علاء حمد: سلام إبراهيم في مجموعته الجديدة “سرير الرمل”.. محنة المنافي (ملف/35)

إشارة:
مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي “سلام ابراهيم” نصوصه بدم التجربة الذاتية ولهيبها. وفي اتفاق مع إشارة خطيرة للباحث الأناسي العراقي البارع د. علاء جواد كاظم الذي اعتبر روايات وقصص سلام إبراهيم من مصادر الدراسة الأنثروبولوجية الناجعة في العراق نرى أن نصوص سلام يمكن أن تكون مفاتيح لدراسة الشخصية الوطنية مثلما استُخدمت نصوص ياسانوري كاواباتا لدراسة الشخصية اليابانية ونجيب محفوظ لدراسة الشخصية المصرية مثلا. الفن السردي لسلام ابراهيم هو من عيون السرد العربي الذي يجب الاحتفاء به من خلال الدراسة الأكاديمية والنقدية العميقة. تحية للروائي المبدع سلام ابراهيم.

لماذا سرير الرمل؟.. هل من الممكن بناء سرير رملي؟. وبتحكيم الصفة الهشة وعلى أرض أكثر صلابة وبطقس عاصف أراد القاص سلام إبراهيم بناء سريره، وما بين العاصفة والرمل تكمن الرؤيا المرعبة.. الحب وطقوسه، فالعاصفة عدم دوام الأشياء هي العنصر المأساوي للطبيعة التي تكشف ما تحت الرمال.. جاءت مجموعة سلام إبراهيم القصصية في ست عشرة قصة قصيرة.. تراوحت بين الطول والقصر، ففي قصته الثانية “سرير الرمل” والتي تحمل عنوان المجموعة حاول أن يبرّز سر الهلوسة، في داخل الرجل ويطبعها عنوة عند الآخر، رابطا النوافذ الاسكندنافية بالنوافذ العراقية المغلقة.. بينما المرأة بشفافيتها جعلها وبحكم مقصود تتراجع عمّا قدمه الرجل لها، وفي هذه الحالة “حالة الدفاع عن النفس” والتي رسمت من طرف واحد “الرجل”.. حالة منقولة بشكل مباشر، فأباحت الواقعية في وصف حاله وهو ينتقل من شارعٍ إلى أخر حافراً بأنامله حياته الصعلوكية لينتمي إلى الكأس التي وحدها تشفي الغليل، سلام إبراهيم أسقط لغة الحوار المباشر وأعتمد أسلوب السرد لتحريك الصورة كي تكون قابلة للتحليل، وبسقوط الحوار وتقنياته لم يعتمد الأسماء، إلا بما أفاد الراوي وانتقالاته.. أي أعتمد لغة الأنا، شاقا لسانه نصفين.. نصف له ولانفعالاته السرية في العراق وإلى صف الثائر المقاتل في الجبل “البشمركه” والنصف الآخر للمرأة التي أحبته وهي التي خرجت معه، لتكمل مشوارها، وبالعهد الذي قطعته على نفسها، ومرتباً القصص بشكل أجد فيه أن قصة “جنية الأحلام” ما هي إلا مقدمة لقصة “سرير الرمل”.
يسرد سلام إبراهيم جمله بأسلوب تدريجي، مستنبطاً ذلك من ذاته وما يدور في الدول الاسكندنافية “الدانمارك مثال على ذلك” خارجاً من مدينته العراقية القائمة في الرأس إلى صحو المحطات وضجيج القطارات وتلاقي السكك في كوبنهاجن، وكون الأحلام نبعت من واقعه فهو لم يرو لنا حلما واحداً، بل أمتزج ذلك الحلم بذهنية الفلاش باك وتدفقها وهو يعيش بالمنفى البارد مع تاريخه الشخصي وتاريخ العراق عائدا بنا إلى أواسط السبعينيات وأوائل الثمانينيات، في المرحلة الأولى حيث الوضع السياسي المحتدم.. التحالفات الجبهوية، الإعتقالات، التهيئة والتحضير للسيطرة التامة على الشارع، لتبدأ المرحلة الثانية بداية الحرب العراقية ـ الإيرانية، وسوق الشباب إلى جبهات القتال والموت والهروب من بين أقدام شيطان رجيم إلى جبال العراق ووديانها وقراها.. ذاكرة تستعيد الموت الأكيد برؤيا حزينة تزدحم بطقوس عاشوراء السنوية المقامة في مدن جنوب العراق. أرتباط جدلي بين الوضع البشري في النص والموت الذي يلاحق الجميع. والموت في نظر سلام إبراهيم يكمن في كل شيء ويتخلل الجسد وتقاسيم الوجه واليد والأصابع وكدمات الطبيعة وفوهة الفانوس كما جاء في قصصه “نخلة في غرفة” و “رؤيا الحفيد” و “قسوة”.
وبدوران مبرح ومفتوح ذهب بنا إلى الشارع العراقي.. يقول في “أزقة الروح”:
” فعلاوي الحنطة المفضية بدورها إلى السوق المسقوف. الشارع يغلي، مزاد لبيع الحمير. قرويون يترجلون من لوريات خشبية مصطحبين نسوة هزيلات، صفراوات. رجال ينعلون حوافر الخيل، باعة متجولون، حدادون، مقاه. عربات.. أقفاص عصافير.. شمس صيف لاهبة”ص45.
من هذا التصوير الفوتوغرافي عكس لنا ما هو مرئي ومتحرك في صورة حية في النص والشارع والمقهى، ثم يتدفق الفلاش باك في حرية تتيح له نقل ما يشاء بما يخدم طقس القصة. ففي قصة “جورية الجيران” عن أمل بنت الجيران التي يحلم السارد بكسب قلبها فيفكر بسرقة ورد من بستان يستخدم العامية العراقية في السرد كي ينقل تلك الأحاسيس بالضبط فلا يكون هنالك فاصلا بين ما يحس به السارد والقارئ. سرد بالعامية يوقظنا من غفوة وخدر الابن الموشك على النوم وهو في حضن أبيه يسمع قصة الأب.
قصص توظيف الأشياء المحيطة بالإنسان مبينة التناقض في الحياة الإنسانية وخاصيتها المتغيرة في حياة الكاتب كفرد.. مما تثير الإمكانيات الفنية المكتومة أصلا في نفس الفنان إزاء أشكال الاستلاب في الواقع.. وبين الصبية أمل ووردة الجوري التي أراد قطفها وتقديمها إليها. حالتان متلاصقتان بين حركة التدفق وسهولة الذاكرة، وبين صعوبة الحصول على سمته الطبيعية أو الحصول على “أمله”.. في هذه الحركة المصورة أنزل المنظور الذي كمن خلف اللوحة.. دون حسرات.. دون تنهدات وبلهجة عراقية بحته كأنه أراد أن يقول هذا بلدنا العراق.. وأنا العاشق أركن هنا، وجسدي هناك، مازجا في سرده الواقع بالخيال في بنية مركبة من خلال العلاقات غير المنظورة بين الإنسان والقوانين أو بيئة الأشياء المحيطة به.. بينه وبين رموز الواقع الباطني التي جعلت النص أكثر توسعا في البناء وأكسبته ديمومة في قصصه “التآكل”،”أزقة الروح”،”أختطف”،”جرح الحمامة”. فعنصر التآكل لديه هو دخوله سن الأربعين والفترة التي قضاياها مع امرأة وبمرحه القديم.. المرأة التي التصقت به وتابعته وشاركته حياته والتي شكلت الإصبع الحادي عشر. فأعتبر سيرته الذاتية وتقدمها، لحظات تآكل.. للجسد.. للسرير.. للأفكار.. والعاطفة، أنه المنفى كان ومازال الأقوى.. فهو يقف وراء سر التآكل الفكري والنفسي الذي شكل حالة استلاب كاملة، وبفعالية أكثر يختطف سلام إبراهيم بالأصابع اللينة والناعمة وبهذه الطقوس المتممة لقصته “جورية الجيران” وبما ملأ علينا من تجربته بحرب العصابات والجبل واختلاط الناس والطيور المحلقة والأشعار.. ينهل عاشقنا من يأس تلك الأيام.
أما في قصصه الأخرى “أخيلة العيون”، “أرباب الرعب”،”لا أدري”،”العصفور”،”حصار يوسف” فالعيون الراغبة تحدق من خلال العيون. وفيها تجاوز الذات ليبني كوخ لأصدقاء ماتوا في الحرب والمعتقلات.. وهو يشتبك مع الزمن حالما وهو يتحسس قبورهم، وللصياد الذي يحملق في النوافذ كي يصطاد فتاة محبوسة خلف الجدران.. جاعلا من المرأة قاتله يتمدد مذبوحا في نعشها صابغا بدمه لونها.. قصص عن العشق والمؤسسة العسكرية والخوف والذعر ليدخلنا في حلم أو كابوس.. وفي قصة “لا أدري” التي تختلف عن باقي القصص. يذكر القاص أنها كتبت في مدينته الديوانية 1980، كونها لوحات رمزية. إذ يعتمد في العديد من قصصه الغموض والرموز تارة والمباشرة تارة أخرى، ويتداخل الحدث لديه منطلقا من الذات كأنه سلسل لنا قصصه على شكل رواية غير منتظمة واضعا لكل نص عنوانا.
أن النموذج في “سرير الرمل” هو نموذج إنساني شامل تنطبق عليه المواصفات الفردية الزمكانية بمزاياه وأحاسيسه الخاصة التي تضفي عليها روحية القاص المتمردة على الذات وعلى ما حول، فقد جرت الرياح بما لا تشتهي السفن وطوق العاشق أو طوق العشيقة، هما حالتا تعذيب نفسي، ليصل إلى أن من تعطى السياسة في وطن مثل العراق مصيره أما الموت أو الموت البطيء في المنفى.
أعتمد سلام إبراهيم في بناء قصته على ذهنية الفلاش باك، وجملته القصصية المنتقاة، فتارة يستخدم لغة شعرية وتارة يخرج بها بأسلوب خاص، معتمداً المعاني المكتومة في دواخل الشخصية جعل من وحداته السردية لا تعتمد على الحوار ولا تخوض في تفاصيل مملة.

شاهد أيضاً

سلام إبراهيم: أصدقائي الكتاب: القاص والروائي إبراهيم احمد (ملف/88)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

علي الشباني: سلام إبراهيم.. الصداقة والحياة (ملف/87)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

من رسائل القرّاء والكتّاب الموجّهة إلى الروائي سلام ابراهيم (20) (ملف/86)

إشارة : تجربة رائعة يقوم بها الروائي المبدع “سلام ابراهيم” وهو يؤرشف رسائل قرّائه الكرام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *