الرئيسية » نقد » ادب » حسين سرمك حسن: لؤي حمزة عباس ، إغماض العينين المميت ، دراسة اسلوبية (3)

حسين سرمك حسن: لؤي حمزة عباس ، إغماض العينين المميت ، دراسة اسلوبية (3)

( إطار سيارته ملوث بالدم                                                                       
سار ولم يهتم                                                                                     
كنت أنا المشاهد الوحيد                                                                                   
لكنني فرشت فوق الجسد الملقى جريدتي اليومية                                                 
وحين اقبل الرجال من بعيد                                                                     
مزقت هذا الرقم المكتوب                                                                          
في وريقة مطوية                                                                                        
وسرت عنهم ما فتحت الفم )
                                       ( أمل دنقل )
في قصة ” عشق الحدائق المنزلية ” يأتي الاستهلال – وهذا استثناء – وصفيا متعادلا ومباشرا رغم طبيعته الشعرية : ( في حوالي الساعة السابعة كان واقفا في حديقة المنزل ، ينصت لأصوات السيارات وهي تنقل أول النهار من مساحته الحلمية التي يتحرك فيها ، على الرغم من سطوع ضوء الشمس وتلاعب الهواء ، إلى مساحة يومية معتادة – ص 50 ) . إن الرجل – صاحب الحديقة – مولع بالخضرة والنماء ومراقبة تحولات نباتات حديقته وكيف تبزغ براعمها وتكبر . وهذه العناية تعبر عن قوة الجانب الإنساني في شخصيته ، وعن تعلقه بالحياة وسيادة دوافع الحب في أعماقه . وقد تحول اهتمامه هذا من عمل ( إلى مصدر متعة بالنسبة له وهو يتحسس شعورا غريبا لم يحدّث أحدا عنه من قبل . إنه ( عشق الحدائق المنزلية ) بما تخلفه هذه الكلمات في نفسه من أثر منعش مصحوب برنين جرس بعيد – ص 50 ) . وقد وضعت شبه الجملة ( عشق الحدائق المنزلية ) بين قوسين لأنه عنوان القصة نفسه ، فمن الملاحظ أن لؤي لا يصوغ عناوين مستقلة من خارج النص الذي يكتبه . في أغلب قصصه ، وخصوصا في قصص هذه المجموعة يأتي العنوان مستلا من القصة ذاتها . ففي هذه المجموعة : ” إغماض العينين ” مثلا هناك ثلاث عشرة قصة من بين قصص المجموعة السبع عشرة أُخذت عناوينها من متن النص بشكل حرفي . خذ على سبيل المثال : – قصة ” قرب المدرسة الإنكليزية ” – ” حيث سكن قرب المدرسة الإنكليزية – ص 31 ” – قصة ” إغماض العينين ” – ” لم يمنع رغبته في إغماض عينيه – ص 36 ” . – قصة ” زهرة منفردة دقيقة الأوراق ” – ” زهرة منفردة دقيقة الأوراق ترتسم مرتين – ص 54 ” . – قصة ” علي الأحمر ” – ” إنه علي ، ” علي الأحمر ” – ص 73 ” . – قصة ” لا زيارات للغرباء ” – ” لا زيارات للغرباء ، أصدقاء كانوا أو جيرانا ، الأهل فحسب – ص 104 ” .                                                                      
وهناك قصتان صاغ الكاتب عنوانيهما من ” خارج ”  المتن هما : ” قطرة دم لاكتشاف الجسد ” و ” إلق ما في فمك ” مع أن القاريء سيجد أنهما يعبران – بجهد تركيبي بسيط – تعبيرا غير مباشر عن حبكة النصين بعد أن ينهي قراءتهما . إن ” فلسفة ” العنوان لدى القاص تقوم على أساس أنه يوظفه بما يخلق اليقظة الدلالية من خلال حفز انتباهة القاريء المفاجئة إلى حلقة وصل بين العنوان عند مدخل النص والعنوان في متنه ، فتشكل دافعا للمراجعة والربط في لحظة الإنتباهة ثم عند إكمال القراءة . وثانيا فإن لؤي الذي استثمر في منجزه الإبداعي الكثير من عطايا سيدة الحكايات : ” ألف ليلة وليلة ” التي كان عنوان حكايات لياليها يجسد الإطار الكلي لعلاقات شخوصها وأمكنتها يقدم العنوان كتلخيص للبؤرة التي ستلتم حولها طبقات الأحداث . إنه يمركز الثيمة النواة كما سنكتشف ذلك في هذا النموذج التطبيقي : عشق الحدائق المنزلية . فالقاص الذي أخبرنا أن مركز انهمام بطله يتمثل في العناية الفائضة بحديقته المنزلية ، وملاحقة تحولات براعمها وثمارها وتوفير شروط نمائها ، فقد وضعنا في وسط ازدهارات الحياة التي تمثلها أفضل تمثيل حركة الطبيعة الأم ؛ حركة تعكس الروح الإنساني في صفائه الباهر وفطرته التي تشكل استعادة لتصور كامن في اللاشعور الجمعي عن لحظة الصفاء الحانية في هدأة الرحم الأمومي الفردوسية . ولأن القاص يقدم في الاستهلال عادة – وهذه سمة أسلوبية مضافة – الشفرة الحركية التي سيترجمها من خلال الحركات المتلاحقة لشخوصه على مسرح النص ، فإن انتقالة أول النهار التي تحدث عنها من مساحته الحلمية إلى مساحته اليومية المعتادة – وفي تكرار مفردة ” المساحة ” مرتين في الاستهلال استباق سردي للمساحة التي سيحصل عليها التحوّل المنشود ، مساحة الحديقة المنزلية ، وهذا الاستباق هو تصميم متأخر وتراجعي من الفكرة الكلية التي أنضجها القاص لحدثه في لاوعيه . معنى أن الكاتب لا يبدأ بكتابة الاستهلال ثم يسير منطلقا منه لينسج خيوط حبكة قصته ، إنه يضع الإطار الكلي للقصة أولا في ذهنه ، وهذا هو الذي سيحكم ما سيأتي به في الاستهلال والمتن والخاتمة مبنى ومعنى ، مع الإلتفات إلى شرط خطير وهو أن كل هذا التصميم ” الشعوري ” تمتد خيوط بنيته من بؤرة مستترة في لاوعيه . ولهذا فإن حركة الانتقالة من مساحة أول النهار الحلمية ( الرخيّة الغائمة والرحمية النكوصية المنعمة ) إلى مساحته اليومية المعتادة ( اليقظة الصافية العملية المنتجة ) تمثلان في الواقع حركة أوسع صممها الكاتب للتعبير عن مخالب الخراب التي تمزق لحم الوجود في حركة تحولية عنيفة

يعيش تداعياتها في واقع مدينته الراهن بعد الاحتلال من مساحة حديقة الحياة الحلمية المسالمة إلى مساحة جحيم يومية سوداء أصبح فيها الموت البستاني الكريه صاحب المنجل الباشط الذي يشذب وبكل قسوة أغصان حديقة الحياة البشرية . لكن نسخة ” القصة الأولية ” التي ترسم القصة الراهنة على أساس مخططها كامنة في اللاشعور الطفلي الذي – كما قلنا – لا يقر بفنائه الشخصي ولكنه يقر بفناء الآخر ، ويدافع مستميتا للدفاع عن هذه القناعة . وتتنامى ” القصة  الراهنة ” حين يحاول الرجل / الأب فتح باب الحديقة للذهاب إلى المخبز القريب لتحقيق تلك الانتقالة المنسابة بطبيعتها لكنه يرتد بخطوات مرعوبة مسرعة إلى المطبخ حيث زوجته التي يفزعها اصفرار وجهه وتيبس شفتيه وهو يحاول عيثا أن يحدثها عما رآه . لحظات مشحونة تذكرنا بتلك الحكاية الأسطورية التي يدخل فيها  شخص إلى مغارة فيرى أشياء ويخرج فاغرا فاه وغير قادر على وصف ما رآه . هنا يتوقف لؤي عند ذروة حركة سردية في القصة ، وقصة لؤي تتكون من مويجات حدثية – وهذه صفة أسلوبية أخرى – يوصل كلا منها إلى الذروة ثم يبدأ من سفح مويجة ثانية يصعد بها إلى ذروتها أو ينحدر بها إلى سفح تبدأ منه مويجة أخرى تتلاحم كلها لتكوّن موجة الحدث بذروتها النهائية والتنويرية العاتية والتي ليس شرطا أن تكون المويجة الأخيرة . يتركنا لؤي عند منحدر المويجة الأولى الجزئي :                          ( سحب كرسيا من بين كراسي منضدة الطعام وجلس واضعا رأسه بين يديه ، لم تصدّق [ = الزوجة ] أنه كان يجاهد محاولا التحكم بارتجافهما – ص 50 ) ليترك الأب وينتقل إلى مويجة يبدأ صعودها مع حركة الإبن ( محمد ) الذي صحا من النوم الآن – منتقلا من المساحة الحلمية إلى المساحة اليومية المعتادة – ونزل إلى المطبخ . وبعد حركة الصعود الجزئية هذه يمضي القاص في ” هضبة – platue ” سردية متعادلة يقدم فيها لنا معلومات عن التاريخ الشخصي الراهن للطفل ذي العشر سنوات الذي أكمل نصف سنته الدراسية في الصف الخامس الابتدائي . كان الطفل مثل أبيه يحب الطبيعة وتأسره حركتها المفعمة بالحياة معبرا عن ذلك بالعناية بحديقتهما المنزلية . وكانت لدى هذا الطفل هوايتان : هواية قديمة هي رسم المناظر الطبيعية التي يلتقط مها القاص وهذه عادته اصغر ذكريات طفولتنا ليجعلها خنجر ذكرى صغير وناعم يخز به قلوبنا ، يلتقط شكل تلك الغيمة البيضاء ” الساذجة ” التي كانت تشكل مكونا أساسيا ولاإراديا من أي منظر نرسمه في مرحلة الدراسة الابتدائية : ( غيمة مكوّرة مثل كومة من الصوف – ص 51 ) ، وهواية جديدة بدأت لديه مع بداية العام الدراسي وتمثلت في كتابة الرسائل التي تبدأ كما قال معلم الإنشاء – وهذه التقاطة طفلية أخرى – بـ : صديقي العزيز ، ثم يكتب على أول

السطر : تحية وبعد ليدخل إلى الموضوع . ثم يقف بنا القاص عند نهاية الهضبة الإخبارية للحركة الثانية بمعلومة عن الطفل تشير إلى أنه :                                  ( قد بدأ بكتابة رسالة عصر أمس وترك الدفتر ، مفتوحا ، على المنضدة فلم يشأ أن يختمها في الوقت نفسه – ص 51 ) .                                                             ينتقل القاص الآن إلى حركة المويجة الثالثة التي ستبدأ الآن من مستوى توتري أعلى من الحركتين السابقتين اللتين بدأت الأولى منهما من لحظة انسجام الأب الرخية مع عالم الحديقة المنزلية المعشوقة ، والثانية من يقظة الإبن ببرائته وبتوقعاته الإيجابية من صباح يوم جديد . تبدأ الحركة الثالثة من لحظة انشداد نفسي تلتقي فيه الأطراف الثلاثة : الأب والأم اللذان ” يعرفان ” والابن الطفل – ونحن معه – الذي ” لا يعرف ” . وفي الواقع فإن واحدا من أهم دروس سيدة الحكايات / الليالي العربية هي حالة النكوص والاعتمادية التي تضع شهرزاد من خلالها الملك شهريار في إطارها . إنها تعيده من موقع الراشد / شهريار الحاكم الباطش الجبار إلى موقع الطفل الاعتمادي على الأنموذج الأمومي الحكاء الأمر الذي يرقّق جدران مقاوماته ويعينها على إعادة تشكيل قناعاته . وفي موضع مماثل يضعنا فن القص . لكن تأثير هذا الوضع يتضاعف الآن لأن القاص يجعلنا نصطف مع الإبن الطفل ذي العشر سنوات وهو يقف في باب المطبخ ويستمع لأبيه وهو يتحدث عن ( الحديقة والليل والموت الذي يزحف إلى كل شيء ) . ونحن فعليا لا نعلم أي شيء عن سرّ عودة الأب المرعوبة واضطراب الأم وارتباكها . لكننا أمسكنا الآن برأس خيط الفوضى المفاجئة من خلال حديث الأب عن الليل والموت ، فقد حضر هادم اللذات ومفرق الجماعات كما تصفه شهرزاد : الموت بشكل من أشكاله المدوّخة . لكن كيف ؟ . ومن يحل لنا لغز انقلاب الأمور التي كانت آمنة وادعة رأسا على عقب ، ولؤي – وهذه سمة ثابتة في أسلوبيته – يستعين بتقنية القصة البوليسية ، وهي أصلا من عطايا الليالي – فيجعل محور قصته ” لغزا ” حدثيا أو فكريا ينبغي فكّ خيوطه المعقدة ؟ . كما أن الطفل ، وبخلافنا نحن الراشدين الذين نمتلك منظومة إدراكية ناضجة تستطيع تفسير القرائن وربطها ببعضها ، لم يع معنى الليل والموت في حديث أبيه ، ولم يفهم العلاقة بينهما ، ولهذا صعد السلم وفتح باب غرفته وتوجه إلى النافذة :                                                                                       ( سحب الستارة ، ورأى أشجار السدر والبمبر تنشر مظلة خضراء واسعة . مع حركة الأغصان رأى رجلا مرميا على العشب ، قريبا من الساقية ، فمه مفغور ، وقدماه مثنيتان بحركة قاسية ، أسفل الجدار – ص 51 ) .                               وسط حديقة المنزل المعشوقة ؛ حديقة الحياة تتفتح زهرة الموت السوداء ، في

تشابك عنيف يعبّر به القاص عن التصارع الخلاق بين دوافع الموت والحياة ، هذا الامتزاج السادومازوخي الذي يتغلغل في عروق كل حركة من حركاتنا وكل سكنة من سكناتنا . إنها لوحة الحياة والموت ترسمها ريشة القاص البارع بصورة جعلت قصيدة ” رامبو ” ” النائم في الوادي ” تقفز إلى ذهني فورا :                                                                       
( في ثغرة من الخضرة ، حيث يطوف نهر                                                     
بغنائه المجنون حول أهداب الأعشاب                                                                   
( ثغرة ) من الفضة ، تضيئها الشمس المتكبرة من جانب الجبل :                                                                        
هنالك واد صغير يفور بالأشعة                                                                   
جندي شاب ، فمه مفتوح ورأسه عارية                                                          
رقبته تستحم في النجل الصغير الطازج الأزرق                                                   
ينام : ممدا على العشب ، تحت خيمة السماء                                                       
شاحبا في فراشه الأخضر ، الذي يهطل فوقه الضوء                                             
ينام وقدماه في الليلك ، يبتسم ، في هدوء                                                          
كما ابتسم طفل مريض في نومه :                                                                  
أيتها الطبيعة ، دثّريه في مهدك الدافيء ، فهو بردان                                               
العطور لا تنقل الرعشة إلى أنفه                                                                      
ينام في الشمس ، ويداه على صدره ، في هدوء                                                  
في جانبه الأيمن ثغرتان حمراوان )                                                            
لقد رُسمت لوحة الموت المصغرة هذه على ساحة حديقة البيت لتجهض وبرعب حركة الإنتقال الحييّة من سماء الساحة الحلمية الزرقاء إلى أرض الساحة اليومية الخضراء وتخلط كل شيء في دوامة مرعبة . دوامة ألغت مرة واحدة وإلى الأبد مسرّات الأب وقت كان يرفل بكرم عشق حديقته المنزلية التي كان يعتقد أنها مرآة لا يمكن أن تعكس سوى وجه الحياة البهي ، فتأكد الآن أن الموت حين يُصنّع على أيدي الإنسان الذي تستولي عليه غريزة الموت يمكن أن يحل في أي مكان وفي أية لحظة ، مطوّحا وبشراسة بتلك ( اللحظة التي يرن فيها جرس سعادته بأثره المنعش – ص 50 ) . ونتيجة الخراب هذه قد استوعبها الأبوان ، استوعبا حقيقة أن حركة الإنتقال قد أنجزت ، ولكن من مساحة الحياة إلى مساحة الموت ، وصارا يؤوّلان معاني الخراب المقبل الذي يزحف فيه الليل والموت على حديقة الحياة . إنهما قادران على الربط بين الموت كممثل وحيد للخسران والخراب وبين الحديقة كرمز للحياة وبين الليل كغطاء تختلط تحت ظلمته المسمومة المساحتان لتتحولا إلى ساحة سوداء واحدة . لكن محمدا الصغير لم يكن قادرا على هذا الربط المنطقي بين

مفردات متنافرة لا صلة بينها . فالليل بالنسبة له هو وقت النوم ، أما الحديقة فهي قطعة الطبيعة التي أُغرم برسمها والتي يهنأ في أحضانها صباحات الجمع مشتغلا مع أبيه الذي يترك ( له تنظيف العشب مستمتعا بالملمس الإسفنجي لأوراق شجر البمبر المتساقطة – ص 51 ) ، أما الموت – وهو في هذه السن – التي يكون فيها على أعتاب التحول من المرحلة الثانية لإدراك الموت والتي تمتد من الخامسة وحـتى التاسـعة مـن العمر وفيها يميل الطفل إلى (تشخيص) الموت أي يعتبـره وكأنـّه بـشر أو كأنّـه ذو قـوّة بشـرية أي (تجـسيده) مادياً0لايـزال المـوت خارجياً ويمكن تجنبه شخصياً : يستطيع الفرد الهرب من رجل الموت أو يغلق الباب بوجه ((بعبع الأطفال)) 0هذا التصوّر الذي عبّر عنه أنكيدو وهو يقص رؤياه على جلجامش في أثناء مرضه المميت قائلا :
                      (( كانت السماء ترعد فأستجابت لها الأرض
                          وكنت واقفاً وحدي فظهر أمامي
                          مخلوق مخيف مكفهر الوجه 
                          كان وجهه مثل وجه طير الصاعقة( زو)
                          ومخالبه كأظفار النسر
                          لقد عراني من لباسي وأمسك بي بمخالبه00))
وإلى المرحلة الثالثة التي تحل مع نهايــة السنــة التاسعـــة من العمر حيث يبدأ الطفل بحيازة فكــرة الراشدين عن الموت وخصوصاً حتميته ونهائيــّته0وفي المفهوم المعرفي فأن عبارة بسيطـة مثل ( سوف أموت ) تتضمن إدراكا ذاتـياً ، وعملـيات فـكريـّة مـنطقية وفـهم الاحتمـالية والضرورة والسببية والزمن الشخصي ( طول مدة حياة الشـخص ) والـزمن الفيزيائي ( الزمـن الـموجود بصـورة مستقـلة عـن الشـخص ) والنهائية والأنفصال0لكن محمدا الصغير صاحب مخيلة ” إبداعية ” وخيالات يقظة ، فهو “رسام ” وكاتب رسائل ” سارد ” ومنتم للطبيعة الأم لأنه كأبيه من عشاق الحدائق المنزلية ،  وكل هذه العوامل تجعل ميله إلى البقاء في إطار المرحلة الثانية من الإدراك العقلي لموضوعة الموت أكبر ، أن ينظر إليه نظرة ” شعرية ” إذا جاز الوصف ، لذلك نجده يكمل رسالته إلى صديقه ( مساء ، بعد أن عاشت العائلة أحد أصعب نهاراتها ، مقترحا عليه في ختامها أن يتأكد من حديقة منزله كل صباح قبل أن ينزل إلى الطابق الأسفل ، فربما أثمرت أشجارها رجالا

بأفواه مفتوحة ورؤوس مرمية على الأكتاف – ص 52 ) . وهذه الرسالة المرسلة من طفل في العاشرة إلى صديقه هي في الحقيقة خطاب عضة الموت وعبرة الخراب التي يرسلها القاص إلينا . هي النصيحة العدل التي تدهونا إلى أن نتأكد كل صباح قبل أن نخرج من البيت من أن حديقتنا المنزلية لم تنبت جثة قتيل مغدور أو رأس مقطوع ، فنفاجأ ونتحطم مثلما حصل للأب ، عاشق الحديقة المنزلية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *