جابر خليفة جابر: نافذةٌ على الفاو الأولى: قراءةٌ في “قصص عابرة” للأستاذ عبد الله طاهر

حضور المؤلف
يتناول هذا الكتاب القصصي بصفحاته السبعين وبكل قصصه أو نصوصه الستة مشاهد سردية مجتزأةً لمدينة الفاو ووصفاً فنيّاً متفرداً لبيئتها وحالات أهلها ومجتمعها، وهي المدينة التي ولد المؤلف وعاش طفولته وشبابه فيها، لذا لابد من أن أزيح تنظيرات (موت المؤلف) جانباً بل وأركلها لكي أخرج بقراءة أكثر قرباً وأعمق من مجرد الاكتفاء بملاحظات النقد التقليدي وأحكامه على النص، ولأنني من الفاو الأولى أيضاً وجار للكاتب فسأتحدث قليلاً عنه وعن مدينتنا معاً، المدينة التي قلت عنها في مفتتح كتابي ( الفاو تحتضر):
مصابٌ بداء النسيان أنا
فالمدينة التي أحب
تملأُ الذاكرة
فمن لا يعرف عبد الله طاهر أو لم يقرأ عن المدينة التي كتب عنها بعد أن هُجّر منها أهلها تحت ضغط الحرب، ومن لا يدرك ما تعنيه مدينته الفاو له ولأهلها لا يمكنه أن يقرأ هذا الكتاب كما تنبغي القراءة وسيفوته من المتعة الكثير، فقد يستمتع قارئ ما برواية الزنبقة السوداء وأحداثها بعيداً عن حياة مؤلفها الكاتب الفرنسي الكسندر دوما، لكنه سيستمتع بلمسات السرد وإشاراته الخفية لو أطلع على سيرة المؤلف وحاول قراءة الرواية بملاحظة سيرته والاستنتاج من دلالاتها، ومنها – مثالاً – سر اختياره اللون الأسود للزنبقة بدلاً عن غيره، إذ ليس من المعتاد أن تكون الزهرة سوداء وليس من المألوف أن يكون الأسود هو القمة والأجمل والأندر بين الألوان، وسيتعرف على العلاقة الحية بين التميّز الغريب المختلف للزنبقة السوداء الجميلة التي كاد أن يضحي زارعها بحياته من أجلها، وبين جمال اللون الأسود في حياة المؤلف الكسندر دوما، وسيندهش لو عرف أن سبب اختيار هذا اللون هو حب الكاتب وشغفه بجدته السمراء حتى أنه حمل اسمها دوما بدلاً عن اسم أسرته أو أبيه!
ومن يشتغل وفقاً لنظرية موت المؤلف من دارسي الموسيقى ونقادها سيقف عاجزاً عن معرفة الدوافع النفسية التي جعلت موزارت يؤلف أوبرا لوفيغارو، ولو درس حياة موزارت ومعاناته مع موسيقار البلاط النمساوي ساليري لعرف أنه إنما اختار مسرحية بومارشيه هذه ليرد على اضطهاد ساليري له، إذ تقوم هذه المسرحية والأوبرا على دراما تفوق الشاب الذكي اللماح وتمرده على الكونت أو النبيل الغبي متبلد الإحساس، وهذا ما حدث تقريباً بين موزرات وساليري كما تقول قصة بوشكين الشهيرة عنهما.
كما سيخفى على الباحث في علم النفس – إن لم يدرس حياة فرويد – السبب الذي حال دون أن يحلل فرويد أو يكتب عن عقدة قتل الابن أو عقدة قتل التلميذ كما كتب عن عقدة قتل الأب( عقدة أوديب) ولو درس سيرته لوجد فرويد شخصياً مصاب بعقدة قتل الابن إذ مارس هو بذاته الاضطهاد والإقصاء النفسي ضد تلميذه المبدع كارل يونغ، لذا تجنّب – وكأنه يحاول إخفاء علته- أن يكتب عن عقدته هو ومرضه!

الفاو الأولى
على امتداد المتن وعبر أربعة نصوص نرى الفاو الأولى ( الخضراء الهادئة الجميلة ببيئتها وأهلها المعروفين حد الشهرة بالطيبة وحلاوة المعشر) حاضرة عبر مشاهد سرد مجتزأة بذكاء وعناية من جماليات واقعها، الفاو قبل سنة 1980، قبل الحرب، وحتى في النصين الأخيرين نراها ( نرى الفاو الأولى) وأن حضرت الفاو الأخرى، فاو الحرب والقصف وساحة المعارك الدموية المدمرة فإنما تحضر للمقارنة، إذ أن هذا الاستحضار الفني الجميل والمتميز للفاو الأولى يقابله إقصاء للفاو التي تلتها، الفاو الحالية، فاو ما بعد الحرب، ومن الواضح لقارئ هذا الكتاب(قصص عابرة) أن المؤلف قد ينسى أي شيء إلا تفاصيل الحياة العجيبة والمدهشة في الفاو الأولى والتي يصفها ويستذكرها بدقة فريدة وجمال سرد أخّاذ.
وهذا كما أعرف وعن تجربة هو حال كل أولاد هذه المدينة، فهم ومنهم المؤلف ما زالوا وإلى الآن مرتبطين بحبل سري غامض يشدهم إليها مهما تباعد بهم الزمان أو أقصتهم الجغرافيا والحدود والجوازات عنها.
خلال الخمسين عاماً الماضية لم ألتق عبدالله طاهر إلا مرة أو مرتين وكان اللقاء عابراً وتضمن حديثاً لدقائق لا أكثر فهو مختار للعزلة بعيد عن الظهور والأضواء تماما كما تبدو شخصياته في هذا الكتاب منعزلة أو معتزلة لكنها ذات نظر حاد وثاقب يتصل بالخارج ليراه وينتمي إليه من دون الدخول في معمعته، لون قاتم من الاغتراب الحاد وكأن كل ما جاء بعد اغتيال الفاو الأولى لا يستحق الانتماء.
سكنت أسرة عبد الله طاهر في شارع بيت محمد حاجي الملاصق لشارعنا( شارع حجي علي القصاب)في حوز السوق ( كل منطقة بين نهرين يتفرعان من شط العرب تسمى بالحوز) وحوز السوق هو مركز مدينة الفاو، وبيوت الفاو عادة لها أبواب خلفية توصلها بجيرانها مثلما لها أبواب أمامية وهذا كما أرى انعكاس للألفة المحببة وطيبة الناس هناك وحبهم لبعضهم، وليس غريباً أن تجد أهل الفاو الأولى وإن كانوا متفرقين بعيداً عنها مازالوا يحنون لبعضهم ولها أولاً ويتواصلون بمحبة كما لو كانوا من أسرة واحدة، لكن المؤلف وإن اعتزل التواصل منذ أن فقد مدينته على الأرض لكنه انحنى ليحتضن ذكرياتها من دون الاهتمام بإي تواصل وأجاد في الاتصال عبر قصصه، وأتذكر أن والد المؤلف العم أحمد كان موظفاً في محطة الطاقة ( الباور هاوس) وبسبب هدير مكائن الكهرباء العالية فقد كان يتواصل مع زملائه في محطة الطاقة بالصفير حسب ما أخبرني يوما زميلي في الدراسة الطبيب البيطري عبد الحسن أحمد وهو الأخ الأصغر للمؤلف، وأرى أن عبدالله هنا في كتابه هذا إنما يلفت انتباهنا بصفيره القصصي الحاد كما كان يفعل والده في الباور هاوس!
وقد حظي عبد الله بميزة أنه عاش في بيت يضم كاتباً معروفاً هو القاص عبد الحسين العامر( أحد أعضاء الجماعة القصصية البصرية المعروفة ب جماعة 12 قصة) وطبعاً يضم مكتبة ولعل أغلب بيوت الفاو هكذا، لكن الشخصية الأدبية الأكثر تأثيراً على عبدالله طاهر كما أظن هو زوج أخته المثقف الكبير والمعلم المربي للعديد من الأدباء ومنهم أنا أستاذنا الراحل صالح حبيب مكي رحمه الله.

غلاف الكتاب وعنوانه
بعيون غاطسة بزرقة معتمة وثخينة، عيون شتى، حادة متوترة وعيون مطفأة مطموسة الملامح أو مندهشة أو غاضبة، يواجهك غلاف الكتاب القصصي
( قصص عابرة) ويثير في المشاهد/ القارئ شعوراً خانقاً يوحي بالرهبة والخوف والقلق والانقباض، وقد تهرب عيناك عنه إلى العنوان الحاد الأحمر أو إلى اسم المؤلف المصبوغ بالزرقة القاتمة ذاتها سعياً للتخلص من تلك الخلفية المعتمة وعيونها ولكنها تشدك إليها وكأنها تلتهمك أو تغرقك في زرقتها المختلفة عن تلك الزرقة الصافية الهادئة لسماء الفاو وعن زرقة شط العرب الرقراقة الوديعة.
هذه الزرقة المتكدرة كما لو أنها روح ما مهمومة ومغمومة تسربت من نصوص الكتاب الستة وطفت على السطح لتشكل خلفية للكتاب مختلفة بما توحيه عن روح العنوان الذي تجده محايداً ومستريحاً، مما يعني أن هناك ما يخفيه المؤلف باختياره لهذا العنوان وستكتشف وأنت تتوغل بالقراءة أنه يستدرجك من خلال المعنى الظاهر واسترخاء عنوانه إلى غموض المشهد القصصي واحتداماته.

المتن ونصوصه
باستثناء ما يقوله العنوان( قصص عابرة) فإن المؤلف لم يجنّس عمله، ولا أدري إن كان المؤلف قد اكتفى بالعنوان ليشير إلى جنس الكتاب أم أن إغفال التجنيس كان مقصوداً ليقول لنا أنه هنا لم يقدم مجموعة قصص متفرقة وإنما كتاباً يضم باقة من القصص المشتركة بموضوع واحد هو الفاو.
وبغض عن التساؤل هنا فإن وحدة موضوع النصوص القصصية الستة وتآلفها لتقدم صورة جامعة عما أريد تقديمه يقترب بهذا العمل إلى جنس أو صفة الكتاب القصصي أكثر من صفة المجموعة القصصية، كل قصة أو نص هنا تقدم مشهداً ما مستقلا من جانب ومتكامل مع ما تقدمه النصوص الخمسة الأخرى من مشاهد لترينا بجميعها لوحة كاملة عن الفاو الأولى الحاضرة الغائبة وعن مآلها حالياً..
ويلاحظ القارئ أن العين الناظرة عبر جدار عازل، وتحديداً عبر نافذة هي المشترك الأول والمهيمن على كل الكتاب وأرى أن مصمم الغلاف كان قارئاً جيداً للكتاب حين رسم كل تلك العيون الغارقة في العتمة.
وقد وردت مفردة النافذة في النص الأول (حلم سمكة) ثلاث عشرة مرة، وكانت الجملة الأخيرة فيه:
– أريد أن ألحقَ بالمد …
وأغلق نافذة الحجرة. ص13
كما وردت النافذة في النص الأخير( البهو) اثنتا عشرة مرة، ونجد أن النافذة قد حضرت عند نهايته ونهاية الكتاب لكنها هنا فتحت بدلاً عن الإغلاق! بل أنها فتحت بطريقة الإشراع :
(( أشرعت ( امرأة العم) النافذة. تطلعت إلى الأعلي. إلى سياج البيت المجاور، فرأت …… طفلاً يحث الحمام على الطيران … ص 77))
مقابل الإغلاق في النص الأول ليس الفتح في آخر الكتاب وإنما الإشراع !
وهنا يقودنا الفعل أشرعت إلى البحر والأشرعة ومن ثم الطيران وكل هذا إنما للتحرر من سطوة واقع خانق فرضه فقدان الأم وحضنها الدافئ، الأم المدينة، المدينة الفاو، ولو عدنا إلى نهاية النص الأول لوجدنا أن سبب إغلاق النافذة إنما لكي الصبي يلحق بالمد، وهي عبارة قد لا يدركها غير البصريين وخاصة الصبية في الفاو، إذ ينتظرون بفارغ الصبر ارتفاع منسوب المياه عند حلول المد ليقفزوا في الأنهار الفرعية التي تفصل بين حوز وحوز وما أكثرها في الفاو فهي بالعشرات وربما أكثر، إذ تحلو السباحة في تلك المياه العذبة المتدفقة خاصة في الأيام الحارة وحتى المعتدلة. وعبارة ( أريد أن ألحق بالمد) لا تختلف بمدلولاتها عن فعل الطيران في النص الأخير وكأن الصبي الآخر قد أطلق الطيور هي الأخرى لتذهب إلى هناك حيث المد الجميل.
وإذا جئنا للنص الرابع (البتول) والذي لم ترد فيه كلمة نافذة إطلاقاً سنجد أن بديلاً واضحاً تسيد النص كله عوضاً عن تقنية النافذة وهو أن المغني الأعمى في حفل النسوة كان ينظر للحفل وللنسوة وما يجري من حوله من خلال نافذة أخرى وهي عين الصغيرة التي ترافقه فقد أدت الطفلة هنا دور النافذة بينما مثل عمى المغني الجدار العازل بينه كرجل وحيد وبين محيطه النسوي المختلف عنه، وهكذا النوافذ وخرم المفاتيح في النصوص الخمسة المتبقية نجدها تفصل بين ناظر ومنظور مختلفين. هما في النص الأول الصبي البرئ المولع بجمع الأسماك والحيوانات في حجرته وبين الرجل الذي نلتقط إشارة خفيفة عن سوء نيته تجاه الصبي، وفي النص الثاني ( الضرة) يفصل خرم المفتاح بين ناظرة محرومة تحاصرها الرغبة والوحدة وبين مشهد ينعم به غيرها من الاتصال والاحتدام. ودائماً نجد هذا الاختلاف بين العين المراقِبة وبين المشهد المُراقَب يمثل اختلاف المفرد المحاط بعازل ما وبين الجماعة المنفتحة على فضاءاتها.
لقد تكررت مفردة النافذة التي وردت لوحدها أكثر من (40) مرة بالإضافة إلى العشرات مما يشاكلها ويؤدي دورها من مفردات كالمفتاح وخرم المفتاح والقفل والباب الخلفي أو عين الصغيرة المرافقة للأعمى، وكأن الكتاب يقول لنا أن عنوانه الحقيقي المتخفي هو ( النافذة ) لكنه اتخذ من ( قصص عابرة) رداء خفيفا أو قناعاً ليس غير.
إن أول قاص من البصرة – حسب معرفتي – استخدم تقنية السرد عبر عين محاصرة بعازل أو مانع ما وتراقب المشهد المفتوح من النافذة هو أستاذنا الراحل محمود عبد الوهاب في قصته المعروفة والمتميزة فنياً (الشباك والساحة) حيث يراقبُ صبي مشلولٌ ساحة المدرسة من شباك غرفته، ثم كتب أستاذنا الكبير محمد خضير قصته الرائعة ( نافذة على الساحة) لشاب ضيف قادم للاستدانة فيبقى لعدة أيام شبه مسجون في حجرة طينية ومنها يراقب ويتابع ما يجري في الساحة خارج النافذة، وتلاهما فيما بعد القاص البصري محمد سهيل أحمد بقصته ( العين والشباك)، ولكن استخدام عبدالله طاهر لتقنية النافذة تميزت عن سابقيه من الأساتذة بأنها تمددت وغطّت مساحة الكتاب كله من جهة، وكانت مخفية إلى حد ما من جهة أخرى، مما جعل تقنيته أكثر حداثة وخصوصية.
إن سر اهتمام العديد من مبدعي القصة القصيرة في البصرة بتقنية النافذة موضوع يحتاج إلى دراسة نقدية جادة آمل أن يتصدى لها النقاد المختصون بدلاً من الغرق في قراءة تفاصيل العمل الواحد بمعزل عن سياقاته وتموضعه المناطقي أو الجيلي، ودراسة الظواهر والملامح العامة في النشاط الإبداعي هي المهمة الأولى للناقد المعرفي المبدع.
يتسم الكتاب بموضوع مشترك آخر وهو تناوله لبيئة ومجتمع الفاو عبر عرضه فنياً لمشاهد من الحياة هناك وقد تخصصت النصوص الأربعة الأولى ( حلم سمكة/ الضرّة/ تل اللذة/ البتول) بالفاو الأولى قبل وقوع الحرب بينما تناول النص الخامس( السجادة) زمناً آخر هو زمان الفاو بعد انتهاء الحرب ومحاولة بعضهم العودة فاصطدموا بتغيير طبوغرافية المكان وتغيره جذرياً عما سبق فبدل المد والأنهار الطافحة بالمياه نجد نهراً يابساً متشقق الأرضية تعشش في تربته الديدان بدلاً عن الأسماك ونجد أن الحر غدا في الفاو لا يطاق كما قال الجندي: كيف تقضون الصيف هنا؟! لا فرق بين هذه البلدة وجهنم (ص 56 ) بينما في النص الثاني ( الضرّة) نجد أن الحاج يحكي لزوجاته عن حر مكة الذي لا يطاق !
ويتناول النص السادس مشهداً أو مقطعاً من حياة أسرة فاوية في البصرة بعد أن هجرت من الفاو، والجميل هو تلك الإشارة الموحية والتي لا ينتبه لها من لا يتعرف على طبيعة البيئة في الفاو وفي المسكن الجديد، إذ اختارت الأسرة السكن في ( كردلان) وهي قرية على الضفاف الشرقية لشط العرب مقابل منطقة العشار وبيئتها مماثلة لبيئة الفاو المائية الخضراء وعادات أهلها لها تماثل كبير مع عادات الفاويين.
وهذه الإشارة تعني فيما تعنيه تعلق الفاوي المهجر بكل ما يشابه الفاو وكأنه يتشبث وبكل قوته بما يربطه بها.
وفي النصين الخامس والسادس هناك محاولتان للعودة الأولى في نص ( السجادة) حيث تمت العودة فعلاً مع المفاجأة وهول الصدمة بالاختلاف، ومحاولة ثانية في نص (البهو) إذ نجد الرغبة القوية بالعودة والاشتياق لكنها لم تتحقق بعد ربما لغياب الرجل هنا، الزوج الجندي الذي لم يعد حتى لحظة انطلاق الحمائم، بينما كان الزوج الشاب موجوداً في النص الخامس.
أليست الحرب هنا هي السبب الواضح للحيلولة بين المهجّرين وبين مدينتهم؟ هكذا تقول الإشارة الخفية بالغة الذكاء، غياب الجندي بسبب الحرب عطل العودة! ولكن حتى لو عاد فالنتيجة معروفة سيصطدمون بالتغيير المدمر، مدينة كاملة اختفت ولم يتبق منها إلا ما هو مرتكز ومتعشّق بذاكرة ابنائها..
ومن ميزات هذا الكتاب غلبة الوصف عليه، إذ يحتل الوصف أغلب مساحة النصوص ويمتاز بدقته العجيبة ( لاحظ النص الأول كمثال ص 5 وما بعدها) ويمتاز أيضاً بغرائبيته مثلاً ( لمن يقضي حاجته في الثقب الإسمنتي ذي الفضلات البشرية الجافة كقشرة الرمان ص 58) غريب جدا أن توصف الفضلات بقشور الرمان الجافة !
أو ( ساحت السنوات كزلال من بيضة مفطورة. وظلت لزجة، رجراجة لهذا اليوم/ ص 53) نلاحظ غرابة وصف مرور السنوات بسيحان الزلال من فطر البيضة!
أو كقوله( نشأ بيت العائد محمولاً كهودج على بخار/ ص 54).
ويحتل الخيال مساحة في الكتاب إنما بحيز أقل من الوصف بينما لا تشغل حركة السرد إلا مساحة محدودة ومع هذا فإن جمال الوصف وامتزاجه بالخيال يجعل النص مفعما بالحياة والحركة وإن افتقرت النصوص إلى متن حكائي متكامل وقلت نسبة السرد فيه.
تحية لهذا القاص البارع ولمدينته الجميلة المفتقدة أو الشهيدة والتي أجاد رسمها وبيان الارتباط الحميمي بها عبر هذا الكتاب القصصي المتميز.

شاهد أيضاً

“مسدس صغير” مجموعة قصصية جديدة للمبدع “حنون مجيد”

عن دار امل الجديدة بدمشق صدر للروائي حنون مجيد كتاب (مسدس صغير) يقع في 147 …

إصدار جديد للباحث الدكتور عصام كوسى

صدر عن الهيئة العامة للكتاب ــ وزارة الثقافة السورية ــ بدمشق ضمن سلسلة قضايا لغوية …

د. فالح نصيف الحجية الكيلاني: مؤلفاتي المنشورة ورقيا او الكترونيا او المتعاقد على طبعها ونشرها ورقيا
(الشـــعـرالعــربـــي بـيـن الحــــداثـــة والـمـعــــاصــــرة)

إشارة : أمام هذا النشاط الدؤوب والعطاء الإبداعي الغزير والثر للمبدع الشاعر والناقد والباحث العراقي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *