حيدر حسن جابر: البنية السردية في روايات سلام إبراهيم (رسالة دكتوراه) (8) (ملف/33)

الدكتور حيدر حسن علي

إشارة:
مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي “سلام ابراهيم” نصوصه بدم التجربة الذاتية ولهيبها. وفي اتفاق مع إشارة خطيرة للباحث الأناسي العراقي البارع د. علاء جواد كاظم الذي اعتبر روايات وقصص سلام إبراهيم من مصادر الدراسة الأنثروبولوجية الناجعة في العراق نرى أن نصوص سلام يمكن أن تكون مفاتيح لدراسة الشخصية الوطنية مثلما استُخدمت نصوص ياسانوري كاواباتا لدراسة الشخصية اليابانية ونجيب محفوظ لدراسة الشخصية المصرية مثلا. الفن السردي لسلام ابراهيم هو من عيون السرد العربي الذي يجب الاحتفاء به من خلال الدراسة الأكاديمية والنقدية العميقة. تحية للروائي المبدع سلام ابراهيم.

الفصل القاني- المبحث الثالث/ الشخصيات الرئيسة في روايات سلام إبراهيم
لعل من الميزات الكبرى في روايات سلام إبراهيم هو ذلك الغنى والثراء الكبير في عدد الشخصيات الرئيسية والثانوية والهامشية وهذا ما نشهده عند قراءتنا لأعماله الروائية,الكثافة في كل شيء ومنها الكثافة في حضور الشخصيات,إن شخصيات سلام إبراهيم تتصف بالعمق في البناء من ناحية التحليل النفسي الذي يظهر خباياها و تفاعلاتها وكوامنها النفسية ,والتي تظهر على شكل تصرفاتها في النص فقد يسردها المؤلف مباشرة أو يجعلها متداولة في حوارات الشخصيات أو من خلال وصف مباشر لتلك التصرفات ,كما تتشابك علاقة الشخصية الرئيسة في بنية النص السردي مع باقي الشخصيات الأخرى على اختلاف أنواعها الرئيسة أو الثانوية أو دون ذالك ,ويحرص سلام إبراهيم على إضاءة كل الجوانب الاجتماعية والفكرية والجسدية التي تشمل تلك الشخصية , ففي رواية حياة ثقيلة مثلا يطل علينا الكاتب بثلاث شخصيات رئيسة هم (أحمد وسعد وحسين) ,تدور حولهم أحداث الرواية لكن بصورة منفصلة حيث لا تتشابك الأحداث في الرواية لتدخلهم في حدث مهم بل تسير بصورة متوازية من خلال علاقتهم بالبطل سلام والرابط الوحيد بينهم أنهم شخصيات يسارية معارضة ترتبط بعلاقة مع بطل الرواية سلام وتنتهي الشخصيات الثلاثة نهايات مفجعة أليمة, فأحمد يقتل في الأحداث الطائفية التي اجتاحت العراق بعد الاحتلال الأمريكي وسعد يتخفي في سجون السلطة بعد أن نزل من الجبال ليعرف التداعيات الخطيرة التي ألمت بأسرته أثناء غيابه و بالأخص عن مصير زوجته الفاتنة وزواجها من ضابط الأمن بعد أن قامت بإجراءات طلاق غيابي منه وحسين مات منتحرا من جراء تناوله جرعات مميتة من الخمر بعد مكابدات عنيفة من العذاب اثر اختطاف ابنته الكبرى والتي لم يتم العثور عليها أو على جثتها . قسم الكاتب روايته إلى ثلاثة فصول كل فصل يسرد قصة شخصية من الشخصيات الثلاثة والرابط هو سلام البطل العائد من الغربة إلى العراق والذي يبحث عن أصدقائه حسين وأحمد فيما تبحث عنه ابنة سعد وباقي أخوانها للاستفهام عن مصير والدهم تسير الأحداث بين البطل والشخصيات بصورة متوازية زمنيا فهو يذكر انه اخبر بنبأ مقتل احمد وهو يبحث عن جثة فيروز ابنة حسين , الشخصيات الثلاثة الرئيسة تقترن بشخصيات أخرى ثانوية وهامشية متنوعة الأدوار والوظائف تشارك في ترصين البناء السردي للرواية وسنتناول أنموذجا من تلك الشخصيات الموجودة في الرواية,وهي شخصية احمد الذي يتناولها المؤلف في الفصل الأول تحت عنوان ( لبناء عام جديد ) .

الروائي المبدع سلام ابراهيم

1- ( أحمد ) الشخصية الرئيسة في رواية (الحياة ثقيلة) .
تمتد علاقة بطل الرواية سلام مع أحمد إلى مرحلة الطفولة وبالتحديد مرحلة الدراسة المتوسطة في حقبة زمنية تمتد إلى أربعين عاما من المصاحبة يبدأ المؤلف بتعريف شخصية احمد من المظهر الخارجي بقوله : (استطيع في هذه اللحظة رؤيته على الرغم من مرور أكثر من أربعين عاما , بقامته الفارعة , ووجهه المدور , وعينيه الواسعتين , ووجنتيه الناتئتين , وانفه المتناغم مع قوة وضخامة القسمات , وشفتيه الغليظتين الشبيهتين لشفتي أفريقي , شكل هو مزيج من مغولي وأفريقي ببشرة بيضاء ناصعة , نضرة . ) يسرد المؤلف بطريقة الاسترجاع أحداث جمعته مع احمد – الشخصية الرئيسة – في مستهل عمر المراهقة والشباب ونعلم من خلال رواية البطل أن احمد يكبره بأربع سنوات وينحدر من عائلة فقيرة يمتهن رب الأسرة -الأب – بيع الخضرة في السوق ويتم فصله من الدراسة الإعدادية لعدم تجاوزه مرحلة البكالوريا ويساق لأداء الخدمة الإلزامية في الجيش يسرد لنا المؤلف أن احمد لم يكن متدينا في بداية حياته وكان يؤمن بالأفكار الماركسية اليسارية وعمل بالخفاء التام جدا في صفوف الحزب الشيوعي وكان ذالك يتسبب له بالكثير من الانتقاد والاعتراض من قبل والده الذي كان رجل متدينا والذي كان سلام- البطل – يكن له كل الاحترام والتقدير حتى انه رافق- احمد – ليلة وفاة والده إلى المسجد الذي توضع فيه الجنائز حتى الصباح ليتم نقلها إلى مقبرة وادي السلام في النجف فيقول :
( كان صوت العويل والصراخ ينتشر في أرجاء البيت , وكنا نتضايق من طقوس الموت العراقي بحزنها الدامي الذي لم أجد شبيها له في تجوالي بمناحي الأرض . شق الثوب من الصدر حتى القدمين , لطم الصدر حتى الإدماء . تجريح الخدود بالأظافر , قلت – احمد ما موقعنا وسط النسوان ؟ !
قلت : – ساعدني أريدك فقط تقنعهم بنقله إلى جامع ( البو دخن ) وإلا سيهلكن من البكاء واللطم . صمت قليلا ثم أضفت : – صعبة علي اطلب نقله .
دخلت الغرفة المحشودة بالنساء وقلت لهن
– ما يجوز يبات هنا لازم ينقل لبيت الله .) يقدم لنا المؤلف كافة ألوان الصورة عن الشخصية فهو من عائلة بسيطة تسكن في محلة شعبية من مدن وسط العراق وهي الديوانية والحدث يدور وسط تقاليد شعبية عراقية معروفة في إيغالها بصور من الحزن الدامي المنهك للإنسان ,ثم يستمر في وصف تلك الواقعة التي لها اثر كبير في مكانة البطل لديه فيقول :
( ذهبنا إلى الجامع وجلبنا تابوتا خشبيا قديما من توابيت الوقف . اخترنا أطولها, فأبوك كان طويل القامة ,ناحلها . وضعناه في تجويف خشبته وحملناه بمساعدة جيرانكم وأقربائكم إلى الجامع الذي لا يبعد عن بيتكم سوى خمسين مترا . ليلتها بتنا في قاعة الجامع المفروشة بالسجاد , الواسعة المنارة بمصابيح خافتة الضوء معلقة في الزوايا . رقدت قربك جوار التابوت على السجاد ملتحفين كل ببطانية بعد أن غادرنا الجميع كنت غير مصدق إن أباك الراقد في جوف الخشبة لن تسمع صوته أبدا , وكنت حائرا بكيفية تدبير معيشة عائلتك فأنت أكبرهم , ولديك أخ يصغرك تطوع في الجيش يساعد العائلة)

لجنة مناقشة بنية السرد لحيدر الكعبي

ندرك من هذا المقطع مدى علاقة الترابط بين سلام وأحمد فقد هرع إليه الأخير لحظة وفاة والده وهذا تصرف يحمل رمزية كبرى في الموروث الاجتماعي العراقي حيث إن الإنسان يلجأ إلى أقرب الناس إلى قلبه في مثل ذلك الموقف وتكون الاستجابة والسعي معه من دلائل الوفاء في العرف الاجتماعي العراقي أنها إشارة إلى مدى متانة العلاقة بينهما , بعد ذالك يسرد لنا المؤلف الواقع الاجتماعي والاقتصادي السيئ الذي ألت إليه عائلة أحمد والتداعي الذي الم بها,رابطا ذالك بتأثيرات لأحداث تاريخية مر بها الشعب العراقي وأهمها الحرب العراقية الإيرانية وحملات الاعتقال والإعدامات التي كانت تمارس من قبل السلطة على المعارضين من طبقات الشعب الفقيرة فعائلة أحمد الرئيسية تتكون من والده المتوفى وأخ يصغره سنا متطوع في الجيش يقتل في الحرب واثنين من الشقيقات ,الأخت الصغرى حصلت على حكم بالطلاق من المحكمة بعد هروب زوجها وتركها لأنه كان ملاحقا من السلطة ,وتزوجت بعد حصولها على الطلاق لكن زوجها الثاني يعدم لعمله مع أحزاب ضد السلطة فتلجا للعمل في مصنع نسيج الديوانية ,وتلوكها الألسن في مجتمع شرقي لا يترك أحدا بحاله أما الأخت الكبرى فيقتل زوجها الشاذ طعنا في السكاكين في مشاجرة في دور الغجر, وتعمل أيضا في مصنع النسيج وتدور حولها وحول أختها الشائعات فيما تموت إلام كمدا , يختفي احمد من الديوانية ويأوي إلى بغداد الواسعة الكثيفة بسكانها مما يوفر له فرصة الاختفاء في أحياها و بين الملايين البشر الذين يقطنونها , يعود بطل الرواية – سلام – إلى العراق بعد فراق دام سبع وعشرين عاما وذلك عقب الاحتلال الأمريكي للعراق وانتشار موجة العنف الطائفي والقتل على الهوية إلى الديوانية ويكون من أوائل ما يفكر فيه البحث عن أحمد وسعد ,الشخصية الرئيسة الثانية في الرواية وعليها تدور أحداث الجزء الثاني من الرواية (وينك يا بلدي ) , وباقي أصدقائه الذين كانوا قريبين منه قبل الهجرة إلى الدنمرك لكنه يصاب بخيبة أمل من نسيان المدينة لأولادها فيعبر عن ذالك الأسى بقوله :
(لم يتذكر سعد احد , ولم يرد ذكره في مقاهي ومساجد وأسواق المدينة بعد أكثر من ثلاثين عاما من غيابه عنها ,فمن يتذكره والكثير ممن يعرفهم من أبناء جيله قتلوا في جبهات القتال مع إيران , وفي السجون ,وفي قصف الطائرات والصواريخ الأمريكية في حربي 1991 , 2003 . ومن تبقى مريضا يلوذ في المقاهي يجتر أيامه , … شعرت بالأسى حينما وثقت أن مدينتنا جاحدة غير مبالية بمصيرنا : ولا تعرف عن عاشقيها شيئا .) في أجواء الخيبة واليأس هذه يرسل أحمد لسلام رسالة تصله بواسطة أحد أبناء أصدقائهم القدامى وهو ابن أحد الشخصيات الهامشية في الرواية ويتم اللقاء بينهم في بغداد , بعد رحلة قام بها – سلام – بالسيارة من الديوانية إلى بغداد مارا بمنطقة أللطيفية – أخطر مناطق القتل على الهوية في العراق- قرب بغداد حيث يصف لنا مشهدا رمزيا من مشاهد القتل اليومي التي اجتاحت العراق آنذاك فيصف البيئة الدموية التي تمثل مسرح حياة الشخصية الرئيسة – أحمد- حيث يمر وهو في طريقه إلى بغداد في مذبحة ارتكبها الإرهابيون عندما أقدموا على ذبح عدد من ركاب احد السيارات التي تم إيقافها في سيطرة وهمية
(اشتد رعب الركاب فيما ظهرت جثث رجال حزت أعناقهم مرمية على جانبي الطريق جوار سيارتين كبيرتين متوقفتين , وجمهرة من النساء يلتففن بعباءات سود ينخرطن بعويل هستيري والى جانبهن وقف بقية الركاب من الرجال ممن لم يذبحوا .أجهشت الأم فيما ردد الرجال :
– لا حول ولا قوة إلا بالله , لا اله إلا الله , لا اله إلا الله .ضغط السائق على دواسة البنزين قائلا : – الله سترنا لو واصلين قبل ربع ساعة جان رحنا !.
وأشار بيده نحو سيارة حمولة من نوع تويوتا مكتظة عربتها الخلفية برجال ملثمين ) يرسل لنا المؤلف رسالة في هذا المقطع السردي عن محيط الدم الذي يعد بيئة الحدث ومكانه ,ولعل اختياره لجغرافية المكان – أللطيفية – الذي جعله مسرحا للأحداث الدموية هو ربط بين الأحداث العامة التي اجتاحت العراق و الأحداث الخاصة بالشخصيات ويوميات حياتها وقام بمزجهما معا, وهو التفاته ذكية من المؤلف تعطي العمق والترابط في بنية الأحداث مما تحمله من إحالات إلى خارج النص , فأحداث الرواية هنا اتسمت بالشمولية كونها عبرت عن اتجاهين مهمين بتزامن متوازٍ الأول هو الأحداث التاريخية العامة عن الشعب العراقي كله فتلك الحقبة من الصراع الدموي الذي اجتاح العراق واخذ الكثير من أبناءه ضحايا له وحطبا لناره ستظل شاخصة كحقبة تاريخية لها سماتها وعلاماتها الخاصة, و الثاني عن أحداث بطل الرواية والشخصيات الرئيسة فيها, وتم نسجهما معا بطريقة ذكية حتى يصبح السرد عن الخاص يشمل العام والسرد عن العام يشمل الخاص أيضا , وهو مما يحسب للكتاب على انه يمثل مرحلة ارتقاء بمستوى البناء السردي لعمله الروائي والتفاتة ذكية منه ,وبعد اللقاء بين سلام بطل الرواية واحمد نتعرف على التغير الكبير الذي طرا على شخصية احمد والذي يصل لحد الانقلابية فشخصية احمد التي قدمها المؤلف إنها ماركسية التوجه وبعيدة عن الممارسات الدينية العميقة نجد انه قد تحول إلى شخصية متدينة لحد التصوف والغوص في التأمل في ملكوت الله والتعبد الذي يماثل في ممارساته وطقوسه أوراد المتصوفين في الخشوع لله والاعتكاف على العبادات وإقامة الصلوات في أوقاتها وذلك ما كان يسبب حالة من الغبطة عند البطل الذي كان يرى فيه انه قد وجد ساحله أخيرا الذي رست فيه سفينة روحه بأمان وطمأنينة فيقول :( التفت إليك وجدتك غارقا في ترتيل ادعيتك مطبق الأجفان تتضرع إلى الخالق . قلت مع نفسي :
– أي سلام روحي عميق أنت فيه !.
لا لوم عندي ولا عتاب كما كنت تظن بل كنت أغبطك في أعماقي على السكينة الغامرة قسماتك غضنتها السنون فبعد عناء العمر الكل منا يبحث عن ساحل .
أردت الخوض في تفاصيل ذلك , لكني لم استطع وجدت الكلام والتفاصيل مجرد لغو في تلك اللحظات !. – قلت مع نفسي أبارك لك ساحلك … ) لعل من الملاحظ أن المؤلف لم يجعل ذلك الانقلاب في شخصية احمد, مفاجئ بطريقة لا تحمل معها تفسيرا مقنعا لدى المتلقي والذي يتسبب – فيما لو حصل – بالضعف في بناء الشخصية , ألا انه جعل فترة الابتعاد الفاصلة بينهما وهي ما يقارب الثلاثة عقود من الزمان هي فترة التحول- الانقلابية – في شخصية أحمد من, ذلك الفتى الطموح الذي يحمل الأفكار الماركسية ,المتمرد على بيئته ومحيطه والمتصادم معها أحيانا – وخير دليل على ذالك اختلافه مع والده- إلى ذلك الرجل المتعمق في الاتصال بالله , والغارق في حب الله لحد النسك , المعتزل حب الدنيا إلى حب الله ومرضاته حيث يقول : ( لم نشعر بالوقت كنت تقوم أوقات الصلاة تفرش السجادة وتوسط تربتها تذهب للوضوء وتعود لتقف متوحدا مع ربك تمارس طقسك راكعا ساجدا قائما كنت أغبطك مع نفسي رائيا في وجهك صفاء العابد المتوحد المترفع عن شؤون الدنيا ) بعد ذلك اللقاء الذي تم بعد ثلاثة عقود من الزمان الثقيل في حياة العراقيين, تمضي أيام قلائل يأتي إلى سلام خبر صاعق ,عندما اتصلت زوجة أحمد لتخبره إن أحمد قد قتل في مكتبته البسيطة التي كان قد افتتحها من أحدى غرف بيته في منطقة الشعب بلا تعليل للأسباب أو معرفة الجناة أو تحديدا لدوافع تلك الجريمة التي لم تكن بدوافع شخصية إطلاقا بل كانت من ضمن يوميات شعب يغطس في حمام من الدماء التي اجتاحت حياة العراقيين,فالعادة أن تمر مثل تلك الحوادث بتلك الفترة بلا تعقب للجناة أو ملاحقة لأحد. يسرد علينا المؤلف الحادث , ساردا, كيفية سماعه الخبر من خلال اتصال زوجة أحمد فيقول :
( – صديقك راح مات قتلوه بالمكتبة !
أمطره مسلحون ملثمون نزلوا من السيارة جيب صغيرة بالرصاص وهو جالس وسط كتبه ولاذوا بالفرار طفقت أنحب وهي تضيف – الدفن باجر بالنجف الساعة وحده الظهر !. أمام باب المغسل وقف سبعة رجال في ركن الجدار وقفت زوجته وأولادها وبناتها ناحبين ,عبرت العتبة تجمهر الرجال حول دكة الغسل فسحوا لي ممرا فوقع بصري على جسده ممددا عاريا مثقبا بالرصاص اقتربت منه توقف شيخ ملتح كان يهم بغرف طاسة ماء من حوض الغسل كان سليم الوجه يبدو وكأنه يغفو ركعت على ركبتي جواره ونزلت إليه ودمعي يصب لامست شفتي جبهته العريضة شممته من عنقه انتصبت رجعت خطوتين باشر الرجل بغسله ) , لعل الكاتب أراد أن يبقى مقتل أحمد سؤال بلا إجابة محددة , وكأني به أراد أن يحاكي واقع ما حل بالعراق فهو سؤال كبير بدون إجابة وهو إحالة إلى السياقات الخارجة عن النص والمؤثرة في حياة الفرد العراقي , فأحمد من الشخصيات التي عاصرت أعنف الفترات السياسية والتقلبات الاجتماعية والفكرية التي مرت على ارض الرافدين في العصر الحديث,فهو شخصية تصلح أن تكون رمزية من أحد جوانبها من خلال معاصرتها لتلك الحقب الصعبة من تاريخ العراق,التي أوردها المؤلف من خلال السرد بطريقة ذكية وأهمها ( الحرب العراقية الإيرانية , الحرب الأمريكية ضد العراق عام 1991, الانتفاضة الشعبانية , الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 , فترة العنف الطائفي ) فجعل مقتله ورحيله من دون إجابة معروفة محددة هو إحالة رمزية كبرى للأحداث المكانية والزمانية خارج حدود النص السردي والمقترنة برمزية أحداثه , حيث تم في أبشع طرق القتل دموية ووحشية وهو رمز لما حصل في هذه الأرض في السنوات الماضية والتي لا تزال آثار جراحها دامية لتلك اللحظة واستذكار أهوالها مؤلما,لقد حرص المؤلف أن يكون بناء الشخصية مكتمل الوضوح من أغلب نواحيها الاجتماعية والسياسية والدينية والاقتصادية مما يمنحها صفة التكامل في مخيلة المتلقي, فبعد أن أورد النواحي السياسية والدينية ولمحة من الاجتماعية,التي ذكرناها في مقدمة الحديث عن شخصية أحمد,فانه تطرق بعد ذلك لباقي الجوانب مثل الاقتصادية,فقد كانت شخصية أحمد فقيرة لحد الكفاف حيث يسرد المؤلف ذلك بقوله عن لسان البطل : ( باب حديدي صدئ نصف موارب وسياج من الحجر واطئ خلفه حديقة صغيرة شهقت في طرفيها نخلتان , الجدار مطبع بأكف الحناء وأعلى طرفي الباب رفرف علمان , اخضر واسود خط على صفحتيهما عبارة يا حسين يا شهيد كربلاء ومن عمق الدار يأتي خافتا صوت مراث حسينية تندب واقعة كربلاء , خطوة نحو الباب وقرعتها ثلاثا وهي إشارة قديمة بيننا كنا نتبادلها لنهب لفتح الباب أعدت القرع بقوة اشد .. دلفنا من باب خشبي متآكل إلى غرفة صغيرة عارية من الأثاث , مفروشة بسجاد يدوي كانت تحيكه أمك وأخواتك في شوارعكم الضيقة أجلستني على فراش فقير مبسوط جوار الجدار ) تضيء السطور القليلة الماضية جانب من حياة الشخصية الرئيسة – أحمد – وهو الجانب الاقتصادي , فقد حرص سلام إبراهيم أن لا يترك ثغرة في بناء شخصياته دون أن يدخلها في نسيج البناء السردي , مما يجعل صورة الشخصية على أتم وجه في مخيلة المتلقي , كما يسلط الضوء على جانب أخر من حياة – أحمد -وهو حياته الزوجية والأسرية فهو رب لأسرة كبيرة تعاني من شظف العيش , يسردها لنا المؤلف بقوله ( أنصت لك طوال الليل والنهار كنت أطالبك بتفاصيل التفاصيل كأني أريد أن أعيشها معك من جديد قصصت كل شيء عن أولادك الثلاثة وبناتك الست, ….. عن جهادكم زمن الحصار حيث صارت اللقمة صعبة ,عن تنقلك بين مهن عجيبة وغريبة , حمال , نجار, حداد, ماسح سيارات, صباغ أحذية , وعمل زوجتك كخياطة , وأولادك في شتى المهن , … قرع الباب ثم دخلت زوجتك القصيرة بحجابها الأسود سَمَنَت كثيرا وهَرَمَت وخلفها أولادك وبناتك سلموا علي وغادروا ) بذالك يكون الكاتب قد أضاء مجمل مجاهيل الشخصية الرئيسة – أحمد – حيث , يعمل الكاتب على إضاءة كافة الجوانب عن شخصياته ونسجها بدقة حيث تُقَدَم إلى المتلقي كاملة البناء خالية من الثغرات التي قد تجعلها غير مقبولة أو متناقضة في سماتها أو غامضة في بعض صفاتها مما قد يجعلها غير قابلة التًخيل في ذهن المتلقي , لذا فانه يسعى إلى إنارة التفاصيل الجزئية التي تحيط بها بغية توثيق عرى الارتباط بها من عدة اتجاهات,
الاتجاه الأول : بينها وبين عناصر البنية السردية الأخرى داخل النص من بنية زمانية وبنية مكانية فنشهد ذلك التواشج في علاقاتها بالأحداث التاريخية أي ارتباط زماني بالحدث الذي يرافق زمن الرواية وكذلك ارتباطها بمسرح الأحداث أي بيئة النص المكاني , فشخصياته غير منسلخة عن زمان ومكان النص , بل العكس تمتد وتتفاعل مع زمان ومكان الرواية.
والاتجاه الثاني هو ترابطها وتفاعلاتها مع الشخصيات الأخرى فيعمل على اغتناء النص بهالة كبيرة من الشخصيات الرئيسة والثانوية والهامشية والرمزية وكل الأنماط الأخرى من الشخصيات,المترابطة في ما بينها بشبكة من العلاقات والمتصلة مع عاملي الزمان والمكان وتفاعلاتها في النص , بغية إكمال بناء صورة الشخصية من خلال الوظائف التي تحملها هذه الشخصيات المرتبطة بالشخصية الرئيسة.إن شخصية – أحمد- هنا عميقة الحضور في أحداث الرواية الزمانية والمكانية ومرتبطة بحزمة من الشخصيات الثانوية والهامشية والرمزية كما إنها ترتبط بعامل المكان ارتباط وثيق فهي تمتد مابين بغداد والديوانية الذي هو مسرح الرواية وهي من الشخصيات النامية من خلال تكوينها وعلاقاتها بالشخصيات الأخرى كما أنها لا تقل حضورا في مسرح الأحداث شخصية البطل- سلام – في الفصل الذي يتناولها كانت شخصية البطل شاهدا في أغلب الأحداث ومتابع لمجريات الوقائع التي مرت بها الشخصية فهي لا تقل فاعلية عنها بل تكاد تتفوق على شخصية البطل في كثافة الحدث التي مرت فيه, إلا أن اقتصار حضورها على فصل واحد يجعلها تنسحب من موقع البطولة .
2- ( جميلة ) الشخصية الرئيسة من رواية الحياة لحظة
رواية الحياة لحظة, للمؤلف سلام إبراهيم هي حشد من الحيوات الإنسانية في أقسى حالة من صور القسوة ,في المهاجر الباردة البعيدة حيث يحاصر الإنسان بين تلك الكابآت الموحشة وهو يعاني من الغربة والاغتراب معا,أنها رواية عن مهاجرين ألقوا رحالهم الأخيرة في بلاد الثلج – موسكو – بعد أن أضنتهم المهاجر البعيدة عن- الأهل والمدينة – أو المَهَاجِر المحتشدة بين الأزقة والدور القديمة , و تلك الزنزانات الرطبة المظلمة , والجبال بشعابها الموحشة الوعرة و ذلك الرعب الساكن في الأرواح – حد العظم – من ملاحقة السلطات, ذالك الخوف الذي يسري في جسد الإنسان كما تسري النار في الهشيم فتحيله إلى رماد تذروه الرياح ,تحتشد الشخصيات في رواية الحياة لحظة بشكل لافت للنظر,مهاجرون,لاجئون,عرب, أكراد , نساء , ماركسيون , رجال روس , نساء روسيات , يهوديات , متشردات , مقاتلون في الجبال , رجال سلطة , مسيحيات, مومسات , شعراء ,مفكرون, مؤلفون ,جواسيس ,أمهات ,عاملات, رجال عصابات , قتلة , إرهابيون , مهربون , عراقيون , فلسطينيون شيشان ,………. رواية واسعة في تنوع شخصياتها على اختلاف أنواعها وأنماطها و شخصية – جميلة – هي واحدة من تلك الشخصيات الرئيسة التي كان لها حظ كبير من الحضور الفاعل في النص, حيث يقدم لنا المؤلف سلام إبراهيم كعادته في بناء شخصياته في الروايات , بناءً متكامل رصين عن الشخصية من كافة الاتجاهات وكأنه رسم ثلاثي الأبعاد لا يكاد يغفل عن ناحية من النواحي , بطل الرواية – إبراهيم سلامي – شخصية قادمة من ارض العراق وتقطن في موسكو بعد مسيرة صعبة امتدت لسنوات طويلة من المعارضة للسلطة تنقل خلالها مرعوبا خائفا هاربا عبر بغداد إلى الجبال في شمال العراق ومنها إلى معسكرات اللاجئين على الحدود مع تركيا و منها إلى دمشق ثم الانتظار الأخير في موسكو قبل التوزع على المنافي الاختيارية في الدول الاسكندينافية فعندما تغادره زوجته وأطفاله إلى الدنمرك ويبقى وحيدا مع الغربة والثلج والوحدة فتتحول شقته في موسكو إلى محطة لإقامة المهاجرين والأصدقاء , فيقول : ( كحاله طوال العمر , أدرك متأخرا ..انه كان يُنظَر إليه كمكان للمبيت ليس غير في مدينة موسكو الشاسعة العسيرة ووضعها المضطرب أول التسعينيات ) كما أن أحداث الرواية زمنيا تعاصر أهم الفترات الانتقالية في الحياة السياسية لروسيا حيث رافقت انهيار و تفكك الاتحاد السوفيتي السابق فيقول: ( كان يقف طويلا يتابع العمال الروس وهم يسقطون نصب لينين وبقية رموز الثورة الشيوعية مستعملين المطارق اليدوية للمنحوتات الصغيرة والرافعات الضخمة للكبيرة ) , تمتد علاقة جميلة مع البطل سنوات طويلة قبل اجتماعهم في موسكو وبعد افتراقهم عنها أيضا , يبدأ المؤلف بسرد الملامح الخارجية لوجه وجسد – جميلة – , كحاله في التعامل خلال بناء شخصياته التي يستثمر فيها كل الأساليب التقنية في بنائها – عملية التشخيص – مِنْ وصف وسرد وحوار فيصف هيئتها الخارجية واللقاء الأول بين البطل إبراهيم سلامي وبينها على لسان البطل فيقول:
(حينما أتى بها شيركو أول مرة إلى الشقة لم يكن قد رآها من قبل ولم يتسن له معرفتها عن كثب في تلك الليلة الصاخبة الحوار لكنه كان في بعض اللحظات حينما يحل الصمت يمرر عينيه على تقاطيعها مندهشا !! وجنتان حجريتان .. شعر خشن منفوش يكسر المشط ..عينان صغيرتان ساقطتان في تجويف عميق وسط وجه كبير .. انف ضخم مفروش بنسب تتنافر مع كتلة الوجه .. وشفتان .. العليا مثل خيط رفيع , والسفلى مكتنزة ) يرسل المؤلف هنا إلى المتلقي رسالة توضيحية عن البناء الخارجي لهيئة الشخصية وشكلها العام وطريقة اللقاء الأول بها في شقة موسكو التي كانت تمثل محطة إقامة للعراقيين وغير العراقيين من منتظري الهجرة من مدينة موسكو,بعد أن استخدم المؤلف تقنية الوصف المباشر في تشخيص البناء الخارجي لشخصية جميلة ينتقل إلى تقنية أخرى في بناء الشخصية – التشخيص – وهي السرد فيقول :
( لكن ملامحها الصامتة وهي تنصت مشمئزة مما يكشف من أهوال جعله يحس عمق عذابها …. أصلها القروي كونها من مدينة بطرف بغداد الشرقي .. عائلتها نزحت من ريف الجنوب العراقي بعد ثورة 1958 .. وشاركت بحماس في المد اليساري ونشأت على تلك التقاليد, ذلك ما جعلها تقدم بشجاعة على كل ما لا تجرؤ عليه المرأة العراقية المسلمة فأول ما أقدمت عليه – وكان ذلك وقتها يمثل خرقا للتقاليد العراقية السائدة – هو إقدامها على العمل كممرضة في مشفى في بغداد … وكان ذلك الفعل خارق الجرأة … ) هنا ينتقل الروائي إلى الغور في بناء الشخصية فيدخل إلى أعمق مما يتعلق بالشكل الخارجي والهيئة الجسدية فيسرد لنا مسيرة حياتها ثم يتحول الكاتب إلى التقنية الثالثة في بناء الشخصية وهي طريقة الحوار لتكتمل عند المتلقي الأبعاد الكاملة عن شخصية جميلة فينقل للقارئ أو المتلقي عن طريق حوار حولها بين رجال جيران لها في مسكنها في بغداد و آخرين عملوا معها في الفصائل المسلحة في الجبال
( – إنها شجاعة كملت دراستها في كلية الآداب .. وبالحملة في عام 1979 اختفت .. وظلت مختفية ..عام 1982تمكنت من الالتحاق سرا بقاعدة قرداغ بقاطع السليمانية) , نلاحظ هنا ذلك التمكن الكبير للمؤلف في استثمار أغلب تقنيات السرد في بناء شخصيته – جميلة -,تتوطد علاقة بطل الرواية إبراهيم سلامي مع جميلة لتبدأ مرحلة الوثوق به وبث أحزانها له ومعاناتها وعذاباتها النفسية فتصبح جميلة نزيلة شبه دائمة في شقة البطل عند حلولها في موسكو فيقول البطل : ( أدرك ذلك بعد أكثر من خمسة أعوام عندما أخبرته ” جميلة ” بالسبب الدفين لمبيتها في شقته , رغم اعتراض أخيها الكبير, الذي كان يسكن موسكو أيضا مستأجرا شقة .. لكنه لا يستطيع استقبالها خوفا من زوجته المتسلطة قالت له – منعني عدة مرات من المبيت في شقتك .. حاججته : وين أبات لما أجي إلى موسكو لمقابلة بعثة منظمة الأمم لمساعدة اللاجئين وين ؟!. وأخي الديوث المقرن يصمت مكسور الرقبة .. ما يقول تعاي عندي ..كنت اختم كلامي .. بأنك اشرف منه وأكثر إحساسا بالإخوة .. كان يصمت .. يصمت كأي جبان !.. وكأنني لست أخته .. وشرفه حسب القيم التي يطالبني فيها بعدم المبيت في شقة تعج بالرجال) يفسر لنا النص الأخير الكثير من التداعيات الاجتماعية والتناقضات التي تعتري شخصية جميلة , وهناك الكثير من الإحالات لما هو خارج النص مثل التناقض بين أفعال وأقوال شقيق جميلة مما يكشف التشظي والتداعي في المنظومة الأخلاقية وانحدار مستوى القيم والتقاليد للإنسان تحت ضغط الغربة والعوز المادي والضياع في مجاهل المجتمعات الغريبة,وشخصية الأخ هنا من الشخصيات الهامشية التي دأب المؤلف على إحاطة شخصياته الرئيسة بها بغية إنارة أكثر لجوانب حياتها,بعد رسوخ العلاقة بين البطل وجميلة تسرد جميلة له نواحي خافية منها حياتها قد لا يمكن البوح بها لأي إنسان آخر وهذا ما يحاول أن يفسره الكاتب بأنه تشابه التجربة فالاثنان يعانيان من الوحدة والاغتراب وفشل التجربة لحد الصدمة فالمدينة الفاضلة التي كانوا يحلمون بها انهارت أمام أعينهم.
يغور سلام إبراهيم داخل شخصياته ليقدمها عارية من الأقنعة إلى المتلقي ولعل ولعه بهذا الاتجاه نابعا من جنوحه إلى كشف الحقيقة وتعريتها والمصارحة مع النفس , حيث إن هذه المكاشفة في تعرية الشخصيات تحمل لنا الكثير من الرسائل التي تهدف إلى تعرية حقائق كانت لعهود من الزمان لا يُقْتَرَبْ منها , ويقدم لنا المؤلف صورة بالغة التجسيم عن حالة الاغتراب التي كانت تعاني منها جميلة باعترافها لإبراهيم بطل الرواية بقولها:
(- تمنيت من كل قلبي أن انفرد بك لأحكي لك كل شيء ..فلم أجد أنسانا رجلا أو امرأة من الرفاق أو المعارف يستأهل سماع عذابي وكنت أخاف .. أو انأ متأكدة راح يسخرون مني . إذا حكيت إليهم ما مدفون بنفسي !.) هذا الاعتراف لإبراهيم ينم عن مدى الاغتراب الكبير التي كانت تعاني منه والوحدة النفسية التي ألمت بها بعد أن فقدت ثقتها بجميع من يحيط بها , فأصبح – إبراهيم –هو النافذة الوحيدة لها على الحياة في غربة موسكو الباردة, وهنا تبدأ جميلة بإفراغ ما تجمع من الألم والعذاب والذي سببه جملة من التجارب الفاشلة التي حصلت لها على مدار سنوات طويلة تركت بصمتها عليها , تجارب من الخيبة والخذلان وسقوط المثل الأعلى أنها تعرية ثانية للحقيقة يرسلها المؤلف في النص عن طريق حوار جميلة واعترافاتها لصديقها الحميم وشريك البؤس في التجربة – إبراهيم – , فتقول جميلة لإبراهيم :
( – اسمع انتم الرجال أقسى الكائنات في الطبيعة
– يا ستار ! علق ضاحكا وقرر في نفسه السكوت , والإنصات فقط
– بتشجيع من إخوتي الشيوعيين . قدمت على إعدادية التمريض حالما أكملت المتوسطة ..فقامت قيامة حينا وصار شارعنا جحيما , وكأنني حينما أعود من المستشفى قادمة من الماخور.. وهناك اكتشفت إن الممرضات اللواتي غالبيتهن من المسيحيات كائنات ملائكية , يتحملن قسوة الرجال سواء من يأتي كمراجع أو من الموظفين وحتى الأطباء ..)
الصورة هنا قاتمة حزينة تفصح عن عمق الشعور بالندم على فشل التجربة الإنسانية وهذا ليس بالشيء اليسير فهو يترك ندوبا عميقة تمتد جراحاتها إلى عمق الروح وهي صورة أخرى لتعرية الحقائق التي دأب المجتمع على تبنيها بصورة جماعية من كون هناك فئات موسومة بسمة دائمة مثل فضيلة الأطباء, ويستمر المؤلف بطريقة ذكية وهي الوقفة الوصفية التي يجعل فيها جميلة هي الراوي والبطل سلامي هو المروي له في رسم صور من ماساتها ومعاناتها فتقول :
(قررت أن استمر لكن يبدو أن العائلة لم تتحمل ضغط الناس فحاصرتني فتوقفت .. … تعلق بي شاب من أهل المحلة وخطبني.. لكن ما إن أخبرته إني لست عذراء .. من أيام مراهقتي حتى انقلب كل شيء … فقلت له مع السلامة .. وأكملت دراستي في كلية الآداب ..
وفي تلك الأيام أواسط عام 1979 بدأت الحملة فاعتقلوني .. وفي أقبية الأمن العامة ببغداد ارونا الويل .. وتعرضنا جميعا للاغتصاب .. ) وهنا يقدم لنا صورة من العذاب الاجتماعي والنفسي الذي تعانيه جميلة المغتصبة في المعتقل والمحاربة اجتماعيا لخروجها عن العرف الاجتماعي والديني السائد آنذاك.,ويستمر المؤلف في بناء صورتها من خلال تقنية الحوار ألاعترافي الذي يدور بينها وبين البطل زميلها في الغربة والاغتراب مع فتقول عن مرحلة ما بعد الإفراج عنها بقولها:
:( اتصلت بإخوتي المختفين وكنت أساعدهم بالسر أوفر مكانا يباتون فيه أو وثائق يستطيعون التحرك بواسطتها إلى أن انكشف الأمر واعتقل احدهم , فاختفيت واش لون أيام تلك .. شفت الضيم .. واكتشفت حقارة الرجال .. فالعديد ممن اختفيت ببيوتهم من الرفاق والأصدقاء تحرشوا بي ليلا متسللين من جوار زوجاتهم فتصور ) ,هذا الحوار بين شخصية البطل وجميلة, يكشف النقاب عن الارتباط الكبير وتعلق شخصية جميلة بالبطل – إبراهيم – , تبدأ شخصية جميلة بالتبلور أكثر للمتلقي من خلال تعدد تقنيات البناء التي يتبعها المؤلف والتي تزيد من رصانة بنائها من خلال إيضاح جوانب مهمة من مراحل حياتها,ومن أهم ما تم التركيز عليه هو تلك الصراعات النفسية التي تعاني منها وذلك التجاذب بين الأفكار التي سعت طوال حياتها تعمل بها بإيمان عميق جعلها تدفع ثمنها غاليا من خلال التخفي والاعتقالات والهجرة وبين سقوط الأقنعة عن الكثير من المبادئ التي طالما آمنت بها , فالرفاق الذين كانت تختفي عندهم يعاملونها وكأنها امرأة غير صالحة وهذا ما يعد فشلا ذريعا وانحدار في محيط تنتمي أليه وهي التي كانت تنظر له بعين التقديس , وذالك التشظي في القيم والمبادئ الموروثة لديها من بيئتها الأم – العراق – التي اصطدمت به عندما تخلى عنها الشقيق الأكبر في المهجر وتركها في شقة تعج بالرجال عند البطل -إبراهيم – مما يجعلها تنهار معترفة أن كل شيء في حياتها غلط , الكاتب هنا يعامل الموقف بذكاء عالي جدا فهو لا يصرح عن وجهة نظره مباشرة ولا يهاجم فكرة معينة أو ينتصر لأخرى مما قد يجعل العمل – الرواية – عملا دعائيا أو ممنهجا, بل عامل الموقف بحيادية تامة ,تاركا فسحة كبيرة للمتلقي في بناء تصور خاص به و قد يختلف هذا التصور من متلقٍ لأخر,لكنه عمد إلى ترصين بناء الشخصية كما عهدناه دوما بغية جعلها خالية من الضعف الذي يبعدها عن تعلق المتلقي بها أو يجعل وظيفتها في النص هزيلة , المؤلف لا يحمل أيدلوجية خاصة وإعماله الروائية لا تنتصر لأية فلسفة سياسية أو حزبية سوى الحقيقية فهو دائم البحث عن الحقيقية العارية من أية أقنعة مما يجعل الكثير من وقائع أعماله صادمة من خلال الكشف العالي جدا للفكرة فهو لا يحوم حول الفكرة .

رابط فيديو مناقشة الرسالة:

Posted by Salam Ibrahim on Friday, April 19, 2019

شاهد أيضاً

سلام إبراهيم: وجهة نظر (7) الكائن الأيديولوجي (ملف/41)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

د. عدنان الظاهر*: سرير الرمل (ملف/40)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

من رسائل القرّاء والكتّاب الموجّهة إلى الروائي سلام ابراهيم (9) (ملف/39)

إشارة : تجربة رائعة يقوم بها الروائي المبدع “سلام ابراهيم” وهو يؤرشف رسائل قرّائه الكرام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *