة والإنجيل شيئاً آخر هو صحف إبراهيم ، ويذكر غير دين اليهود والنصارى ديناً آخر هو ملَّة إبراهيم ، وهو هذه الحنيفية التي لم نستطع إلى الآن أنْ نتبيَّن معناها الصحيح ؛ وإذا كان اليهود قد استأثروا بدينهم وتأويله ؛ وإذا كان النصارى قد استأثروا بدينهم وتأويله ؛ وكان القرآن وقف من أولئك وهؤلاء موقف مَن ينكر عليهم صحَّة ما يزعمونَ ، فطعن في صحَّة ما بينَ أيديهم من التوراة والإنجيل ، واتهمهم بالتحريف والتغيير ، ولم يكن أحد قد احتكر ملَّة إبراهيم ولا زعم لنفسه الانفراد بتأويله ، فقد أخذ المسلمونَ يردُّونَ الإسلام في خلاصته إلى دين إبراهيم هذا الذي هو أقدم وأنقى من دين اليهود والنصارى ؛ وشاعَـتْ في العرب أثناء ظهور الإسلام وبعده فكرة أنَّ الإسلام يجدِّد دين إبراهيم ، ومن هذا أخذوا يعتقدونَ أنَّ دين إبراهيم هذا قد كانَ دين العرب في عصرٍ من العصور ، ثمَّ أعرضَتْ عنه لما أضلَّها به المضلِّلونَ وانصرَفتْ إلى عبادة الأوثان ، ولم يحتفظ بدين إبراهيم إلا أفرادٌ قليلونَ يظهرونَ من حين إلى حين ، هؤلاء الأفراد يتحدَّثونَ فنجد من أحاديثهم ما يشبه الإسلام ؛ وتأويل ذلك يسير ، فهم أتباع إبراهيم ، ودين إبراهيم هو الإسلام ؛ وتفسير هذا من الوجهة العلمية يسير أيضاً ، فأحاديث هؤلاء الناس قد وُضِعَتْ لهم وحُمِلَتْ عليهم حملاً بعد الإسلام ، لا لشيءٍ إلا ليُثبَتَ أنَّ للإسلام في بلاد العرب قدمة وسابقة ، وعلى هذا النحو تستطيع أنْ تحمل كلَّ ما تجد من هذه الأخبار والأشعار والأحاديث التي تُضَاف إلى الجاهليينَ والتي يظهر بينها وبينَ ما في القرآن من الحديث شبه قويٌ أو ضعيف )   ؛ فلم يسكتوا عنه وهاجموه هنا أيضاً بشراسة ، ولم ينتبهوا إلى أنَّه شرح لهم قبل ذلك هذه الفرضية بصفحات قريبة منها ، بأنْ قال : ( ونحو آخر من تأثير الدين في انتحال الشعر ، وذلك حين ظهرَتْ الحياة العلمية عند العرب بعد أنْ اتصلَتْ الأسباب بينهم وبين الأمم المغلوبة ، فأرادوا هم أو الموال أو أولئك وهؤلاء أنْ يدرسوا القرآن درساً لغوياً ويثبتوا صحَّة ألفاظه ومعانيه ، ولأمرٍ ما شعروا بالحاجة إلى إثبات أنَّ القرآن كتاب عربي مطابق في ألفاظه للغة العرب ، فحرصُوا على أنْ يستشهدوا على كلِّ كلمة من كلمات القرآن بشيءٍ من شعر العرب ، يثبت أنَّ هذه الكلمة القرآنية عـربية لا سبيل إلى الشكِّ في عربيَّتها )   ؛ وربَّما انخدعوا هنا بنفس ما انخدعوا به قبلاً  ، فأوهمهم قول العميد هذه المرَّة ( ونحو آخر ) بأنَّ هذه فكرة جديدة أو فرضية مختلفة لا علاقة لها بما قبلها وما بعدها ، والحقيقة غير هذا كما وضَّحنا ، وما أراد العميد باستخدامه هذه المفردات ( نحو أو نوع آخر ) إلا الاسترسال وربط أفكاره ، لا كما توهَّموا منها أنَّه يريد فكرة مختلفة أو فرضية جديدة ؛ والمهم عنده أنَّهم اعترضوا عليها أيضاً ، وقد أضاف أحد المعترضينَ ـ وهو النائب الوفدي عبد الحميد البنَّان أفندي ـ بدعة جديدة إلى اعتراضاتهم هذه ، فهو يعتبر العميد قد طعن بالإسلام كدين للدولة لا كدين للبنَّان شخصياً ، فكأنَّه يعترض عليه كناطق باسم الدولة المصرية ، أو باسم الشعب الذي يمثِّله في مجلس النواب ! ، حتى جعلنا نخاله ـ وهو المسلم ـ أنَّه لن يعترض على العميد إذا لم يكن الإسلام ديناً رسمياً للدولة المصرية ، لا أدري لا أدري ، ويالَ الغرابة ! ؛ ولم يفدهم هذا الاعتراض كلُّه لأنَّ الأستاذ محمد نور لم يحاسبه عليه أيضاً ، ومرَّره له كسابقه له رغم أنَّه كان يراه : ( سيء التعبير جداً في بعض عباراته )   ؛ ولم يفتِ العميد أنْ يربط هذا كلَّه بالخصومات والاختلافات في تفسير القرآن عند أصحاب التأويل والتفسير ، وما فعله المستشرقونَ معهم في هذا الباب ، وقد شرح ذلك مفصِّلاً فيه بعد رجوعه إلى حقائق تاريخية ثابتة تدعم رأيه واعتقاده ، ليصل في آخر هذا الفصل إلى أنَّ أسباب انتحال الشعر الجاهلي ( ليسَتْ مقصورة على السياسة والدين بل هي تتجاوزهما إلى أشياء أخرى )   ، وهذا ما بيَّنه في فصوله الثلاثة الأخيرة من هذا القسم من كتابه واللائي لم يُعترَض عليها أو لم يعترض عليها المعترضونَ .
4. الفصل الرابع : [ القصص وانتحال الشعر ] ، ينظر العميد إلى القصص في هذا الفصل ، بأنَّه : ( فنٌ من فنون الأدب العربي توسَّط بينَ آداب الخاصة والآداب الشعبية )   ، وهو كذلك فعلاً ، وقد تأثَّر الفنُّ القصصي عنده بالدين والسياسة معاً ، إضافة إلى تأثُّره بروح الشعب الذي كان يتحدَّث إليه ، وكان مرآة عاكسة للونٍ من ألوان حياة المسلمينَ ، ومصادره الأربعة هي : مصدر عربي ، ومصدر يهودي ـ نصراني ، ومصدر فارسي ، وهذا الأخير هو مصدر مختلط يمثل نفسية العامة غير العربية ؛ ويرى أيضاً أنَّ هذا الفنَّ القصصي في كلَّ هذه المصادر يطلق على ألسنة القُصَّاص في قصصهم الذي ينشرونه في الأمصار ، والقصص العربي منه لا قيمة له بدون الشعر ، لذا نحلوه ووضعوه في قصصهم هذا ، واستطرد كعادته في تقديم الأدلة والبراهين التي تثبت صحَّة فرضيَّته وما ذهب إليه فيها ، وهو يعتقد أنَّ هؤلاء القُصَّاص يستعينونَ بغيرهم من أفراد الناس يجمعونَ لهم هذه الأخبار والأشعار ويلفقونها ، فيستلمونها منهم ملفقة جاهزة ، وقد انتبه بذكاءٍ وفطنةٍ ـ لا نستغرب منهما عند فهَّامة بعيد النظر واسع الأفق متفتح الذهن مثله ـ إلى ما جاء في هذه القصص من عبارات ، من مثل : ( قال الشاعر ، قال الأوَّل ، قال الآخر ، قال رجل من بني فلان ، قال الأعرابيُّ ، وغيرها ) ، واستهزأ وتهكَّم ساخراً من كلِّ هذا بقوله : ( إذا لاحظتَ هذا كلَّه عذرْتَ القدماء والمحدثينَ إذا اعتقدوا أنَّ العرب كلُّهم شعراء )   ، ملتفتاً ومنتبهاً إلى كثرة هذا الشعر ، ومقرَّاً بأنَّ القُصَّاص استطاعوا أنْ يخدعوا فريقاً كبيراً من الباحثينَ والنقاد به ويقنعوهم بأنَّه صدر عن العرب فعلاً ، وهو في عين الوقت لا ينكر لبعض هؤلاء الوضَّاعينَ بصيرتهم النافذة وفؤادهم الذكي وطبعهم اللطيف ، فكانوا يجيدونَ الشعر ويحسنونَ انتحاله وتكلفه ، وكانوا أيضاً بارعينَ في إخفاء فعلتهم أو صنعتهم هذه بفطنة وذكاء ، ولم يكونوا جميعهم ضِعافاً ولا محمَّقينَ ، لذا كان من العسير على ابن سلام وغيره تمييز الشعر الذي انتحله العرب أنفسهم ، ويستشهد على ذلك كلِّه بقصَّة ( مصرع الزباء ) ، وهي من أشهر القصص التي تتصل بالبادية والأخبار التي يسمونها ( أيَّام العرب ) أو ( أيَّام الناس ) ، ومثلها ما روي عن عاد وثمود وطسم وجديس وجرهم والعماليق وحمير ، وأخبار الكُهَّان وما يتصل بسيل العرم وتفرق العرب بعده ، وكلُّ ما روي عن أيام العرب وحروبها وخصوماتها ، فكلُّها عنده موضوعة لا أصل لها كذلك الشعر الذي ارتبط بها ، وليس ذلك فحسب بل أنَّ كلَّ ما روي من الأخبار والأشعار بما يتعلق بالحوادث والعلاقات التي كانتْ بين العرب والأمم الأجنبية قبل الإسلام ، هو في كثرته المطلقة موضوع ومحلُّ شكٍّ ؛ ونحن نرى هنا أنَّ العميد هنا قد توسَّع في فرضيَّاته ليشمل الأخبار والروايات عن العرب وتاريخهم بالانتحال ، ولا ندري لماذا لم يعترض عليه أحدٌ في هذا الباب ، ربَّما لأنَّه ابتعد عن الإسلام فيه ، فكأنَّ تاريخ العرب قبل الإسلام لا يهمُّ هؤلاء المعترضينَ ! .
5. الفصل الخامس : [ الشعوبية وانتحال الشعر ] ، لم يقصد العميد بالشعوبية غير ذلك الفريق من سبي الفرس الذي استعرب واستوطن الأقطار العربية التي كانتْ خالصة كلَّها للعرب ، وأصبح له نسلٌ وذرية فيها ، وأخذ شبابه الناشئ يتكلَّم العربية كما يتكلَّمُها العرب أنفسهم ، وهم أيضاً قد شاركوا في انتحال الأخبار والأشعار وإضافتها إلى الجاهليينَ والإسلاميينَ معاً ، ذلك لأنَّهم شاركوهم في أغراضهم الشعرية السياسية ، ( فكان من هؤلاء الموالي شعراء يتعصَّبونَ للأحزاب العربية ويناضلونَ عنها )   ، ولم يكونوا مخلصينَ للعرب مطلقاً ، لكنَّهم ( كانوا يستغلونَ هذه الخصومة السياسية بين الأحزاب ليعيشوا من جهة ، وليخرجوا من حياة الرقِّ أو حياة الولاء إلى حياة تشبه حياة الأحرار والسادة من جهة أخرى ، ثمَّ ليشفوا ما في صدورهم من غِلٍ وينفِّسوا عن أنفسهم ما كانوا يضمرونَ من ضغينة للعرب من جهة ثالثة )   ؛ وبعد أنْ يضرب المثل لبعضٍ منهم يفيد بأنَّ النتيجة لهذا كلِّه كانتْ ( أنْ استباح هؤلاء الموالي لأنفسهم هجو العرب أولاً ، ثمَّ ذكر قديمهم والافتخار بالفرس ثانياً )   ؛ وكان أنْ حملتْ الشعوبية على انتحال الأخبار والأشعار وأجبرَتْ العرب وأكرهتهم على أنْ يقابلوا ويلقوا هذا الانتحال بمثله ، لاعتقادهم بأنَّه يجبُ أنْ يكون لهم قولٌ وسابقة في كلِّ شيء ليثبتوا تفوقهم وفضلهم على الأمم التي غلبوها في حروبهم ونزاعاتهم معها ، فهم مجبرونَ أو مضطرونَ لذلك اضطراراً ؛ ولم نجد معترضاً على هذا كلِّه كما أسلفنا ! .
6. الفصل السادس : [ الرواة وانتحال الشعر ] ، وفيه يجد العميد نفسه مضطراً للوقوف عندهم لأنَّهم هم الذين نقلوا لنا أدب العرب ودوَّنوه ، وهو يراهم أمَّا عرباً أو موالي ، واستنتج من خلال بحثه عنهم أو في سيرهم أنَّهم ماجنونَ مسرفونَ في اللهو والعبث ، وهم كلُّهم مسلمونَ منصرفونَ ( عن أصول الدين وقواعد الأخلاق إلى ما يأباه الدين وتنكره الأخلاق )   ؛ ويعدِّد بعضاً منهم واضعاً ( حماد الراوية ) زعيماً لأهل الكوفة في الرواية والحفظ ، وصنوه ونظيره ( خلف الأحمر ) زعيماً لأهل البصرة فيهما ، وقد توفَّق في ذلك أو هو الصواب والصحيح فعلاً ، وكان كلاهما ومَن معهما قد ( أسرف فيما لا يليق بالرجل الكريم الوقور )   ،  وليس لأيِّ لواحد منهم ( حظٌ من دين ولا خلق ولا احتشام ولا وقار )   ، فضلاً عن إسرافه على نفسه في السكر والفسق والاستهتار بهما ، لـذا كـان كـلُّ منهم ( صاحبَ شكٍّ ودعابة ومجون )   ، و ( ليس منهم إلا مَن اتهم في دينه ورُمِيَ بالزندقة ، يتفق على ذلك الناس جميعاً ، لا يصفهم أحدٌ بخير ، ولا يزعم أحدٌ لهم صلاحاً في دين أو دنيا )   ، شأنهم في ذلك شأن غيرهم من الناس جميعاً في أمصار العراق في كونهم مظهراً للدعابة والخلاعة ؛ ويضيف أيضاً أنَّه كان من هؤلاء الرواة يتخذونَ من انتحال الأخبار والشعر واللغة وسيلة للكسب ، ومنهم مَن كان يؤجِّر نفسه للقبائل ليجمع لكلِّ واحدة منها الشعر ليضيفه إلى شعرائها مقابل أجر معلوم ، ولا يُستغرَب من ذلك أو لا يستغرب العميد منه في تاريخ الأدب العربي لأنَّه مرَّ عليه الكثير مثلهم في تاريخي الأدب اليوناني والروماني الذينَ اطلع عليهما أو درسهما وفنونهما في جامعته الأوربية ؛ ونجده بعد ذلك يكثر من القصص والروايات التي تدين ( حماد الراوية وخلف الأحمر ) وكذبهما وتلفيقهما وانتحالهما وغيرهما للشعر الذي يُنسَب للجاهليينَ ؛ ولا اعتراضَ ولا انتقاد مسجَّل على هذا الفصل برمَّته ! .

ـــــــــــــــــــ
هوامش :
  . طه حسين . ( في الشعر الجاهلي ) ، طبعة خاصة لدار المدى للثقافة والنشر / دمشق 2001م ، سـلسـلة الكـتاب للجميع ( 16 ) ، صفحة ( 12 ) .
  . المرجع نفسه ، الصفحة نفسها .
  . المرجع نفسه الصفحة نفسها .
  . المرج السابق ، صفحة ( 16 ) .
  . المرجع السابق ، صفحة ( 20 ) .
  . المرجع السابق ، صفحة ( 21 ) .
  . المرجع السابق ، صفحة ( 23 ) ، ويتكرَّر في صفحة ( 24 ) .
  . المرجع السابق ، صفحة ( 26 ) .
  . المرجع السابق ، الصفحة نفسها .
  . المرجع السابق ، صفحة ( 29 ) .
  . هذا الفصل هو الذي حذفه العميد وأثبتَ مكانه غيره ، عندما طبع كتابه في العام 1927م ، وغيَّر عنوانه بعض التغيير ، وسنبيِّن ذلك بالتفصيل عندما نصل إليه .
  . طه حسين . ( في الشعر الجاهلي ) ، طبعة خاصة لدار المدى للثقافة والنشر / دمشق 2001م ، سـلسـلة الكـتاب للجميع ( 16 ) ، صفحة ( 32 ) .
  . المرجع السابق ، صفحة ( 33 ) .
  . المرجع السابق نفسه ، صفحة ( 35 ) .
  . خيري شلبي ـ ( محاكمة طه حسين ) ، الطبعة الثانية / 1993م ، دار ومطابع المستقبل بالفجَّالة والاسكندرية ومؤسَّسة المعارف ببيروت ، صفحة ( 69 ) .
  . المرجع السابق نفسه ، صفحة ( 76 ) .
  . المرجع السابق نفسه ، الصفحة نفسها .
  . طه حسين . ( في الشعر الجاهلي ) ، طبعة خاصة لدار المدى للثقافة والنشر / دمشق 2001م ، سـلسـلة الكـتاب للجميع ( 16 ) ، صفحة ( 38 ) .
  . المرجع السابق ، صفحة ( 39 ) .
  . المرجع السابق ، صفحة ( 40 )
  . المرجع السابق نفسه ، صفحة ( 51 ) .
  . المرجع السابق نفسه ، صفحة ( 69 ) .
  . المرجع السابق نفسه ، صفحة ( 68 ) .
  . المرجع السابق ، صفحة ( 71 ) .
  . المرجع السابق ، صفحة ( 73 ـ 74 ) .
  . المرجع السابق ، صفحة ( 74 ) .
  . خيري شلبي ـ ( محاكمة طه حسين ) ، الطبعة الثانية / 1993م ، دار ومطابع المستقبل بالفجَّالة والاسكندرية ومؤسَّسة المعارف ببيروت ، صفحة ( 89 ) .
  . طه حسين . ( في الشعر الجاهلي ) ، طبعة خاصة لدار المدى للثقافة والنشر / دمشق 2001م ، سـلسـلة الكـتاب للجميع ( 16 ) ، صفحة ( 80 ـ 81 ) .
  . المرجع السابق ، صفحة ( 77 ـ 87 )
  . خيري شلبي ـ ( محاكمة طه حسين ) ، الطبعة الثانية / 1993م ، دار ومطابع المستقبل بالفجَّالة والاسكندرية ومؤسَّسة المعارف ببيروت ، صفحة ( 89 ) .
  . طه حسين . ( في الشعر الجاهلي ) ، طبعة خاصة لدار المدى للثقافة والنشر / دمشق 2001م ، سـلسـلة الكـتاب للجميع ( 16 ) ، صفحة ( 87 )
  . المرجع السابق ، صفحة ( 89 ) .
  . المرجع السابق ، صفحة ( 95 )
  . المرجع السابق ، صفحة ( 104 ) .
  . المرجع السابق نفسه ، صفحة ( 104 ـ 105 ) .
  . المرجع السابق نفسه ، صفحة ( 105 ـ 106 ) .
 . المرجع السابق نفسه ، صفحة ( 113 ) .
 . المرجع السابق نفسه ، صفحة ( 114 ) .
  . المرجع السابق نفسه ، صفحة ( 114 ) .
  . المرجع السابق نفسه ، صفحة ( 114 ) .

 

للتواصل مع الكاتب يرجى الكتابة إلى :
Ramzee_Alobadi@Yahoo.Com
Ramzee_Alobadi@Hotmail.Com

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| احمد عواد الخزاعي : فنتازيا خضير فليح الزيدي في رواية ” يوتيوب “.

صناعة الشخصية الديناميكية المدورة، سمة امتاز بها الروائي خضير فليح الزيدي، فمعظم شخصياته الروائية، تكون …

| طالب عمران المعموري : تشكيل المكون الروائي في رواية “عاشقة من كنزا ربا” للروائي عبد الزهرة عمارة .

“أنت يا عليما بالقلوب وكاشفا للبصائر .. عيوني متطلعة إليكَ وشفاهي تسبحك  سبع مرات في …

تعليق واحد

  1. رمزي العبيدي

    ورد خطأ طباعي أو مطبعي في عجز البيت الشعري المستشهد به ، وهو : ( ظلَّ ) ، والصحيح كتابتها : ( ضلَّ ) لأنَّها بمعنى تاه . لذا القتضى التنويه .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.