طلال حسن: عصر الديناصورات (قصص للأطفال) (14)

ذو الرأس الصغير

لم ينم الديناصور ذو الرأس الصغير ، حتى منتصف الليل ، كان يفكر رغم أن أمه ، قالت له أكثر من مرة ﻻ تفكر يا بني التفكير يسبب صداعا في الر أس .
وقد غلبه النوم دون أن يتوصل إلى ما يفكر فيه ، انه يعاني أحيانا من بعض الكائنات ، إنهم يضحكون منه ، ويقولون متغامزين : إن رأسه صغير جدا ، أما عقله فصغير جداً جداً .
وفي اليوم التالي ، لم يفق في الوقت الذي كان يفيق فيه عادة ، فأيقظته أمه وقالت : بني ، انهض الشمس أشرقت منذ فترة ليست قصيرة .
ونهض الديناصور ذو الرأس الصغير وهو يتثاءب ، ونظر إلى أمه ، وقال متسائلاً : ماما ، لماذا تستيقظ الشمس كل يوم ؟
وفكرت أمه ، انه لم يسألها من قبل مثل هذا السؤال ، ثم إنها لم تسمع ﻻ من أمها وﻻ من أبيها ، ولا من أحد جواب هذا السؤال ، وفكرت مليا ثم قالت : ما دامت تنام في المغرب فلابد أن تستيقظ في الصباح .
وﻻذ الديناصور بالصمت ، لقد أعجبه هذا الجواب ، ومن الواضح إن أمه تعرف كل شيء ، فلماذا ﻻ يسألها عما يشغله ؟ وعلى هذا تطلع إليها وقال : ماما ، لماذا رأسي صغير ؟
وفكرت أمه ، فكرت كثيرا ، ثم قالت : ربما لأن رأسي صغير يا بني .
لم يعجبه هذا الجواب كثيرا ، فصمت لفترة طويلة ثم قال : إنني اسمع البعض يضحكون مني ، ويقولون رأسي صغير ، وعقلي أيضاً صغير ، ماذا يقصدون ؟
فقالت اﻻم ، وهي تتأهب لمغادر ة الوكر : من يدري ، المهم إن رأسنا صغير وهو يناسبنا .

2
ــــــــــ
خرج الديناصور ذو الرأس الصغير من الوكر ، وتوغل في الغابة بخطى بطيئة ، انه متعب بعض الشيء ، ويعاني من صداع في رأسه ، ربما لأنه لم ينم البارحة حتى منتصف الليل ، فقد كان يفكر ، يفكر بعمق ، آه يا للعادة السيئة .
وفكر دون إن ينتبه ، ترى هل يعاني الديناصور تي ـ ركس من الصداع ؟ ربما ﻻ ﻻنه ليس لديه سبب للتفكير ، فالجميع يخافون منه ويتجنبونه ، بل ويلوذون بالفرار لمجرد رؤيته .
وهز رأسه ، وهو يقضم اﻻعشاب ، إن أحداً لا يخاف منه ، حتى الأرانب الجبانة ، التي تخاف من ظلها ، تتراكض لاهية على مقربة منه ، أو بين سيقانه وهي تتضاحك ، دون خوف .
وفكر مرة إن الجميع يخافون الديناصور تي ـ ركس ، لأنه لا يأكل الأعشاب ، بل يأكل لحوم الحيوانات ، وذات يوم ، رأى بقايا غزالة عافها ذئب ، فأقترب منها وتذوقها مترددا ، وسرعان ما لفظ ما تذوقه وكاد يقيء .
وتناهى من بعيد ، صوت أجش قبيح ، انه ربما صوت تي ـ ركس ، وصمتت الأرانب التي حوله ، وتأهب للفرار وقدحت في رأسه الصغير فكرة ، إنهم يخافون الصياح فليجرب إذا ، لن يخسر شيئا .
ورفع الديناصور رأسه ، وصاح بأعلى صوته لكن اﻻرانب التي حوله لم تخف ولم تلذ بالفرار بل إن إحداها تساءلت : ماذا دهاه هذا الديناصور ؟
فرد آخر ضاحكا : لقد فقد عقله ، جن .
وضحكت اﻻرانب وقالت أرنبة عجوز : وهل لديه عقل ليفقده ، انظروا إلى رأسه كم هو صغير .
ازداد صداع رأسه الصغير ، وفقد شهيته للأكل ، فاستدار بتثاقل ، ثم مضى يسير بين الأشجار عائدا إلى الوكر ، رغم أن النهار لم ينتصف بعد .

3
ــــــــــ
في طريقه إلى الوكر ، مرّ الديناصور ذو الرأس الصغير ، بديناصورة فتية في عمره ، ترعى العشب من مرج بين اﻻشجار ، لم ينتبه إليها ، فرفعت رأسها الصغير إليه وهتفت : طاب يومك .
وتوقف الديناصور ذو الرأس الصغير ، وتطلع إليها دون أن يتفوه بكلمة ، فقالت الديناصورة : العشب هنا ندي ، ولذيذ جدا ، تعال كل معي .
تقدم نحوها بخطوات بطيئة ، لكنه لم يشاركها في قضم العشب ، فقالت له : أراك مهموما ، ما اﻻمر ؟
ورمقها الديناصور بنظرة خاطفة ، ثم قال : ألست مهمومة أنت ؟
فابتسمت الديناصورة ، وقالت : العشب لذيذ والمكان هنا آمن ، وكذلك الجو رائع ، فما الداعي للهم ؟
وبنبرات حزينة ، قال الديناصور ذو الرأس الصغير : ﻻ احد في الغابة كلها يخافني ، كما يخافون بعض الكائنات الأخرى مثل تي ـ ركس .
واقتربت الديناصورة منه ، وقالت : السؤال هو من يحب تي ـ ركس في الغابة ؟
وﻻذ الديناصور ذو الرأس الصغير بالصمت ، فقالت الديناصورة : أنا سعيدة ﻻن أحداً لايخافني ، هذا يعني إننا لسنا أشراراً .
وصمتت لحظة ثم قالت : إننا ديناصورات طيبة ، ومسالمة يحبنا الجميع ، ونعيش في وفاق مع الآخرين ، هذا هو المهم .
وسكتت الديناصورة الفتية ، فاقترب منها الديناصور ذو الرأس الصغير وقال : قلت إن هذا العشب لذيذ.
فابتسمت الديناصورة ، وقالت : نعم ، ومعك سيكون أكثر لذة .
وجنبا إلى جنب ، وفي شعور بالرضا والراحة والسعادة راح الديناصوران الفتيان يقضمان العشب اللذيذ ، دون أن يشعرا بالوقت وهو يمرّ .

البيضة

1
ــــــــــــــ
فرحتْ فرحا شديدا ، حين وضعتْ البيضة ، كيف ﻻ وهي بيضتها الأولى ؟ ولساعات كل يوم ، تجلس قبالة البيضة في العش، وكم تراءى لها ، أن قشر البيضة يتشقق ، وتفقس ، ويخرج منها ديناصور ، يحمل ملامحها ، وما إن يراها حتى يصيح : ماما .
لكن فرحتها هذه لم تدم طويلاً ، إذ فوجئت ذات أمسية ، حين عودتها إلى الوكر ، بعد أن تجولت طويلاً في الغابة ، باختفاء البيضة من العش .
صرخت ، بكت ، ولولت : بيضتي .
لكن ﻻ فائدة ، لقد اختفت البيضة ، ونصحتها ديناصورة عجوز قائلة : اذهبي إلى الملك .
وفغرت فاها الكبير ، وقالت : الملك !
فردت الديناصورة العجوز : نعم الملك تي ـ ركس ، انه .. الملك .
ومضت الديناصورة إلى الملك تي ـ ركس ، وكان يقف بباب وكره ، بجسمه الضخم ، وفمه الكبير المليء بأسنان كالخناجر ، وتوقفت على مسافة آمنة منه ، وقالت : موﻻي الملك .
فنظر إليها تي ـ ركس مقطبا ، دون أن يتفوه بكلمة ، فتابعت الديناصورة قائلة بصوت باكٍ : بيضتي ، اﻻولى والوحيدة ، سرقت من العش .
وﻻذ الملك تي ـ ركس بالصمت لحظة ، ثم قال : عودي إلى وكركِ ، واطمئني ، سأعيد إليك بيضتك .
عادت الديناصورة إلى وكرها دون أن تتوقف دموعها ، وجلست في وكرها تنتظر ، تحلم أن يحقق الملك تي ـ ركس ، القادر على كل شيء في الغابة ، أمنيتها ، ويعيد إليها البيضة المفقودة .

2
ــــــــــ
في صباح اليوم التالي لم تخرج الديناصورة من الوكر ، ظلت تدور قلقة في داخله ، أو تقف بالمدخل متطلعة إلى بعيد ، لعل الملك تي ـ ركس يأتيها ، كما وعدها ببيضتها المسروقة .
وقبيل منتصف النهار ، جاءت ديناصورة من نوعها ، تحمل بيضة قدمتها لها ، وقالت : هذه بيضتك ، أرسلها الملك تي ـ ركس .
وأخذت الديناصورة البيضة متلهفة ، فرحة ، وهي تقول : شكرا للملك تي ـ ركس ، لقد أعاد لي حياتي .
ووضعت البيضة في العش ، دون أن تدقق فيها ، أو تفكر ما إذا كانت بيضتها أم ﻻ ، حقا إن رأسها صغير ، ومخها أيضاً صغير .
وخوفا من أن تسرق البيضة ثانية ، فقد حرصت أن ﻻ تبتعد كثيرا عن الوكر ، حتى إذا ألحّ عليها الجوع ، تخرج لفترة قصيرة ، وﻻ تبتعد عن الوكر ، مهما كان العشب قليلاً أو رديئا .
وعادت إليها أحلامها اﻻولى ، بأن تفقس هذه البيضة الوحيدة ، ويخرج منها ديناصور صغير ، يحمل ملامحها المميزة ، وحتى رأسها الصغير ، وما إن يخرج من البيضة ، وحتى قبل أن يصيح ماما ، ستأخذه بين يديها وتدلله قائلة : بني .. بني .
وذات ليلة وقد غفت ، بعد أن ظلت ساهرة كعادتها كل ليلة ، سمعت ما يشبه الوصوصة ، يا للحلم ، انه منام ، وما أروعه من منام ، لكن الوصوصة استمرت بل ارتفعت ، ففتحت الديناصورة عينيها ورأت البيضة قد تشققت ، وخرج منها ديناصور صغير ، اتجه نحوها مغمغما ، شاكيا : ماما .. ماما .

3
ــــــــــ
ما إن اطل الفجر ، وحتى قبل أن تشرق الشمس ، أخذت الديناصورة ، الصغير بين يديها وخرجت من الوكر ، وراحت تتمعن فيه جيدا .
ولأنها أم ، وﻻن رأسها صغير جدا ، فإنها لم تلتفت إلى ملامحه جيدا ، بل لقد رأته على صورتها تقريبا ، صحيح انه صغير جدا ، وصحيح إن عينيه كبيرتان بعكس عينيها ، وصحيح إن ظهره خال من الزوائد ، وصحيح ..
مهما يكن فهو صغيرها ، صغيرها هي ، ويكفيها انه يصيح بين فترة وأخرى : ماما .
ومع الأيام ، ومع ما توفر له من طعام ورعاية ، بدأ الديناصور الصغير يكبر ، ويقوى ، وراحت تخرج به أحيانا من الوكر ، فيركض أمامها أو يتقافز فرحا حولها ، وكانت تعجب وتفرح لسرعته في الحركة ، وكانت تقول له : أنت ستكون أسرع ديناصور في الغابة ، وأنت غزال الديناصورات .
وبدأ الديناصور الصغير يلاحظ ، أن أمه تختلف عنه ، وانه يختلف عن الصغار من نوع أمه ، فهو صغير الجسم بعكسهم جميعا .
وذات أمسية ، وكانا يرعيان قرب الجدول ، توقفت أمه وقالت : بني ، لنعد إلى الوكر ، ستغيب الشمس ، ويخيم الظلام على الغابة .
وقال الديناصور الصغير : لاعليكِ ، ليخيم الظلام ، إنني أرى حتى في الليل .
وضحكت أمه ، فصغيرها ذكي ، ذكي جدا ، وهو يحب المزاح ، وفعلاً غابت الشمس ، وزحف الظلام حتى خيم على الغابة .
وتلفتت اﻻم حولها ، وقالت : لو ظهر القمر اﻵن ، لعدنا بسهولة إلى الوكر .
فتقدم الديناصور الصغير منها ، وامسك يدها ، وقال : أنا قمرك ، تعالي معي ، وسأقودك كما لو كنا في النهار إلى الوكر .

4
ـــــــــــ
رغم رأسها الصغير ، تبدو الديناصورة أحيانا ، مستغربة مما تلاحظه على الديناصور الصغير، وما يقوم به من أفعال .
فأكثر من مرة ، ﻻحضت أنه عندما يرى الغزﻻن أو الأرانب ، يتوقف مندهشا ، وكأن في أعماقه تعتمل مشاعر ﻻ يفهمها ، لكنه سرعان ما يسير إلى جانبها ، وأثار لقائه بها ما زالت بادية عليه .
وفي هذا اليوم ، وهما يعودان عصراً إلى الوكر ، وقد آكل كل منهما الكثير من الأعشاب حد التخمة ، رأيا بقايا فريسة مرمية بين الأعشاب .
وتوقف الديناصور الصغير ، واقترب من بقايا الفريسة ، وحدق فيها مليا ، ثم تشمم رائحتها ، ويبدو انه أعجبته ، فانحنى ولمسها بشفتيه .
وتوقفت الديناصورة ذات الرأس الصغير وقد ﻻحضت أن الديناصور الصغير قد تخلف عنها ، والتفتت إلى الوراء ، وبدت مصدومة وقد اتسعت عيناها ، رأت الديناصور الصغير يمد لسانه ، ويتذوق لحم الفريسة ، وقد بدا عليه الارتياح ، فصاحت به : بني ..
وتوقف الديناصور الصغير ، وتراجع إلى الوراء ، فقالت بحزم : تعال .
وأسرع الديناصور الصغير ، ولحق بالديناصورة ذات الرأس الصغير ، فقالت مؤنبة : أنت مثلي ديناصور نباتي ، ماذا كنت تفعل ؟
فرد الديناصور الصغير : تشممتها فقط .
وسارت الديناصورة ذات الرأس الصغير ، وسار الديناصور الصغير إلى جانبها ، فقالت : هذا طعام المتوحشين ، إياك أن تقربه ثانية .

5
ــــــــــ
في تلك الليلة ، وبعد أن استغرقت الديناصورة في نوم عميق ، تسلل الديناصور من الوكر، متجوﻻ بين اﻻشجار القريبة ، دون أن يجد صعوبة في رؤية ما حوله ، فعيناه الكبيرتان بعكس عيني الديناصورة ذات الرأس الصغير ، تمكنه من الرؤية بسهولة في الظلام كالبوم والخفاش .
ولمح من بعيد الديناصورة العجوز تجلس بباب وكرها فاقترب منها وحياها قائلاً : طاب مساؤك .
وحدق الديناصورة العجوز فيه ، وعرفته رغم العتمة التي تضيؤها النجوم ، وقالت آه بني .
وقال الديناصور : أنت لم تنامي حتى اﻻن يا جدة .
وابتسمت الديناصورة العجوز ، وقالت : أنا ديناصورة عجوز ، وقلما أنام .
واقترب الديناصور منها ، محدقاً فيها ملياً ، وقال : أنت تشبهين ماما تماما.
وتطلعت الديناصورة العجوز إليه ، وقالت مبتسمة : هذا أمر طبيعي ، يا بنيّ ، فنحن من نوعية واحدة من الديناصورات .
فقال الديناصور : لكني أنا ﻻ أشبه ماما .
فقالت الديناصورة العجوز : هذا لأنها ليست أمك الحقيقية .
فغر الديناصور الصغير فاه مذهولاً ، وقال: ماذا تقولين ، يا جدة ؟
فقالت الديناصورة العجوز : لقد سُرقت بيضة الديناصورة ، وكانت بيضتها اﻻولى ، وعرضت اﻻمر على الملك تي ـ ركس ، فأرسل لها بيضة ، ويبدو أنها لم تكن بيضتها ، وﻻ بيضة ديناصورة من نوعها ، فجئت أنت من تلك البيضة .
وﻻذ الديناصور الصغير بالصمت وقد بدا حزينا متأثرا ، فقالت الديناصورة العجوز : لكن الحق يقال ، وأنت تعرف هذا ، لقد رعتك كما لو كانت أمك الحقيقية .
وتراجع الديناصور الصغير ، وقال بصوت دامع : أشكرك ، يا جدة ، طابت ليلتك .
واستدار الديناصور الصغير ، ومضى نحو الوكر حزيناً مفكراً ، فقالت له الديناصورة العجوز : رافقتك السلامة ، يا بني .

6
ـــــــــ
سارا صامتين في اليوم التالي ، وهما في طريقهما إلى المروج ، ليأكلا ما كانا يأكلانه كل يوم ، من العشب الذي تجده الديناصورة لذيذا جدا ، وكذلك الديناصور الصغير ، وان كان يحس بفراغ غريب في طبيعة الغذاء الذي يتناوله .
وتوقفت الديناصورة عند مرج معشب بين اﻻشجار ، والتفتت إلى الديناصور الصغير ، وقالت : هذا عشب جيد ، ما رأيك ؟
فرد الديناصور الصغير ، وهو يتوقف على مقرب منها : كما تشائين .
فأحنت الديناصورة رأسها الصغير ، وأخذت تقضم اﻻعشاب الندية اللذيذة ، وقالت : فلنأكل هنا قليلاً ، ثم ننتقل إلى مكان آخر .
وأحنى الديناصور الصغير رأسه ، واخذ يقضم اﻻعشاب بدون شهية ، وانتبه بعد حين إلى ديناصور يتطلع إليه من بين اﻻشجار ، فدقق فيه النظر مذهولاً ، انه هزيل ، صغير الجسم ، عيناه كبيرتان مثل عينيه ، آه انه ديناصور من نوعه تماماً ، وهذه أول مرة يرى ديناصورا من هذا النوع .
وأشار له الديناصور أن تعال ، فالتفت إلى الديناصورة ذات الرأس الصغير ورآها منهمكة كعادتها في قضم العشب ، فتسلل بهدوء ، ومضى مسرعاً نحو الديناصور الذي يشبهه تماما .
وقال الديناصور الغريب : أراك ترعى مع هذه الديناصورة .
فرد الديناصور الصغير قائلا : لأنها ماما .
فقال الديناصور الغريب : أنت تسخر مني ، هذه الديناصورة ليست من نوعنا.
وصمت لحظة وقال : تعال نرعى أنا وأنت فقط ، فقد نجد شيئا دسما نأكله .
وﻻذ الديناصور الصغير بالصمت ، فهو لم يفهم ماذا يعني هذا الديناصور بكلمة دسم ، ثم قال : ليس اليوم ، تعال غدا ، وسنذهب حيث تريد .
وانطلق الديناصور الغريب مسرعا ، وهو يقول : حسن سأنتظرك غدا .

7
ـــــــــ
تعمد الديناصور الصغير أن يأتي مع الديناصورة ذات الرأس الصغير إلى نفس المرج ، الذي رأى بين أشجاره الديناصور الذي من نوعه .
كما تعمد ، أن يبتعد عن الديناصورة ، ذات الرأس الصغير ، ويقف على مقربة من اﻷشجار ، التي رأى فيها ذلك الديناصور صباح البارحة .
وعند الضحى ، برز الديناصور الغريب من بين اﻷشجار ، ولوح للديناصور الصغير ، ثم أشار له خفية أن تعال .
والتفت الديناصور الصغير إلى الديناصورة ، ذات الرأس الصغير ، فرآها منهمكة في قضم اﻷعشاب ، فتسلل بسرعة إلى الديناصور الغريب ، وقال له بصوت خافت : لنلهُ في الجوار .
فقال الديناصور الغريب : كلا لقد اصطدت غزالا ، وخبأته بين اﻷعشاب ، تعال لنتمتع بأكله معا .
لكن الديناصور الصغير لم يتحرك من مكانه ، وقال مترددا : نأكل غزالا ! ماذا تقول ؟ إنني لم آكل غير العشب حتى اﻵن .
فدفعه الديناصور الصغير برفق ، وقال : وستبقى تأكل العشب حتى النهاية ، إذا بقيت مع تلك الديناصورة العشبية ، صغيرة الرأس والدماغ .
والتفت الديناصور الصغير ، إلى الديناصورة ذات الرأس الصغير ، وشعر رغم كل شيء ، أنه يحبها ، ولا يريد الافتراق عنها ، فدفعه الديناصور الغريب ثانية ، وقال : تعال ، جرب الغزال ، وستعرف الحقيقة .
فقال الديناصور الصغير ، وهو يسير وراء الديناصور الغريب : فلنجرب ، هيا .

8
ـــــــ
عند منتصف النهار ، توقفت الديناصورة عن قضم اﻷعشاب ، ورفعت رأسها تتفقد الديناصور الصغير ، وتلفتت حولها مستغربة ، لا أثر له في أي مكان .
ونادته : بنيّ .
لكنه لم يرد عليها ، وكيف يرد وهو لم يسمعها ، فصاحت ثانية بصوت أعلى : بني .. بني .
وداخلها شيء من القلق ، حين لم يرد عليها ، وفكرت ، رغم رأسها الصغير ، هذه ليست عادته ، ترى أين يمكن أن يكون قد ذهب ؟ الوكر ؟ الجدول ؟ لم يذهب من قبل إلى الجدول إلا وأنا معه .
وتناهت إليها حركة ، وهمهمة من وراء اﻷشجار ، فتقدمت ببطء ، وحاولت أن تخفف من وطء أقدامها الثقيلة ، وتوقفت وراء إحدى اﻷشجار ، وأزاحت بعض اﻷغصان ، ونظرت إلى مصدر الصوت ، و .. وكاد يغمى عليها .
رأت الديناصور الصغير ، ينهش بقايا غزال مع ديناصور من نوعه ، كأيّ ديناصور متوحش قاتل ، سفاك للدماء ، معروفة في الغابة .
وبدون إرادتها شهقت شهقة قوية ، فرفع الديناصور الصغير رأسه ، وجمد إذ رأى الديناصورة ، ذات الرأس الصغير ، تنظر إليه ، وقد اتسعت عيناها الصغيرتان دهشة ورعباً ، فصاح بصورة لا إرادية : ماما .
وانسحبت الديناصورة ، ومضت مبتعدة وهي تقول : لست أمك ، أنت وحش ، وحش ، وحش .

9
ـــــــــــ
حام الديناصور الصغير حول الوكر ، منذ المساء ، لكنه لم يجرؤ على الدخول ، فالديناصورة غاضبة بشدة منه ، وهي تعتبره وحشا ، فماذا يقول لها ؟
ووجد نفسه يتجه إلى وكر الديناصورة العجوز ، ورآها تجلس في نفس المكان ، الذي كانت تجلس فيه ليلة البارحة ، وما إن رأته يقبل عليها محبطا ، وحزينا ، حتى قالت له : تعال ، أراك اليوم مهموما .
وتوقف على مقربة منها ، وقال : ماما غاضبة مني .
وحدقت الديناصورة العجوز فيه ، وقالت : أنت تعرفها جيداً ، وأنا أعرفها أيضاً ، إنها ديناصورة طيبة ، فما الذي أغضبها منك ؟
فقال الديناصور الصغير بصوت حزين مذنب : رأتني آكل لحم غزال .
ولاذت الديناصورة بالصمت لحظة ، ثم قالت : عليها أن تعرف ، أن هذا حقك ، فأنت ديناصور عشبي ولحمي ، وأنا وهي من الديناصورات العشبية ، وهناك ديناصورات لحمية فقط ، ليس من حقنا أن نلوم أحداً على ممارسته لحقوقه .
وصمت مرة أخرى ، ثم قالت : اذهب ، يا بني ، وعش حياتك على ما أنت عليه ، إنها تحبك وستفهم هذا يوما ما ، فقط أعطها فرصة .
وتطلع الديناصور الصغير إليها ، ثم قال : أشكرك ، تصبحين على خير .
واستدار ، ومضى مبتعدا ، فقالت الديناصورة العجوز : رافقتك السلامة ، يا بني .

شاهد أيضاً

حوارات مع أديب الأطفال المبدع الكبير “طلال حسن” (1)

إشارة: بين وقت وآخر يتحفنا المبدع الكبير “طلال حسن” بنتاج إبداعي جديد في مجال أدب …

النملة ورفيقتها
قصة للأطفال
بقلم د ميسون حنا

قالت نملة لرفيقتها : منذ الصباح ونحن نجوب أرجاء هذا البيت ولا نعثر على شيء …

طلال حسن: إنسان دلمون (إلى الأديب خزعل الماجدي)
(مسرحية للفتيان)

شخصيات المسرحية ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1 ـ كنكالا 2 ـ ليم 3 ـ أم ليم 4 ـ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *